العلم اللبناني
لبنان قلص نفقات بعثاته الدبلوماسية

وصلت تداعيات أزمة لبنان الاقتصادية إلى سفاراته في الخارج، حيث تسلّم جميع الملحقين الاقتصاديين في البعثات الدبلوماسية كتابا رسميا من وزارة الخارجية يتعلق بعدم تجديد عقودهم العام المقبل.

قرار وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الأعمال، عبد الله بو حبيب، فاجأ الملحقين الاقتصاديين إلى حد ما، كما يقول أحدهم لموقع "الحرة"، رغم أنه "كل سنة يتردد على مسامعنا أنه سيتم الاستغناء عن خدماتنا لنعود ونسمع أننا حاجة وطنية" ويضيف "يسأل البعض عن القيمة المضافة من عملنا ويرون في تعيينا هدراً يكبّد الخزينة مبالغ طائلة، رغم أننا سنوياً نقدم تقريراً ليقيّم السفير عملنا وعلى أساس ذلك يجدد مجلس الخدمة المدنية التعاقد معنا". 

بُرِّر عدم تجديد التعاقد مع الملحقين الاقتصاديين بتقليص نفقات البعثات الدبلوماسية اللبنانية نتيجة الشح المالي، لكن، كما تقول ملحقة اقتصادية لموقع "الحرة"، "بلغت الأرقام نسبة رواتبنا لا تشكل أكثر من 3 في المئة من مجمل رواتب السلك الخارجي، وهي أقل نسبة رواتب مقارنة برواتب بقية السلك من سفراء وقناصل، مع العلم أن بعضنا استقال من وظيفته للاستثمار في المصلحة الوطنية"، كذلك أكد زميلها ذلك بالقول:" يتراوح معدّل رواتبنا الوسطي بين 8 آلاف و10 آلاف دولار في حين أن معدل رواتب القناصل يتراوح بين 14 ألف و16 ألف دولار". 

يذكر أنه، في عام 2019، التحق 20 ملحقاً اقتصادياً بمراكز عملهم خارج لبنان، في واشنطن، بروكسل، الرياض، أبو ظبي، عمّان، القاهرة، الكويت، بغداد، موسكو، ، باريس، برلين، بكين، برازيليا، مكسيكو، أبوجا، أبيدجان، لندن، طوكيو، بريتوريا وأوتاوا، بعدما أطلق وزير الخارجية والمغتربين حينها، جبران باسيل، دورة لهم أعقبت نجاحهم في الامتحان الذي أجرته الوزارة، ليعود ويقدم خمسة منهم استقالتهم.

وبحسب المرسوم 3040، الصادر عام 1972، يتعاقد وزير الخارجية والمغتربين مع الملحقين لسنة واحدة قابلة التجديد، ويصبح العقد نافذاً بتوقيع الوزير وموافقة مجلس الخدمة المدنية.

إنجازات من دون تقدير

من حق الملحقين الاقتصاديين أن يسألوا، كما تقول الملحقة الاقتصادية، إن كانت وزارة الخارجية أجرت "دراسة قارنت خلالها بين أعباء رواتبنا ومردود عملنا قبل اتخاذها قرارها، رغم أن هناك أمورا لا يمكن تحويلها إلى أرقام، فالتسويق للمنتجات والشراكات في القطاع الخاص تحتاج إلى خطط طويلة الأمد، ومع ذلك استطعنا من خلال خطط قصيرة الأمد تأمين أسواق خارجية فورية للمنتجات اللبنانية". 

وتؤكد "منذ التحاقنا بمراكزنا، رفعنا نسبة التصدير ما بين 60 إلى 80 في المئة في بعض الدول، جهزنا 'داتا' (بيانات) اقتصادية، وفتحنا أبواباً للتجار اللبنانيين، مشروعنا واعد وأصداؤه إيجابية، فجميعنا من أصحاب الخبرة وحمَلة شهادات عليا، وبعد كل الإنجاز الذي قمنا به، يريد الوزير بجرّة قلم إنهاء مبادرة اقتصادية لعدم دفع مليون ونصف المليون دولار سنوياً في وقت مردود عملنا بملايين الدولارات". 

