منظمة اليونيسف حذرت من خطر الاضطرابات التعليمية في لبنان في ظل استمرار الأزمة المالية
منظمة اليونيسف حذرت من خطر الاضطرابات التعليمية في لبنان في ظل استمرار الأزمة المالية

عام دراسي جديد أطلقه وزير التربية اللبناني عباس الحلبي في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد منذ أربع سنوات، حيث حدد الرابع عشر من الشهر الجاري تاريخ بدء الأعمال التحضيرية لإعادة فتح المدارس والثانويات الرسمية، من دون أن يشير في قراره إلى يوم عودة التلاميذ إلى صفوفهم، بسبب الضبابية التي تحيط بموقف الأساتذة في حال لم تلب مطالبهم.

"بتهديد وترهيب أطلق الحلبي العام الجديد"، كما تصف رئيسة اللجنة الفاعلة للأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي، نسرين شاهين، شارحة "أصدر قرارا تحت مسمى تأديبي يقضي بحسم راتب 61 أستاذا في التعليم الثانوي، لمدة 15 يوم، بسبب امتناعهم عن التعليم بعد فك روابط المعلمين الإضراب العام الماضي، حيث اعتبرهم محرّضين".

وقّع الوزير قراره التأديبي في 27 يوليو، لكن أعلن عنه في 5 سبتمبر، ما يدل بحسب ما تقوله شاهين لموقع "الحرة" أن "هدفه تخويف الأساتذة الذين يستعدون لتنظيم تحركات جديدة مع بداية السنة الدراسية، وليس كما أشار إلى أنه يطبّق قانون منع الإضراب والتحريض عليه".

لا أحد يتجرأ على القول إنه لا يوجد عام دراسي، كما تشير شاهين "لكن على ما يبدو أن التعثرات كبيرة إلى حد الآن، فالانطلاقة تتطلب تأمين الاعتمادات التي أقرتها الحكومة بقيمة 150 مليون دولار كاملة، لكن وزير المالية لن يدفع سوى الثلث منها وبالتقسيط على مدة تسعة أشهر، في وقت لا يزال دعم الجهات المانحة غير واضح، والضحية الأولى لهذا الواقع هم التلاميذ الذي لا يستطيعون الانتقال إلى المدارس الخاصة بسبب أقساطها الباهظة".

وسبق أن أشار الحلبي إلى أن كلفة العودة الآمنة للأساتذة وتمكينهم من الذهاب إلى المدارس هذه السنة هي 150 مليون دولار، "هذا رقم مدروس يغطي الحوافز والشق الصحي وصناديق المدارس والمهنيات"، معلنا أن مجلس الوزراء أقر سلفة بقيمة 5 آلاف مليار ليرة كدفعة أولى من المبلغ المطالب به.

يذكر أن العام الدراسي 2022-2023 تعرّض "إلى اضطرابات شتى أثرت على مسار التعليم طوال شهرين على الأقل، ما أثر على أكثر من 450 ألف طفل (من روضة الأطفال حتى الصف الثاني عشر)"، بحسب ما ذكرت منظمة "اليونيسف" في بيان الشهر الماضي، لفتت خلاله كذلك إلى أنه على الرغم من الدعم الذي تقدمه، "تستمر الأزمة المالية في الاشتداد، ما يزيد خطر الاضطرابات التعليمية في العام الدراسي القادم، خصوصا في حال لم يحصل المدرسون والموظفون في القطاع التربوي على أجور مناسبة تؤمن لهم العيش الكريم".

