لقطة جوية لكنيسة في الكحالة احتضنت جنازة شاب سقط في المواجهات مع حزب الله
لقطة جوية لكنيسة في الكحالة احتضنت جنازة شاب سقط في المواجهات مع حزب الله

شكلت الأحداث الأمنية التي شهدها لبنان، الخميس، الموافق 10 أغسطس، في بلدة الكحالة، لحظة مفصلية في الواقع السياسي اللبناني، كادت أن تودي بالبلاد إلى مواجهات أهلية – طائفية، في ظل شلل سياسي تام ناتج عن انقسام وفرز حاد في البلاد بين مكوناته السياسية والطائفية.  

إلى جانب مشهد الاشتباكات، وسقوط القتلى والتحريض المتبادل الذي أعقب الإشكال ما بين عناصر "حزب الله" وأهالي بلدة الكحالة ذات الأغلبية المسيحية، على خلفية سقوط شاحنة للميليشيا الشيعية محملة بالأسلحة والذخائر على الطريق الرئيسي في البلدة، ومحاولة أهالي البلدة تبيان ما بداخلها، كان مشهد سقوط ما يسمى بـ "الغطاء المسيحي" عن "حزب الله" أبرز ما بدا واضحا جليا في تلك الأحداث.  

ويعبر مصطلح "الغطاء المسيحي" في القاموس السياسي اللبناني عن تحالفات "حزب الله" مع الأحزاب المسيحية، وعلى رأسها "التيار الوطني الحر"، الذي أسسه ميشال عون، ويرأسه، جبران باسيل، والتي يستمد منها "شرعية وطنية" لتواجده كميليشيا مسلحة في لبنان، تحت مسمى "المقاومة". 

برزت أهمية هذا "الغطاء" بالنسبة للحزب في إبعاد الصبغة المذهبية عن تواجده المسلح وإعطائه بعدا وطنيا، لا سيما حين كان يخوض اشتباكا سياسيا وعسكريا مع البيئات الأخرى، بالأخص السنّة في لبنان، ولاحقا في سوريا.  

وكانت أبرز مفاعيل التقارب مع البيئة المسيحية في "اتفاق مار مخايل"، عام 2006، وهو تفاهم سياسي بين حزب الله والتيار الوطني الحر، الذي كان الحزب المسيحي الأكثر انتشارا وتمثيلا في لبنان في ذلك الحين.  

خدم هذا "الغطاء" مصالح حزب الله على مدى ما يقارب 17 عاما، تخللها حرب مع إسرائيل، عام 2006، وحرب في الداخل (7 أيار)، انتهاء بحرب خارجية في سوريا حوّل خلالها حزب الله لبنان إلى قاعدة خلفية له.  

عناصر أمن لبنانيون وبعض أهالي قرية الكحالة في موقع الحادث.

انكشاف "الغطاء" 

بدأت أولى مظاهر انكشاف "الغطاء المسيحي" بعد الانهيار المالي والانتفاضة الشعبية التي شهدها لبنان، أواخر عام 2019، حيث عبّر المجتمع المسيحي، على وجه الخصوص، عن نقمة عارمة على الصيغة القائمة في الحكم، والأثمان التي دفعها لبنان من علاقاته الدولية والعربية واقتصاده وأمنه نتيجة خيارات "حزب الله" المحلية والإقليمية، التي تحقق المصالح الإيرانية حصرا.  

تصاعدت النقمة أكثر بعد الدور الذي لعبه "حزب الله" في قمع الاحتجاجات من جهة، وعدم تقديم تنازلات سياسية من جهة أخرى لصالح حليفه الذي كان على رأس الحكم مع عهد رئيس الجمهورية وقتها، ميشال عون.  

وجاء انفجار مرفأ بيروت، عام 2020، ليفجر العلاقة بين حزب الله والبيئة الشعبية المسيحية، الأكثر تضررا من الانفجار، حيث رأت بأشكال متعددة مسؤولية على "حزب الله" فيما جرى، سواء فيما يخص فرضية استفادة الحزب من تخزين نيترات الأمونيوم لاستخدامها في سوريا، التي لا تزال رائجة في لبنان، أو لدور الحزب في عرقلة التحقيقات بالانفجار فيما بعد، للتغطية على مسؤولية شخصيات سياسية حليفة له، أو محسوبة عليه، في وقوع الانفجار.  

