غالباً ما يشهد عمليات اغتيال وأحيانا اشتباكات خصوصاً بين الفصائل الفلسطينية ومجموعات متشددة (أرشيفية)
غالباً ما يشهد عمليات اغتيال وأحيانا اشتباكات خصوصاً بين الفصائل الفلسطينية ومجموعات متشددة (أرشيفية)

قُتل أربعة أشخاص، بينهم مدني، السبت خلال اشتباكات جديدة في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان، فيما وجه رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية، نجيب ميقاتي، انتقادا إلى القيادة الفلسطينية بسبب تجدد أعمال العنف.

وتدور اشتباكات، منذ مساء الخميس، بين حركة فتح ومجموعات متشددة في هذا المخيم القريب من مدينة صيدا. وقتل 13 شخصا خلال اشتباكات مماثلة بدأت في 29 يوليو واستمرت خمسة أيام.

وبعد ليلة هادئة نسبيا، تجددت الاشتباكات السبت، بحسب مراسل وكالة فرانس برس في صيدا الذي أفاد بسماع دوي قذائف وأسلحة رشاشة.

وليل السبت، أفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية في لبنان بأن "حصيلة جولة الاقتتال حتى الساعة أربعة قتلى، اثنان منهم لحركة فتح".

وكانت الوكالة ذكرت أن "الاشتباكات في مخيم عين الحلوة بين حركة فتح والمجموعات المسلحة متواصلة، حيث تسمع أصوات الرصاص والقذائف الصاروخية في أرجاء مدينة صيدا".

وأوضحت أن بين القتلى عنصرا من تنظيم "الشباب المسلم"، ومدنيا قتل "نتيجة رصاص طائش في منطقة الغازية المجاورة لمخيم عين الحلوة ويدعى حسين مقشر"، مشيرة إلى إصابة "العشرات بجروح داخل المخيم وخارجه نتيجة الرصاص الطائش وانفجار القذائف الصاروخية".

ونقل مستشفى حكومي مجاور للمخيم جميع مرضاه إلى مؤسسات أخرى بسبب الخطر، على ما قال مديره أحمد الصمدي لفرانس برس.

من جهته، أجرى ميقاتي اتصالا بالرئيس الفلسطيني محمود عباس وتشاور معه في التطورات في المخيم.

وشدد رئيس الحكومة خلال الاتصال "على أولوية وقف الاعمال العسكرية والتعاون مع الأجهزة الأمنية اللبنانية لمعالجة التوترات القائمة" وفق ما كتب على منصة "إكس".

وأضاف "ما يحصل لا يخدم على الإطلاق القضية الفلسطينية ويشكل إساءة بالغة إلى الدولة اللبنانية بشكل عام وخاصة إلى مدينة صيدا التي تحتضن الإخوة الفلسطينيين، والمطلوب في المقابل أن يتعاطوا مع الدولة اللبنانية وفق قوانينها وأنظمتها والحفاظ على سلامة مواطنيها".

وعبر منصة إكس، دعا الجيش اللبناني "جميع الأطراف المعنيين في المخيم إلى وقف إطلاق النار حفاظًا على مصلحة أبنائهم وقضيتهم، وصونًا لأرواح السكان في المناطق المجاورة".

والجيش اللبناني لا يدخل المخيمات بموجب اتفاق ضمني بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطات اللبنانية، فيما تتولى الفصائل الفلسطينية نوعاً من الأمن الذاتي داخل المخيمات عبر قوة أمنية مشتركة.

وأضاف الجيش "تشير قيادة الجيش إلى أنها تعمل على اتخاذ التدابير المناسبة والقيام بالاتصالات اللازمة لوقف هذه الاشتباكات التي تُعرّض حياة المواطنين الأبرياء للخطر".

فرار عائلات من المخيم

وفرت عشرات العائلات من المخيم، منذ مساء الخميس، حاملة أكياسا مليئة بالضروريات مثل الخبز والماء والدواء، بحسب مراسل فرانس برس.

وقال الفلسطيني محمد بدران (32 عاما) الذي نزح مع زوجته وولديه من المخيم: "خرجت مع عائلتي، لأننا عشنا ما يشبه الجحيم، وشعر أطفالي بالخوف الشديد بسبب كثافة القذائف والرصاص التي كانت تسقط على الحي، ولن أعود الى المخيم إلا حين أضمن أنه لن تكون هناك جولة جديدة من الموت... أن ننام في الشارع أرحم وأكثر أمنا على طفليّ".

وقال مسؤول وحدة الكوارث في بلدية صيدا، مصطفى حجازي، إنه بالتنسيق بين البلدية والصليب الأحمر يجري العمل على نصب العديد من الخيم لاستيعاب نحو 250 شخصا نزحوا من المخيم.

ويتركز القتال على مجمع مدرسي تابع لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (أونروا) وفق ما أفاد مصدر في إدارة المخيم لوكالة فرانس برس، طالبا عدم كشف اسمه.