استمر الملحقون الاقتصاديون في عملهم "على الحلوة والمرة" بحسب وصفها، شارحة "سبق أن مرّت ستة أشهر من دون أن نقبض رواتبنا ومع ذلك صبرنا، وحتى الآن لم نقبض أتعاب شهر يوليو، وبدلاً من أن نُعامل كبقية الدبلوماسيين نُكافأ بتسليمنا قرار الاستغناء عن خدماتنا وإيقاف مشروع ذو رؤية اقتصادية، في وقت تتجه كافة البلدان نحو الدبلوماسية الاقتصادية التي تثبت يوماً بعد يوم أهميتها، والدليل أن سفارات الدول الكبرى خصصت قسماً اقتصادياً كبيراً في لبنان رغم صِغَر سوقه، أما بلدنا فلديه ملحق اقتصادي واحد في كبرى الدول". 

ويرى زميلها أن وزير الخارجية يريد تسليم مهام الملحقين الاقتصاديين إلى القناصل، وهو يعلم، بحسب قوله، أن "الملحق الاقتصادي يمكنه القيام بمهام القنصل، أما العكس فغير ممكن، وقد ظهر ذلك خلال أزمة كورونا حيث ساهمنا بتأمين اللقاحات وعمليات الإجلاء، إضافة إلى عملنا في إيجاد أسواق لتصريف المنتجات اللبنانية في الخارج، والمشاركة في المعارض، لا بل إقامة بعضها، كما أنشأنا منصة لتسهيل عثور اللبنانيين على وظائف". 

ألقى المرسوم 3040 الصادر، عام 1972، على عاتق الملحق الاقتصادي عدة مهام، منها جمع المعلومات حول ما يهم لبنان من الشؤون الاقتصادية والتجارية والمالية في البلد الداخل في نطاق صلاحيته، ودراسة هذه المعلومات لمعرفة تأثيرها على الاقتصاد اللبناني ولاكتشاف الأسواق الممكنة للمنتجات والخدمات اللبنانية وإمكانية توظيف رؤوس الأموال الأجنبية في لبنان وتنشيط السياحة فيه. 

كما يدخل ضمن مهام الملحق الاقتصادي إجراء اتصالات مع سائر البعثات ومع الرسميين ورجال الأعمال وغرف التجارة والصناعة وجمعيات التجار والصناعيين وأفراد الجالية اللبنانية ومع المسؤولين عن الإعلام وجميع المعنيين بالشؤون الاقتصادية والصناعية والتجارية والمالية والسياحية لتعريف لبنان وإمكاناته في هذه الحقول وإيجاد الأسواق له، والعمل على إنشاء غرف تجارية مشتركة ومتابعة نشاطها. 

كما يكمن دوره في المساهمة في تنظيم المعارض والأسواق والمؤتمرات واستقبال اللبنانيين القادمين لهذا الغرض وتسهيل مهمتهم والإشراف على المعارض اللبنانية الدائمة، والاشتراك في اجتماعات وأعمال الهيئات الدولية وفي المفاوضات وفي عقد المعاهدات والاتفاقات الدولية وتقديم المعلومات والمشورة لرجال الأعمال اللبنانيين وتأمين الصلة بينهم وبين رجال الأعمال في البلد الذي يتواجدن فيه. 

وعلى الملحق الاقتصادي السعي لتسوية النزاعات التجارية بين اللبنانيين والأجانب وحماية مصالح اللبنانيين الاقتصادية، والبحث في امكانية الحصول على المساعدات والقروض الخارجية والعمل على الحصول عليها. 

