فرنسا صادرت بعض ممتلكات حاكم مصرف لبنان رياض سلامة
حكام مصرف لبنان ملاحقا في قضايا فساد وغسيل أموال محليا ودوليا

ضربة جديدة تلقاها حاكم مصرف لبنان السابق، رياض سلامة، هذه المرة محلية، فبعد العقوبات الاقتصادية، الأميركية والكندية والبريطانية عليه، أصدرت هيئة التحقيق الخاصة لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب في مصرف لبنان، الاثنين، قرارا بتجميد حساباته المصرفية وشركاء له ورفع السرية عنها تجاه المراجع القضائية المختصة.

التطور الجديد في ملف ملاحقات سلامة، الصادر عن النائب الأول لحاكم مصرف لبنان، القائم بأعمال الحاكمية، وسيم منصوري، بصفته رئيس هيئة التحقيق الخاصة، طاول كذلك، ماريان حميد الحويك، وآنا كوزاكوفا (أوكرانية)، وندي رياض سلامة، ورجا توفيق سلامة.

وكان تدقيق في حسابات المصرف، أجرته شركة ألفاريز آند مارسال، حث على اتخاذ خطوات لتخفيف المخاطر المالية الناتجة عن "سوء السلوك"، وأشار إلى أن حاكم المصرف السابق كان يتمتع بسلطة "بلا حدود" بينما انتهج سياسات هندسة مالية مكلفة، بحسب ما أوردت "رويترز".

وخلص التدقيق إلى أنه تم دفع "عمولات غير قانونية" قيمتها 111 مليون دولار من حساب بالبنك المركزي بين 2015 و2020، موضحا أن هذا فيما يبدو استمرار لخطة كانت سببا في بدء التحقيقات مع الحاكم السابق للمصرف، رياض سلامة، في الداخل والخارج. 

ووجهت رئيسة هيئة القضايا في وزارة العدل القاضية، هيلانة إسكندر، كتابا إلى وزير المال، يوسف الخليل، طلبت فيه تزويدها بأقصى سرعة بنسخة من التدقيق الجنائي الذي طالبت الدول المانحة بإجرائه بعد الانهيار المالي الذي تعرض له لبنان، ما حرم معظم المودعين من الحصول على مدخراتهم منذ 2019، وتسبب في فقدان العملة المحلية لقيمتها واتساع رقعة الفقر.

شغل ريضا سلامة منصب حاكم مصرب لبنان مدة 30 عاما

استكمال المسار الدولي

يأتي قرار هيئة التحقيق الخاصة في سياق استكمال المسار الدولي أكثر مما هو قرار خاص بلبنان، بحسب ما ترى الأكاديمية والباحثة في قانون الأعمال والمصارف، الدكتورة سابين الكيك، التي أشارت إلى أنه "من الطبيعي بعد قرار وزارة الخزانة الأميركية الذي فرض عقوبات على حسابات سلامة وشركائه، أن تتعامل المصارف حول العالم وليس فقط المصرف المركزي اللبناني مع حسابات هؤلاء بنتيجة القرار الأميركي".

قانونا، يلزم قرار الهيئة، بحسب ما تشرح الكيك لموقع "الحرة"، "المصارف اللبنانية أن تكشف للهيئة عن كل الحسابات الحالية والسابقة لسلامة وشركائه وكذلك إيقاف العمل بها، رغم اعتقادي بأن لا حسابات حالية للحاكم السابق في المصارف اللبنانية، وعدم معرفة مدى جرأة هيئة التحقيق بتقديم الحسابات القديمة له وحركة حوالاته المصرفية للقضاء، خاصة أن تقرير شركة الفايرز آند مارسال أشار إلى تحويلات في حساباته وشركائه، لكن عددا كبيرا من اللوائح حذفت عنها الأسماء تحت غطاء السرية المصرفية".

وبدلا من "إعلان حالة طوارئ على المستوى الحكومي والنيابي، لمعرفة كيفية التعامل مع تقرير التدقيق الجنائي الذي أشار إلى شبهات جرمية لا تعد ولا تحصى يتم تجاوز الموضوع وكأنه لم يكن"، سيجتمع مجلس النواب بحسب الكيك "لإقرار قانون كابيتال كونترول هجين، تحت مظلة السرية المصرفية، فيشرع الاستنسابية، ويعتبر كل التحاويل السابقة للخارج أموالا جديدة".

