العلم اللبناني
لبنان قلص نفقات بعثاته الدبلوماسية

وصلت تداعيات أزمة لبنان الاقتصادية إلى سفاراته في الخارج، حيث تسلّم جميع الملحقين الاقتصاديين في البعثات الدبلوماسية كتابا رسميا من وزارة الخارجية يتعلق بعدم تجديد عقودهم العام المقبل.

قرار وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الأعمال، عبد الله بو حبيب، فاجأ الملحقين الاقتصاديين إلى حد ما، كما يقول أحدهم لموقع "الحرة"، رغم أنه "كل سنة يتردد على مسامعنا أنه سيتم الاستغناء عن خدماتنا لنعود ونسمع أننا حاجة وطنية" ويضيف "يسأل البعض عن القيمة المضافة من عملنا ويرون في تعيينا هدراً يكبّد الخزينة مبالغ طائلة، رغم أننا سنوياً نقدم تقريراً ليقيّم السفير عملنا وعلى أساس ذلك يجدد مجلس الخدمة المدنية التعاقد معنا". 

بُرِّر عدم تجديد التعاقد مع الملحقين الاقتصاديين بتقليص نفقات البعثات الدبلوماسية اللبنانية نتيجة الشح المالي، لكن، كما تقول ملحقة اقتصادية لموقع "الحرة"، "بلغت الأرقام نسبة رواتبنا لا تشكل أكثر من 3 في المئة من مجمل رواتب السلك الخارجي، وهي أقل نسبة رواتب مقارنة برواتب بقية السلك من سفراء وقناصل، مع العلم أن بعضنا استقال من وظيفته للاستثمار في المصلحة الوطنية"، كذلك أكد زميلها ذلك بالقول:" يتراوح معدّل رواتبنا الوسطي بين 8 آلاف و10 آلاف دولار في حين أن معدل رواتب القناصل يتراوح بين 14 ألف و16 ألف دولار". 

يذكر أنه، في عام 2019، التحق 20 ملحقاً اقتصادياً بمراكز عملهم خارج لبنان، في واشنطن، بروكسل، الرياض، أبو ظبي، عمّان، القاهرة، الكويت، بغداد، موسكو، ، باريس، برلين، بكين، برازيليا، مكسيكو، أبوجا، أبيدجان، لندن، طوكيو، بريتوريا وأوتاوا، بعدما أطلق وزير الخارجية والمغتربين حينها، جبران باسيل، دورة لهم أعقبت نجاحهم في الامتحان الذي أجرته الوزارة، ليعود ويقدم خمسة منهم استقالتهم.

وبحسب المرسوم 3040، الصادر عام 1972، يتعاقد وزير الخارجية والمغتربين مع الملحقين لسنة واحدة قابلة التجديد، ويصبح العقد نافذاً بتوقيع الوزير وموافقة مجلس الخدمة المدنية.

إنجازات من دون تقدير

من حق الملحقين الاقتصاديين أن يسألوا، كما تقول الملحقة الاقتصادية، إن كانت وزارة الخارجية أجرت "دراسة قارنت خلالها بين أعباء رواتبنا ومردود عملنا قبل اتخاذها قرارها، رغم أن هناك أمورا لا يمكن تحويلها إلى أرقام، فالتسويق للمنتجات والشراكات في القطاع الخاص تحتاج إلى خطط طويلة الأمد، ومع ذلك استطعنا من خلال خطط قصيرة الأمد تأمين أسواق خارجية فورية للمنتجات اللبنانية". 

وتؤكد "منذ التحاقنا بمراكزنا، رفعنا نسبة التصدير ما بين 60 إلى 80 في المئة في بعض الدول، جهزنا 'داتا' (بيانات) اقتصادية، وفتحنا أبواباً للتجار اللبنانيين، مشروعنا واعد وأصداؤه إيجابية، فجميعنا من أصحاب الخبرة وحمَلة شهادات عليا، وبعد كل الإنجاز الذي قمنا به، يريد الوزير بجرّة قلم إنهاء مبادرة اقتصادية لعدم دفع مليون ونصف المليون دولار سنوياً في وقت مردود عملنا بملايين الدولارات". 

