مصرف لبنان استخدم المنصة لتسهيل تعاملات تحويل الدولار
مصرف لبنان استخدم المنصة لتسهيل تعاملات تحويل الدولار

بعدما يقرب من عامين على إطلاقها، سيستبدل مصرف لبنان المركزي منصته المعروفة باسم "صيرفة" بمنصة تداول جديدة عبر "بلومبرغ"، وذلك بعد فشل الأولى في تحقيق هدفها المتمثل بالحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية.

قبل أيام أعلن حاكم مصرف لبنان المركزي بالإنابة، وسيم منصوري، قرار إنهاء عهد "صيرفة"، التي أُوقِف العمل بها منذ أغسطس الماضي، بعدما مثّلت، بحسب ما ذكر البنك الدولي، أداة نقدية غير مؤاتية أدت إلى ارتفاعات قصيرة الأجل في سعر صرف الليرة على حساب الاحتياطي والوضع المالي لمصرف لبنان، لا سيما في غياب سعر صرف وإطار نقدي جديدين.

 وتحولت هذه المنصة أيضاً إلى آلية لتحقيق أرباح من عمليات المراجحة بلغت، بحسب البنك الدولي، حوالي 2.5 مليار دولار منذ إنشائها، فالحصول على الدولار المعروض على المنصة يحقق أرباحاً كبيرة وخالية من المخاطر نظراً لوجود هامش بين سعر العملة على المنصة وسعر العملة في السوق الموازية.

ما أعلنه منصوري لم يفاجئ اللبنانيين، فقد سبق أن كشف أحد نواب الحاكم السابق لمصرف لبنان، سليم شاهين، في يوليو الماضي، أن البنك المركزي سيوقف عمل منصة "صيرفة" بعد انتهاء فترة الحاكم رياض سلامة، وأن قيادة المصرف كانت تجري محادثات مع صانعي السياسات في الحكومة والبرلمان، وكذلك مع صندوق النقد الدولي، بشأن الحاجة إلى الابتعاد عن هذه المنصة، نظراً لافتقارها إلى الشفافية والحوكمة.

منصة بلومبرغ هي نظام برمجي مصمم خصيصاً لمكاتب التداول والاسواق المالية

وبعد مباحثات مفاضلة ما بين "بلومبرغ" و"ريفينيتيف" حسم المصرف المركزي خياره، وطلب من مجلس الوزراء وضع إنشاء منصة تداول دولية على جدول أعمال جلسته القادمة.

ومنصة بلومبرغ هي نظام برمجي مصمم خصيصاً لمكاتب التداول والأسواق المالية، حيث يمكن لمستخدميها إجراء التداولات ومراقبة بيانات السوق المالية في الوقت ذاته.

إجراء متعدد الأهداف

أهداف عدة يصبو المصرف المركزي إلى تحقيقها من المنصة الجديدة، منها، كما يقول خبير المخاطر المصرفي، الدكتور محمد فحيلي، "تنظيم التداول بالدولار أو/و بالعملات الأجنبية، كي يتمكن مصرف لبنان من مراقبة هذا النشاط الاقتصادي وضبط الإيقاع في للحد من الاضطرابات في سعر الصرف الذي قد يحاول المضاربون إحداثه من وقت إلى آخر".

ويوضح أن "الحديث عن منصة للتداول بالعملات الأجنبية يعني وسائل دفع إلكترونية، هذه الوسائل رغم أنها متوفرة تقنياً، فإنها غير مرغوبة لأسباب عديدة، منها أن التجار يفضّلون الأوراق النقدية للتهرّب من الرقابة، إن وجدت، وإخفاء قسم كبير من عملياتهم التجارية وبالتالي تفادي دفع الرسوم والضرائب وما شابه".

أيضاً، فقدان ثقة المواطن اللبناني بالكيان المالي اللبناني، سواء كان مصارف تجارية أو مصرف لبنان، يدفع بحسب ما يقوله فحيلي لموقع "الحرة" إلى "عدم اللجوء إلى وسائل الدفع المتاحة من خلال القطاع المصرفي شراء كان أم بيعاً للدولار الأميركي أو أي عملة أجنبية أخرى، كما أن اعتماد أي منصة إلكترونية تفرض وسائل دفع إلكترونية تتطلب حسابات مصرفية 'فريش'، وهذه الحسابات متوفرة اليوم فقط تحت أحكام التعميم الأساسي 165 والطلب عليه ما زال خجولاً بسبب تواجد ثغرات قانونية تتطلب إقرار قوانين جديدة".

