أرقام تثير التساؤلات بشأن تعاطي المخدرات في العالم
40 مستشفى في لبنان فقط تلتزم فقط بعدم الإبلاغ عن أصحاب الجرعات الزائدة (صورة تعبيرية)

تشكل "الجرعة الزائدة" إحدى أبرز أسباب الوفيات في صفوف متعاطي المخدرات ومدمنيها في أصقاع المعمورة، حيث يسجل على المستوى العالمي أكثر من 100 ألف حالة وفاة تحدث عندما يتعاطى الشخص كمية من المخدرات، أو مجموعة (أنواع) من المخدرات، أكبر مما يستطيع الجسم تحمله. 

ويعد 31 أغسطس من كل عام، يوماً عالمياً للتوعية بمخاطر الجرعة الزائدة، إذ جرى تنظيمه منذ عام 2001 من قبل معهد "بينينغتون"، وهو منظمة غير ربحية أسترالية تركز على تعزيز الصحة العامة ورفاهية الفرد.

وتستغل المنظمات والجمعيات والمهتمون بملف المخدرات ومتعاطيها حول العالم، هذا اليوم من أجل نشر المعلومات والحقائق بشأن المخاطر الصحية وطرق الوقاية من المخدرات، وتقليل الضرر المرتبط بتعاطيها وتناول وجرعاتها الزائدة، والدعوة إلى سياسات وممارسات يمكن أن تمنع الجرعات الزائدة وتنقذ الأرواح.

وبالتزامن مع الحملة العالمية لهذا اليوم، أجرت منظمة "سكون" (المركز اللبناني للعلاج والوقاية من الإدمان) مسحاً شاملاً لمستشفيات لبنان، لتبيان مدى التزامها بتعاميم وزارة الصحة اللبنانية، التي تمنع المستشفيات من إبلاغ القوى الأمنية بحالات الجرعات الزائدة التي تصلها، والحالات الطارئة المرتبطة بتعاطي المخدرات. 

الجرعة الزائدة

وهذا التعميم الذي صدر عام 2016 وأعيد إصداره عام 2019 للتأكيد عليه، يهدف إلى حماية الأشخاص الذين يعانون من الجرعات الزائدة، من التوقيف أو الاعتقال أثناء طلب المساعدة الطبية، والتعرض للوصم.

ويأتي ذلك من منطلق أن إبلاغ قوى الأمن بمثل هذه الحالات، يعيق الأفراد الذين يعانون من أعراض الجرعة الزائدة أو أسرهم وأصدقائهم، من طلب الرعاية الطبية العاجلة، خوفاً من الملاحقة، في حين أن تأخير الرعاية الطبية الطارئة في حالات الجرعة الزائدة يعرض الشخص لخطر الوفاة. 

جرعة زائدة

 

التزام ضعيف

لكن المفاجئ في النتائج التي وصلت إليها "سكون"، أن "40 مستشفى في لبنان فقط تلتزم بهذا التعميم، وهي موزعة بين 8 مستشفيات حكومية، و32 مستشفى خاص، من أصل 91 تواصلت معهم المنظمة". 

وأعدت المنظمة لائحة أطلقت عليهم فيها وصف "المستشفيات الآمنة"، ونشرتها من أجل تزويد الأشخاص الذين يقعون في فخ المخدرات، بقائمة مستشفيات يُمكنهم اللجوء إليها في حالات الطوارئ، "لحماية حقهم/ن في الصحة والحياة"، وفق تعبيرها.

وأكدت "سكون" في تقريرها المعد بشأن المسح، أن "غالبية المستشفيات في جميع أنحاء لبنان لا تزال تبلغ عن حالات الجرعات الزائدة إلى قوى الأمن، مما يعرّض حياة الأشخاص للخطر". 

وبالمقارنة مع نتائج المسح نفسه الذي جرى العام الماضي، ارتفع عدد "المستشفيات الآمنة" من 27 إلى 40، حيث أن 20 مستشفى كانت مصنفة على أنها "غير آمنة" في عام 2022، تم ضمها لقائمة "المستشفيات الآمنة" هذه السنة، في حين تمت إزالة 7 مستشفيات من القائمة.