أبعد من بدء التعليم

لن يقف الأمر على عدم تدريس التلاميذ في المدارس الرسمية هذا العام، بل قد لا يذهب الأساتذة حتى إلى تسجيل التلاميذ إذا لم يحصلوا على مستحقاتهم، فإلى حد الآن كما يقول رئيس رابطة التعليم الأساسي، حسين جواد "لا زال لنا أربع رواتب لم يتم الإفراج عنها"، ويشدد في حديث لموقع "الحرة" أن "هناك سياسة ممنهجة لإنهاء التعليم الرسمي في لبنان، والأدلة كثيرة على ذلك، يكفي الإشارة إلى أننا نرفع الصوت منذ انتهاء العام الدراسي الماضي معلنين أنه لن نبدأ عاما دراسيا جديدا إذا لم يتم تحسين أوضاع المعلمين، وقد وصلنا إلى ما حذرنا منه لكن وزير التربية اتخذ قرار بدء العام الدراسي، ما يظهر أنه يريد المواجهة".

"لم ينل الأساتذة من مطالبهم سوى الوعود، أما مبلغ الـ 5 آلاف مليار ليرة الذي أقرته الحكومة لوزارة التربية لإعطائه للأساتذة كحوافز إنتاجية لا يزال حبرا على ورق ولم يتم تحويله إلى مرسوم حتى"، يقول جواد، مشددا أنهم "يريدون بدء العام الدراسي على أكتاف المعلمين الذين لم يعد باستطاعتهم التضحية".

كذلك تؤكد شاهين أن الأساتذة المتعاقدين في التعليم الرسمي لا يزالون يطالبون بحقوقهم عن الأعوام السابقة، فحتى الآن "لم يحصل ثلاثة آلاف أستاذ متعاقد على حوافز 90 دولارا عن ثلاثة أشهر من عام 2022-2021، رغم أن البنك الدولي حوّل المبلغ إلى وزارة التربية، والحلبي يعترف بهذا الحق، لكنه يسوّف الدفع بحجج أخطاء في السيستم، والبنك الدولي يعلم ذلك، إلا أنه غير آبه بتصرف وزير التربية بهذه الأموال، بدليل سكوته عن الأمر".

أما العام الدراسي الماضي 2023-2022 فما زالت مستحقات الفصل الثالث للأساتذة المتعاقدين ومستحقات الفصل الثاني والثالث لأساتذة الاجرائي في ذمة وزارة التربية، والحجج التي يتذرع به الوزير بحسب شاهين "أخطاء في السيستم، مما يجعل الجداول كرة تتقاذف بين وزارتي التربية والمالية"، وتشدد "يغطي وزير التربية صرف الاعتمادات في غير وجهتها بإعطاء وعود متتالية بالدفع إلى حين توفير الاعتمادات اللازمة، أما البنك الدولي فيبدو واضحا أنه غير مكترث بإيصال أمواله إلى أصحاب الحقوق". 

وتوجهت شاهين إلى الجهات المانحة وكل من يفكر بمساعدة القطاع التعليمي في لبنان بالقول "الخطوة الأولى في الطريق الصحيح هو مطالبة الوزارة بتقديم داتا شفافة حول أعداد الأساتذة والطلاب في التعليم الرسمي، لمعرفة كيفية توزيع الأموال التي تصل ولننعم بعام تعليمي مستقل".

انعكاسات سلبية

خطورة عدم انطلاق العام الدراسي في التعليم الرسمي كبيرة وجدية، كما يرى نقيب المعلمين في المدارس الخاصة، نعمه محفوض "فإلى حد الآن لم تؤمن الحكومة مستلزمات هذه الانطلاقة، سواء لصناديق المدارس أو لروابط المعلمين"، ويشرح "روابط التعليم الرسمي تطالب بدولرة جزء من رواتب المعلمين، والحصول بالحد الأدنى على 600 دولار شهريا، ورغم اتخاذ الحكومة قرار صرف 5000 مليار ليرة لوزارة التربية إلا أنها مجرد حبر الورق، فوزارة المالية ومصرف لبنان أكدا لوزير التربية عدم توفّر الأموال لصرف المبلغ". 