 وكانت وزارة الخزانة الأميركية، أعلنت في العاشر من الشهر الجاري، أن الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا فرضت سويا عقوبات اقتصادية بتهم فساد مالي على سلامة، الذي غادر مؤخرا منصبه من دون أن يتم تعيين خلف له.

وقالت الوزارة في بيان إن "أنشطة سلامة الفاسدة وغير القانونية ساهمت في انهيار دولة القانون في لبنان"، مشيرة إلى أنها فرضت هذه العقوبات بالتنسيق مع كل من بريطانيا وكندا، وشملت العقوبات أيضا أفرادا من عائلة سلامة ومقربين منه.

وأضاف بيان الوزارة أن "سلامة أساء استغلال منصبه في السلطة بما ينتهك على الأرجح القانون اللبناني من أجل إثراء نفسه وشركائه من خلال تحويل مئات الملايين من الدولارات عبر شركات وهمية من الباطن للاستثمار في عقارات في أوروبا".

رياض سلامة ينفي التهم الموجهة إليه

الأنظار على القضاء

إجراء هيئة التحقيق الخاصة من منظور المحامي المتخصص والأستاذ المحاضر في القوانين المصرفية والشؤون الاقتصادية، الدكتور علي زبيب، "شبه اعتيادي لكل شخص يرد اسمه على لوائح العقوبات الاقتصادية الأميركية، خاصة أن سلامة ومن وردت أسماؤهم مدرجين على لائحة مكتب مراقبة الأصول الأجنبية".

زبيب يشرح في حديث لموقع "الحرة" أن "القانون الأميركي غير واجب التطبيق في كل دول العالم، لكن في المقابل المصارف اللبنانية تعتمد على المصارف المراسلة الأميركية بجميع تعاملاتها الدولية، والقانون الأميركي يوجب على كل مؤسسة مصرفية أميركية ألا تتعامل مع أي مؤسسة لا تتقيد بالعقوبات الأميركية، فإذا أعلن مصرف لبناني أنه لا يريد التقيد بهذه العقوبات ونتائجها، قد تُفرض عقوبة أميركية عليه، كما أن المصرف الأميركي الذي يتعامل معه ملزم ومجبر على قطع علاقة المراسلة، ولا يوجد أي مصرف لبناني كما معظم مصارف العالم يستطيع الاستمرار من دون علاقة المصرف المراسل الأميركي".

في المحصلة يتبين بحسب زبيب أن "المصارف اللبنانية ملزمة بالتقيد بأي عقوبات تصدر ضد أي شخصية في العالم، عدا عن أن التعميم 137 الزمها التعاطي مع جميع قرارات العقوبات الأميركية بصيغة إلزامية، أي عبر تجميد جميع الأصول التي تتعلق بالشخص الموضوع على لائحة العقوبات الاقتصادية واعادة أمواله، لكن بسبب الأزمة الاقتصادية لا يوجد مصرف يمكنه رد الأموال، وبالتالي هناك خلل كبير في التعاطي مع موضوع رد الأموال في موضوع العقوبات الأميركية".

وسلامة شخص غير عادي، ورد اسمه على لائحة العقوبات ويواجه اتهامات وادعاءات جزائية في لبنان وخارجه، لذا فإنه بحسب زبيب "جمدت هيئة التحقيق الخاصة حساباته، أولا لإبداء الرغبة في التعاون أمام المجتمع الدولي والسلطات المالية الأميركية، وثانيا لامتصاص الفورة الشعبية ضد نواب حاكم مصرف لبنان، وإظهار أن مصرف لبنان بإدارته الجديدة والمؤقتة لديه هامش كبير من الاستقلالية وأن نواب الحاكم ممن يديرون الحاكمية لا يتبعون نهج سلامة وقد وصل بهم الأمر إلى تجميد حساباته ووضعه تحت المراقبة والتعقب والدخول في إجراءات تحقيقية في حساباته عبر هيئة التحقيق الخاصة، التي هي بالقانون هيئة مستقلة".

