الاشتباكات المسلحة في مخيم عين الحلوة بين الحين والآخر - صورة أرشيفية.
الاشتباكات المسلحة في مخيم عين الحلوة تتكرر بين الحين والآخر - صورة أرشيفية.

تجددت الاشتباكات في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين جنوبي لبنان، مساء الخميس، بين حركة فتح وتنظيمات إسلامية متشددة، وفق ما أفاد به مراسل "الحرة".

وسمعت أصوات إطلاق نار وقذائف صاروخية داخل المخيم، فيما سجلت حركة نزوح كثيفة للفلسطينيين من داخل المخيم بسبب الاشتباكات الدائرة.

وذكر مراسل "الحرة" أن الرصاص الطائش وصل إلى أرجاء مدينة صيدا جنوبي البلاد.

كما أفادت أنباء بانفجار قذيفة صاروخية فوق مستشفى" الهمشري" في مدينة صيدا الجنوبية.

ويفرض الجيش اللبناني طوقا أمنيا مشددا حول المخيم، ويسهل الجيش خروج الأهالي هربا من تطور الوضع داخل المخيم.

كما أفادت معلومات يبدء اتصالات مكثفة على أعلى المستويات بين قيادات الفصائل الفلسطينية، وبعض القوى اللبنانية لاحتواء الاشتباكات المسلحة المستمرة على أكثر من محور والتي تستخدم فيها الأسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية.

وأشارت معلومات أولية إلى التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار، لكن تنفيذه رهن بالتزام الأطراف المتقاتلة به.

وفي بيان عاجل دعت هيئة العمل الفلسطيني المشترك في لبنان إلى وقف إطلاق النار في مخيم عين الحلوة، "أفساحا للمجال أمام القوة الأمنية الفلسطينية المشتركة في مخيم عين الحلوة وهيئة العمل المشترك في صيدا، للقيام بواجباتها وتنفيذ ما أوكل لها، من قبل هيئة العمل في لبنان".

وتحدثت المعلومات عن سقوط جريحين على الأقل، فيما أكد شهود عيان في مدينة صيدا لموقع "الحرة"، أن الرصاص الطائش الناتج عن الاشتباكات  تساقط على أحياء المدينة، ما دفع الناس للاختباء في منازلها ومغادرة الكورنيش البحري للمدينة الذي يضم تجمع المقاهي التي عادة ما تكون مزدحمة في هذا الوقت.

وقد انتشر عدد كبير من المقاطع المصورة التي تظهر حركة نزوح كثيفة لعائلات وأفراد من مناطق الاشتباك في المخيم إلى خارجه، حيث توزعوا على مساجد مدينة صيدا ولاسيما مسجد الموصللي، والأماكن العامة فيها. 

وتتركز الاشتباكات في أحياء التعمير والطوارئ والبركسات والبستان، وبحسب المعلومات تأتي على خلفية محاولة حركة فتح إستعادة انتشارها الأمني في المدارس التابعة لمنظمة الأونروا، والتي سيطر عليها عناصر إسلامية مسلحة بعد الاشتباكات التي كان قد شهدها المخيم الشهر الماضي. 

وبحسب المعلومات فقد بدأ الهجوم بإلقاء قنبلة تبعه إطلاق نار كثيف من داخل حي " الطوارىء" في المخيم.

وكان نحو ربع سكان المخيم البالغ عددهم 80 ألفا قد نزحوا بسبب الاشتباكات، التي اندلعت في 29 يوليو، بين حركة فتح وإسلاميين متشددين.

ووفقا لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى "الأونروا" فإن مخيم عين الحلوة هو الأكبر من بين 12 مخيما للاجئين الفلسطينيين في لبنان تأوي ما يصل إلى 250 ألف لاجئ فلسطيني.

ويحتمي في المخيم عدد كبير من المتطرفين والمطلوبين، حيث يخرج عن سيطرة السطات اللبنانية بحكم عرف قديم ولا ينتشر داخله القوى الأمنية أو الجيش اللبناني، فيما تتسلم أمنه حركة فتح بشكل أساسي.  وتعتبر الاشتباكات بين مجموعات مُتنافسة على النفوذ والسلطة أمر شائع في المخيّم. 

