الاشتباكات تجددت بعد فترة من الهدوء الحذر - صورة أرشيفية.
الاشتباكات تجددت بعد فترة من الهدوء الحذر - صورة أرشيفية.

أصيب 20 شخصا بجروح جراء تجدد الاشتباكات بين حركة فتح ومجموعات إسلامية في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان الذي شهد قبل أسابيع معارك عنيفة بين الطرفين، وفق ما أفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية.

وفي 29 يوليو، اندلعت اشتباكات عنيفة استمرت خمسة أيام بين حركة فتح ومجموعات إسلامية متشددة في عين الحلوة، أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. وأودى التصعيد بحياة 13 شخصا، غالبيتهم مقاتلون وبينهم قيادي في فتح قتل في كمين.

وأفاد مراسل وكالة فرانس برس في مدينة صيدا حيث يقع المخيم عن تجدد الاشتباكات مساء الخميس واستمرارها حتى صباح الجمعة قبل أن يسود الهدوء مجددا. وأشار إلى سماع دوي قذائف وأسلحة رشاشة ليلا وصباح الجمعة ونزوح عشرات العائلات وقد ولجأ كثر إلى مسجد قريب.

ونفت مصادر فلسطينية لمراسل "الحرة" الأنباء المتداولة عن مقتل، محمد الشعبي، مسؤول تنظيم داعش في عين الحلوة خلال الاشتباكات المسلحة ليلا، وهو  أحد المطلوبين للعدالة.

وأعلنت مصادر فلسطينية للحرة عن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وهو الاتفاق الثالث منذ مساء أمس بعد فشل الاتفاقين السابقين في وقف الاشتباكات المسلحة، ولكن حتى الساعة لا تزال الخروقات مستمرة للاتفاق الثالث وتسمع أصوات الانفجارات والرصاص.

وأوضحت الوكالة أن "الهدوء الحذر يسود أجواء مخيم عين الحلوة بعد توقف الاشتباكات بين حركة فتح والإسلاميين المتشددين نتيجة المساعي والاتصالات المكثفة التي أجرتها القيادات اللبنانية والفلسطينية"، مشيرة إلى أنه يتم العمل على تثبيت وقف إطلاق النار، الذي تم التوصل إليه قبل أسابيع.

وكان الهدوء عاد إلى المخيم بعد مواجهات يوليو، التي تعد الأعنف منذ سنوات، بعد سلسلة اتصالات بين فصائل فلسطينية ومسؤولين وأحزاب لبنانية، وتم الاتفاق على ضرورة تسليم المشتبه بهم بمقتل القيادي في فتح وآخر ينتمي إلى المجموعات الإسلامية اعتبر مقتله شرارة لاندلاع الاشتباكات.

لكن هيئة تجمع ممثلين عن فصائل فلسطينية أعلنت قبل ثلاثة أيام انقضاء المهلة المعطاة لتسليم المشتبه فيهم، مشيرة إلى تكليف القوة الأمنية الفلسطينية المشتركة "القيام بالواجب الموكل إليها فيما يختص بارتكاب الجرائم الأخيرة".

وبعد اشتباكات يوليو، استقر مقاتلون في مجمع يتضمن أربع مدارس تابعة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، التي اعتبرت ذلك "انتهاكا صارخا لحرمة مباني الأمم المتحدة (...) ويهدد حيادية منشآت الأونروا".

ولا تدخل القوى الأمنية اللبنانية المخيمات بموجب اتفاق ضمني بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطات اللبنانية، وتتولى الفصائل الفلسطينية نوعا من الأمن الذاتي داخل المخيمات عبر قوة أمنية مشتركة، وفقا لفرانس برس.

ويعرف مخيم عين الحلوة بإيوائه مجموعات إسلامية متشددة وخارجين عن القانون. ويقطن فيه أكثر من 54 ألف لاجئ فلسطيني مسجلين لدى الأمم المتحدة، انضم إليهم خلال الأعوام الماضية آلاف الفلسطينيين الفارين من النزاع في سوريا.