استمر الملحقون الاقتصاديون في عملهم "على الحلوة والمرة" بحسب وصفها، شارحة "سبق أن مرّت ستة أشهر من دون أن نقبض رواتبنا ومع ذلك صبرنا، وحتى الآن لم نقبض أتعاب شهر يوليو، وبدلاً من أن نُعامل كبقية الدبلوماسيين نُكافأ بتسليمنا قرار الاستغناء عن خدماتنا وإيقاف مشروع ذو رؤية اقتصادية، في وقت تتجه كافة البلدان نحو الدبلوماسية الاقتصادية التي تثبت يوماً بعد يوم أهميتها، والدليل أن سفارات الدول الكبرى خصصت قسماً اقتصادياً كبيراً في لبنان رغم صِغَر سوقه، أما بلدنا فلديه ملحق اقتصادي واحد في كبرى الدول". 

ويرى زميلها أن وزير الخارجية يريد تسليم مهام الملحقين الاقتصاديين إلى القناصل، وهو يعلم، بحسب قوله، أن "الملحق الاقتصادي يمكنه القيام بمهام القنصل، أما العكس فغير ممكن، وقد ظهر ذلك خلال أزمة كورونا حيث ساهمنا بتأمين اللقاحات وعمليات الإجلاء، إضافة إلى عملنا في إيجاد أسواق لتصريف المنتجات اللبنانية في الخارج، والمشاركة في المعارض، لا بل إقامة بعضها، كما أنشأنا منصة لتسهيل عثور اللبنانيين على وظائف". 

ألقى المرسوم 3040 الصادر، عام 1972، على عاتق الملحق الاقتصادي عدة مهام، منها جمع المعلومات حول ما يهم لبنان من الشؤون الاقتصادية والتجارية والمالية في البلد الداخل في نطاق صلاحيته، ودراسة هذه المعلومات لمعرفة تأثيرها على الاقتصاد اللبناني ولاكتشاف الأسواق الممكنة للمنتجات والخدمات اللبنانية وإمكانية توظيف رؤوس الأموال الأجنبية في لبنان وتنشيط السياحة فيه. 

كما يدخل ضمن مهام الملحق الاقتصادي إجراء اتصالات مع سائر البعثات ومع الرسميين ورجال الأعمال وغرف التجارة والصناعة وجمعيات التجار والصناعيين وأفراد الجالية اللبنانية ومع المسؤولين عن الإعلام وجميع المعنيين بالشؤون الاقتصادية والصناعية والتجارية والمالية والسياحية لتعريف لبنان وإمكاناته في هذه الحقول وإيجاد الأسواق له، والعمل على إنشاء غرف تجارية مشتركة ومتابعة نشاطها. 

كما يكمن دوره في المساهمة في تنظيم المعارض والأسواق والمؤتمرات واستقبال اللبنانيين القادمين لهذا الغرض وتسهيل مهمتهم والإشراف على المعارض اللبنانية الدائمة، والاشتراك في اجتماعات وأعمال الهيئات الدولية وفي المفاوضات وفي عقد المعاهدات والاتفاقات الدولية وتقديم المعلومات والمشورة لرجال الأعمال اللبنانيين وتأمين الصلة بينهم وبين رجال الأعمال في البلد الذي يتواجدن فيه. 

وعلى الملحق الاقتصادي السعي لتسوية النزاعات التجارية بين اللبنانيين والأجانب وحماية مصالح اللبنانيين الاقتصادية، والبحث في امكانية الحصول على المساعدات والقروض الخارجية والعمل على الحصول عليها. 

بين الحاجة الماسّة والحتميّة 

جاء قرار وزير الخارجية اللبنانية "في وقت لبنان بأمس الحاجة فيه للملحقين الاقتصاديين"، بحسب ما يؤكده مدير عام وزارة الاقتصاد والتجارة، الدكتور محمد أبو حيدر، قائلا: "أولاً لدخول البضائع اللبنانية إلى الأسواق الخارجية، وثانياً لتفعيل الاتفاقيات التجارية بين لبنان وبقية الدول وخلق أسواق جديدة منافِسة". 