بين الحاجة الماسّة والحتميّة 

جاء قرار وزير الخارجية اللبنانية "في وقت لبنان بأمس الحاجة فيه للملحقين الاقتصاديين"، بحسب ما يؤكده مدير عام وزارة الاقتصاد والتجارة، الدكتور محمد أبو حيدر، قائلا: "أولاً لدخول البضائع اللبنانية إلى الأسواق الخارجية، وثانياً لتفعيل الاتفاقيات التجارية بين لبنان وبقية الدول وخلق أسواق جديدة منافِسة". 

أبو حيدر يشير في حديث لموقع "الحرة" إلى العمل "الجبّار" الذي قام به الملحقون الاقتصاديون، "فقد أدخلوا الصناعات الغذائية والمطعم اللبناني إلى أوروبا، ومؤخراً وصل التصدير إلى الاتحاد الأوروبي إلى أعلى معدل حيث بلغ 600 مليون يورو، كما ساهموا بدخول المنتجات اللبنانية بشكل كبير إلى أميركا". 

وفيما يتعلق بدول الخليج يقول أبو حيدر "نحضّر لإعادة تفعيل الاتفاقيات التجارية معها، بالتالي نحن بحاجة إلى الملحقين الاقتصاديين، علماً أنهم تابعوا مشاركة لبنان في إكسبو دبي، العام الماضي، وإكسبو قطر، هذا العام، من دون أن ننسى جهودهم في أميركا الجنوبية وأفريقيا، حيث تتواجد جالية لبنانية كبيرة". 

"فسخ العقود مع الملحقين الاقتصاديين أصبح إلزامياً وحتمياً وإن كان اجتماعياً مضراً لهم، إذ لا خيار آخر أمام وزارة الخارجية"، بحسب الباحث الاقتصادي، البروفيسور جاسم عجاقة، الذي يرى في حديث لموقع "الحرة" أن "لبنان لن يخسر شيئاً بعد الاستغناء عن مهمتهم، فلا تتواجد دولة في العالم مستعدة للعمل مع لبنان من دون قيام السلطة اللبنانية بإصلاحات، وبالتالي أي مجهود يقوم به الملحقون الاقتصاديون لن يوصِل إلى نتيجة"، ويضيف "الإشكالية الكبرى تكمن في عجز السلطة عن دفع رواتب هؤلاء، لا سيما وأنها بالعملة الأجنبية". 

اتخذ بو حبيب قراره بعد مرور أربع سنوات على الأزمة الاقتصادية التي تعصف بلبنان، حيث وصل البلد، بحسب ما قاله رئيس حكومة تصريف الأعمال، نجيب ميقاتي، "إلى مرحلة بالغة الصعوبة والخطورة" مضيفاً خلال جلسة مجلس الوزراء، التي عقدت الخميس، أنه حتى الآن "لم يُقَر أي مشروع إصلاحي مالي بعد".

أكثر من ذلك، فان الخطورة القصوى تكمن في أنه، بغياب قانون إعادة هيكلة المصارف ومعاودة نشاطها كالمعتاد، فإننا بتنا نتكل على الاقتصاد النقدي ما يشكل خطراً كبيراً، لكونه وسيلة لكل الجرائم المالية التي قد تحصل. وأخشى، إذا تأخرنا أكثر في عملية إقرار القوانين، أن تكون العواقب وخيمة جداً، ليس على الأشخاص، بل على الاقتصاد في البلد ككل". 

وخلال الجلسة اعترض عدد من الوزراء كما يقول الملحق الاقتصادي "على عدم تشاور وزير الخارجية مع الوزارات المعنية بعملنا، منها الزراعة والصناعة والسياحة والاقتصاد والتجارة، حيث شدد هؤلاء على أهمية استمرارنا في مهمتنا، وبالتالي ضرورة تراجع بو حبيب عن قراره". 

دعوات للتراجع عن القرار 

"لا شيء كالصناعة والتصدير يمكنه إنقاذ بلد من أزمته الاقتصادية"، بحسب الملحقة الاقتصادية، "ومن دون ملحقين اقتصاديين يتابعون في الخارج الأمور الاقتصادية لن ينجح ذلك، وللمرة الأولى يتفق كافة الوزراء المعنيين من مختلف الطوائف والتوجهات السياسية مع الهيئات الاقتصادية والجمعيات غير الحكومية والشركات على رأي واحد، بأن المهمة التي نقوم بها ضرورية". 