وكانت "أحداث الطيونة"، التي شهدها لبنان عام 2021، أول ترجمة فعلية للتصادم بين البيئة المسيحية و"حزب الله"، على خلفية التحقيقات في انفجار المرفأ، إذ تخللتها اشتباكات مسلحة أودت بضحايا من الطرفين.  

إلا أن اللافت في أحداث الكحالة الأخيرة، كان عدم قدرة "التيار الوطني الحر" على تغطية سلوك حزب الله، واستباحته للأراضي اللبنانية في سبيل أهدافه العسكرية، خاصة في ظل النقمة الشعبية الكبيرة على الساحة المسيحية، وأضراره لمجاراة هذا التوجه الشعبي، من خلال تصريحات لاذعة لمسؤولين فيه عالية اللهجة تجاه "حزب الله".  

ومن تصريح النائب عن التيار الوطني الحر، سيزار أبي خليل، الذي كذّب فيه رواية حزب الله لما جرى، واعتبره "مجاف للحقيقة"، إلى تصريح جبران باسيل الذي اعتبر بمثابة إعلان عن غياب "الغطاء المسيحي" تماما، ودعوة لحزب الله لتقديم تنازلات مقابل استعادته.  

وقال باسيل في معرض تعليقه على أحداث الكحالة إن ما جرى "له دلالته الكبيرة بأنّ هناك أماكن ومواقع وشعبا عصيّا على أي إساءة، ويدل على أهمية أن تكون المقاومة (حزب الله) محتضنة من الشعب اللبناني، وإلا تفقد مناعتها وقوّتها، يحمي ظهرها شعب وليس شخص. لا يكفي أن تكون هناك وحدة شيعية، الوحدة الوطنية تبقى أكبر وأكثر مناعة".  

وتابع: "الدلالة كبيرة على أهمية الاستراتيجية الدفاعية الوطنية التي تنظّم موضوع السلاح، كي لا يشعر أحد بخطر منه بأي منطقة في لبنان، الطرقات والتواصل داخل البلد أهم بكثير من المحاور والممرّات والمعابر الخارجية".

أنصار لحزب الله خلال مراسم تشييع أحد عناصره بعد مقتله في حادثة الكحالة

نقمة مسيحية عارمة 

في هذا السياق يرى الكاتب السياسي، منير الربيع، أن ردود الفعل الشعبية والتعليقات التي تلت حادثة الكحالة، توضح بأن الجماعات اللبنانية المختلفة "ما عادت مستعدة للتعايش مع بعضها، وسط تنامي أصوات التقسيم والانفصال والطلاق بينها".  

ويضيف أن الحزب ظهر بعد الحادثة أنه "مكشوف مسيحيا، وهذا يتضح بردة فعل كل القوى السياسية المسيحية، ما سيتسبب بإحراج للتيار الوطني الحرّ الذي كان يسعى إلى إعادة إبرام اتفاق معه". 

هذا الواقع يضع الساحة اللبنانية في حالة جهوزية دائمة للدخول في صراعات واشتباكات ومعارك، بحسب الربيع، الذي يرى أن أخطر ما في ذلك، هو تبدل وجهة الصراع بين الطوائف اللبنانية، "من الصراع السنّي الشيعي سابقا، إلى صراع بين الشيعة والمسيحيين". 

يتفق الربيع في ذلك مع المحلل السياسي المقرب من حزب الله، فيصل عبد الساتر، إلا أن الأخير يرى ذلك من منظور "استهداف حزب الله"، من خلال "استهداف علاقته بالبيئة المسيحية في لبنان، بعدما فشل مشروع استهدافه عبر ضرب علاقته بالبيئة السنية، منذ اغتيال الرئيس السابق، رفيق الحريري، عام 2005".  