ومخيّم عين الحلوة هو أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. ويُعرف بإيوائه مجموعات متشددة وخارجين عن القانون. ويقطن فيه أكثر من 54 ألف لاجئ فلسطيني مسجلين لدى الأمم المتحدة، انضم إليهم خلال الأعوام الماضية آلاف الفلسطينيين الفارين من النزاع في سوريا. 

وغالباً ما يشهد عمليات اغتيال وأحيانا اشتباكات خصوصاً بين الفصائل الفلسطينية ومجموعات متشددة.

وفي 29 يوليو، اندلعت في المخيم اشتباكات عنيفة استمرت خمسة أيام بين حركة فتح ومجموعات متشددة. وأودى التصعيد بـ13 شخصاً، غالبيتهم مقاتلون وبينهم قيادي في فتح قتل في كمين.

بعد ذلك، عاد الهدوء إلى المخيم إثر سلسلة اتصالات بين فصائل فلسطينية ومسؤولين وأحزاب لبنانية، وتم الاتفاق على ضرورة تسليم مشتبه بهم.

علي

"أنا مين؟" سأل نفسه، عائدا، على حدود الوطن.

لم يجد جوابا.

منذ غادر لبنان، لم يكن الاسم وحده ما تغيّر.

علي، الشاب الشيعي المنتمي لحزب الله منذ الطفولة، لم يقرر أن يولد عليًّا، ولم يكن يتخيل يومًا أن يصير إيلي، يقول.

من الكشافة إلى القتال

في بيت فقير، في جنوب لبنان، وُلد علي يتيمًا بين عشرة.

أمه، بلا سند، لم تجد ملاذًا سوى في الحزب الذي يفرض حضوره على كل تفصيل في المجتمع: من المدرسة إلى المستشفى، من الطفولة إلى السلاح.

هناك، لم تكن الحياة مجرد حياة؛ بل عقيدة. "نحن على الحق"، يرددونها صباحًا ومساءً. ومنذ الطفولة، صارت البندقية جزءًا من المنهج.

في عمر العاشرة، انضم علي إلى "كشافة الإمام المهدي"، حيث يبدأ الغرس العقائدي والعسكري معًا. "دورة محو الأمية" لم تكن كما توحي تسميتها؛ بل تدريبًا أوليًا على حمل السلاح. في الثانية عشرة، كان الطفل الصغير يعرف كيف يفكك البندقية، وفي الثالثة عشرة، كان يفتخر باستشهاد أصدقاء في التدريبات.

يصف علي دورات القتال بأنها "مزج من العسكر والعقيدة"، لكن العقيدة كانت الغالبة دائمًا. يتعلم المنتسبون أنهم يدافعون عن "أمة، عن شرف، عن طائفة"، وأن كل ما هو خارج هذا المسار مشبوه، خطر، أو "كفر".

عالم بالألوان

لكن العالم ليس أبيض وأسود. في سن الثامنة عشرة، بدأت تظهر تصدعات الشك. تعرّف علي على أصدقاء خارج "الخط"، وبدأ يرى شيئًا مختلفًا: حياة أخرى، حوارات، ضحك، نساء، ملابس ملونة، وموسيقى. كلها ممنوعة.

في إحدى الليالي، عاد إلى البيت متأخرًا، فصفعته أمه بركوة قهوة. تلك الصفعة لم تكن مجرد غضب أم، بل لحظة صدع.

"هل هذا هو الحق؟"، تساءل لأول مرة.

ومن هذا السؤال، بدأ كل شيء يتغير.

الهروب من القدر

رفض علي دعوة الحزب للانضمام إلى دورة تؤهله ليصبح "متفرغًا". كان يعلم أن القبول بها يعني بلوغ نقطة اللاعودة. فقرر أن يغادر. هرب من عائلته، من أصدقائه، ومن اسمه.

سافر إلى تركيا، ومنها حاول عبور البحر إلى أوروبا على "قوارب الموت". غرق ثلاث مرات. في كل مرة، كان الموت قريبا وكان كأنه يولد من جديد. أعادته النجاة إلى السؤال الأصلي: من هو؟ وماذا يريد أن يكون؟

من علي إلى إيلي

بعد فشل محاولة اللجوء، عاد إلى لبنان. في مطار بيروت، وقف حائرًا: لا أهل، لا أصدقاء، ولا خط عودة إلى الحزب. دق باب صديق قديم، فأتاه الجواب:

"في عائلة بدها حدا يساعدها... بس في مشكلة: اسمك علي".

ضحك، وقال: "خليه إيلي".

هكذا بدأ فصلاً جديدًا من حياته، يعيش مع عائلة مسيحية، يذهب معهم إلى الكنيسة، يشاركهم التراتيل، ويشعر لأول مرة بأنه إنسان، فقط إنسان.

"أنا مين؟" يعيد السؤال، هذه المرة بثقة أكبر. لا يريد أن يكون تابعًا، ولا أن يُملى عليه ما هو الحق وما هو الباطل. "بدي أكون إنسان يقرر، يشوف، يعرف".

تغير الاسم، بقي السؤال، لكن صارت لديه حرية البحث عن إجابة.