عدم انطلاق العام الدراسي في التعليم الرسمي، سينعكس سلبا كما يشدد محفوض في حديث لموقع "الحرة" على التعليم في القطاع الخاص، إذ "لا يعقل أن يبقى تلاميذ المدارس الرسمية في الشارع وتلاميذ المدارس الخاصة على مقاعدهم الدراسية، هذا الأمر سيولّد انفجارا اجتماعيا، وقد حذّر عدد من الأهالي لاسيما في مدينة طرابلس شمال لبنان بأنهم لن يسمحوا بذلك".

وبعد أربع سنوات من تقاضي رواتبهم بالليرة اللبنانية، اتفقت نقابة المعلمين مع أصحاب المدارس الخاصة على أن يتقاضى الأساتذة ما بين 35 و65 في المئة من راتبهم قبل الأزمة الاقتصادية بالدولار، بعدما ضحوا بحسب محفوض لاستمرار هذا القطاع إلى حد لم يعد باستطاعتهم التضحية أكثر، و"الآن يجب على اتحاد المؤسسات تعميم الاتفاق على أصحاب المدارس، لاسيما بعدما علمت أن عشر مدارس عرضت على المعلمين مبلغا بسيطا يتراوح بين 100 و250 دولار، الأمر الذي سيدفعهم إلى رفض التعليم وكنقابة سنغطي إضرابهم، ولكي لا نقع في هذه المتاهات، أنبّه من الآن أصحاب المدارس الخاصة على ضرورة تنفيذ ما اتفقنا عليه، لتجنب أي عثرة في انطلاق التعليم في بعض المدارس".

كما لا تستبعد رئيسة اتحاد لجان الاهل في المدارس الخاصة، لمى الطويل، في حديث مع موقع "الحرة" أن يواجه التعليم في المدارس الخاصة وضعا غير منتظم، إذا تقاضت الادارة الأقساط بالدولار من دون أن تعطي الأساتذة حقوقهم كما حصل العام الماضي".

أقساط خيالية

بأقساط خيالية سينطلق العام الدراسي في المدارس الخاصة، "حيث تفاجأ أهالي التلاميذ برفع الأقساط بطريقة عشوائية، من دون دراسة وموافقة الهيئة المالية في لجنة الأهل، في تخط واضح للقانون واستفادة من غياب رقابة ومحاسبة وزارة التربية" بحسب ما تقول الطويل، مشيرة إلى أن الأقساط تضاعفت ما بين 200 إلى 400 في المئة، سواء كانت بالليرة اللبنانية أم بالدولار، ما أجبر عددا من الأهالي على نقل أولادهم إلى مدارس أرخص، في حين سجّل بعضهم أسماء أولادهم رغم عدم يقينهم بقدرتهم على تسديد الأقساط وتأمين ثمن الكتب والزي المدرسي".

يعيش أهالي التلاميذ "حالة من الضياع والتخبط، لاسيما وأن أصحاب المدارس يتعاملون معهم وكأنه لا يوجد أزمة في لبنان، في وقت لا بديل تؤمنه السلطة السياسية، فلا قدرة استيعابية للمدارس الرسمية عدا عن أنها شبه منهارة ومن غير الواضح فيما إن كانت ستفتح أبوابها"، تقول الطويل، مشيرة إلى أن "آخر دراسة لمركز الدراسات اللبنانية، كشفت أن41  في المئة من أهالي الطلاب الذين استطلعت آراءهم، صرحوا أن لديهم ولد واحد على الأقل خارج المدرسة دون عمر 18 سنة، وذلك نتيجة انخراط التلاميذ في سوق العمل لمساعدة أهلهم في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، باختصار وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها التعليم لمن يستطيع إليه سبيلا".

يلوم محفوض المؤسسات التي رفعت أقساطها "قبل الجلوس مع المعلمين والاتفاق على النسبة المئوية التي سيحصلون عليها بالدولار، لمعرفة قيمة الرواتب التي ستدفعها وإضافة 35 في المئة عليها كحصة للمدرسة، ومن ثم قسمة المبلغ الإجمالي على عدد الطلاب لتحديد القسط المدرسي، تماما كما فعلت بعض المدارس، حيث تعاطت بشفافية ما أرضى الأهل والمعلمين".

