الأزمة الاقتصادية في لبنان ضاعفت متاعب اللاجئين
يعيش اللاجئون السوريون في لبنان ظروفا صعبة بالتزامن مع مطالبات بترحليهم

انضم النائب اللبناني، إلياس جرادة، إلى الأصوات المطالبة بترحيل اللاجئين السوريين، حيث قدم مقترح قانون وصفه معارضون بـ "العنصري والتحريضي والمفاجئ"، من نائب تغييري "كان يعوّل عليه بمقاربة الملفات" بطريقة مختلفة عن السلطة السياسية المتجذرة منذ عشرات السنين.

وتخطى جراده كل الذين يرفعون الصوت من خلال الخطابات، محذرين من عدم قدرة لبنان على تحمّل بقاء اللاجئين السوريين في ظل الانهيار الاقتصادي وتحميلهم المسؤولية الكبرى عن ذلك، باقتراحه قانونا ينص على إلزام الحكومة اللبنانية لمفوضية شؤون اللاجئين بتوطين السوريين في بلد ثالث خلال سنة من إقراره، وإلّا ترحيل الوافدين خلسة فورا واعتبار إقامة من لديهم إقامات بموجب شهادة تسجيل صالحة صادرة عن المفوضية منتهية الصلاحية، وإعادتهم قسرا.

وبحسب اقتراح القانون يمنع تسوية أوضاع أي من الرعايا السوريين الوافدين خلسة أو المسجلين لدى المفوّضية بعد مهلة أقصاها سنة من إقرار هذا القانون، ويعتبر مقيماً غير شرعي أي سوري لا يستحصل على الإقامة وفق القوانين المرعية الإجراء، ويتم توقيفه بإشارة من النيابة العامة المختصّة بجرم الإقامة غير المشروعة، على أن يرحّل حكما بعد صدور حكم بحقه يقضى بذلك.

يخشى لاجئون من العودة إلى سوريا بسبب مخاطر الاعتقال أو القتل

واستثنى النائب "التغييري" من اقتراحه البعثات الدبلوماسية السورية والسوريين الذين دخلوا لبنان بقصد السياحة أو التعليم الجامعي أو العمل وفقاً لأحكام قانون العمل وتطبيقاته ومراسيمه التنفيذية، أما السوريون القادمون بهدف العمل، فعليهم الاستحصال على إقامة عمل بمذكرة الخدمة رقم 99/2014 ووفق أحكام البنود المتعلّقة بتعهّد بالمسؤولية عمل شخص أو بموجب سند ملكية أو عقد إيجار، مقابل رسم سنوي يدفع سلفاً بقيمة توازي 200 دولار أميركي.

مبررات.. وعيوب جسيمة

رد جرادة الأسباب الموجبة لاقتراحه إلى أن وجود السوريين أصبح "باب رزق للكثيرين من طالبي اللجوء الذين باتوا يعتمدون على إنجاب الأطفال لرفع قيمة المساعدات التي يقبضونها من المفوضية والدول المانحة وذلك تبعاً لتحديد مبلغ معين عن كل مولود وهو ما يشكّل تغييراً ديمغرافياً على تركيبة المجتمع اللبناني، وهذا الأمر أكد عليه أكثر من محافظ حيث ورد أن هناك ولادتين سوريتين أو أكثر مقابل كل ولادة لبنانية".
 
وبأن هذا الوجود "ساهم في ارتفاع مستوى الجريمة إلى أكثر من ثلاثة أضعافها عما كانت عليه قبل وجود اللاجئين السوريين وفقاً للتقارير الأمنية التي صدرت، في حين تؤكد هذه التقارير امتلاك عدد كبير من اللاجئين لأسلحة حربية تشكل خطراً على السلم الأهلي وتأليف بعضهم لجماعات إرهابية مسلحة تهدد الأمن الوطني". وبأن هذا الوجود "يكلف الخزينة اللبنانية مليارات الدولارات نتيجة استهلاك الطاقة الكهربائية والكثير من الخدمات وأدى إلى المساهمة في زيادة تلويث الأنهر ولا سيما نهر الليطاني بفعل الصرف الصحي للمخيمات الموجودة على ضفافه".