قرار بو حبيب استدعى رداً من النائب، فريد البستاني، الذي وصفه بـ "غير المدروس"، معتبراً في تغريدة عبر "إكس" أنه يهدد علاقة لبنان التجارية والاقتصادية مع بلدان مهمة ومؤثرة تستورد منه أكثر من ملياري دولار سنوياً، وتساهم بصمود عدة صناعات تعيل آلاف العائلات".

وأضاف "المطلوب إعادة النظر ودراسة جدية للقرار من قبل وزارة الخارجية لإيجاد حلول ناجعة تحافظ على أواصر الربط الاقتصادي بين لبنان والخارج والبحث عن أبواب أخرى للحد من المصاريف". 

كذلك دعت "الهيئات الاقتصادية" برئاسة الوزير السابق، محمد شقير، وزارة الخارجية، إلى "العودة عن قرارها" مشددة في بيان، على "ضرورة أن تعمل كل الجهات المسؤولة والمعنية في الدولة اللبنانية، لتأمين الاحتياجات التمويلية لتأمين رواتب الملحقين الاقتصاديين، لدورهم الأساسي في تحقيق مصالح لبنان الاقتصادية وتسويق المنتجات والعلامات التجارية، وكذلك تسويق لبنان على المستوى السياحي في الدول المتواجدين فيها". 

من جانبها، أسفت جمعية الصناعيين اللبنانيين "بشدة لقرار وزارة الخارجية"، معتبرة أن "هذه الخطوة من شأنها أن تهدم كل الجهود التي بنيت في السنوات الأخيرة من أجل فتح أسواق جديدة أمام الصادرات الصناعية وبناء علاقات تجارية جديدة مع عدد كبير من البلدان" ورأت أن "الوقت لا يزال سانحاً للبحث عن حلول لهذه الأزمة". 

ودعت الجمعية في بيان "المسؤولين اللبنانيين عموماً، ووزارة الخارجية خصوصاً، إلى إعادة النظر بهذا القرار نظراً لأهمية الدور الذي يؤديه الملحقون الاقتصاديون من حيث تأمين مصالح لبنان الاقتصادية والصناعية والتجارية في الدول التي عُيّنوا فيها، الأمر الذي ينعكس انتعاشاً في اقتصاد لبنان كذلك تسهيل أمور الصناعيين عبر المساهمة في عقد اتفاقيات وتقديم المشورة لرجال الأعمال اللبنانيين والمساهمة في تسوية أيّ نزاعات بين لبنان وأيّ من هذه الدول". 

سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز
سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز

بعد أن زج حزب الله بلبنان في حرب مدمرة مع إسرائيل، أوقعت ضحايا وخلّفت خراباً واسعاً وفاقمت الانهيار الاقتصادي، برز ملف الاستراتيجية الدفاعية في صدارة المشهد السياسي اللبناني.

وتزامن ذلك مع تصاعد المطالبات الداخلية والدولية بنزع سلاح الحزب وحصر القرار العسكري بيد الدولة اللبنانية، تنفيذاً للقرارات الدولية، وفي مقدمتها القرار 1701.

في هذا السياق، أكد الرئيس اللبناني، جوزاف عون، في خطاب القسم، عزمه وضع "استراتيجية دفاعية متكاملة على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية". 

أما البيان الوزاري للحكومة، فشدد على ضرورة "حصر السلاح بيد الدولة"، ما يعني إنهاء مظاهر الازدواجية العسكرية التي تعيق قيام الدولة بمسؤولياتها السيادية.

ورغم أن الدعوة إلى وضع استراتيجية دفاعية تحظى بتأييد واسع، فإن التصورات حول مضمونها تبقى متباعدة إلى حد التناقض. 