ويستطرد "بعض المؤسسات تتعاطى مع الأزمة الاقتصادية بشكل تجاري، ترفع الأقساط متحججة برواتب المعلمين لكن في الحقيقة تعطيهم الفتات، فتحدد قسط الطالب على سبيل المثال بألفي دولار وراتب المعلم بين 200 و300 دولار، هذه سرقة مزدوجة للأهل والمعلمين على حد سواء، وهنا دور لجان الأهل بضرورة معرفة رواتب المعلمين، وعدم القبول بأن يخصص من القسط المدرسي للمعلمين أقل مما ينص عليه القانون 515".

مستقبل على المحك

تطرق رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في مستهل جلسة مجلس الوزراء، الخميس، إلى الأقساط المدرسية، قائلا: "هناك ملفات اقتصادية واجتماعية صعبة جدا، أهمها تفلّت أسعار السلع والمواد والخدمات والأقساط الجامعية والمدرسية وفواتير الاستشفاء وأسعار التأمين والحاجات الأساسية. الحكومة مسؤولة عن الأمن الاقتصادي والصحي والغذائي، وأدعو الوزارات والجهات المعنية إلى مراقبة الأسعار وحماية المواطنين من أخطار الجشع وإنزال العقوبات بالمخالفين الذين يبتزون الناس ويستنزفون قدراتهم".

وأعلن ميقاتي أنه مع بدء العام الدراسي، يتابع صرخة الأهالي من غلاء الأقساط في المدارس وإرغامهم على الدفع بالدولار بنسب متفاوتة لا معايير واضحة لها، وبأنه تواصل مع وزير التربية، الغائب عن الجلسة، لطلب التشدد في هذا المجال، وإلزام المدارس الخاصة بأخذ الواقع الاقتصادي الراهن بالاعتبار لدى زيادة الأقساط.  

وأشار إلى اقتراح زيادة الرسوم في المدارس الرسمية والجامعة اللبنانية بالقول "ستعرض علينا خلال بحث مشروع قانون الموازنة، وسيصار إلى درسها بشكل يخفف الأعباء عن الأهل ويمكّنهم من ارسال أولادهم إلى المدارس الرسمية والجامعة اللبنانية".

وسبق أن توجه وزير التربية إلى المدارس الخاصة، لكي تدرس بتمعن أقساطها خصوصا بالدولار الأميركي حتى يستطيع المواطنون تحملها، آملاً أن يتم إنصاف المعلمين في القطاع الخاص "ليكملوا الرسالة ولو بالحد الأدنى المقبول".

ضبط الأقساط في المدارس الخاصة يتطلب كما ترى الطويل وضع معايير من قبل الجهات المسؤولة وتدقيق مالي عبر خبراء محلّفين وإلزام للمدارس بتقديم قطع حساب والحصول على موافقة لجنة الأهل، كما أنه "على المدارس الخاصة المستقلة واتحادات المدارس في لبنان الالتزام بالقوانين".

وفيما يتعلق بالمدارس الرسمية، دعت "اليونيسف" الحكومة اللبنانية إلى إيلاء الأولوية لتعبئة موارد ميزانية التعليم، لضمان فتح المدارس الرسمية أمام جميع الأطفال في أكتوبر القادم، مشيرة إلى أنه لا يمكن أن يحل دعمها المستمر للأطفال مكان استثمار الحكومة اللبنانية في التعليم "بل يفترض أن يكون مكملاً لدورها".

وحول انطلاقة العام الدراسي في المدارس الرسمية، أكّد مدير عام وزارة التربية، عماد الأشقر، أمس الخميس، أن الحلبي عرض ورقة عمل على الحكومة، إذا تمّت الاستجابة لها، ستكون هناك انطلاقة سليمة وصحيحة، موضحا في تصريح تلفزيوني، أن "الورقة أخذت بالاعتبار مطالب الأساتذة سواء في التعليم الأساسي أو الثانوي"، ومشيرا إلى أن "الملموس الوحيد حتى الآن هو الـ 5 آلاف مليار ليرة لبنانية التي كانت قد استجابت الحكومة لطلب الحلبي بدفعها".