أصوات تعالت مطالبة برحيل السوريين من لبنان فيما وصفها معارضون بمطالب "عنصرية"

ومن مبررات مقترحه كما أورد "انتفاء الخطر الأمني في سوريا وفق ما برز في الانتخابات الرئاسية السورية الأخيرة حيث غادر مئات الآلاف من السوريين إلى سوريا بقصد الاقتراع أو انتخبوا في سفارة بلادهم في لبنان" وبأنه "يمكن ترحيل المعارضين إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في سوريا إلى حين ايجاد حل داخلي للحرب في شمال سوريا".

وأشار إلى مذكرة التفاهم التي وقّع عليها لبنان مع مفوضية اللاجئين في العام 2003 حيث اتفق الطرفان كما ذكر "على أنّ لبنان ليس بلد لجوء، وأنّه لا يمكن للمفوضية تسجيل أي نازح أو طالب لجوء إلى بلد ثالث إلا وفقاً لآليّة محدّدة، بحيث يعطى صاحب الطلب إقامة مؤقتة لا تتجاوز السنة، وفي حال تعذّر على المفوضية توطينه في بلد ثالث، يحق حينها للدولة اللبنانية إعادته إلى بلده من دون أي اعتراض من المفوضية".

واعتبر النائب اللبناني أن المفوضية "خالفت بنود الاتفاقيّة منذ بداية النزوح السوري إلى اليوم، بحيث أصبحت تتصرّف كدولة ضمن الدولة" وبأنها "لا تتعاون بشفافية مع السلطات اللبنانية".

 كما صوّب على البرلمان الأوروبي بسبب التوصية التي أصدرها الشهر الماضي والتي دعا خلالها السلطات اللبنانية إلى إبقاء اللاجئين السوريين على أراضي الدولة اللبنانية لأن الحرب السورية مستمرة وهناك خطر على حياتهم في بلدهم، ما اعتبره جراده محاولة لتكريس واقع "يتعارض مع سيادة لبنان ومصالحه الاقتصادية والاجتماعية والخدماتية والمالية والديموغرافية وغيرها، ما يشكّل تهديداً أمنياً وإستراتيجياً على المدى القريب والمتوسط".

اللاجئون السوريون في لبنان يعانون أوضاعا صعبة

قرار جراده أثار ضجة في لبنان لما تضمنه من نزعة وصفت بالعنصرية والتحريضية، عدا عن أن اقتراحه يتضمن بحسب ما تقوله المحامية والناشطة الحقوقية، ديالا شحادة "عيوباً جسيمة سواء لجهة عدم صحة الزعم بأن الاتفاقية المعقودة بين الحكومة اللبنانية والمفوضية سنة 2003 تسمح للأمن العام بترحيل اللاجئين بعد انتهاء مهلة التصريح المؤقت، وإنما الصحيح هو السماح للأمن العام بـ "اتخاذ الاجراءات المناسبة".

ولا "يناسب" لبنان بحسب مقدمة دستوره الملتزمة بالإعلان العالمي لحقوق الانسان وبالاتفاقيات الأممية المصادق عليها لبنان (ومنها الاتفاقية الخاصة بالتعذيب) ترحيل شخص كما تقول شحادة لموقع "الحرة" "إلى بلد هو معرض لخطر الاضطهاد فيه، على الأقل ليس قبل عرضه على القضاء لإثبات صحة ادعائه بهذا الخطر من عدمه. وفي كل الأحوال التزام لبنان بموجب عدم الترحيل يستند للإعلان العالمي والاتفاقية الخاصة بمكافحة التعذيب، والاتفاقيات الدولية الملتزم بها الدستور تعلو على أي قوانين محلية وطنية".

وتقول: "لقد مللنا وسئمنا في لبنان من معزوفة التضليل حول تداعيات طفرة اللجوء السوري، فارتفاع الجريمة مرتبط بارتفاع عدد السكان وهذا طبيعي، مثلما ارتفعت نسبة الاستهلاك والإنفاق وفرص العمل كذلك، عدا عن أن قوى الأمن الداخلي أعلنت في بداية العام الحالي عن انحسار ملحوظ في نسبة الجريمة"!