فبينما يرى البعض أن إشراك سلاح حزب الله في هذه الاستراتيجية يقوض سيادة الدولة ويكرّس واقعاً ميليشيوياً، يشير آخرون إلى تجارب دولية احتوت جماعات مسلّحة ضمن منظومات دفاعية وطنية، غير أن موقف الحزب نفسه لا يزال ثابتاً في رفضه تسليم سلاحه.

فالحزب الذي وافق، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، على سحب سلاحه من جنوب الليطاني، يرفض تسليم ترسانته شمال النهر، ما يثير تساؤلات حول وجهة هذا السلاح وهدفه، خصوصاً في ظل سجل سابق من استخدامه داخلياً، كما حدث في أحداث 7 مايو 2008.

وأعلن النائب عن الحزب حسن فضل الله استعداد حزب الله للدخول في حوار حول الاستراتيجية الدفاعية، لكن هذا الموقف لم يترافق مع أي إشارات إلى نية التخلي عن السلاح.

وهو ما أكده عضو المجلس السياسي للحزب، غالب أبو زينب، بقوله إن "السلاح ليس مطروحاً للنقاش". 

أما الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، فذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن "أي حديث عن حصر السلاح بيد الجيش اللبناني لا يعني سلاح حزب الله"، وذلك في تحدٍّ مباشر لموقف السلطة اللبنانية.

ويبقى السؤال: هل ستكون الاستراتيجية الدفاعية مدخلاً جدياً لسحب سلاح حزب الله، أم ستستخدم كغطاء جديد لتكريس ازدواجية السلاح وتثبيت هيمنة حزب الله داخل مؤسسات الدولة وتحت غطائها؟

نهاية حقبة

وانتهى الدور الذي لعبه سلاح حزب الله في السابق، كما شدد الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد ناجي ملاعب.

وأكد أن "المرحلة الحالية تتطلب منح الدولة وقتاً كافياً لترسيخ هذه القناعة داخل البيئة الحاضنة للحزب، تمهيداً لترجمتها عملياً على أرض الواقع".

وقال ملاعب، لموقع "الحرة": "أعتقد أننا بدأنا نلمس هذا التحول في المزاج العام لدى بيئة حزب الله، حيث تنمو القناعة تدريجياً بأن هذا السلاح لم يؤد الدور الذي رُوّج له في السابق".

واعتبر أن هذا التحول يشكل فرصة جدية أمام رئيس الجمهورية والسلطات الرسمية للانتقال من مرحلة التفاهمات الضمنية إلى خطوات عملية واضحة، تستند إلى رؤية وطنية جامعة.

وأضاف "نحن اليوم أمام رئيس جمهورية سبق أن تولى قيادة الجيش لمدة خمس سنوات، وهو يمتلك خبرة عسكرية وأمنية واسعة، داخلياً وخارجياً. وقد أبدى في مختلف تصريحاته تمسكه بالسلم الأهلي، وهو معروف بقدرته على إدارة الأزمات بتوازن، دون أن يترك تداعيات سلبية معقدة، وبالتالي هو يتمتع بالحكمة والخبرة الكافيتين لقيادة البلاد في هذه المرحلة الدقيقة، والتعامل مع الملفات الأمنية الحساسة بمسؤولية عالية".

من جهته، أكد رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة، العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر، أن إعداد استراتيجية دفاعية وطنية شاملة لم يعد ترفاً. 

وقال لموقع "الحرة": "منذ سنوات نطالب بوضع استراتيجية دفاعية، ومن غير المفهوم أن الدولة لم تبادر حتى اليوم إلى تشكيل لجنة متخصصة لهذا الغرض، علماً أن إعداد هذه الاستراتيجية لا يحتاج لأكثر من شهر، قبل عرضها على الحكومة ثم مجلس النواب لإقرارها بقانون".

أما القائد السابق لفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر، فرأى في حديث لموقع "الحرة" أن تصريحات رئيس الجمهورية عن "استراتيجية الأمن الوطني" تشير إلى مقاربة أشمل من مجرد استراتيجية دفاعية. 