ويضيف "الساعون إلى ذلك، يظنون أن فك التحالف، سيكشف حزب الله الذي سيفقد الغطاء المسيحي بعد السني، وبالتالي يصبح وكأنه منغلقا ومحصورا في الساحة الشيعية".

إلا أن الناشط السياسي في "التيار الوطني الحر"، ناجي حايك، يرى من منظور آخر، أنه ما من استهداف مؤامراتي لهذه العلاقة مع حزب الله، وإنما هناك نقمة ناجمة عن تجاوزات حزب الله نفسه، وتعاطيه مع حلفائه المسيحيين والبيئة المسيحية عموما، لا سيما مع تجاهله لمصالح حلفائه ومطالبهم، واقتصار نتائج التحالف والعلاقة معه على الأثمان التي دفعها التيار والمسيحيون دون مقابل.  

ويضيف أن حزب الله فقد الغطاء المسيحي منذ زمن، وفي وقت سابق بكثير لحادثة الكحالة، "يفضل أحيانا عدم الإقرار بذلك، ولكن هذا الواقع".  

ويرى حايك أن ما ضرب عهد عون هو "حزب الله أكثر من أي طرف آخر"، لا سيما في الاستحقاقات السياسية التي أدت في النتيجة إلى عرقلة العمل السياسي، "وإن حاولت قيادة التيار تلطيف هذه الحقيقة، إلا أنها تبقى واضحة جدا".  

في هذا الإطار يتحدث الربيع عن تنامي "معارضة عارمة لحزب الله" في الجو المسيحي، ما من شأنه أن يفرض على التيار الوطني الحرّ "إعادة اعتماد لعبة الطرف الوحيد القادر على تحقيق الأمن والاستقرار وجلب الحماية للمسيحيين من خلال علاقته بالحزب".  

 وهذا ما يؤشر إليه كلام حايك عن أن التفاهم السياسي بين التيار الوطني الحر وحزب الله "ما عاد يعكس المزاج الشعبي على أرض الواقع، ولا الإرادة الشعبية لقواعد التيار الوطني الحر". 

وهذا ناجم عن "تراكمات طيلة السنوات الماضية"، بحسب الناشط في التيار الوطني الحر، وليس وليد إشكال الكحالة أو غيره.  

إنه وقت "التنازل" 

بالنسبة إلى الربيع، فإن حزب الله اليوم يبدو بحاجة إلى "إعادة تشكيل تحالفاته، سواء على الساحة المسيحية، أو الساحات الأخرى". وهو ما قد يترجم كلام باسيل الأخير الموجه للحزب.  

ويضيف الربيع أنه وفي حال عدم حصول ذلك، "قد نشهد تكرار مثل هذه الأحداث في مناطق مختلفة، إما تؤدي في النهاية إلى التسوية وتدفع حزب الله لتقديم التنازل، وإما أن الحالة ستمتد لفترة طويلة". 

في هذا الاطار يرى عبد الساتر أن كلام باسيل، وإن جاء في لحظة حساسة "تساير المزاج الشعبي المسيحي وتثير تساؤلات، إلا أنها، في المضمون، تتناسب مع ما يراه حزب الله لناحية السعي نحو المزيد من التفاهم والتلاصق والتحالف الذي يشكل بالتأكيد قوة له".

ويضيف أن باسيل "مصيب فيما يخص عدم كفاية الوحدة على صعيد الطائفة الشيعية فقط"، مشددا على أن علاقة حزب الله والتيار الوطني الحر هي "أبعد من أن تقف عند التصريحات اللحظية".  

وعن تصريحات نواب التيار التي هاجمت حزب الله يصفها عبد الساتر بـ "الشعبوية وغير المسؤولة، لكونها انجرفت في الخطاب العاطفي الذي يجاري غضب الناس"، مؤكدا أن "حزب الله لا يريد سقوفا مرتفعة ولا تبعاتها وكان ذلك واضحا في بيانه المقتضب واختياره بعناية للمتحدثين في تشييع القصاص، حرصا على ذلك".  