علي

"أنا مين؟" سأل نفسه، عائدا، على حدود الوطن.

لم يجد جوابا.

منذ غادر لبنان، لم يكن الاسم وحده ما تغيّر.

علي، الشاب الشيعي المنتمي لحزب الله منذ الطفولة، لم يقرر أن يولد عليًّا، ولم يكن يتخيل يومًا أن يصير إيلي، يقول.

من الكشافة إلى القتال

في بيت فقير، في جنوب لبنان، وُلد علي يتيمًا بين عشرة.

أمه، بلا سند، لم تجد ملاذًا سوى في الحزب الذي يفرض حضوره على كل تفصيل في المجتمع: من المدرسة إلى المستشفى، من الطفولة إلى السلاح.

هناك، لم تكن الحياة مجرد حياة؛ بل عقيدة. "نحن على الحق"، يرددونها صباحًا ومساءً. ومنذ الطفولة، صارت البندقية جزءًا من المنهج.

في عمر العاشرة، انضم علي إلى "كشافة الإمام المهدي"، حيث يبدأ الغرس العقائدي والعسكري معًا. "دورة محو الأمية" لم تكن كما توحي تسميتها؛ بل تدريبًا أوليًا على حمل السلاح. في الثانية عشرة، كان الطفل الصغير يعرف كيف يفكك البندقية، وفي الثالثة عشرة، كان يفتخر باستشهاد أصدقاء في التدريبات.

يصف علي دورات القتال بأنها "مزج من العسكر والعقيدة"، لكن العقيدة كانت الغالبة دائمًا. يتعلم المنتسبون أنهم يدافعون عن "أمة، عن شرف، عن طائفة"، وأن كل ما هو خارج هذا المسار مشبوه، خطر، أو "كفر".

عالم بالألوان

لكن العالم ليس أبيض وأسود. في سن الثامنة عشرة، بدأت تظهر تصدعات الشك. تعرّف علي على أصدقاء خارج "الخط"، وبدأ يرى شيئًا مختلفًا: حياة أخرى، حوارات، ضحك، نساء، ملابس ملونة، وموسيقى. كلها ممنوعة.

في إحدى الليالي، عاد إلى البيت متأخرًا، فصفعته أمه بركوة قهوة. تلك الصفعة لم تكن مجرد غضب أم، بل لحظة صدع.

"هل هذا هو الحق؟"، تساءل لأول مرة.

ومن هذا السؤال، بدأ كل شيء يتغير.

الهروب من القدر

رفض علي دعوة الحزب للانضمام إلى دورة تؤهله ليصبح "متفرغًا". كان يعلم أن القبول بها يعني بلوغ نقطة اللاعودة. فقرر أن يغادر. هرب من عائلته، من أصدقائه، ومن اسمه.

سافر إلى تركيا، ومنها حاول عبور البحر إلى أوروبا على "قوارب الموت". غرق ثلاث مرات. في كل مرة، كان الموت قريبا وكان كأنه يولد من جديد. أعادته النجاة إلى السؤال الأصلي: من هو؟ وماذا يريد أن يكون؟

من علي إلى إيلي

بعد فشل محاولة اللجوء، عاد إلى لبنان. في مطار بيروت، وقف حائرًا: لا أهل، لا أصدقاء، ولا خط عودة إلى الحزب. دق باب صديق قديم، فأتاه الجواب:

"في عائلة بدها حدا يساعدها... بس في مشكلة: اسمك علي".

ضحك، وقال: "خليه إيلي".

هكذا بدأ فصلاً جديدًا من حياته، يعيش مع عائلة مسيحية، يذهب معهم إلى الكنيسة، يشاركهم التراتيل، ويشعر لأول مرة بأنه إنسان، فقط إنسان.

"أنا مين؟" يعيد السؤال، هذه المرة بثقة أكبر. لا يريد أن يكون تابعًا، ولا أن يُملى عليه ما هو الحق وما هو الباطل. "بدي أكون إنسان يقرر، يشوف، يعرف".

تغير الاسم، بقي السؤال، لكن صارت لديه حرية البحث عن إجابة.