أبو حيدر يشير في حديث لموقع "الحرة" إلى العمل "الجبّار" الذي قام به الملحقون الاقتصاديون، "فقد أدخلوا الصناعات الغذائية والمطعم اللبناني إلى أوروبا، ومؤخراً وصل التصدير إلى الاتحاد الأوروبي إلى أعلى معدل حيث بلغ 600 مليون يورو، كما ساهموا بدخول المنتجات اللبنانية بشكل كبير إلى أميركا". 

وفيما يتعلق بدول الخليج يقول أبو حيدر "نحضّر لإعادة تفعيل الاتفاقيات التجارية معها، بالتالي نحن بحاجة إلى الملحقين الاقتصاديين، علماً أنهم تابعوا مشاركة لبنان في إكسبو دبي، العام الماضي، وإكسبو قطر، هذا العام، من دون أن ننسى جهودهم في أميركا الجنوبية وأفريقيا، حيث تتواجد جالية لبنانية كبيرة". 

"فسخ العقود مع الملحقين الاقتصاديين أصبح إلزامياً وحتمياً وإن كان اجتماعياً مضراً لهم، إذ لا خيار آخر أمام وزارة الخارجية"، بحسب الباحث الاقتصادي، البروفيسور جاسم عجاقة، الذي يرى في حديث لموقع "الحرة" أن "لبنان لن يخسر شيئاً بعد الاستغناء عن مهمتهم، فلا تتواجد دولة في العالم مستعدة للعمل مع لبنان من دون قيام السلطة اللبنانية بإصلاحات، وبالتالي أي مجهود يقوم به الملحقون الاقتصاديون لن يوصِل إلى نتيجة"، ويضيف "الإشكالية الكبرى تكمن في عجز السلطة عن دفع رواتب هؤلاء، لا سيما وأنها بالعملة الأجنبية". 

اتخذ بو حبيب قراره بعد مرور أربع سنوات على الأزمة الاقتصادية التي تعصف بلبنان، حيث وصل البلد، بحسب ما قاله رئيس حكومة تصريف الأعمال، نجيب ميقاتي، "إلى مرحلة بالغة الصعوبة والخطورة" مضيفاً خلال جلسة مجلس الوزراء، التي عقدت الخميس، أنه حتى الآن "لم يُقَر أي مشروع إصلاحي مالي بعد".

أكثر من ذلك، فان الخطورة القصوى تكمن في أنه، بغياب قانون إعادة هيكلة المصارف ومعاودة نشاطها كالمعتاد، فإننا بتنا نتكل على الاقتصاد النقدي ما يشكل خطراً كبيراً، لكونه وسيلة لكل الجرائم المالية التي قد تحصل. وأخشى، إذا تأخرنا أكثر في عملية إقرار القوانين، أن تكون العواقب وخيمة جداً، ليس على الأشخاص، بل على الاقتصاد في البلد ككل". 

وخلال الجلسة اعترض عدد من الوزراء كما يقول الملحق الاقتصادي "على عدم تشاور وزير الخارجية مع الوزارات المعنية بعملنا، منها الزراعة والصناعة والسياحة والاقتصاد والتجارة، حيث شدد هؤلاء على أهمية استمرارنا في مهمتنا، وبالتالي ضرورة تراجع بو حبيب عن قراره". 

دعوات للتراجع عن القرار 

"لا شيء كالصناعة والتصدير يمكنه إنقاذ بلد من أزمته الاقتصادية"، بحسب الملحقة الاقتصادية، "ومن دون ملحقين اقتصاديين يتابعون في الخارج الأمور الاقتصادية لن ينجح ذلك، وللمرة الأولى يتفق كافة الوزراء المعنيين من مختلف الطوائف والتوجهات السياسية مع الهيئات الاقتصادية والجمعيات غير الحكومية والشركات على رأي واحد، بأن المهمة التي نقوم بها ضرورية". 

قرار بو حبيب استدعى رداً من النائب، فريد البستاني، الذي وصفه بـ "غير المدروس"، معتبراً في تغريدة عبر "إكس" أنه يهدد علاقة لبنان التجارية والاقتصادية مع بلدان مهمة ومؤثرة تستورد منه أكثر من ملياري دولار سنوياً، وتساهم بصمود عدة صناعات تعيل آلاف العائلات".