وفيما تأتي هذه التطورات في ظل صراع سياسي على ملء فراغ رئاسة الجمهورية، يرشح فيه حزب الله، سليمان فرنجية، للمنصب، بعكس رغبة باسيل، يبدو أن المنتظر من ناحية حزب الله تقديم تنازلات وتجديد التفاهمات والتحالفات على الساحة المسيحية، التي قد تبدأ من الملف الرئاسي.  

في هذا السياق، يقول الحايك: "على حزب الله ان يعلم أن المسيحيين في لبنان، ليسوا رجاله وأتباعه، بعضهم حليفه والتحالفات تقوم على توازن في العلاقة". 

ويضيف "كنا نراه تحالفا استراتيجيا مع حزب الله، ولكنه في المقابل، كان يرى في أداء المسيحيين تجاهه واجبا عليهم، لا يحتاج مقابلا، فيما الحقيقة ليست كذلك".

وشدد الحايك على أن ما يطلبه المسيحيون في لبنان من حزب الله اليوم "بسيط جدا وليس تعجيزيا، التيار الوطني كان يقف إلى جانبه ويحقق له ما يريد دون أي مقابل سوى الفتات".  

اختلاف جوهري 

بالنسبة إلى حايك فإن الاختلاف ما بين حزب الله والمسيحيين يكمن في التفكير ومقاربة الأمور، حيث أن هناك تباينا جوهريا في الأهداف النهائية لدى الطرفين.  

ينطلق حزب الله دائما من الفكرة الحربية والعسكرية المسخرة لصالح أيديولوجيته وعقيدته، بحسب الحايك، بينما في المقابل، الشارع اللبناني ولا سيما الطوائف الأخرى، "ليست مجبورة بهذه الأيديولوجيا ولا تعني لها شيئا، وليست مستعدة للتضحية من أجل هذه الأفكار والتوجهات".  

ويشدد على أن البيئات الأخرى في لبنان "ما عادت ترى نفسها مثلا معنية بالحرب مع إسرائيل فيما الدول العربية في اتجاه متزايد نحو السلام. ما عاد بإمكان اللبنانيين اليوم حمل وزر القضية الفلسطينية والدخول في مواجهات عسكرية وتهديدات أمنية في سبيل ذلك، ولا قدرة على تحمل التبعات اليوم". 

ويسأل الناشط في التيار الوطني الحر عن رأي حزب الله إن قال له المسيحيون اليوم إن "القسطنطينية لنا ونريد تحريرها، "هل هو مستعد لمجاراة المسيحيين في ذلك؟ بالتأكيد لا، والأمر ذاته في المقابل، لا يمكنه أن يجر جميع اللبنانيين ويوظف مقدراتهم في سبيل عقيدة خاصة به وحده"، مؤكدا أن اعتبارات المقاومة هي بالنسبة إلى حزب الله "ولكنها لا تلزم غيره في لبنان.  

لا يمكن اليوم لحزب الله اأ يستفز بممارساته بقية الأطراف اللبنانية ثم يقول هذه "مقاومة" كلما وقع تصادم معه، بحسب حايك، "هناك مجتمع لا يريد أن تمر ذخيرة وسلاح مع أرضه، منذ مدة أطلق حزب الله النار على آلية للأمم المتحدة وقوات اليونيفيل بحجة أنها مرت على طريق فرعي في مناطقه، واليوم يرفض الاعتراض على مرور شاحنات أسلحته من أراضي غيره؟" .

في المقابل يوضح عبد الساتر أن حزب الله "وإن كان في سعي دائم للحفاظ على تلك التحالفات والتقارب، إلا أن ذلك لا يشكل له هاجسا حول شرعية وجوده كمقاومة".  

يذكّر عبد الساتر أن "حزب الله" انطلق في ثمانينيات القرن الماضي، في ظل انهيار للدولة اللبنانية والأحزاب والعيش المشترك، "ومع ذلك مضى وحقق ما يريده دون أن يعيقه ذلك، رغم خسارته العديد من التحالفات ونقاط القوة والدعم في استحقاقات متعددة". 