وسلامة الذي تولى حاكمية المركزي اللبناني طوال 30 عاما ملاحق في أوروبا ولبنان بتهم اختلاس أموال، في وقت يعاني فيه بلد الأرز من أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه الحديث، فهو "حجر زاوية في النظام المالي الذي خدم المصالح الخاصة للفصائل الرئيسية في لبنان بعد الحرب الأهلية 1975-1990، ويقول مراقبون إن هذه الفصائل تخشى أن يكون لسقوطه تداعيات عليها"، وفق رويترز.

وفي مايو الماضي، صدر بحق سلامة، مذكرة اعتقال من منظمة الشرطة الدولية (الإنتربول)، وذلك بعد أن أصدرت فرنسا مذكرة لاعتقاله في إطار تحقيقها فيما إذا كان قد اختلس مئات الملايين من الدولارات من الأموال العامة، كما أصدرت ألمانيا مذكرة توقيف بحقه.

التعويل الآن بحسب الكيك هو "على القضاء اللبناني والنيابات العامة. علينا مراقبة كيفية تحركها بعد تقرير التدقيق الجنائي الذي أشار إلى شبهات جرمية في أكثر من مكان" مشددة "مصداقية القضاء اللبناني على المحك ولا تكفي مصداقية القضاة الشرفاء لإعادة الثقة بهذه السلطة الدستورية، أنظار المجتمع الدولي عليها، فهل ستكون سيفا قاطعا في مرحلة المساءلة والمحاسبة أم جزء من القطاعات التي يجب مساءلتها ومحاسبتها".

"القرار الذي صدر عن هيئة التحقيق الخاصة، جاء متأخراً لكن يبقى خير من ألا يصدر أبداً" ومع هذا فإنه من المؤكد كما يقول زبيب أن "سلامة لا يزال محمياً عبر السلطة السياسية اللبنانية، لأنه هو من أقدم على تغطية جميع المخالفات وكان عالماً بخفايا التحويلات وإقراض الدولة وهدر المال، عدا عن كونه المهندس الأول للهندسات المالية، وسيستمر النظام السياسي القائم بحمايته لأن وقوعه سيؤدي إلى سلسلة انهيارات في هذا النظام، وتقرير التدقيق الجنائي أبرز عددا كبيرا ممن ادعوا دعمهم قضايا المودعين وهاجموا سلامة وإذ يتبين أنهم يتبعون له".

يختم زبيب منبها من أن "الحل لا زال بعيدا، ولا بد من وجود قرار واضح بالمحاسبة بهدف ملاحقة جميع العمليات غير المشروعة وإلزام من قام بها بردها، وذلك لحماية المودعين وبهدف رد ودائعهم، مع إعطاء الأولوية للودائع المشروعة، ومحاسبة أصحاب الودائع غير المشروعة".

أسعار العمليات الرخيصة في سوريا تغري الكثير من اللبنانيين الباحثين عن الجمال بكلفة مخفضة
أسعار العمليات الرخيصة في سوريا تغري الكثير من اللبنانيين الباحثين عن الجمال بكلفة مخفضة

تحوّلت رحلة عبير، من رغبة في تحسين مظهرها، إلى كابوس مروّع في دهاليز الموت والندوب. فبعد أن أطلعتها صديقتها عن تجربتها بجراحة شفط الدهون في سوريا بتكلفة بسيطة، قررت السفر لإجراء العملية في أردافها، للحصول على جسم أكثر رشاقة وجمال.

في البداية، كانت الأمور تسير بشكل طبيعي، ولكن سرعان ما بدأت تظهر عليها مضاعفات مؤلمة، من التهاب جروحها إلى ارتفاع درجة حرارة جسدها وغيرهما، تواصلت مع الطبيب الذي أجرى لها العملية وسافرت لمراجعته في سوريا، فحاول طمأنتها، لكن حالتها تدهورت بشكل مخيف وبدأ جلدها "يتآكل" كما وصفت في حديث مع موقع "الحرة".