وأضاف "المطلوب إعادة النظر ودراسة جدية للقرار من قبل وزارة الخارجية لإيجاد حلول ناجعة تحافظ على أواصر الربط الاقتصادي بين لبنان والخارج والبحث عن أبواب أخرى للحد من المصاريف". 

كذلك دعت "الهيئات الاقتصادية" برئاسة الوزير السابق، محمد شقير، وزارة الخارجية، إلى "العودة عن قرارها" مشددة في بيان، على "ضرورة أن تعمل كل الجهات المسؤولة والمعنية في الدولة اللبنانية، لتأمين الاحتياجات التمويلية لتأمين رواتب الملحقين الاقتصاديين، لدورهم الأساسي في تحقيق مصالح لبنان الاقتصادية وتسويق المنتجات والعلامات التجارية، وكذلك تسويق لبنان على المستوى السياحي في الدول المتواجدين فيها". 

من جانبها، أسفت جمعية الصناعيين اللبنانيين "بشدة لقرار وزارة الخارجية"، معتبرة أن "هذه الخطوة من شأنها أن تهدم كل الجهود التي بنيت في السنوات الأخيرة من أجل فتح أسواق جديدة أمام الصادرات الصناعية وبناء علاقات تجارية جديدة مع عدد كبير من البلدان" ورأت أن "الوقت لا يزال سانحاً للبحث عن حلول لهذه الأزمة". 

ودعت الجمعية في بيان "المسؤولين اللبنانيين عموماً، ووزارة الخارجية خصوصاً، إلى إعادة النظر بهذا القرار نظراً لأهمية الدور الذي يؤديه الملحقون الاقتصاديون من حيث تأمين مصالح لبنان الاقتصادية والصناعية والتجارية في الدول التي عُيّنوا فيها، الأمر الذي ينعكس انتعاشاً في اقتصاد لبنان كذلك تسهيل أمور الصناعيين عبر المساهمة في عقد اتفاقيات وتقديم المشورة لرجال الأعمال اللبنانيين والمساهمة في تسوية أيّ نزاعات بين لبنان وأيّ من هذه الدول". 

كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟
كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟

طائرة تحلّق في الأجواء. صاروخ لا تراه لكن تشاهد أثره: سيارة تتحول في ثوان إلى حطام، أو شقة سكنية تتحول إلى كتلة لهب.

الهدف كادر أو قيادي في حزب الله.

والمشهد يتكرر.

في لبنان، تهدئة معلنة.. هذا على الأرض.

لكن في السماء، تواصل الطائرات الإسرائيلية المسيّرة التحليق وتنفيذ ضربات دقيقة تخلّف آثاراً جسيمة، ليس في ترسانة الحزب العسكرية فقط، بل في البنية القيادية كذلك.

وفيما يحاول الحزب امتصاص الضربات، تتوالى الأسئلة: كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ أهو التقدّم التكنولوجي المحض، من ذكاء اصطناعي وطائرات بدون طيار؟ أم أن هناك ما هو أخطر؟ اختراقات بشرية داخل صفوف الحزب تُستغلّ لتسهيل تنفيذ الضربات؟ وما هي الاستراتيجية الإسرائيلية هنا والأهداف؟

"اختراق بشري"

استهداف تلو الآخر، والرسالة واضحة: اليد الإسرائيلية طويلة بما يكفي لتصل إلى أي نقطة في لبنان، والعين الإسرائيلية ترى ما لا يُفترض أن يُرى.

يصف القائد السابق للفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر العمليات الإسرائيلية الأخيرة بأنها "بالغة التعقيد، تعتمد على تناغم نادر بين التكنولوجيا المتقدّمة والاختراق الاستخباراتي البشري"، مشيراً إلى أن "تحديد هوية القادة الجدد الذين حلّوا مكان المُغتالين يتم عبر تقنيات متطوّرة تشمل بصمات العين والصوت والوجه"، متسائلاً "من أين حصلت إسرائيل على أسماء القادة والكوادر الجدد؟ الجواب ببساطة: عبر اختراق بشري فعّال".