مع ذلك يشدد عبد الساتر على وجود حرص من ناحية كل من حزب الله والتيار الوطني الحر، على بقاء التفاهم بينهما، معتبرا أن عوامل اللقاء بينهما أكثر بكثير من عوامل الفرقة، مستشهدا بتصريح ميشال عون "الحكيم والمتزن" بعد أحداث الكحالة كدليل على ذلك، معتبرا أنه لا يمكن استنباط الواقع فقط من "الخطابات الانفعالية والشعبوية في لحظات معينة".   

مراسم تشيع شاب مسيحي قتل خلال اشتباكات الكحالة

المواجهة أو الطلاق  

وفيما يستبعد الجميع حصول مواجهة أهلية واسعة النطاق على خلفية المزاج العام المتشنج، يلفت الربيع إلى أن الاشتباك ما بين المسيحيين وحزب الله يختلف تماما عما سبق وحصل بين حزب الله والبيئة السنية.  

ويعتبر الربيع أن الصراع بين السنة والشيعة "أسهل على حزب الله"، لأسباب عدة، من بينها "استسهال تصوير أي مواجهة له بالإرهاب، إضافة إلى استخدام تحالفه مع جزء من المسيحيين لتصوير الصراع بين أقليات وأكثرية، فضلا عن عدم تواجد رغبة حقيقية أو توجه لدى السنّة للانخراط في القتال وتسليم زمام الأمور للجيش والسلطات اللبنانية".   

وينبه الكاتب السياسي من أن الواقع الحالي مختلف، "لناحية أن غالبية المسيحيين ولا سيما الموارنة، يعتبرون أنفسهم مجتمعا مقاتلا ولديه تجاربه القتالية".  

هذا التوجه ظهر واضحا في الانتشار المسلح وإطلاق النار الكثيف الذي شهدته بلدة الكحالة بالتزامن مع تشييعها، الجمعة، لجثمان، فادي بجاني، الذي قتل بنيران عناصر حزب الله.  

ولكن في الوقت ذاته  لا يعني ذلك أي دعوة للصدام مع حزب الله من ناحية المسيحيين، وفق ما يؤكد حايك، نظرا للتكلفة الباهظة لتوجه كهذا "لا يحتملها أحد".  

وحتى ولو كان هناك توجه لخيار التصادم، ليس لدى المسيحيين واقعيا القدرة العسكرية والعقائدية على مواجهة حزب الله، بحسب حايك، الذي يؤكد أن ان المجتمع المسيحي والسني والدرزي في لبنان ليسوا "موجهين عقائديا ولا يسعون لحروب ومواجهات وإنما يريدون فقط العيش بسلام وراحة أمنية واقتصادية لا أكثر".  

ولكن ذلك لا يعني القبول بالواقع القائم، حيث أن هذا النوع من المشاكل قد يكون مرشحا للتصعيد، بحسب ما يرى الربيع من جهته، وذلك عبر مزيد من مظاهر التحلل والمزيد من الدعوات التي ترفض الصيغة القائمة وتطالب بتغييرها، "وهو أمر لا يمكن حصوله بدون وقوع مواجهة كبرى ظروفها غير متوافرة حتى الآن".  

ويشير حايك إلى أن كثيرين على الساحة المسيحية، باتوا يرون أن الانفصال خيار أفضل، وهو توجه بدأ يتصاعد كمطلب للمسيحيين تترجم تارة من ناحية على شكل مطالبات باللامركزية المالية وأحيان أخرى بالفيدرالية.

ويختتم الناشط السياسي في التيار الوطني الحر بالقول: "في نهاية الأمر، المسيحيون ليسوا مستعدين للاستمرار بدفع أثمان عن خيارات غيرهم التي لا يتخذون فيها أي خيار".

حزب الله

في أقصى الجنوب اللبناني، حيث لا يبدو أن إعادة الإعمار قادرة على إعادة عقارب الدمار إلى الوراء، يبرز السؤال مرة أخرى: من يملك القرار في لبنان فعلا؟ الدولة، أم ميليشيا تعمل بالوكالة داخل الدولة؟

عاد هذا السؤال المزمن إلى الواجهة بعد تأكيد نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله، محمود قماطي، في 3 مايو، مرة أخرى،  رفض الحزب التخلي عن سلاحه لصالح سيادة الدولة.