رفض الأطباء في لبنان بداية متابعة حالتها طالبين منها متابعة وضعها مع من أجرى لها العملية، وبعدما تدهورت حالتها بشكل كبير تم استقبالها في إحدى مستشفيات لبنان حيث تبيّن إصابتها ببكتيريا خلال خضوعها للعملية الجراحية، فقضت بعدها سنة كاملة في العناية المركّزة بين الحياة والموت، وخضعت لعمليات جراحية عدة لعلاج الجروح التي كانت أشبه بالحروق والتي طالت أماكن عدة في جسدها.

نزع الأطباء أنسجة من ساقي عبير لزرعها مكان الحروق، فتركت ندوباً غائرة، فقدت الكثير من وزنها، وأُصيبت بالشلل لفترة، كما عانت من عدم القدرة على الكلام بشكل طبيعي، وتقول "لا كلمات يمكنها وصف ما مررت به، والتي اختصرها الطبيب المتابع لحالتي بقوله لي: انتشلتك من القبر".

في عالم يغصّ بصور الجمال المثالي، "باتت عمليات التجميل هاجساً يراود الكثيرين، من دون أن تصل إلى مسامع بعضهم صرخات التحذير من مخاطر قد تخفي وراءها عواقب وخيمة، في حين لا يبالي البعض بهذه التحذيرات فيغامرون بصحتهم وجمالهم لتوفير المال"، وفقاً لما يقوله مستشار نقيب الأطباء اللبناني للشؤون التجميلية، الدكتور رائد رطيل.

وتغري أسعار العمليات الرخيصة في سوريا الكثير من اللبنانيين الباحثين عن الجمال بكلفة مخفضة، لكن داخل أروقة بعض مستشفيات وعيادات التجميل قصص مأساوية عن مضاعفات وتشوّهات وحتى وفيات، بحسب ما يقوله رطيل لموقع "الحرة" .

الغرض من تسليط الضوء على "سياحة التجميل" في سوريا ليس تشويه سمعة الأطباء السوريين حيث أن "الكثير منهم مشهود لهم بالكفاءة والمهنية العالية"، كما يشدد رطيل "بل للتحذير من الدخلاء على مهنة الطب هناك الذين يتسببون بكوارث تدمّر حياة الناس".

ويؤكد "ارتفاع عدد الشهادات التي تصلنا من أشخاص خضعوا لعمليات جراحية في سوريا وتعرضوا لتشوهات بعدها عصي على الشفاء، منها حالة عبير التي أصيبت بالتهاب النسيج الخلوي الناخر (Nécrose)، وهو حالة جلدية خطيرة تسبّب تدهوراً في أنسجة الجلد العميقة، ناتجة عن عوامل متعددة منها العدوى البكتيرية التي تنتقل عبر الجروح أو الخدوش".

ويتميز هذا المرض بأعراض مثل "الاحمرار، التورم، الألم الشديد، وظهور بثور أو فقاعات، إضافة إلى إفراز الصديد" أما علاجه فيتطلب بحسب رطيل "إزالة الأنسجة المتضررة، والعناية بالجروح، واستخدام الأدوية المسكنة لتخفيف الألم. ومن المضاعفات المحتملة له تسمم الدم، والغرغرينا، وموت الأنسجة، وفي الحالات الشديدة قد يتطلب الأمر بتر الأطراف".

ويضيف "هناك من فارق الحياة بعد خضوعه لعملية تجميلية في سوريا، منهم شاب لبناني خضع لعملية تجميل للأنف، بالإضافة إلى حالات لأشخاص أصيبوا بالتهابات جراء عمليات حقن البوتوكس والفيلر غير القانونية، دون أن يلغي ذلك وجود هذه المخاطر في لبنان أيضاً".

معركة "الندوب"

توجه اللبنانيون إلى سوريا لإجراء عمليات التجميل ليس بالأمر الجديد، وفقاً للدكتور رطيل، حيث كما يقول "يتجمع بعضهم في مجموعات تتراوح بين خمسة إلى عشرة أشخاص، ويقصدون سوريا في باصات لإجراء العمليات قبل العودة في نفس اليوم. ومع ذلك، فإن زيادة عدد الأشخاص الذين يفضلون هذا الوجهة في الآونة الأخيرة يرجع إلى الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان".