تتساءل شحادة "كيف خلص النائب الياس جرادة إلى أن اللاجئين السوريين ينجبون أطفالاً بهدف الحصول على مساعدات؟ ألم يطّلع على تقارير المفوضية التي تشير إلى أن أكثرية هؤلاء هم حالياً دون خط الفقر؟ هل شاهد نمط حياتهم الصعبة داخل المخيمات، والتي لا تكفي المساعدات الدولية الشحيحة لوقاية ساكنيها من المعاناة؟" 

علامات استفهام.. وحسم

ويصف رئيس المركز اللبناني لحقوق الإنسان، وديع الأسمر، مقترح القانون بـ "الشعبوي"، قدمه نائب "انتخب على لوائح تدّعي التغيير من بين ذلك تغيير المقاربة السياسية في لبنان، وبدلا من ذلك قام بتجميع الأفكار العنصرية من طرد واحتلال واستيطان، صاغهم في اقتراح لا نعلم الهدف منه".

يخلط اقتراح قانون جراده كما يشرح الأسمر "بين اللاجئ السوري الذي طلب الحماية من الدولة اللبنانية، وبين الطالب والسائح والعامل السوري الذي يدخل حسب القوانين المرعية، وهذا أمر غير مقبول، والخطأ الفظيع في الاقتراح هو الحديث عن إعادة قسرية، ما يعني ارتكاب جريمة دولية، فهل المشرّع جرادة يعلم أن تمكّنه هو من الدخول إلى سوريا متى أراد لا ينفي أن مئات الآلاف من السوريين قد يجدون أنفسهم في معتقلات التعذيب في حال عادوا"!

ويسأل الأسمر "هل يعلم جراده أن لبنان صادق على اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة في عام 2000، إلى جانب بروتوكولها الاختياري في عام 2008، وأن المجلس النيابي أصدر في عام 2017 القانون رقم 65/2017 الذي يجرّم التعذيب، بمعنى أن اقتراحه مخالف للقوانين الدولية، ويضع لبنان في مواجهة مع المجتمع الدولي وأي شخص يطبقه سيواجه ملاحقة قضائية دولية من دون تمكّنه من الاختباء وراء تنفيذ القانون".

ويضيف "ما الذي يمنع السلطة اللبنانية من نزع صفة اللجوء عن كل سوري يقصد بلده، ومنعه من دخول لبنان إذا لم يكن في حوزته إقامة سارية المفعول، وهل يريد جراده أن يخالف لبنان قوانينه بمنع دخول السوريين بصورة شرعية"!

عدد اللاجئين الذين صوتوا لبشار الأسد لم يتجاوز بحسب الأسمر التسعين ألفاً، أما الحديث عن "مئات الآلاف فغير صحيح، وقد كان بإمكان الدولة اللبنانية منع التصويت في السفارة السورية في لبنان على غرار بعض الدول، ومنع أي لاجئ صوّت في بلده من معاودة الدخول إلى لبنان كلاجئ، مع العلم أن من صوت في سوريا هم حلفاء جراده الذي قرر التحالف مع النظام للضغط على اللاجئين".

ويشدد "ما يهدف له الحلفاء المستترين أو العلنيين للنظام السوري هو الضغط على المعارضين السوريين كي يعودوا ويلقوا حتفهم في بلدهم أو للتحكّم بهم من قبل النظام، ولو كان ولاء النائب جراده للبنان لكان قدّم اقتراح قانون لتنظيم آليات اللجوء عامة وليس حصره بالسوريين ولكان اقترح قانوناً يفرض على الجهات الأمنية اللبنانية التشدد أكثر على الحدود بين البلدين لمنع تهريب الأشخاص والمواد".

المشكلة في لبنان يختصرها الأسمر بالقول إن "البعض لا يجرؤ على انتقاد النظام السوري والأجهزة الأمنية اللبنانية لعدم حمايتها الحدود ومنع التهريب، ولا يجرؤ على انتقاد حزب الله لتدخله بالحرب في سوريا ولا انتقاد الأحزاب السياسية لمشاركتها في التهريب، فيصب جام غضبه على الضحايا اللاجئين".