 "سلاح المقاومة باق ولن يُسلَّم مهما اشتدت الضغوط،" قال قماطي. 

العبارة مألوفة، لكنها تتردد اليوم في لبنان المنهار اقتصاديا، المتعثر سياسيا، والمثقل بتبعات حرب لم يكن حزب الله قادرا على خوضها.

بالنسبة لكثير من اللبنانيين، الجواب بات واضحا. فالحرب الأخيرة مع إسرائيل كشفت حدود قدرة حزب الله العسكرية، وفشله في حماية لبنان من التدمير الواسع النطاق، بل فشله حتى في حماية قياداته. 

ورغم قبوله باتفاق وقف إطلاق النار، الذي اعتبره مراقبون بمثابة "استسلام"، يواصل الحزب تأويل بنود الاتفاق، مصرا على حصر تسليم السلاح في جنوب نهر الليطاني، والاحتفاظ بترسانته في شماله.

الدولة في مواجهة الميليشيا

إصرار حزب الله على الاحتفاظ بسلاحه يتناقض بشكل صارخ مع خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري، وقرارات دولية أبرزها القرار 1701، والتي تؤكد جميعها حصر السلاح بيد الدولة. ومع ذلك، يصر حزب الله على أن سلاحه لا يزال ضروريا لـ"الحماية والدفاع" رغم أن هذا السلاح نفسه يغرق لبنان أكثر فأكثر في صراعات إقليمية لا طاقة له بها.

"سلاح حزب الله لم يكن يوما لحماية لبنان"، يقول الكاتب والمحلل السياسي علي الأمين، رئيس تحرير موقع "جنوبية"، "الهدف الأساس كان حماية المصالح الإيرانية في المنطقة، من سوريا إلى العراق واليمن".

وفي رأيه، فإن مواجهة حزب الله لإسرائيلي في السابق، لم تكن إلا وسيلة للحفاظ على نفوذ طهران، لا على السيادة اللبنانية. "لبنان لم يكن أولوية، بل جاءت سيطرة هذا السلاح على لبنان لتضعف الدولة والاقتصاد وتساهم في الانهيار المالي والسياسي الذي يعاني منه لبنان حتى اليوم"، كما قال في حديثه لـ"الحرة".

سلاح بلا مهمة

يصف الأمين تصريح قماطي بأنه "نوع من المكابرة". ويضيف: "إذا كان المقصود بالسلاح مواجهة إسرائيل، فسلاح حزب الله فشل فشلا ذريعا في حماية لبنان، بل في حماية قيادته والبيئة الحاضنة ووفر فرصة لإسرائيل لتدمير وتهجير عشرات القرى والبلدات الحدودية".

التناقض جلي: كيف يمكن لحزب أن يشارك في المؤسسات الدستورية للدولة بينما يحتفظ بميليشيا مسلحة خارجة عن سلطتها؟

أداة بيد طهران

من جانبه، يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي أن تمسك حزب الله بسلاحه يعكس تطورات تتجاوز حدود لبنان.

"يتبدّل خطاب الحزب تبعا لمسار المفاوضات الإيرانية-الأميركية، والوضع في اليمن، ومصير سلاح الحوثيين"، يشرح الزغبي، "حتى تصريح قماطي الأخير جاء، بعد ثلاثة أسابيع من الصمت، بطلب إيراني على الأرجح، في إطار لعبة التفاوض الأوسع".

ويشير الزغبي إلى أن طهران تسعى لضبط إيقاع أذرعها: إيقاف ضربات ضد الأميركيين، الاستمرار في الضغط على إسرائيل، والمحافظة على ورقة السلاح للتفاوض.

درع مُكلف

ينتقد كثير من اللبنانيين سلاح الحزب باعتباره درعا جلب الخراب بدلا من الحماية. المحلل السياسي خالد ممتاز كتب على منصة أكس "لو كان سلاح حزب الله رادعا، لما تجرأت إسرائيل على استهداف قياداته، ولما بلغت خسائر لبنان 14 مليار دولار، ولا تدمرت مئات القرى بالكامل".