قطاع التعليم الرسمي أولوية قصوى، بحسب محفوض "فهو لا يشبه أي من القطاعات التي يمكن أن تتوقف عن العمل وتعاود الانطلاق متى نشاء، فإذا ضرب هذا القطاع العام الحالي بعد سنوات من التعثر، يعني القضاء على جيل كامل وبالتالي على مستقبل البلد".

حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا
حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا

في تطوّر لافت وغير مسبوق، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول كبير في حزب الله قوله إن الجماعة مستعدة لمناقشة مستقبل سلاحها مع الرئيس اللبناني جوزاف عون، في سياق استراتيجية دفاع وطني، وذلك بشرط انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس الحدودية في جنوب لبنان ووقف الغارات. الإعلان بحد ذاته شكّل كسراً لما يعتبر أحد أبرز "التابوهات" في قاموس حزب الله منذ تأسيسه.

مصادر سياسية كشفت للوكالة أن الرئيس عون يعتزم إطلاق حوار مع الحزب بشأن السلاح، في إطار ما وصفه بـ"استراتيجية الأمن الوطني"، التي أعلن عن نيّته العمل على صياغتها فور توليه المنصب، مؤكداً أن السلاح يجب أن يكون محصوراً بيد الدولة دون سواها.

هذا التطور يأتي في سياق تصاعد الضغوط الدولية والمحلية على الحزب، حيث أكدت المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت الأسبوع الماضي، موقف واشنطن القوي بضرورة نزع سلاح حزب الله والجماعات المسلحة الأخرى، مشددة على أن هذا يجب أن يتم في أقرب وقت ممكن.

وفي مقابلة مع قناة (إل.بي.سي.آي) اللبنانية في السادس من أبريل، قالت أورتاغوس "من الواضح أنه يجب نزع سلاح حزب الله، ومن الواضح أن إسرائيل لن تقبل بإطلاق الإرهابيين النار عليها داخل أراضيها، وهذا موقف نتفهمه".

هذا الموقف فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل حزب الله مستعد فعلاً للدخول في مفاوضات جديّة تنهي الثنائية الأمنية التي أرساها منذ عقود؟ أم أن ما يطرح لا يعدو كونه مناورة سياسية لشراء مزيد من الوقت؟ وما مدى واقعية الرهان على استراتيجية دفاعية وطنية تشمل الحزب؟

لكن الحزب لم يترك التأويلات مفتوحة طويلاً، إذ سارع العضو في مجلسه السياسي غالب أبو زينب إلى توضيح الموقف خلال مقابلة مع قناة "الجديد"، أمس الأربعاء، قائلاً "لم نوافق على تسليم السلاح أو نزعه. نحاور حول كيف يمكن للبنان أن يمتلك أوراق قوة أساسية يستطيع من خلالها أن يحافظ على وجوده في ظل هذه المتغيرات الكبيرة. لن نكون إلا في موقع قوة للبنان، وهذا السلاح ليس معروضاً للتسليم".

واليوم الخميس، قال النائب عن حزب الله حسن فضل الله، خلال مؤتمر صحفي في مجلس النواب، إن الحزب "أبدى كامل الاستعداد للحوار بهدف التوصل إلى استراتيجية دفاع وطني لحماية السيادة اللبنانية"، مؤكداً أن "من أولوياتنا الحفاظ على لبنان محرراً، محمياً وقوياً، وحماية إنجازات مقاومته".