اتخاذ منصوري قرار توقيف منصة صيرفة للأفراد والشركات، وإبقائها مرحلياً لدفع رواتب القطاع العام، إجراء يدّل كما يقول الباحث الاقتصادي والمالي، الدكتور محمود جباعي، على أن "مصرف لبنان لم يعد مسؤولاً وليست لديه القدرة أو النيّة لتمويل الحكومة، سواء كان تمويلاً مباشراً من الاحتياطي الإلزامي أو من موجودات مصرف لبنان بالدولار أو بالليرة اللبنانية، أو من خلال التغطية غير المباشرة عبر دخول مصرف لبنان إلى السوق وفقاً للمادتين 75 و83 من قانون النقد والتسليف".

أزمات لبنان الاقتصادية أطاحت بسعر صرف الليرة مقابل الدولار

وسبق أن أكد منصوري، في مؤتمر صحفي أن "خيارنا كان ثابتاً وواضحاً، وهو أنه مهما كانت الأسباب التي تدفع الحكومة لطلب أموال من المصرف المركزي فهي أسباب غير مبرّرة على الإطلاق ويجب أن يتوقّف هذا الاستنزاف نهائياً. موجودات المصرف محدودة لذا لا بد من الانتقال إلى وقف تمويل الدولة بالكامل".

وبلغت أصول البلاد السائلة بالعملة الأجنبية، بحسب ما أعلن مصرف لبنان المركزي، الشهر الماضي، 8.573 مليار دولار، بينما وصلت قيمة الالتزامات الخارجية إلى 1.27 مليار دولار، وهذا الكشف الأول للبنك عن هذه الأرقام، ووفقا لحسابات وكالة رويترز، التي استندت إلى أرقام البنك، فقد بلغ صافي الموجودات بالعملات الأجنبية في البلاد 7.303 مليار دولار.

وتسببت الهندسة المالية للبنك في استنزاف الأرصدة الدولارية من البنوك المحلية بأسعار فائدة مرتفعة اعتباراً من عام 2015، للمساعدة في تمويل الدولة المُثقلة بالديون. وكشف تدقيق أن مصرف لبنان "أخفى خسائر بقيمة 76 مليار دولار، جراء تلك الهندسة".

تقاسم المسؤولية

اعتمد مصرف لبنان في الأشهر الماضية، على عدم ضخ العملة المحلية في السوق، بحسب جباعي "حيث كان يشتري دولارات بالمبالغ المالية التي يحصل عليها من وزارة المالية ضمن شفافية منظمة، فكل دولار كان يشتريه من الصرافين كان معروف المصدر منعاً لاتهام لبنان فيما بعد بتبييض الأموال، لا سيما وأنه كان مهدداً في المرحلة الماضية بالوضع على اللائحة الرمادية من قبل مجموعة العمل المالية".

واليوم يفرض قرار منصوري على السلطة اللبنانية بدء مرحلة جديدة، حيث بات عليها تحسين إيراداتها والقيام بإصلاحات مالية لتخفيف الضغط عن المصرف المركزي وبالتالي عن المصارف والمودعين، ويشرح جباعي "الفكرة الأساسية للمنصة الجديدة تكمن في عدم تدخل مصرف لبنان بشكل مباشر في عرض الدولار كما كان يحصل خلال منصة صيرفة، حيث كان يشتريه من السوق بالاستناد إلى المادتين 75 و83 من قانون النقد والتسليف، بخسارة تتراوح بين 8 و10 في المئة يومياً كان يغطيها إما بالليرة أو من الموجودات لديه".

ويستطرد بالقول: "يحتاج لبنان شهرياً إلى مليار ونصف المليار دولار للاستيراد، أي حوالي 50 مليون دولار يومياً، كانت صيرفة تغطي جزءاً كبيراً من المبلغ وما تعجز عن تغطيته كان يتسبب في ارتفاع سعر صرف الدولار نتيجة الطلب الكبير من السوق على هذه العملة الأجنبية". 