كذلك يرى مدير المرصد لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، أن "السياسيين اللبنانيين والميليشيات يصبّون جام غضبهم من فشلهم الاقتصادي وفشل الحكومات المتعاقبة، على اللاجئين الذين تتحمل الأمم المتحدة عبأهم الأكبر، ويعملون على إعادتهم من لبنان إلى سوريا تحت ذرائع مختلفة وقد اعتقل بعضهم عند الحدود السورية اللبنانية"، ويضيف "وجود بعض السوريين الذين يقومون بأعمال تتعارض مع القوانين اللبنانية لا ينفي أن الأغلبية الساحقة منهم منضبطة". 

ويتساءل عبد الرحمن خلال حديث مع موقع "الحرة" "إلى أين يريدون إبعاد السوريين إذا كان الموجودون في مناطق النظام يفروّن منها باتجاه المجهول أو باتجاه مراكب الموت التي تنطلق من لبنان نحو أوروبا" ويشدد "كل القوانين والاقتراحات اللبنانية لن تفيد شيئاً طالما هناك أمم متحدة واتحاد أوروبي يضغطان على الحكومة اللبنانية التي قد تعيد سراً العشرات من اللاجئين لكنها لا تستطيع إعادة الآلاف ليواجهوا الاعتقال والموت في سجون النظام".

سوريون يعبرون الحدود إلى لبنان

توضيح.. واصرار

اقتراح القانون يعبّر عن قناعات جراده كما يشدد في حديث لموقع "الحرة"، "وليس ردة فعل أو عملا شعبويا، وذلك من أجل حقوق الشعب السوري أولا الذي يعيش ظروفا صعبة نتيجة تخلي المجتمع الدولي والمنظمات الدولية عنه، وثانياً من أجل الشعب اللبناني الذي لم يعد بإمكانه تحمّل الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية للنزوح".

يرفض جرادة بحسب قوله "مشهدية تحوير الوقائع والحقائق والتهجم على اقتراح القانون ووصفه بصفات لا تمت إلى الواقع بصلة، من دون قراءته، وكأن المطالبة بكرامة الشعب السوري وحقوق الشعب اللبناني والمحافظة على الإثنين هو عمل فاشي بحسب ما وصفته بعض المواقع الإلكترونية، ما يشير إلى نوايا وخبايا معينة".
ويقول: "عرضت اقتراح القانون على النواب، ورغم أن المجالس بالأمانات إلا أنه تم تسريبه، ومع ذلك لمست تجاوباً كبيراً سواء نيابياً أو شعبياً، وليس كما يروّج في الإعلام، وسأستمر به بعد الأخذ بالملاحظات التي تم طرحها".

ويسأل "ما الذي يريده من ينادون بابقاء السوريين في ظل الأوضاع الصعبة؟ من لديهم آراء في القانون والمقاربة احترمناها وأخذنا بها، أما الذين يعترضون بالمطلق فأين بدائلهم".

وعن اللاجئين الذين يخشون العودة بسبب الخوف من توقيفهم من قبل النظام السوري، يعلّق "اقتراح القانون واضح، وسأنشره على الإعلام عند تقديمه، وهو ينص على أن من تنطبق عليه صفة لاجئ، على الحكومة اللبنانية بالتعاون مع مفوضية شؤون اللاجئين تأمين مكان لائق وكريم وآمن له"، وفيما إن كان ذلك المكان داخل أو خارج لبنان يجيب "بحسب ما تقتضيه الضرورة، إما أن تعمل المفوضية على إيجاد هذا المكان، أو أن يبقى في لبنان إذا كانت تنطبق عليه شروط اللجوء السياسي التي ينص عليها القانون اللبناني بشكل واضح، وهؤلاء قلّة".