أما رئيسة سفراء الجمال العربي، خبيرة التجميل رانيا عثمان، فترى في حديث مع موقع "الحرة" أن من الأسباب وراء ظاهرة انتشار عمليات التجميل في سوريا، "انخفاض الكلفة، وتأثر البعض بمعارفه الذين خضعوا لعمليات تجميل هناك وكانت نتائجها مقبولة، من دون أن يلغي ذلك وجود أطباء سوريون مشهود لهم بالخبرة"، مضيفة " للأسف بعد أن كان لبنان عنواناً للباحثين عن الجمال، تراجع ذلك لأسباب عدة على رأسها الأزمة الاقتصادية وهجرة الأطباء وارتفاع التكلفة".

يدفع الوضع الاقتصادي المتردي في لبنان بحسب رطيل بعض الأطباء اللبنانيين "إلى استقبال المرضى الذين واجهوا مضاعفات بعد إجراء عمليات التجميل في سوريا، حيث يقصدونهم لإجراء عمليات تصحيحية".

تكبدت عائلة عبير مبالغ ضخمة لتغطية تكاليف علاجها، تجاوزت 150 ألف دولار، وفق ما تقوله "وما زالت بحاجة إلى المزيد من العمليات التجميلية لإزالة الندوب في أماكن عدة من جسدها".

ورغم مرور حوالي الأربع سنوات، لا تزال عبير تعيش في صراع نفسي، حيث تزعزعت ثقتها بنفسها وسيطرت عليها المشاعر السلبية، كالحزن والغضب والقلق، والخشية من نظرات الناس، وتقول "أحاول أن أكون قوية وها أنا أعيش على أمل توفّر الإمكانات المادية لإكمال رحلة علاجي حتى اعلان انتصاري على الندوب التي تنغّص حياتي".

ويعود ارتفاع أسعار العمليات في لبنان مقارنة بسوريا بحسب رطيل "إلى تكلفة المستشفيات وبدل أتعاب أطباء التخدير وأطباء التجميل إضافة إلى القيمة الشرائية المتدنية للعملة الأجنبية في لبنان، في حين بعض الأطباء السوريين يقومون بإجراء العمليات في العيادات باستخدام البنج الموضعي عدا عن القوة الشرائية للدولار في بلدهم، حيث تكفي المئتي دولار مصروف عائلة لمدة شهر، وللأسف بعض الأطباء اللبنانيين بدأوا باتباع ذات الاجراءات".

مغامرة غير مدروسة

يعتبر البعض عمليات التجميل بحسب عثمان "ضرورة لتصحيح جمالهم، بينما يعاني البعض الآخر من هوس التجميل نتيجة لثقافة المجتمعات التي تعطي أهمية كبيرة للمظهر الخارجي، وعدم رضا هؤلاء عن مظهرهم ينمي لديهم مشاعر سلبية مثل القلق والاكتئاب".

كما تلعب وسائل التواصل الاجتماعي بحسب ما تقوله عثمان "دوراً في تشجيع بعض الأشخاص على الخضوع لعمليات التجميل في محاولة لتحقيق المظهر المثالي المروج له في تلك الوسائل، وإن كانت أوضاعهم المالية لا تسمح بذلك يبدؤون البحث عن أطباء أسعارهم مخفضة بغض النظر عن المخاطر التي قد يواجهونها".

الهوس في الكمال الجمالي، دفع ياسمين إلى اتخاذ قرار تكبير ثديها، "رغم أن حجمه كان مقبولاً" وفق ما تقوله لموقع "الحرة"، وكون تكلفة العملية الجراحية في لبنان كبيراً (لا يقل عن ثلاثة آلاف دولار)، وجدت في خيار اللجوء إلى سوريا لتحقيق هدفها حلاً للعقبة المادية التي تقف في طريقها.

بعد استشارة صديقاتها، نصحتها احداهن بطبيب سبق أن أجرى لها عملية تجميل لأنفها، أسعاره مقبولة ونتائجه مرضية، زودتها برقم هاتفه، وقبل أن تتواصل معه، بحثت عن صفحته الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي انستغرام، لأخذ فكرة عن مدى براعته في هذا العالم، بعدها تواصلت معه عبر الواتساب، حيث تمت المحادثات والترتيبات للعملية التي ستجريها في مستشفى في طرطوس.