ويضيف "وعد أن تخطت نسبة الدولرة الـ 70 في المئة تم تأمين نحو 33 مليون دولار ليبقى حوالي 17 مليون دولار يومياً بحاجة إلى تغطية كي لا يرتفع الطلب على الدولار في السوق وينهار سعر صرف الليرة اللبنانية".

لبنانيان يستخدمان آلة السحب النقدي وسط إجراءات مشددة فرضتها البنوك على سحب الدولار الأميركي

تهدف المنصة الجديدة، كما يضيف جباعي، إلى "تأمين المبلغ الذي يحتاج إلى تغطية ضمن عملية شفافة، مرتبطة بمصرف لبنان وبالحكومة والمصارف والصرافين من الفئة (ألف) الموثوق بقدراتهم ومصدر أموالهم، فهؤلاء الأربعة هم المسؤولون عن المنصة الجديدة، وعرض النقود يجب أن يكون من السوق مباشرة، وهذا تحد كبير للمرحلة القادمة، لأنه إذا لم يكن لدى الحكومة القدرة على تحصيل 'فريش' دولار قدر المستطاع لن تنجح المنصة كما يؤمل، وسيؤثر ذلك على طلب الدولار من السوق وبالتالي على سعر الصرف".

آراء متباينة.. وترقب

حسم قيادات المصرف المركزي خيارهم على منصة بلومبرغ لم ينل رضا أمين عام جمعية مصارف لبنان، فادي خلف، الذي دعا في مقال له في افتتاحية العدد الشهري لجمعية مصارف لبنان مطلع هذا الشهر، إلى اعتماد بورصة بيروت التي تعمل بنظام تداول عالمي، حيث يرى أن هذه المنصة قادرة "على تأمين التداول الطبيعي بالدولار عبر طرق شفافة وسهلة وفي فترة قصيرة جداً".

إيجابيات عدة يمكن أن يستفيد منها المصرف المركزي بتعاونه مع منصة بورصة بيروت ومع المصارف كما يرى خلف، منها أن "خصوصيات سوق الدولار في لبنان تتطلب تعديلات كبيرة على المنصات العالمية قد تأخذ وقتاً لا يُستهان به، كما تتطلب فترة تجربة وتدريب قد تطول، فيما بورصة بيروت مربوطة بعدد لا بأس به من المصارف التي تدرّب موظفوها على مدى عقود من الزمن على استعمال تقنياتها دون أي شوائب، فلا حاجة إلى إضاعة الوقت بفترات من التدريب والاختبار".

ومن إيجابياتها كذلك، بحسب خلف، "شفافية الأسعار والتداولات الفعلية المُعلنة عبر شاشات بورصة بيروت وموقعها الإلكتروني كما وعلى المنصات العالمية المربوطة بها (رويترز، بلومبرغ، ...) وتقليصها إلى حد كبير دور المواقع الإلكترونية الخاصة التي تتلاعب بمعلومات السوق ونقل مركزية التسعير من أيدي وتلاعب كبار الصيارفة، المرخصين وغير المرخصين، إلى سوق رسمية مراقَبة من قبل مصرف لبنان وهيئة الرقابة على الأسواق المالية في آن معاً".

كما أن "بورصة بيروت مربوطة بتقنيات اتصال مباشر بالمصارف وشركات الوساطة، وبالتالي لا تتأثر بانقطاع الإنترنت وأعطاله المفاجئة. وهذا ما قد يصعب تجنّبه في حال الاعتماد على المنصات العالمية الأخرى، كما مكن ضمّ أي مصرف أو مؤسسة مالية مرخصة إلى لائحة المتداولين على البورصة بمهلة وجيزة وبتكلفة رمزية".

من جانبه، يرى فحيلي أن بورصة بيروت "غير مؤهلة، لا من ناحية الأرضية التقنية ولا من الناحية القانونية للتداول بالعملات الأجنبية، وكل ما ذكره خلف في افتتاحيته لطمأنة المواطنين هو مصدر قلق لهم لفقدانهم الثقة بكل ما تقدمه المصارف اليوم".