وعن حظوظ إقرار القانون أجاب بالقول إنه "قانون عادي وليس مستعجلا، بالتالي علينا انتظار عقد جلسات تشريعية بعد انتخاب رئيس للجمهورية، وعلى الرغم من أني لم أقدمه كقانون معجّل، لكني أعتبر أن الضرورة الإنسانية تحتم مقاربته على وجه السرعة".

لاجئون سوريون في طرابلس شمال لبنان، أرشيف

يذكر أنه في الثامن من الشهر الجاري أعلن وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الأعمال، عبد الله بو حبيب، بعد لقائه وفدا من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عن توصّل الطرفان إلى اتفاق حول "تسليم الداتا" التابعة لجميع اللاجئين السوريين المتواجدين على الأراضي اللبنانية، وذلك بعد مسار طويل من التفاوض بدأ منذ حوالي السنة.

وشدد بو حبيب على أن لبنان "يعتبر الداتا حقا سياديا، كحق سائر الدول بمعرفة هوية الأشخاص المتواجدين على أراضيها"، مشيراً إلى أن الاتفاق "يخدم مصلحة الطرفين"، اللبناني والأممي، والدول المانحة لجهة عدم استفادة الأشخاص الذين يستغلون هذه التقديمات بصورة غير قانونية، وبالتالي، "يحرمون أشخاصا أحق منهم بهذه التقديمات من الوصول إليها".

أما المستشار العام ورئيس دائرة الشؤون القانونية في المفوضية، لانس بارثولوميوز، فأعلن عن التوصل إلى اتفاقية تتوافق مع المعايير العالمية لحماية البيانات، مشدداً على أن الحكومة اللبنانية "تلتزم بعدم استخدام أي بيانات يتم مشاركتها لأغراض تتعارض مع القانون الدولي، وقد أعادت تأكيد التزامها بمبدأ عدم الإعادة القسرية والتزاماتها بموجب القانون الدولي والمحلي. وفي الوقت الذي ستستكمل فيه المناقشات حول آلية التطبيق وتفاصيلها".

ويسهل على سياسيي لبنان، بحسب شحادة، "الاستقواء على الضعيف المظلوم ويصعب مواجهة القوي الظالم. أزمة اللاجئين سببها وحلها هو عند نظام، بشار الأسد، لا عند اللاجئ الذي يرمي نفسه في البحر كل يوم بحثا عن بلد يصون كرامته".

جنوب لبنان

عادت إلى الواجهة خلال الأيام القليلة الماضية، مشاهد اعتراض دوريات قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل"، إثر سلسلة حوادث في بلدات جنوبية عدة، حيث عرقل سكان مرور الدوريات، وأطلقوا هتافات رافضة لتحركاتها من دون مرافقة الجيش اللبناني.

"هل تعكس  تلك الأحداث احتجاجات عفوية أم تعبئة موجّهة؟"، سؤال تداوله كثيرون، لا سيما في ظل اتهامات متكررة لحزب الله بتحريض الأهالي ضد تحركات القوة الدولية.

وتداول ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصوّرة تظهر احتجاجات في بلدات، أبرزها، عند مفرق بلدة العباسية، وفي بلدات قانا، صديقين، بنت جبيل وطيردبا.

ورغم أن الاعتراضات ليست جديدة، فإن تصاعد وتيرتها في الآونة الأخيرة يثير مخاوف من فرض أمر واقع جديد، يُضعف قدرات  اليونيفيل على تنفيذ المهام الموكلة إليها بموجب التفويض الدولي.

تكتيك سياسي أم اعتراض شعبي؟

ما يشهده جنوب لبنان "لا يعكس رفضاً شعبياً حقيقياً"، بل يأتي، وفق الكاتب، المحلل السياسي الدكتور مكرم رباح، في سياق "تكتيكات تعتمدها مختلف الأحزاب المحلية، وفي مقدّمها حزب الله، في محاولة لفرض سلطتها على حساب الشرعية الدولية".

وتهدف هذه التحركات ضد "اليونيفيل"، يقول رباح لموقع "الحرة"، إلى إيصال رسالة "مفادها أن هذه القوات متآمرة على الجنوب، وهو خطاب يتقاطع بشكل لافت مع الرواية الإسرائيلية التي تتهم اليونيفيل بالتواطؤ مع حزب الله".