أبعاد إقليمية

رغم مسارعة أبو زينب إلى نفي استعداد الحزب لتسليم سلاحه، إلا أن مجرد ربط هذا السلاح بشروط محددة، "يُفرغ أي حوار مرتقب من مضمونه محوّلاً إياه إلى مجرد فولكلور ووعد نظري"، كما يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي، "لأن نزع السلاح مشروط بتنفيذ تفاهمات وقف الأعمال العدائية أي وقف إطلاق النار ابتداء من 27 نوفمبر الفائت وبالقرارات الدولية واتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري".

ويذهب الزغبي أبعد من ذلك في حديث مع موقع "الحرة"، معتبراً أن الحزب لا يربط سلاحه بشروطه، بل بمصير الحوار الإيراني–الأميركي، ويقول "على ضوء نتائج هذا الحوار يتلقى التوجيه الإيراني بالموقف المناسب، وحتى ذلك الحين يسعى إلى كسب الوقت والمماطلة".

من جانبه يرى رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية، شارل جبور، أن "المشهد الإقليمي يشهد تغييرات جذرية تنعكس بشكل مباشر على وضع حزب الله في لبنان"، معتبراً أن الحزب أصبح أمام معادلة جديدة تفرض عليه التخلي عن سلاحه.

ويقول جبور لموقع "الحرة" إن "المسألة لم تعد مرتبطة بما يقوله حزب الله أو لا يقوله، بل بالواقع الإقليمي المتبدل كلياً"، موضحاً أن "الحزب خرج من الحرب الأخيرة مهزوماً، ووقّع اتفاقاً لوقف إطلاق النار ينص بوضوح على تفكيك بنيته العسكرية في كل لبنان، فيما انقطع طريق إمداده من إيران نتيجة سقوط نظام الأسد".

ويشير جبور إلى أن هذه التطورات تتزامن مع معطيات أخرى لا تقل أهمية، أبرزها "الإعلان الرسمي عن المفاوضات الإيرانية-الأميركية في سلطنة عمان، وتخلي الفصائل المدعومة من إيران في العراق عن مشروع السلاح، بالإضافة إلى إعلان طهران عدم مسؤوليتها عن الحوثيين في اليمن". واعتبر أن "هذه المؤشرات تؤكد أن إيران بدأت إرسال رسائل 'حسن نية' إلى واشنطن، تتماشى مع شروط الأخيرة الثلاثة: التخلي عن الأذرع العسكرية، الصواريخ الباليستية، والمشروع النووي".

والأربعاء، اعتبر رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان أن "ربط مسألة نزع السلاح بقضايا أخرى يُعدّ مخالفة واضحة لتعهدات لبنان، ونكون نُضيّع وقتنا إذا اعتقدنا أن الإصلاح ممكن من دون حصر السلاح بيد الدولة".

كما أضاف في مؤتمر صحافي من المجلس النيابي "سمعنا الوزير غسان سلامة يتحدث عن أن موضوع السلاح خارج الدولة يرتبط بمسألة إعادة الإعمار، ونقول لرئيس الحكومة نواف سلام إن المطلوب منه اليوم هو تدبير سريع بحق الوزير سلامة لأنه يخالف البيان الوزاري والقرارات الدولية، وإن لم يتم فنحن كتكتل الجمهورية القوية قد نطرح الثقة به".

حوار بلا جدوى؟

"نزع السلاح ليس في حاجة إلى الحوار الذي قرره رئيس الجمهورية جوزف عون مدعوماً من الرئيسين بري وسلام"، كما يرى الزغبي "لأن قرار تسليمه "نافذ على أصله" كما في الأحكام القضائية، ولا يتطلّب سوى تنفيذ الاتفاقات والتعهدات المكتوبة، لكن السلطة تبرر الحوار بتفادي الصدام واهتزاز السلم الأهلي كما تقول. وفي أي حال، على هذا الحوار ألّا يطرح مبدأ نزع السلاح، بل الآلية والجدول الزمني للتنفيذ لئلّا يغرق في متاهات تساعد الحزب في المماطلة إلى درجة التملّص من تسليم سلاحه".