أما إيجابيات منصة بلومبرغ كما يعددها جباعي، فهي "أولاً عدم تحمّل مصرف لبنان كل الضغوطات النقدية والمالية في البلد كما كان سابقاً، ثانياً الشفافية المالية التي تؤمنها والحد من الاقتصاد النقدي كما يطالب المجتمع الدولي وصندوق النقد والبنك الدولي وكذلك معظم الشركات المالية والوكالات العالمية خشية من عمليات تبييض أموال، وثالثاً يساهم هذا النوع من العمليات في الانتظام النقدي والمالي في البلد ويقربنا من توحيد سعر الصرف، بدلاً من الأسعار الثلاثة، السعر الرسمي 15,000 وسعر صيرفة 85,000 وسعر السوق السوداء 89,900 ألف ليرة".

لكن "سقط سهوا" من منصوري كما يشدد فحيلي "ذكر التعميم الأساسي الذي يحمل الرقم 165 والذي يصبح ضروريا إذا كان هناك توجه نحو اعتماد منصة بلومبورغ للتداول بالعملات الأجنبية، إضافة إلى أن هذا التعميم ساعد فريق عمل هيئة التحقيق الخاصة في الدفاع عن ملف لبنان أمام مجموعة العمل المالية، وأيضاً سقط سهواً منه التعميم الأساسي الذي يحمل الرقم 154 الذي يصبح ممراً إلزامياً لإعادة هيكلة القطاع المصرفي وتأمين السيولة التي يحتاجها لضخ الحياة فيه من جديد".

إطلاق المنصة الجديدة "لا يعني نجاحها، فالكرة اليوم في ملعب الحكومة اللبنانية"، بحسب جباعي، الذي أكد أنه "يقع على عاتقها القيام بإصلاحات وتحصيل إيرادات بالدولار وإيجاد نفقات استثمارية لتعبر بلبنان إلى مرحلة جديدة وجيدة ينتظرها الشعب اللبناني للخلاص من أزمة اقتصادية ومالية مستمرة منذ أربع سنوات".

حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا
حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا

في تطوّر لافت وغير مسبوق، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول كبير في حزب الله قوله إن الجماعة مستعدة لمناقشة مستقبل سلاحها مع الرئيس اللبناني جوزاف عون، في سياق استراتيجية دفاع وطني، وذلك بشرط انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس الحدودية في جنوب لبنان ووقف الغارات. الإعلان بحد ذاته شكّل كسراً لما يعتبر أحد أبرز "التابوهات" في قاموس حزب الله منذ تأسيسه.

مصادر سياسية كشفت للوكالة أن الرئيس عون يعتزم إطلاق حوار مع الحزب بشأن السلاح، في إطار ما وصفه بـ"استراتيجية الأمن الوطني"، التي أعلن عن نيّته العمل على صياغتها فور توليه المنصب، مؤكداً أن السلاح يجب أن يكون محصوراً بيد الدولة دون سواها.

هذا التطور يأتي في سياق تصاعد الضغوط الدولية والمحلية على الحزب، حيث أكدت المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت الأسبوع الماضي، موقف واشنطن القوي بضرورة نزع سلاح حزب الله والجماعات المسلحة الأخرى، مشددة على أن هذا يجب أن يتم في أقرب وقت ممكن.

وفي مقابلة مع قناة (إل.بي.سي.آي) اللبنانية في السادس من أبريل، قالت أورتاغوس "من الواضح أنه يجب نزع سلاح حزب الله، ومن الواضح أن إسرائيل لن تقبل بإطلاق الإرهابيين النار عليها داخل أراضيها، وهذا موقف نتفهمه".

هذا الموقف فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل حزب الله مستعد فعلاً للدخول في مفاوضات جديّة تنهي الثنائية الأمنية التي أرساها منذ عقود؟ أم أن ما يطرح لا يعدو كونه مناورة سياسية لشراء مزيد من الوقت؟ وما مدى واقعية الرهان على استراتيجية دفاعية وطنية تشمل الحزب؟

لكن الحزب لم يترك التأويلات مفتوحة طويلاً، إذ سارع العضو في مجلسه السياسي غالب أبو زينب إلى توضيح الموقف خلال مقابلة مع قناة "الجديد"، أمس الأربعاء، قائلاً "لم نوافق على تسليم السلاح أو نزعه. نحاور حول كيف يمكن للبنان أن يمتلك أوراق قوة أساسية يستطيع من خلالها أن يحافظ على وجوده في ظل هذه المتغيرات الكبيرة. لن نكون إلا في موقع قوة للبنان، وهذا السلاح ليس معروضاً للتسليم".