أبلغها الطبيب أن تكلفة العملية 1500 دولار وأنه متعاقد مع سائق سيارة أجرة لنقلها من وإلى لبنان، وأنه يمكنها العودة في ذات اليوم أو المبيت ليلة واحدة في المستشفى".

لم تتردد ياسمين في تحديد موعد مع الطبيب، وفي صباح ذلك اليوم، انتقلت مع ابنتها إلى منطقة الدورة حيث كان سائق سيارة الأجرة بانتظارها، وانطلقوا جميعاً إلى سوريا. وصفت ياسمين الرحلة بأنها سهلة وسريعة، لم تستغرق المسافة من الحدود اللبنانية الشمالية إلى المستشفى الساعة الواحدة، خضعت للعملية، وعادت أدراجها إلى لبنان، لكن "هذه المرة كانت الطريق من سوريا إلى بيروت متعبة جداً".

وتقول لموقع "الحرة" "كنت أشعر بأوجاع لا تحتمل، عدا عن الدوار والرغبة التقيؤ بسبب بقايا المخدر في جسدي، وفوق هذا لم يكن السائق يقيم أي اعتبار لحالتي، حيث كان يقود بسرعة جنونية غير مبالٍ بالحفر والمطبات التي كانت تهز آلامي بعمق".

ما يحصل في بعض مستشفيات ومراكز التجميل السورية، كما يشرح رطيل "عمليات سريعة، ويترتب على ذلك مخاطر جمة، فإجراء العمليات في وقت قصير، سيؤدي إلى نتائج غير مرضية، فالعمليات التي تستغرق ساعات في لبنان يجرى بعضها في سوريا خلال دقائق، وفوق هذا يغادر المرضى المستشفى بعد وقت قليل من انتهاء العملية، فمن يضمن سلامتهم في رحلة العودة"؟

نتائج يندى لها الجبين

بدأت ياسمين بالتعافي رويداً رويداً، وخلال تلك الفترة كانت على تواصل مع الطبيب الذي أجرى لها العملية لاطلاعه على حالتها، ومنذ الأيام الأولى التي تلت العملية شعرت أن حجم ثديها كبير جداً.

بعد شهر قدم الطبيب إلى بيروت لمعاينة مرضاها في غرفة فندق، حيث ذهلت ياسمين بالعدد الكبير من النساء اللواتي كن ينتظرنه، أخبرته بعدم رضاها عن العملية، فكان جوابه أن ما تصبو اليه يحتاج مزيداً من الوقت، لكن مرّت سنة من دون أن يتغير شيء لا بل وضعها الصحي إلى الأسواء حيث تسبب كبر حجم ثديها بآلام في ظهرها تتزايد مع الأيام.

عدم رضا ياسمين عن نتيجة العملية دفعها إلى البحث عن طبيب لبناني لإعادة حجمه إلى ما كان عليه، وتقول للأسف "كلفة العملية تفوق قدرتي".

بعد التجربة التي عاشتها تعلمت ياسمين درساً مكلفاً وهو "عدم البحث عن السعر الأرخص لعمليات التجميل، فضمان الحصول على النتائج المرغوبة من دون المجازفة بإمكانية مواجهة أي مضاعفات، هو ما يجب التركيز عليه".

وكان نقيب الأطباء في سوريا غسان فندي قد حذّر في ديسمبر الماضي من التعديات على طب التجميل سواء بشقه الجلدي أو بالجراحة التجميلية، كما ذكرت صحيفة الوطن المقربة من النظام السوري.

وأكد فندي أن وزارة الصحة في حكومة النظام السوري ونقابة الأطباء تتابعان عمل مراكز التجميل "وتم إغلاق عدد كبير منها في عدة محافظات لعدم تحقيقها الشروط المطلوبة ومنها وجود طبيب مختص، وضبط تعديات كبيرة فيها على اختصاص التجميل من خلال قيام غير الأطباء بإجراء الحقن وغيرها من الأمور التجميلية".