ويتابع نادر "حتى الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، المعروف بتشدده الأمني وإقامته في مواقع محصّنة، لم يكن بمنأى عن محاولات التتبّع، إذ تحدّثت تقارير استخباراتية دولية عن اختراق بشري ساعد في تحديد موقعه".

ويرى أن "ما نشهده هو منظومة اغتيال متطوّرة ومتعددة الأبعاد، تمزج بين الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والعمل البشري الدقيق. هذه الثلاثية تفسّر نجاح العمليات الأخيرة، والأثر العميق الذي تتركه في هيكلية حزب الله، سواء على المستوى العملياتي أو المعنوي".

من جانبه، يرى الباحث في الشأن السياسي نضال السبع أن هذه الاستهدافات "تعكس مزيجاً من التفوق التقني الإسرائيلي والاختراق الأمني الداخلي في بنية الحزب، وكما هو واضح فإن إسرائيل تمتلك قائمة أهداف تتعامل معها تباعاً، وفقاً لمعلومات دقيقة يتم تحديثها باستمرار، ما يتيح لها تنفيذ عمليات مدروسة بعناية شديدة، ويحدّ من قدرة حزب الله على المناورة أو استعادة توازنه سريعاً".

صمت وعجز

على الرغم من الضربات المتتالية التي تلقاها الحزب منذ 27نوفمبر الماضي، والتي أودت بحياة عدد كبير من كوادره، لم يقم بالرد، ويُفسّر نادر ذلك بـ"ضعف فعلي في القدرة على الرد، أكثر من كونه خياراً استراتيجياً".

ويقول نادر "ليس بالضرورة أن الحزب لا يريد الرد، بل الحقيقة أنه لم يعد يمتلك القدرة. هو يعاني من تراجع عملياتي ملحوظ، وتصدّع في هيكليته القيادية، يرافقه حصار سياسي داخلي وخارجي يزداد ضيقاً".

ويضيف "حتى لو قرّر الرد، فما الذي يمكنه فعله فعلاً؟ هل يملك القدرة على تنفيذ عملية نوعية تترك أثراً؟ المعطيات الحالية تشير إلى أن هذه القدرة باتت شبه معدومة، لا سيما بعد خسارته الغطاء السياسي الذي كان يوفره له بعض الحلفاء، ومع تزايد عزلته على الصعيدين العربي والدولي".

ويختم نادر بالقول "تصريحات الحزب تعكس حالة من التردد والارتباك. فتارةً يتحدّث عن التزامه بقرارات الدولة، وتارةً يلوّح بحق الرد. لكن الواقع على الأرض يقول إنه في وضع حرج: محاصر سياسياً، وعاجز عسكرياً، وأي مغامرة جديدة قد تكلّفه الكثير... وهو يعلم ذلك جيداً".

من جانبه، يرى السبع أن حزب الله لا يسعى حالياً إلى الرد، بل يركّز على "مرحلة إعادة التقييم والاستعداد"، مشيراً إلى أن الحزب "رغم الخسائر، لا يزال يحتفظ ببنية عسكرية كبيرة، تفوق في بعض جوانبها إمكانيات الجيش اللبناني نفسه، لكنه في المقابل، يقرأ المشهد اللبناني الداخلي بدقة، ويدرك حساسية التزامات الدولة تجاه المجتمع الدولي، ولا سيما مع توقف خطوط إمداده من سوريا، ما يدفعه إلى التريّث في اتخاذ قرار المواجهة".

خريطة استراتيجية تغيرت

يرى الباحث نضال السبع أن الإسرائيليين يشعرون بالتفوق. يضيف "عزز هذا الانطباع عدد من العوامل، أبرزها سقوط النظام السوري كحليف استراتيجي، والتقدم الميداني في غزة، وعجز الحزب عن تنفيذ ضربات نوعية، فضلاً عن ازدياد عزلته السياسية في الداخل اللبناني، لا سيما بعد انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية وتشكيل نواف سلام للحكومة".

يشبّه السبع ما يجري اليوم في لبنان بالمشهد الذي أعقب حرب يوليو 2006، "حيث توقفت العمليات العسكرية رسمياً، فيما بدأت إسرائيل التحضير لما وصفته آنذاك بـ(المعركة الأخيرة)، مستغلة فترة الهدوء الطويل لإعادة التموضع وتكثيف الجهوزية".