إذ تشمل وفق نادر "الأمن الداخلي والخارجي، الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، إلى جانب الأمن العسكري. وبالتالي فإن الاستراتيجية الدفاعية ليست سوى جزء من منظومة الأمن الوطني الشاملة".

بدوره، شدد ملاعب على أن "استراتيجية الأمن الوطني لا يمكن اختزالها بالبعد العسكري، بل تشمل مختلف الأبعاد: الاقتصادية، المالية، الجغرافية، التربوية، وكل ما يشكل مكونات القوة الوطنية. ومن هذه الركائز تُبنى الاستراتيجية الدفاعية لتكون إطاراً شاملاً يحفظ أمن الدولة واستقرارها".

الدمج غير وارد؟

"أي استراتيجية دفاعية لا يمكن أن تستوعب سلاحاً خارج إطار الدولة"، كما رأى نادر، مؤكداً أن "القرار الرسمي اللبناني واضح في هذا السياق، ويقضي بحصر السلاح بيد الجيش اللبناني".

لذلك لا يمكن على الإطلاق كما أكد نادر "إدماج الحزب في استراتيجية الدفاع الوطني، لأن السلاح يجب أن يكون فقط بيد الجيش".

وأردف قائلا: "لا يمكن لمجموعة مسلّحة، ولو كانت مؤلفة على سبيل المثال من خمسة آلاف عنصر، أن تشكّل لواءً خاصاً بها داخل المؤسسة العسكرية وتحتفظ بسلاحها".

واستعاد نادر تجربة توحيد المؤسسة العسكرية بعد الحرب الأهلية، مشيراً إلى أن "الجيش خضع عام 1990 لعملية دمج شاملة، أنهت الانقسامات الطائفية والمناطقية، وأرست أسس مؤسسة وطنية موحدة. اليوم، لم يعد هناك مكان لألوية مذهبية أو فئوية، وأي عودة إلى الوراء ستُقوّض ما تحقق".

لذلك "من يرغب من عناصر الحزب في الدفاع عن لبنان فالباب مفتوح أمامه" كما قال نادر "للتطوع في صفوف القوات المسلحة اللبنانية، وفق الشروط المعتمدة، كما هو الحال مع أي مواطن لبناني آخر".

وأكد نادر أن "الاستراتيجية الدفاعية هي مسؤولية وطنية سيادية، تحدّد من هو العدو، وكيف تتم مواجهته، وبأي وسائل، ولماذا"، مشدداً على أنه "لا يمكن أن تترك هذه المهمة لأي فصيل مسلّح خارج سلطة الدولة".

مقاربة مختلفة

على خلاف نادر، رأى جابر أن الاستراتيجية الدفاعية "يجب أن تقوم على مبدأ أن مسؤولية الدفاع عن الوطن تقع أولاً على عاتق القوى النظامية، أي الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بالإضافة إلى قوات احتياط تنظّم ضمن إطار الدولة" وتشمل ما يعرف بـ"القوى شبه النظامية" أو Para-Military Forces.

وأوضح جابر أن "الأحزاب التي تمتلك سلاحاً، ومنها حزب الله، تخضع أسلحتها الثقيلة لإشراف الجيش اللبناني، بحيث تُخزَّن في مستودعات عسكرية، فيما يعود عناصر هذه القوى إلى حياتهم المدنية في الظروف العادية. ويتم تنظيم هذه العملية بشكل لوجستي دقيق، يسمح باستدعاء العناصر خلال 72 ساعة في حال إعلان الطوارئ أو تعرّض البلاد لخطر داهم".

وأضاف "في حالات الطوارئ، يستدعى هؤلاء إلى مراكز محددة من قبل قيادة الجيش، حيث يعاد توزيع السلاح عليهم وفق خطة مُسبقة، تحدد موقع كل عنصر ودوره ووقت تدخله، على أن تتم العملية تحت إشراف السلطة العسكرية العليا، أي قيادة الجيش والمجلس الأعلى للدفاع".