ويضيف: "سلاح الحزب له قيمة فقط في الداخل، لذلك نطالب بتفكيك المنظومة الأمنية المرتبطة به، لأن كواتم الصوت والمتفجرات قتلت خيرة الناس وساهمت في دمار الدولة وإفلاس البنوك ووصول الفاسدين إلى السلطة".

بين البقاء والاندثار

يعتقد الأمين أن الحزب يتمسك بسلاحه لأنه لا يستطيع الاستمرار من دونه. "نزع السلاح يعني تحوّله إلى حزب سياسي عادي، ما يفقده جزءا كبيرا من النفوذ القائم على المال والسلاح والتبعية الكاملة لإيران".

لكن هذا النفوذ يأتي بثمن داخلي متزايد. "حين يتحول السلاح إلى أداة لتخويف المجتمع وفرض القرار، يُغذي الطائفية ويزيد الانقسام"، يحذر الأمين.

ويدعو الحكومة إلى الحزم إذ "لا يجوز للدولة أن تتعايش مع ميليشيا. إما أن يلتزم الحزب بشرعية الدولة، أو أن يخرج منها. لا وجود لمنطقة وسطى".

وهم المقاومة

بحسب الزغبي، فقدت ذريعة المقاومة صلاحيتها بعد الهزيمة أمام إسرائيل. ويقول: "لم يعد بإمكان الحزب الادعاء بأن سلاحه يحمي لبنان، إذليس باستطاعته حتى حماية معاقله".

ويرى أن تذرّع الحزب بخطر التكفيريين وسوريا هو محاولة جديدة لتبرير بقاء السلاح، لكنه يضيف: "الحماية الحقيقية لا تأتي إلا من الدولة وشرعيتها".

ورغم ذلك، لا يتردد حزب الله في مطالبة الدولة بالحماية من الغارات الإسرائيلية، وبالدعم في إعادة الإعمار، بينما يُصر على التفرد بالسلاح. هذا التناقض يعمّق أزمة الشرعية والحكم في لبنان.

البُعد الدولي

تتجاوز تداعيات احتفاظ حزب الله بسلاحه حدود لبنان. فالدعم الدولي مشروط بسيادة الدولة الكاملة. أما إسرائيل، فتحذر من أنها قد تتصرف بمفردها إذا عجزت الدولة اللبانية عن ضبط الميليشيات.

بالنسبة للأمين، لم تعد مسألة السلاح داخلية فقط. فالحزب وافق على اتفاق وقف إطلاق النار. "تصريحاته اليوم تهدف لإشعال أزمة داخلية، لكنها لن تغيّر الموقف الدولي".

ويحذر من أن المماطلة ستزيد من كلفة نزع السلاح على اللبنانيين.

ويذهب الزغبي في الاتجاه ذاته: "ما دام الحزب مسلحا، سيبقى لبنان غير مستقر. السلاح يمنع قيام الدولة، ويُبقي الطوائف في حالة ترقب وقلق دائم من مواجهات جديدة".

ضرورة وطنية

في الذكرى السنوية لأحداث 7 أيار، كتب العميد المتقاعد بعرب صخر، الباحث في شؤون الأمن القومي: "يوم عار كشف الستار عن الوجه القبيح لحزب إيران في لبنان، وبين أن سلاحه ليس من أجل لبنان، بل على لبنان".

وأضاف في منشور على أكس: "اليوم المجيد هو اليوم القريب الذي ننزع فيه هذا السلاح، سلاح الدمار والغدر والاغتيال، والعبثية والتبعية لأعداء لبنان".

ويخلص الزغبي إلى القول إن على الدولة اللبنانية "حصر السلاح في يدها" وذلك "كي تنجح في تحقيق وعودها بالاستقرار والسيادة والإصلاح. فنزع السلاح غير الشرعي سواء كانت هويته لبنانية أو غير لبنانية هو الشرط الأول لنجاح الإصلاح واستجرار أموال المساعدات العربية والدولية المخصصة لإعادة الإعمار، وكذلك لاستعادة ثقة العرب والعالم وتشجيع السياحة وأموال الاستثمارات" في لبنان.