جرعة زائدة

 

وترى "سكون" أن هذا التقدم في أعداد المستشفيات "يُظهر أهمية وفعالية تذكير المستشفيات بتعاميم الوزارة ومضمونها"، إضافة إلى الجهود المتكررة التي تبذلها في مسح المستشفيات. 

"الموظفون.. لا يعلمون" 

وفي سياق المسح، قامت المنظمة بتوجيه أسئلة إلى الموظفين المختصّين بأقسام الطوارئ في المستشفيات اللبنانية، تتمحور حول ما إذا كانت المستشفى تقوم بإبلاغ قوى الأمن عن حالات الجرعة الزائدة، وما إذا كانت المستشفى على علم بتعميمي وزارة الصحة العامة لعامي 2016 و2019. 

وأظهر المسح أن "موظفي 57 مستشفى أشاروا إلى عدم معرفتهم/ن بتعاميم وزارة الصحة العامة، من بينها 12 مستشفى حكومي".

وفي السياق نفسه، يلفت نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة في لبنان، سليمان هارون، إلى أن التعميم الصادر عن وزارة الصحة "ملزمة للمستشفيات بشكل مؤكد، وبالتالي لا بد لها من الالتزام بها، إلا إذا حصل خطأ غير مقصود على هذا الصعيد". 

ويؤكد هارون في حديثه لموقع "الحرة"، أن "نقابة أصحاب المستشفيات الخاصة كانت قد أعادت تذكير كافة المستشفيات مؤخراً بهذا التعميم للالتزام به، بعد ورود شكاوى للنقابة في هذا الشأن".

وأضاف: "شددنا على خطورة هذا الأمر، الذي نعتبره جديا للغاية ولا يحتمل أي تلاعب". 

ورغم عدم وجود أي تبعات قانونية تترتب على المستشفيات في حال قامت بالإبلاغ خلافا لتعميم وزارة الصحة، بحسب هارون، فإنه "ليس هناك مبرر أو سبب لعدم التزام المستشفيات". 

وفي الوقت الذي شكك فيه نقيب أصحاب المستشفيات، بأن "تكون 40 مستشفى فقط" ملتزمة بالتعميم في لبنان، فإنه أشار إلى أن "حالات الإبلاغ المسجلة قد تكون ناجمة عن قلة معرفة أو دراية بالتعميم، لاسيما أن آخر تذكير به يعود لعام 2019".

وفي هذا السياق، لفت إلى أنه "على مدى 4 سنوات، دخل كثير من الموظفين والكوادر الجديدة إلى أقسام الطوارئ في المستشفيات". 

وشدد هارون على أن "النقابة مسلّمة بأهمية هذا القرار، وداعمة له بقوة، نظرا للبعد الإنساني الذي ينطوي عليه"، لافتا غلى أنه "بناء على المسح المذكور، ستقوم بإصدار تعميم جديد لمستشفيات لبنان كافة، يذكّر بقرار وزارة الصحة، وضرورة عدم التبليغ عن حالات الجرعات الزائدة". 

أسباب غير مفهومة

ولا تزال الأسباب التي تدفع المستشفيات في لبنان للتبليغ عن هذه الحالات غير واضحة الخلفية أو الأسباب حتى الآن، على الرغم من خطورة الأمر والتعاميم الواضحة في هذا الشأن.

ونوهت مديرة قسم السياسات المتعلقة بالمخدرات والمناصرة في منظمة "سكون"، ميشال وزان، بأن المنظمة لم تتمكن خلال مسحها من الاطلاع على الأسباب التي تدفع المستشفيات للإبلاغ، بحكم تواصلها مع العاملين في الطوارئ وليس في الإدارات". 

كما لفتت وزان في حديثها لموقع "الحرة"، إلى أن "بعض المستشفيات بررت ذلك لأسباب أمنية، بحكم موقعها الجغرافي الذي يفرض ذلك، أو أن القوى الأمنية في حالات معينة يصلها معلومات عن هذه الحالات وتحضر دون الحاجة إلى تدخل المستشفى". 

وفي هذا السياق، أكد مصدر أمني لموقع "الحرة"، أن "قوى الأمن الداخلي لا تجول على المستشفيات للبحث عن هذا النوع من الحالات، وإنما تتلقى تبليغاً من المستشفيات، التي يجب عليها بحكم تعميم وزارة الصحة ألا تبلغ".