علي

"أنا مين؟" سأل نفسه، عائدا، على حدود الوطن.

لم يجد جوابا.

منذ غادر لبنان، لم يكن الاسم وحده ما تغيّر.

علي، الشاب الشيعي المنتمي لحزب الله منذ الطفولة، لم يقرر أن يولد عليًّا، ولم يكن يتخيل يومًا أن يصير إيلي، يقول.

من الكشافة إلى القتال

في بيت فقير، في جنوب لبنان، وُلد علي يتيمًا بين عشرة.

أمه، بلا سند، لم تجد ملاذًا سوى في الحزب الذي يفرض حضوره على كل تفصيل في المجتمع: من المدرسة إلى المستشفى، من الطفولة إلى السلاح.

هناك، لم تكن الحياة مجرد حياة؛ بل عقيدة. "نحن على الحق"، يرددونها صباحًا ومساءً. ومنذ الطفولة، صارت البندقية جزءًا من المنهج.

في عمر العاشرة، انضم علي إلى "كشافة الإمام المهدي"، حيث يبدأ الغرس العقائدي والعسكري معًا. "دورة محو الأمية" لم تكن كما توحي تسميتها؛ بل تدريبًا أوليًا على حمل السلاح. في الثانية عشرة، كان الطفل الصغير يعرف كيف يفكك البندقية، وفي الثالثة عشرة، كان يفتخر باستشهاد أصدقاء في التدريبات.

يصف علي دورات القتال بأنها "مزج من العسكر والعقيدة"، لكن العقيدة كانت الغالبة دائمًا. يتعلم المنتسبون أنهم يدافعون عن "أمة، عن شرف، عن طائفة"، وأن كل ما هو خارج هذا المسار مشبوه، خطر، أو "كفر".

عالم بالألوان

لكن العالم ليس أبيض وأسود. في سن الثامنة عشرة، بدأت تظهر تصدعات الشك. تعرّف علي على أصدقاء خارج "الخط"، وبدأ يرى شيئًا مختلفًا: حياة أخرى، حوارات، ضحك، نساء، ملابس ملونة، وموسيقى. كلها ممنوعة.

في إحدى الليالي، عاد إلى البيت متأخرًا، فصفعته أمه بركوة قهوة. تلك الصفعة لم تكن مجرد غضب أم، بل لحظة صدع.

"هل هذا هو الحق؟"، تساءل لأول مرة.

ومن هذا السؤال، بدأ كل شيء يتغير.

الهروب من القدر

رفض علي دعوة الحزب للانضمام إلى دورة تؤهله ليصبح "متفرغًا". كان يعلم أن القبول بها يعني بلوغ نقطة اللاعودة. فقرر أن يغادر. هرب من عائلته، من أصدقائه، ومن اسمه.

سافر إلى تركيا، ومنها حاول عبور البحر إلى أوروبا على "قوارب الموت". غرق ثلاث مرات. في كل مرة، كان الموت قريبا وكان كأنه يولد من جديد. أعادته النجاة إلى السؤال الأصلي: من هو؟ وماذا يريد أن يكون؟

من علي إلى إيلي

بعد فشل محاولة اللجوء، عاد إلى لبنان. في مطار بيروت، وقف حائرًا: لا أهل، لا أصدقاء، ولا خط عودة إلى الحزب. دق باب صديق قديم، فأتاه الجواب:

"في عائلة بدها حدا يساعدها... بس في مشكلة: اسمك علي".

ضحك، وقال: "خليه إيلي".

هكذا بدأ فصلاً جديدًا من حياته، يعيش مع عائلة مسيحية، يذهب معهم إلى الكنيسة، يشاركهم التراتيل، ويشعر لأول مرة بأنه إنسان، فقط إنسان.

"أنا مين؟" يعيد السؤال، هذه المرة بثقة أكبر. لا يريد أن يكون تابعًا، ولا أن يُملى عليه ما هو الحق وما هو الباطل. "بدي أكون إنسان يقرر، يشوف، يعرف".

تغير الاسم، بقي السؤال، لكن صارت لديه حرية البحث عن إجابة.