وعن مدى قدرة هذه المقاربة على إنهاء الازدواجية العسكرية، قال جابر "نعم، بالتأكيد. القيادة والقرار سيكونان بيد مؤسسة واحدة، ما يشكّل حلاً نهائياً وليس تسوية ظرفية أو مؤقتة".

واستشهد جابر بالنموذج السويسري، حيث يمكن للجيش رفع عديده من 50 ألفاً إلى نحو 370 ألفاً خلال 72 ساعة فقط عبر استدعاء الاحتياط، قائلاً "لا نسعى لأن نصبح سويسرا، لكن من خلال العمل الجاد والتنظيم، يمكننا بناء استراتيجية دفاعية تتيح لكل من يريد الدفاع عن الوطن أن يفعل ذلك ضمن كنف الدولة".

وشدد جابر على أن هذه الاستراتيجية لا تستهدف حزب الله وحده، بل تشمل جميع الأحزاب والقوى التي تمتلك سلاحاً.

وأوضح أن "من يرفض الانخراط في هذا الإطار تنزع منه الأسلحة. فهناك أيضاً عشائر وفصائل حزبية تمتلك سلاحاً ثقيلاً، ويجب أن يشملها الحل، سواء عبر الدمج ضمن الاستراتيجية الدفاعية أو من خلال نزع سلاحها".

وأشار إلى ضرورة شمول المخيمات الفلسطينية بهذا الإطار، مؤكداً أنه "لا يمكن المطالبة بنزع سلاح جهات لبنانية، مع الإبقاء على ترسانة قائمة داخل المخيمات".

أما فيما يخص السلاح الفردي، فكشف جابر عن وجود أكثر من ثلاثة ملايين قطعة سلاح خفيف في لبنان، كالمسدسات، مشيراً إلى إمكانية تنظيم هذا النوع من السلاح عبر آليات الترخيص لأغراض الحماية الشخصية.

خطوط حمراء.. ودعم

وتضع الولايات المتحدة الأميركية خطوط حمراء في مقاربتها للملف اللبناني، وفق ما يؤكده ملاعب، "أولهما ضمان أمن إسرائيل، وثانيهما الحفاظ على موقع رئاسة الجمهورية اللبنانية كمدخل لاستقرار النظام السياسي في لبنان".

وقال ملاعب "من رعا انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وإطلاق مسار إصلاحي هي واشنطن، وبالتالي فإن هذه السلطة باتت بالنسبة لها خطاً أحمر لا يُسمح بإفشاله".

وأضاف أن المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت مؤخراً، "لم تأتِ بسيف التهديد كما حاول البعض الترويج، بل حملت رؤية دعم واضحة، وعقدت لقاءات مع وزراء معنيين بملفات الاقتصاد، الإدارة، المالية والعدل، وناقشت معهم خطوات إصلاحية بدأت تترجم ميدانيًاً."

وأوضح ملاعب أن الموقف الأميركي لا يزال ثابتاً "الولايات المتحدة ستكون شريكاً للبنان فقط إذا مضى في طريق الإصلاح، ونجح في حصر السلاح بيد الدولة".

وأشار إلى أن اللقاءات اللبنانية–الأميركية الأخيرة عكست إجماعاً لبنانياً على ضرورة معالجة جذور الأزمة الأمنية، لا الاكتفاء بنتائجها. 

وقال "هناك موقف واضح من الدولة اللبنانية مفاده: إذا التزمت واشنطن بالضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة وتنفيذ القرار 1701 والاتفاقات الدولية ذات الصلة، فلن يبقى مبرر لأي سلاح خارج إطار الشرعية."

من جهته، شدد نادر على أن الحل الوحيد المقبول لقضية سلاح حزب الله يتمثل في "تسليم الحزب سلاحه للدولة، والانخراط في العمل السياسي كأي حزب لبناني آخر، ضمن القوانين والدستور".