وتابع: "لكن القوى الأمنية لا يمكنها عدم تلقي التبليغ الذي تنقله إلى المدعي العام والقضاء، الذي يأمر بكيفية التصرف في هذه الحالة، ففي النهاية قوى الأمن لا تتحرك من تلقاء نفسها وإنما بأوامر قضائية".  

جرعة زائدة

وبحسب "سكون"، فإن تعميماً صادراً عام 2006 عن وزارة الداخلية اللبنانية يحمل الرقم 55/1، يلزم المستشفيات بإبلاغ قوى الأمن عن الحوادث التي تتلقاها في غرفة الطوارئ، والتي تكون ناجمة عن فعل الغير، "خلق ارتباكًا لدى المستشفيات منذ ذلك الحين، وأدى إلى قيامها بالإبلاغ عن كافة الحوادث الناجمة عن أنشطة غير قانونية، مثل تعاطي المخدرات".

وفي هذا الشأن، كان تعميم وزارة الصحة اللبنانية واضحاً لناحية عدم تطبيق التعميم رقم 55/1 على حالات الجرعات الزائدة، "كونها لا تنتج عن فعل الغير، وعليه لا يجوز التبليغ عن هذه الحالات لقوى الأمن".

 كما يربط التعميم أيضًا بشكل مباشر ممارسة الإبلاغ عن حالات الجرعة الزائدة إلى قوى الأمن، مع "زيادة خطر الوفاة في حالات الجرعة الزائدة".

وكان ذلك هو ما دفع وزارة الداخلية اللبنانية، عام 2019، إلى إصدار تعميم موجه إلى ضباط قوى الأمن الداخلي، يؤكد على "حق الأشخاص الذين يتعاطون المخدرات، في طلب الرعاية الطبية، ويذكرهم بنص تعميم وزارة الصحة".

وتنقل وزان عن بعض المستشفيات، ما يشير إلى أن "القوى الأمنية لا تحضر في بعض الحالات رغم التبليغ عن حالات الجرعة الزائدة، لكن في حالات أخرى لا يتم هذا الأمر". 

ولفتت إلى أن "التعميم الخاص بقوى الأمن، يفترض أن يكون ساري المفعول بحكم عدم وجود أي تعميم آخر مضاد".

وأضافت: "نتمنى أن يبقى ساري المفعول، ففي النهاية هذه مسألة إنسانية وصحية بحتة، تعنى بأشخاص لم يتسببوا بالإيذاء لأحد، في حين أن التبليغ في هذه الحالات يشكل خرقاً لسرية المريض وأخلاقيات مهنة الطب، كونه يخرق حقوق الإنسان".

من جانبه، رأى هارون أن "التعميم المتعلق بالجرعة الزائدة واضح، ومستقل عن التعميم رقم 55/1، وبالتالي لا مجال أمام المستشفيات للوقوع في الالتباس بهذا الشأن". 

دعوات للتعاون

وبحسب وزان، ستقوم منظمة "سكون" في المرحلة المقبلة بـ"الاتصال بالمستشفيات غير الملتزمة بالتعميم، لمحاولة فهم أسبابها ومدى علمها بالتعميم وأهدافه، وما إذا كان ناجم عن قرار معتمد أم لأسباب أخرى كقلة الدراية، وذلك في إطار سعيها المستمر لمناصرة هذه القضية". 

وبناء على المسح الذي أجرته، وجّهت المنظمة دعوتها في اليوم العالمي للتوعية بالجرعة الزائدة، إلى وزارة الصحة اللبنانية، لإعادة التأكيد على مضمون تعميميها، و"التأكّد من أن جميع المستشفيات على علم بمحتواه، ومراقبة تنفيذه من قبل جميع المستشفيات لضمان الحقّ في الصّحة والحياة لجميع المرضى، بما في ذلك أولئك الذين يتعاطون المخدّرات". 

كما توجهت إلى إدارات المستشفيات الخاصة والعامة في جميع أنحاء لبنان، داعية إياهم إلى "الالتزام بتعميمي وزارة الصحة العامة، وإعلام الموظفين المعنيين بواجبهم تجاه الأشخاص الذين يتعاطون المخدّرات، وإدراج واجب عدم القيام بإبلاغ قوى الأمن عن حالات الجرعة الزائدة في سياسات المستشفى الداخلية".