واليوم الخميس، قال النائب عن حزب الله حسن فضل الله، خلال مؤتمر صحفي في مجلس النواب، إن الحزب "أبدى كامل الاستعداد للحوار بهدف التوصل إلى استراتيجية دفاع وطني لحماية السيادة اللبنانية"، مؤكداً أن "من أولوياتنا الحفاظ على لبنان محرراً، محمياً وقوياً، وحماية إنجازات مقاومته".

أبعاد إقليمية

رغم مسارعة أبو زينب إلى نفي استعداد الحزب لتسليم سلاحه، إلا أن مجرد ربط هذا السلاح بشروط محددة، "يُفرغ أي حوار مرتقب من مضمونه محوّلاً إياه إلى مجرد فولكلور ووعد نظري"، كما يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي، "لأن نزع السلاح مشروط بتنفيذ تفاهمات وقف الأعمال العدائية أي وقف إطلاق النار ابتداء من 27 نوفمبر الفائت وبالقرارات الدولية واتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري".

ويذهب الزغبي أبعد من ذلك في حديث مع موقع "الحرة"، معتبراً أن الحزب لا يربط سلاحه بشروطه، بل بمصير الحوار الإيراني–الأميركي، ويقول "على ضوء نتائج هذا الحوار يتلقى التوجيه الإيراني بالموقف المناسب، وحتى ذلك الحين يسعى إلى كسب الوقت والمماطلة".

من جانبه يرى رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية، شارل جبور، أن "المشهد الإقليمي يشهد تغييرات جذرية تنعكس بشكل مباشر على وضع حزب الله في لبنان"، معتبراً أن الحزب أصبح أمام معادلة جديدة تفرض عليه التخلي عن سلاحه.

ويقول جبور لموقع "الحرة" إن "المسألة لم تعد مرتبطة بما يقوله حزب الله أو لا يقوله، بل بالواقع الإقليمي المتبدل كلياً"، موضحاً أن "الحزب خرج من الحرب الأخيرة مهزوماً، ووقّع اتفاقاً لوقف إطلاق النار ينص بوضوح على تفكيك بنيته العسكرية في كل لبنان، فيما انقطع طريق إمداده من إيران نتيجة سقوط نظام الأسد".

ويشير جبور إلى أن هذه التطورات تتزامن مع معطيات أخرى لا تقل أهمية، أبرزها "الإعلان الرسمي عن المفاوضات الإيرانية-الأميركية في سلطنة عمان، وتخلي الفصائل المدعومة من إيران في العراق عن مشروع السلاح، بالإضافة إلى إعلان طهران عدم مسؤوليتها عن الحوثيين في اليمن". واعتبر أن "هذه المؤشرات تؤكد أن إيران بدأت إرسال رسائل 'حسن نية' إلى واشنطن، تتماشى مع شروط الأخيرة الثلاثة: التخلي عن الأذرع العسكرية، الصواريخ الباليستية، والمشروع النووي".

والأربعاء، اعتبر رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان أن "ربط مسألة نزع السلاح بقضايا أخرى يُعدّ مخالفة واضحة لتعهدات لبنان، ونكون نُضيّع وقتنا إذا اعتقدنا أن الإصلاح ممكن من دون حصر السلاح بيد الدولة".

كما أضاف في مؤتمر صحافي من المجلس النيابي "سمعنا الوزير غسان سلامة يتحدث عن أن موضوع السلاح خارج الدولة يرتبط بمسألة إعادة الإعمار، ونقول لرئيس الحكومة نواف سلام إن المطلوب منه اليوم هو تدبير سريع بحق الوزير سلامة لأنه يخالف البيان الوزاري والقرارات الدولية، وإن لم يتم فنحن كتكتل الجمهورية القوية قد نطرح الثقة به".

حوار بلا جدوى؟

"نزع السلاح ليس في حاجة إلى الحوار الذي قرره رئيس الجمهورية جوزف عون مدعوماً من الرئيسين بري وسلام"، كما يرى الزغبي "لأن قرار تسليمه "نافذ على أصله" كما في الأحكام القضائية، ولا يتطلّب سوى تنفيذ الاتفاقات والتعهدات المكتوبة، لكن السلطة تبرر الحوار بتفادي الصدام واهتزاز السلم الأهلي كما تقول. وفي أي حال، على هذا الحوار ألّا يطرح مبدأ نزع السلاح، بل الآلية والجدول الزمني للتنفيذ لئلّا يغرق في متاهات تساعد الحزب في المماطلة إلى درجة التملّص من تسليم سلاحه".