وشدد على ضرورة التعاون بين جميع الجهات المعنية وتفعيل ثقافة الشكوى لضبط عمل مراكز التجميل ومنع التعديات، قائلاً: إن هناك شكاوى نتيجة عمليات وأمور تجميلية يندى لها الجبين.

للحفاظ على الأمانة

وعن معايير الجمال، تشرح عثمان "لكل شخص جماله الخاص، لذلك لا يجب أن نقارن أنفسنا بالآخرين، ومن الضروري أن يكون قرار الخضوع لعمليات التجميل مدروساً ومسؤولاً، ويشمل الاطلاع على المخاطر المحتملة واختيار طبيب مؤهل، حيث لا ينبغي التهاون بالمخاطر المحتملة كالعدوى التي قد تنتقل من خلال عدم الالتزام بقواعد التعقيم والنظافة، والتشوهات التي قد تحدث نتيجة للإجراءات غير المهنية في غير الأماكن المرخصة".

و"تنتشر مراكز التجميل غير المرخصة" في سوريا كما أكد أمين سر الرابطة السورية لأطباء الجراحة التجميلية والترميمية، رزق الفروح لموقع "أثر برس" المقرب من النظام، لافتاً إلى أن الرابطة رفعت أكثر من كتاب إلى وزارة الصحة حول ذلك.

وأضاف "بات كثيرون يلجؤون إلى الحقن والشد وتجميل الأنف دون مراعاة الآثار الجانبية الكارثية أحياناً إن تمت بيد غير خبيرة"، وحذّر من انتشار ما يسمى دورات تدريبية مأجورة بمبالغ كبيرة مدتها عدة ساعات أو أيام، تعطي شهادة في حقن الفيلر والبوتوكس وغيرها.

وقال "هذه دورات غير مغطاة من وزارة الصحة وخطيرة على المجتمع، فطبيب الاختصاص يدرس الجراحة التجميلية 6 سنوات ليحصل على إجازة أكاديمية مرخصة من الوزارة، وليس بإمكان شخص اتبع دورة مدتها ساعات أن يصبح مخولاً بإجراء هذه العمليات بعد الحصول على شهادة تدريب تعلق بصدر مكان عمله ويستغلها المتدرب لذلك”.

وأشار إلى أن عدداً من الأطباء من مختلف الاختصاصات توجهوا إلى عمليات التجميل الأمر الذي يعني تعويم اختصاص الجراحة التجميلية وابتعاد باقي الاختصاصات عن مجالها العلاجي الحقيقي، حيث بيّن أن عدد أطباء اختصاصي الجراحة التجميلية لا يتجاوز 250 طبيب وطبيبة.

وعن أكثر عمليات التجميل طلبا في سوريا من قبل اللبنانيين يقول رطيل "عمليات الأنف، تليها شدّ الوجه، وشفط الدهون، وتكبير الثدي، وعملية حقن البوتوكس والفيلر، حيث بات التهاب الوجه من الحالات الشائعة نتيجة استخدام المواد المغشوشة والحقن الخاطئ دون معرفة بالوجه وشرايينه ومكان الأعصاب والعضل فيه"، ويلفت إلى أن "المواد التجميلية مواد خطرة، فكيف إن كانت مزورة أو تم حقنها بطرق غير سليمة".

ويشدد كأطباء نمضي سنوات طويلة في الدراسة ونتابع دورات بشكل مستمر لمواكبة التقنيات، في وقت يكتفي الدخلاء على مهنة الطب بالخضوع لدورة تستغرق أياماً ليطلقوا بعدها على أنفسهم لقب متخصصين!"

ويختم مشدداً على ضرورة اتباع المعايير الصحيحة قبل اختيار طبيب التجميل، كالتحقق من تسجيله في نقابة الأطباء إذا كان لبناني الجنسية والتأكد من اختصاصه، ويقول "الجمال يستحق رحلة آمنة ونتائج مرضية، لا المغامرة بالصحة من أجل عروض مغرية"، أما عثمان فتختم بالقول "جمال الإنسان أمانة لديه يستحق منه أفضل رعاية من أطباء ذو خبرة وكفاءة يلتزمون بأعلى معايير السلامة".