علي

"أنا مين؟" سأل نفسه، عائدا، على حدود الوطن.

لم يجد جوابا.

منذ غادر لبنان، لم يكن الاسم وحده ما تغيّر.

علي، الشاب الشيعي المنتمي لحزب الله منذ الطفولة، لم يقرر أن يولد عليًّا، ولم يكن يتخيل يومًا أن يصير إيلي، يقول.

من الكشافة إلى القتال

في بيت فقير، في جنوب لبنان، وُلد علي يتيمًا بين عشرة.

أمه، بلا سند، لم تجد ملاذًا سوى في الحزب الذي يفرض حضوره على كل تفصيل في المجتمع: من المدرسة إلى المستشفى، من الطفولة إلى السلاح.

هناك، لم تكن الحياة مجرد حياة؛ بل عقيدة. "نحن على الحق"، يرددونها صباحًا ومساءً. ومنذ الطفولة، صارت البندقية جزءًا من المنهج.

في عمر العاشرة، انضم علي إلى "كشافة الإمام المهدي"، حيث يبدأ الغرس العقائدي والعسكري معًا. "دورة محو الأمية" لم تكن كما توحي تسميتها؛ بل تدريبًا أوليًا على حمل السلاح. في الثانية عشرة، كان الطفل الصغير يعرف كيف يفكك البندقية، وفي الثالثة عشرة، كان يفتخر باستشهاد أصدقاء في التدريبات.

يصف علي دورات القتال بأنها "مزج من العسكر والعقيدة"، لكن العقيدة كانت الغالبة دائمًا. يتعلم المنتسبون أنهم يدافعون عن "أمة، عن شرف، عن طائفة"، وأن كل ما هو خارج هذا المسار مشبوه، خطر، أو "كفر".

عالم بالألوان

لكن العالم ليس أبيض وأسود. في سن الثامنة عشرة، بدأت تظهر تصدعات الشك. تعرّف علي على أصدقاء خارج "الخط"، وبدأ يرى شيئًا مختلفًا: حياة أخرى، حوارات، ضحك، نساء، ملابس ملونة، وموسيقى. كلها ممنوعة.

في إحدى الليالي، عاد إلى البيت متأخرًا، فصفعته أمه بركوة قهوة. تلك الصفعة لم تكن مجرد غضب أم، بل لحظة صدع.

"هل هذا هو الحق؟"، تساءل لأول مرة.

ومن هذا السؤال، بدأ كل شيء يتغير.

الهروب من القدر

رفض علي دعوة الحزب للانضمام إلى دورة تؤهله ليصبح "متفرغًا". كان يعلم أن القبول بها يعني بلوغ نقطة اللاعودة. فقرر أن يغادر. هرب من عائلته، من أصدقائه، ومن اسمه.

سافر إلى تركيا، ومنها حاول عبور البحر إلى أوروبا على "قوارب الموت". غرق ثلاث مرات. في كل مرة، كان الموت قريبا وكان كأنه يولد من جديد. أعادته النجاة إلى السؤال الأصلي: من هو؟ وماذا يريد أن يكون؟

من علي إلى إيلي

بعد فشل محاولة اللجوء، عاد إلى لبنان. في مطار بيروت، وقف حائرًا: لا أهل، لا أصدقاء، ولا خط عودة إلى الحزب. دق باب صديق قديم، فأتاه الجواب:

"في عائلة بدها حدا يساعدها... بس في مشكلة: اسمك علي".

ضحك، وقال: "خليه إيلي".

هكذا بدأ فصلاً جديدًا من حياته، يعيش مع عائلة مسيحية، يذهب معهم إلى الكنيسة، يشاركهم التراتيل، ويشعر لأول مرة بأنه إنسان، فقط إنسان.

"أنا مين؟" يعيد السؤال، هذه المرة بثقة أكبر. لا يريد أن يكون تابعًا، ولا أن يُملى عليه ما هو الحق وما هو الباطل. "بدي أكون إنسان يقرر، يشوف، يعرف".

تغير الاسم، بقي السؤال، لكن صارت لديه حرية البحث عن إجابة.