ويضيف الزغبي "الواضح أن الرئاسة اللبنانية تطرح "إستراتيجية الأمن الوطني" الأشمل بحيث تكون "الاستراتيجية الدفاعية" جزءاً منها، خلافاً لما يريده حزب الله للاحتفاظ بسلاحه تحت حجة عجز الجيش اللبناني وضرورة بقاء "المقاومة" لمواجهة إسرائيل، كما أن هناك خلافاّ داخله بين فريق متشدد يريد الاستمرار في المواجهة العسكرية وفريق يطالب باستخلاص دروس الحرب والانضواء تحت لواء الدولة، الأمر الذي يضاعف تعقيد الحوار وإفشاله".

من جانبه يقول جبور، "حزب الله أصبح اليوم أمام واقع لا يمكن الانقلاب عليه، ويتوجب عليه أن يتأقلم مع المستجدات، ويتخلى عن مشروعه المسلح، ويسلّم سلاحه".

وفي هذا السياق، لفت جبور إلى أن "المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس وصفت حزب الله بـ'السرطان الذي يجب استئصاله'، بعد زيارتها الأخيرة إلى بيروت، كما أن السفارة الأميركية أعلنت في أعقاب الزيارة أن المحادثات تركزت على شقين أساسيين: سلاح حزب الله والإصلاحات، وأكدت أن لا مساعدات دولية للبنان ما لم يُسلّم الحزب سلاحه للدولة".

وفي السياق، رد رئيس الحكومة نواف سلام، من بكركي أمس الأربعاء، على سؤال حول الجدول الزمني لسحب سلاح حزب الله مؤكداً أن مسألة حصر السلاح بيد الدولة ستكون قريباً على جدول أعمال مجلس الوزراء، وقال "عندما طُرح هذا الموضوع في مجلس الوزراء، كان جوابي أننا سنطلب سريعاً من الوزراء المعنيين، ولا سيما وزير الدفاع، تزويدنا بتقرير حول ما التزمنا به في البيان الوزاري، وكيف يمكننا التقدم في بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية".

فرصة مؤقتة

يعيش لبنان في مرحلة "وقت ضائع"، كما يصفها جبور، "حيث كان يفترض أن تشهد البلاد انطلاقة جديدة مع عودة الانتظام الدستوري والمؤسساتي، وأن تستعاد الدورة الاقتصادية والمالية. لكن ذلك لم يتحقق، والسبب تمسّك حزب الله بسلاحه".

ويتابع جبور "لقد تبيّن أن هذا السلاح لم ينجح في حماية الحزب، لا خلال الحرب ولا بعدها. وحدها الدولة تمتلك القدرة على تأمين الحماية لجميع اللبنانيين، بما فيهم حزب الله".

ويختم جبور بالتأكيد على أن "موضوع سلاح حزب الله انتهى"، معتبراً أن "كلما تم تسريع احتكار الدولة للسلاح، كلما اقترب لبنان من استعادة عافيته، ومن قيام دولة فاعلة تستعيد سيادتها ودورتها الاقتصادية والمالية".

من جانبه يرى الزغبي أن لبنان "أمام فرصة محدودة في الزمن لتلبية رغبة المواطنين في الاستقرار وشروط المجتمع الدولي، ولا يملك ترف الوقت المفتوح لحوار تم تجربته سابقاً على الطاولات الجامعة وانتهى إلى الفشل".

ولذلك لا بد بحسب الزغبي "من برمجة الحوار ضمن مهلة محددة، وفي حال بلوغه طريقاً مسدوداً تستعيد الدولة مبادرة معالجة السلاح تنفيذاً لكل الوثائق التي تؤكد حصر السلاح في يد الدولة. وإذا تلكأت أو فشلت فإن خطر تجدد الحرب يصبح ماثلاً وتعود إسرائيل إلى تدمير ما تبقى من ترسانات "الحزب"، ويدفع لبنان أثماناً إضافية".