في المقابل، يشير الخبير الاستراتيجي، العميد المتقاعد ناجي ملاعب، إلى أن "القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن عقب حرب يوليو 2006 ألزم قوات اليونيفيل بمنع أي نشاط عسكري لحزب الله أو غيره جنوب نهر الليطاني، إلا أن هذه القوات لم تقم بالدور المطلوب منها خلال ما يُعرف بـ'حرب الإسناد'، إذ وُجهت إليها انتقادات عديدة لغياب دورها في منع إطلاق النار من الأراضي اللبنانية، أو منع اجتياح الجيش الإسرائيلي لجنوب لبنان".

ويتابع ملاعب في حديث مع موقع "الحرة" قوله: "صحيح أن المهام القتالية تقع على عاتق الجيش اللبناني، لكن وجود اليونيفيل يستند إلى تفويض دولي يمنحها صفة قوات حفظ سلام، ما يفرض عليها مسؤوليات تتجاوز المراقبة وتسجيل الخروقات، لتشمل المساهمة الفعلية في حفظ الاستقرار ومنع التصعيد".

ويلفت ملاعب إلى أن "التساؤلات التي يطرحها أهالي الجنوب حول جدوى وجود اليونيفيل ليست جديدة، بل تعود إلى ما قبل التصعيد الأخير".

وأوضح أن "الاعتراض على تحرك دوريات اليونيفيل بشكل منفرد ومن دون تنسيق مع الجيش اللبناني ليس أمراً طارئاً، بل كان قائماً قبل الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل، والتي أدت إلى سقوط ما لا يقل عن 50 قتيلا في كل بلدة جنوبية، فكيف الحال اليوم، بعد كل الخسائر البشرية والمادية التي تكبدها الأهالي؟".

ويقول ملاعب إن "تحرك اليونيفيل خارج التنسيق مع الجيش اللبناني يُعد خرقاً للإطار الذي حدده لها القرار 1701".

خلفية تاريخية

يعود وجود قوات اليونيفيل في لبنان إلى عام 1978 وذلك بعد الاجتياح الإسرائيلي وسيطرته على جنوب البلاد، حين قدمت الحكومة اللبنانية احتجاجاً إلى مجلس الأمن ليتبنى بعدها القرارين 425 و426 اللذين يدعوان إسرائيل إلى وقف أعمالها العسكرية وسحب قواتها من جميع الأراضي اللبنانية.

وبعد انسحاب إسرائيل من لبنان في عام 2000. وفي غياب حدود متفق عليها، حددت الأمم المتحدة خط انسحاب بطول 120 كيلومترا يعرف باسم الخط الأزرق. تقوم اليونيفيل بمراقبته وتسيير دوريات على طوله.

وفي أعقاب حرب يوليو 2006، عزز مجلس الأمن بعثة اليونيفيل بالقرار 1701 الذي وسّع ولايتها الأصلية لتشمل مراقبة وقف الأعمال العدائية. كما كلف حفظة السلام التابعين لليونيفيل بمرافقة ودعم القوات المسلحة اللبنانية أثناء انتشارها في جميع أنحاء جنوب لبنان.

وبحسب الأمم المتحدة "تؤدي قوات حفظ السلام، دوراً مهما في المساعدة على تجنب التصعيد غير المقصود وسوء التفاهم بين إسرائيل ولبنان من خلال آلية الاتصال التابعة للبعثة. وتقوم بدوريات في جنوب لبنان لمراقبة ما يحدث على الأرض بشكل محايد والإبلاغ عن انتهاكات القرار 1701".

كما "تدعم قوات حفظ السلام الجيش اللبناني من خلال التدريب، للمساعدة في تعزيز انتشاره في جنوب لبنان حتى يتمكن في نهاية المطاف من تولي المهام الأمنية التي تؤديها حاليا قوات حفظ السلام".

