مركز مدينة بيروت. إرشيفية.
مركز مدينة بيروت. إرشيفية.

أخلي سبيل كوميدي لبناني تم توقيفه الثلاثاء على خلفية نكتة ألقاها قبل خمس سنوات، وفق ما أعلنت محاميته، وذلك بعد أيام قليلة على استجوابه بشأن عرض كوميدي آخر قدّمه.

وتجمّع عدد من الأشخاص أمام قصر العدل في بيروت احتجاجا على احتجازه.

وهتف المتجمعون بـ"الحرية" للحجار.

وقالت المحامية ديالا شحادة في تصريح لوكالة فرانس برس إن نور حجار وضع "قيد التوقيف" في مركز احتجاز في بيروت قبل أن يطلق سراحه مساء، موضحة أن دار الفتوى السنية كانت قد تقدّمت بشكوى ضدّه.

لكن المحامية شدّدت على أن الواقعة التي أوقف على خلفيتها "وقعت قبل خمس سنوات، لذا وفق القوانين اللبنانية انقضت مدّة التقادم".

وتظهر مقاطع تم تداولها على شبكات التواصل الاجتماعي الكوميدي وهو يلقي النكات حول أحداث يفترض أنها جرت في جنازة عائلية، ويمكن سماع تفاعل الجمهور ضحكا وتصفيقا.

وشدّدت المحامية على أن المشاهد مأخوذة من عرض كوميدي قدّمه لكن يبدو أنها أخرجت من سياقها.

وأوقف حجّار على الرغم من إبدائه استعداده للاعتذار من كل من شعر بأنه تعرّض لإساءة، وفق المحامية التي أشارت إلى أن الكوميدي تلقى تهديدات بالقتل.

وقالت شحادة إن حجار يواجه حاليا قضيتين قضائيتين منفصلتين، إحداهما أمام المحكمة العسكرية.

وكانت مجموعة من المنظمات الحقوقية الدولية بينها "العفو الدولية" و"هيومن رايتس ووتش" قد دانت توقيف حجار ودعت إلى تخلية سبيله فورا.

في بيان على منصة "أكس" (تويتر سابقا) حضّت المنظمات "السلطات القضائية على توفير أكبر قدر من الحماية القانونية للعروض الكوميدية".

وقالت الباحثة في شؤون لبنان في منظمة العفو سحر مندور إن حجار "مارس حقّه في حرية التعبير".

وتابعت في تصريح لفرانس برس "أولئك الذين تسبّبوا بالفقر والموت والدمار يجب أن يكونوا مكانه، فيما هو وغيره ممن ينتقدون السلطات يجب أن يكونوا أحرارا في ذلك، خصوصا في زمن الأزمات".

منذ أواخر العام 2019 يشهد لبنان انهيارا اقتصاديا أغرق غالبية شعبه في الفقر.

ويعتبر البنك الدولي أن الأزمة الاقتصادية التي يشهدها لبنان هي إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية في العالم في التاريخ الحديث، وتحمّل الهيئة السلطات مسؤولية ذلك بإساءتها استخدام ودائع الشعب في العقود الثلاثة الأخيرة.

وجاء توقيف حجار بعدما تم استجوابه في الأسبوع الماضي على خلفية نكتة ألقاها حول جنود يعملون لصالح تطبيق شهير لخدمة توصيل الطعام.

وتقلّصت قيمة رواتب عناصر قوات الأمن اللبنانية ولا سيما الجيش منذ بدأت الأزمة الاقتصادية، ويمارس بعضهم وظائف إضافية لتلبية الاحتياجات المعيشية.

علي

"أنا مين؟" سأل نفسه، عائدا، على حدود الوطن.

لم يجد جوابا.

منذ غادر لبنان، لم يكن الاسم وحده ما تغيّر.

علي، الشاب الشيعي المنتمي لحزب الله منذ الطفولة، لم يقرر أن يولد عليًّا، ولم يكن يتخيل يومًا أن يصير إيلي، يقول.

من الكشافة إلى القتال

في بيت فقير، في جنوب لبنان، وُلد علي يتيمًا بين عشرة.

أمه، بلا سند، لم تجد ملاذًا سوى في الحزب الذي يفرض حضوره على كل تفصيل في المجتمع: من المدرسة إلى المستشفى، من الطفولة إلى السلاح.

هناك، لم تكن الحياة مجرد حياة؛ بل عقيدة. "نحن على الحق"، يرددونها صباحًا ومساءً. ومنذ الطفولة، صارت البندقية جزءًا من المنهج.

في عمر العاشرة، انضم علي إلى "كشافة الإمام المهدي"، حيث يبدأ الغرس العقائدي والعسكري معًا. "دورة محو الأمية" لم تكن كما توحي تسميتها؛ بل تدريبًا أوليًا على حمل السلاح. في الثانية عشرة، كان الطفل الصغير يعرف كيف يفكك البندقية، وفي الثالثة عشرة، كان يفتخر باستشهاد أصدقاء في التدريبات.

يصف علي دورات القتال بأنها "مزج من العسكر والعقيدة"، لكن العقيدة كانت الغالبة دائمًا. يتعلم المنتسبون أنهم يدافعون عن "أمة، عن شرف، عن طائفة"، وأن كل ما هو خارج هذا المسار مشبوه، خطر، أو "كفر".

عالم بالألوان

لكن العالم ليس أبيض وأسود. في سن الثامنة عشرة، بدأت تظهر تصدعات الشك. تعرّف علي على أصدقاء خارج "الخط"، وبدأ يرى شيئًا مختلفًا: حياة أخرى، حوارات، ضحك، نساء، ملابس ملونة، وموسيقى. كلها ممنوعة.

في إحدى الليالي، عاد إلى البيت متأخرًا، فصفعته أمه بركوة قهوة. تلك الصفعة لم تكن مجرد غضب أم، بل لحظة صدع.

"هل هذا هو الحق؟"، تساءل لأول مرة.

ومن هذا السؤال، بدأ كل شيء يتغير.

الهروب من القدر

رفض علي دعوة الحزب للانضمام إلى دورة تؤهله ليصبح "متفرغًا". كان يعلم أن القبول بها يعني بلوغ نقطة اللاعودة. فقرر أن يغادر. هرب من عائلته، من أصدقائه، ومن اسمه.

سافر إلى تركيا، ومنها حاول عبور البحر إلى أوروبا على "قوارب الموت". غرق ثلاث مرات. في كل مرة، كان الموت قريبا وكان كأنه يولد من جديد. أعادته النجاة إلى السؤال الأصلي: من هو؟ وماذا يريد أن يكون؟

من علي إلى إيلي

بعد فشل محاولة اللجوء، عاد إلى لبنان. في مطار بيروت، وقف حائرًا: لا أهل، لا أصدقاء، ولا خط عودة إلى الحزب. دق باب صديق قديم، فأتاه الجواب:

"في عائلة بدها حدا يساعدها... بس في مشكلة: اسمك علي".

ضحك، وقال: "خليه إيلي".

هكذا بدأ فصلاً جديدًا من حياته، يعيش مع عائلة مسيحية، يذهب معهم إلى الكنيسة، يشاركهم التراتيل، ويشعر لأول مرة بأنه إنسان، فقط إنسان.

"أنا مين؟" يعيد السؤال، هذه المرة بثقة أكبر. لا يريد أن يكون تابعًا، ولا أن يُملى عليه ما هو الحق وما هو الباطل. "بدي أكون إنسان يقرر، يشوف، يعرف".

تغير الاسم، بقي السؤال، لكن صارت لديه حرية البحث عن إجابة.