يقول إن "حزب الله دخل مرحلة إعادة تقييم وتجهيز بعد سلسلة الضربات التي تلقاها في الأشهر الماضية، في حين تسعى إسرائيل إلى منعه من التقاط الأنفاس، عبر استمرارها في تنفيذ عمليات نوعية ودقيقة، تشبه إلى حدّ بعيد تلك التي نفذتها في الساحة السورية بعد العام 2011، عندما استباحت الأجواء السورية".

ويضيف أن "المشهد ذاته يتكرر اليوم في لبنان، حيث باتت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية جزءاً من المشهد اليومي، تنفّذ عمليات اغتيال متتالية".

كسر البنية القيادية

لكن هل تؤثر هذه العمليات على بنية الحزب؟

يوضح السبع أن "الاستهدافات الأخيرة تطال كوادر داخل حزب الله، لكن الضربة الكبرى وقعت خلال حرب الشهرين، حين تعرّضت قيادات الصف الأول والثاني للاغتيال، أما اغتيال كوادر من الصف الثالث، فله تأثير محدود ولا يحدث خللاً جذرياً في الهيكل التنظيمي للحزب".

من جهته، يرى العميد المتقاعد جورج نادر أن أهداف إسرائيل من تصفية الكوادر العسكرية تلامس عمقاً استراتيجياً أكبر، موضحاً: "الرسالة الأساسية التي تبعث بها إسرائيل من خلال هذه العمليات هي التأكيد على قدرتها على استهداف أي عنصر أو قائد في حزب الله، وفي أي موقع داخل الأراضي اللبنانية، ما يكرّس واقعاً أمنياً جديداً تتحكم فيه بالمجال الجوي للبنان".

ويؤكد نادر أن وراء هذا الاستهداف "رسالة مباشرة مفادها أن لا أحد بمنأى، ما يترك أثراً نفسياً بالغاً على العناصر، ويقوّض شعورهم بالأمان".

خريطة استهدافات

رسمت إسرائيل، خلال السنوات الماضية، خريطة دقيقة لاستهداف قيادات حزب الله، عبر عمليات اغتيال شكّلت ضربة قاسية للحزب. ومن بين أبرز هذه العمليات، اغتيال ثلاثة من أمنائه العامين.

ففي 16 فبراير 1992، اغتيل عباس الموسوي، الأمين العام الأسبق لحزب الله، في غارة جوية استهدفت موكبه في جنوب لبنان.

وفي سبتمبر 2024، قتل حسن نصر الله، بصواريخ خارقة للتحصينات، في الضاحية الجنوبية لبيروت، وبعد أسابيع، في أكتوبر 2024، اغتيل هاشم صفي الدين، خلفية نصر الله، في عملية مماثلة.

وطالت الاغتيالات شخصيات بارزة في الجناح العسكري للحزب، أبرزهم عماد مغنية، الذي قُتل في فبراير 2008، إثر تفجير سيارة مفخخة في أحد أحياء دمشق، وفي مايو 2016، لقي مصطفى بدر الدين، خليفة مغنية مصرعه في تفجير استهدفه قرب مطار دمشق.

واغتيل فؤاد شكر، القائد البارز في وحدة "الرضوان"، في يوليو 2024، بواسطة طائرة استهدفته داخل مبنى سكني في الضاحية الجنوبية.

وفي سبتمبر 2024، لقي إبراهيم عقيل، عضو مجلس الجهاد والرجل الثاني في قيادة الحزب بعد مقتل شكر، المصير ذاته، إثر ضربة بطائرة استهدفته في الضاحية.

ويرى نادر أن "هذه الاغتيالات لا تكتفي بالتأثير الرمزي، بل تُحدث خللاً فعلياً في التراتبية القيادية داخل الحزب، إذ يصعب تعويض القادة المستهدفين بسرعة أو بكفاءة مماثلة، ما يربك الأداء الميداني والتنظيمي، ويجعل من عمليات الاغتيال أداة استراتيجية تستخدم لإضعاف حزب الله من الداخل".