وفي أغسطس الماضي، وافق مجلس الأمن الدولي بالإجماع، على تجديد مهمة اليونيفيل لعام آخر، في خطوة اعتبرها رئيس الحكومة اللبنانية السابق، نجيب ميقاتي، ضرورية للحفاظ على الاستقرار في جنوب البلاد.

وأعرب ميقاتي، حينها في بيان، عن امتنان لبنان العميق لأعضاء مجلس الأمن على جهودهم الدؤوبة في تجديد ولاية اليونيفيل، وشكر الولايات المتحدة على " تفهمها الخصوصية اللبنانية التي لم تدخر جهداً في سبيل الحفاظ على مهام اليونيفيل، لا سيما في هذا الظرف الدقيق".

مستقبل على المحك؟

عقب اعتراض دورية تابعة لجنود حفظ السلام قرب بلدة طيردبا في قضاء صور، جنوبي لبنان، في 25 أبريل، أعلنت نائبة الناطق باسم قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، كانديس آرديل، أن جنود حفظ السلام كانوا ينفذون دورية دعماً لتطبيق القرار 1701، وقد اعترضهم أشخاص يرتدون ملابس مدنية مرتين.

وأضافت آرديل في بيان "سلك الجنود طريقاً بديلاً وتعرّضوا للملاحقة لبعض الوقت، لكنهم تمكنوا من مواصلة الدورية كما كان مخططاً لها. وقد أبلغنا الجيش اللبناني بالحادثة".

وشددت على أن "قوات حفظ السلام تعمل بالتنسيق الوثيق مع الجيش اللبناني، دعماً للحكومة اللبنانية في تنفيذ القرار 1701، لا سيما في هذه المرحلة الحساسة". وحذّرت من أن "أي محاولة للتدخل في مهام قوات حفظ السلام تعد انتهاكاً لالتزامات لبنان بموجب القرار 1701".

وجاء هذا الحادث بعد يوم واحد من لقاء جمع رئيس بعثة اليونيفيل وقائدها العام، الجنرال أرولدو لاثارو، برئيس الجمهورية اللبنانية، العماد جوزاف عون، في بيروت، وجرى البحث في الوضع جنوبي البلاد، وسبل توجيه جهود البعثة بما يتناسب مع التحديات والفرص الحالية لدعم تنفيذ القرار 1701.

ولا تقتصر التحديات التي تواجهها "اليونيفيل" على مناطق انتشارها في الجنوب. ففي فبراير الماضي، تعرضت قافلة تابعة لليونيفيل لهجوم عنيف خارج نطاق عملها الميداني أثناء توجهها إلى مطار رفيق الحريري الدولي. وبحسب بيان صادر عن البعثة، أضرمت النيران في إحدى مركبات القافلة خلال الاعتداء، ما أسفر عن إصابة نائب قائد القوة الذي كان في طريقه لمغادرة لبنان بعد انتهاء مهمته.

ويحذر رباح من أن "حزب الله يستخدم كل الوسائل الممكنة لتأليب الشارع ضد اليونيفيل، رغم استفادته من وجودها سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي في الجنوب". ويرى أن "هذه الحملات قد تمهد الطريق لعدم تجديد ولاية البعثة في الصيف المقبل، خصوصاً في ظل توفر مبررات واضحة للإدارة الأميركية وإسرائيل للمطالبة بإنهاء هذا الوجود الأممي".

من جهته، يشير ملاعب إلى أن "إسرائيل سعت، منذ ما قبل عام 2023، إلى تعديل تفويض اليونيفيل ليشمل مهام ذات طابع قتالي، إلا أن هذا التوجه قوبل برفض فرنسي مستمر، خشية تحول البعثة إلى طرف في النزاع، ما قد يهدد سلامة عناصرها ويقوّض دورها".

ويضيف ملاعب أنه "بعد السابع من أكتوبر، تحوّلت المواقف الإسرائيلية إلى دعوات صريحة لإنهاء مهمة اليونيفيل واستبدالها بقوة متعددة الجنسيات ذات طبيعة مختلفة"، ولفت إلى أن "التطورات الأخيرة تشير إلى أن تجديد مهمة البعثة هذه المرة لن يكون بالسهولة التي جرت بها في السنوات السابقة".