ويضيف الزغبي "الواضح أن الرئاسة اللبنانية تطرح "إستراتيجية الأمن الوطني" الأشمل بحيث تكون "الاستراتيجية الدفاعية" جزءاً منها، خلافاً لما يريده حزب الله للاحتفاظ بسلاحه تحت حجة عجز الجيش اللبناني وضرورة بقاء "المقاومة" لمواجهة إسرائيل، كما أن هناك خلافاّ داخله بين فريق متشدد يريد الاستمرار في المواجهة العسكرية وفريق يطالب باستخلاص دروس الحرب والانضواء تحت لواء الدولة، الأمر الذي يضاعف تعقيد الحوار وإفشاله".

من جانبه يقول جبور، "حزب الله أصبح اليوم أمام واقع لا يمكن الانقلاب عليه، ويتوجب عليه أن يتأقلم مع المستجدات، ويتخلى عن مشروعه المسلح، ويسلّم سلاحه".

وفي هذا السياق، لفت جبور إلى أن "المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس وصفت حزب الله بـ'السرطان الذي يجب استئصاله'، بعد زيارتها الأخيرة إلى بيروت، كما أن السفارة الأميركية أعلنت في أعقاب الزيارة أن المحادثات تركزت على شقين أساسيين: سلاح حزب الله والإصلاحات، وأكدت أن لا مساعدات دولية للبنان ما لم يُسلّم الحزب سلاحه للدولة".

وفي السياق، رد رئيس الحكومة نواف سلام، من بكركي أمس الأربعاء، على سؤال حول الجدول الزمني لسحب سلاح حزب الله مؤكداً أن مسألة حصر السلاح بيد الدولة ستكون قريباً على جدول أعمال مجلس الوزراء، وقال "عندما طُرح هذا الموضوع في مجلس الوزراء، كان جوابي أننا سنطلب سريعاً من الوزراء المعنيين، ولا سيما وزير الدفاع، تزويدنا بتقرير حول ما التزمنا به في البيان الوزاري، وكيف يمكننا التقدم في بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية".

فرصة مؤقتة

يعيش لبنان في مرحلة "وقت ضائع"، كما يصفها جبور، "حيث كان يفترض أن تشهد البلاد انطلاقة جديدة مع عودة الانتظام الدستوري والمؤسساتي، وأن تستعاد الدورة الاقتصادية والمالية. لكن ذلك لم يتحقق، والسبب تمسّك حزب الله بسلاحه".

ويتابع جبور "لقد تبيّن أن هذا السلاح لم ينجح في حماية الحزب، لا خلال الحرب ولا بعدها. وحدها الدولة تمتلك القدرة على تأمين الحماية لجميع اللبنانيين، بما فيهم حزب الله".

ويختم جبور بالتأكيد على أن "موضوع سلاح حزب الله انتهى"، معتبراً أن "كلما تم تسريع احتكار الدولة للسلاح، كلما اقترب لبنان من استعادة عافيته، ومن قيام دولة فاعلة تستعيد سيادتها ودورتها الاقتصادية والمالية".

من جانبه يرى الزغبي أن لبنان "أمام فرصة محدودة في الزمن لتلبية رغبة المواطنين في الاستقرار وشروط المجتمع الدولي، ولا يملك ترف الوقت المفتوح لحوار تم تجربته سابقاً على الطاولات الجامعة وانتهى إلى الفشل".

ولذلك لا بد بحسب الزغبي "من برمجة الحوار ضمن مهلة محددة، وفي حال بلوغه طريقاً مسدوداً تستعيد الدولة مبادرة معالجة السلاح تنفيذاً لكل الوثائق التي تؤكد حصر السلاح في يد الدولة. وإذا تلكأت أو فشلت فإن خطر تجدد الحرب يصبح ماثلاً وتعود إسرائيل إلى تدمير ما تبقى من ترسانات "الحزب"، ويدفع لبنان أثماناً إضافية".