لبنان يعتبر أكثر تساهلاً مع المثليين مقارنة بدول عربية أخرى
تظاهرة داعمة للمثليين في لبنان - صورة أرشيفية

انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان خلال اليومين الماضيين، فيديو لمواطن لبناني عرّف عن نفسه باسم، كيفورك تيريزيان، يتحدث فيه عن اعتداء تعرض له من قبل مجموعة شبان من "جنود الرب" في منطقة برج حمود في العاصمة اللبنانية بيروت.

وبحسب ما ورد في الفيديو فقد أصيب تيريزيان، بكسور في ساقه، نتيجة الضرب المبرح والدهس الذي تعرض له، كما سرق منه هاتفه وبطاقة هويته وترك مرمياً بالشارع قبل وصول الإسعاف ونقله إلى المستشفى، مؤكداً أنه لم يتعرض للمهاجمين بأي كلام أو استفزاز أو أذى.

وكان لافتاً في ختام الفيديو الذي تناقله عدد من النشطاء في لبنان، توجه تيريزيان إلى رجل الأعمال اللبناني، أنطون الصحناوي، بطلب إعادة أوراقه الثبوتية وهاتفه، وذلك في وقت يُتهم الصحناوي من جهات عدة في لبنان بدعم ورعاية وتمويل مجموعة "جنود الرب" المسيحية، التي تعبر عن مواقف متطرفة وتعادي مجتمع "الميم عين+" وتنفذ اعتداءات بحق أفراده، فيما هو ينفي ذلك.

موقع "الحرة" تواصل مع الضحية، التي فضلت مخاطبتها باسم جيسيكا، بكونها امرأة عابرة جنسياً، حيث روت تفاصيل ما جرى معها ليل 21 أغسطس الماضي، بعد توجهها إلى منطقة برج حمود للسهر مع أصدقائها.

عند وصول جيسيكا إلى المكان، تفاجأت بـ 4 شبان، ترجلوا من سيارة في الشارع، وبدأوا يضربونها ويوجهون إليها الشتائم والإهانات.

 تؤكد أنهم "كانوا من جنود الرب، يلبسون صلباناً كبيرة، وبعضهم لديهم وشوم لصلبان على أعناقهم، كسّروني من الضرب، ثم راحوا يدوسون على رجلي ويدهسونها حتى تحطمت عظام ساقي وركبتي، أخذوا مني هويتي وهاتفي ورحلوا، ثم جاء بعدهم شخص على دراجة نارية ودهس رجلي المكسورة أيضاً وهرب، وتُركت مرمية في الشارع".

نقل الصليب الأحمر جيسيكا إلى مستشفى "الحياة" في بيروت، بعدما كانت قد رفضت مستشفى أخرى استقبالها بكونها لا تحمل تكاليف العلاج، التي عادت وغطتها الأمم المتحدة، عبر أحد برامج الدعم الصحي لديها، حيث خضعت جيسيكا لعملية زراعة قضبان حديدية في ساقها، ومعالجة لكسور الركبة.

لم تتجرأ جيسيكا في حينها على تقديم دعوى قضائية بحق المعتدين، خشية التعرض للاعتداء مجدداً أو أفعال انتقامية تزيد مشاكلها، "كنت متأذية جداً، حتى أنني خفت من التعرض للملاحقة من القوى الأمنية". كذلك لم تتمكن من إحضار طبيب شرعي لتسجيل تقرير طبي بما حصل، بسبب عدم امتلاكها المال الكافي.

وكان عناصر من قوى الأمن قد حضروا إلى المستشفى وفق ما تروي جيسيكا، تحدثوا إليها وأخبرتهم بما جرى، "لكنهم لم يفتحوا أي تحقيق بالحادثة، وغادروا دون أن يفعلوا أي شيء، ولم يتواصلوا معي بعدها، حتى اليوم، وهذا كان من الأسباب التي دفعتني لعدم التقدم بشكوى".

وتضيف "أريد فقط هويتي وهاتفي، هذا كل ما طلبته، حاول البعض مساعدتي في ذلك، لكن حتى الآن لم أحصل على حل لهذا الأمر".

وتكشف جيسيكا أنها بصدد التقدم بدعوى قضائية بحق المعتدين، "لأنني لا أريد لغيري ولأصدقائي أن يحصل معهم الأمر نفسه، وآمل أن تتم محاسبة المعتدين كي لا تتكرر الاعتداءات وتكون بلا رادع".

فقدان هوية.. في ظروف صعبة

تعيش جيسيكا اليوم في منزل إحدى صديقاتها، بلا هويّة ولا هاتف، ولا قدرة لها على مغادرة الفراش إلا بمساعدة أصدقائها، عاجزة قسراً عن العمل بفعل إصابتها، في ظل ظروف معيشية صعبة.

يذكر أن منظمة أوكسفام سبق أن حذرت عام 2021، من أن مجتمع الميم يواجه تحديات هائلة في لبنان، حيث حرمت الأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت في صيف 2020، أفراد هذا المجتمع "مساحاتهم الآمنة" ومصادر دخلهم، ويواجه البطالة أكثر من 70 في المئة من أفراد هذا المجتمع، كنتيجة للتمييز الذي يتعرضون له في سوق العمل.

المساعدة الوحيدة التي تلقتها جيسيكا بحسب ما تروي، كانت من النائبة في مجلس النواب اللبناني، بولا يعقوبيان، "قدمت لي مساعدات عينية، وعكازات لأتمكن من السير، وكانت من القلة الذين وقفوا إلى جانبي".

يعقوبيان وفي حديث لموقع "الحرة" تروي كيف وصلتها حالة جيسيكا عبر جمعية "براود" التي تهتم بشؤون أفراد مجتمع "الميم عين+" في لبنان وقضاياهم، بكونها تعرضت للاعتداء من قبل "جنود الرب".

وتضيف أن جيسيكا بأمس الحاجة اليوم للحصول من القوى الأمنية على إفادة بالتعرض لسرقة الهوية، للتمكن من الحصول على هوية "بدلاً عن ضائع".

وتأسف النائبة اللبنانية، من التمييز لدى السلطات اللبنانية تجاه الضعفاء "من ليس لديهم دعم وسند، ولاسيما إذا كانوا من مجتمع الميم عين، يكون التعاطي معهم بصورة أصعب".

ليس استهدافا شخصياً

يأتي هذا الاعتداء في وقت يعاني مجتمع الميم عين+ في لبنان من تحريض وخطاب كراهية وصل إلى حد هدر الدماء والدعوات إلى القتل، صدرت عن جهات متطرفة مثل مجموعة "جنود الرب" و"حزب الله"، بالتزامن مع تضييق وقمع من قبل السلطات اللبنانية التي تستجيب لضغوط المراجع الدينية، فتمنع تجمعات وفعاليات يقيمها أفراد هذا المجتمع للتعبير عن أنفسهم.

لا تعتقد جيسيكا أنها كانت مستهدفة من المعتدين بشكل شخصي، "وإنما التقوا بي في الشارع بشكل مفاجئ ترجلوا وبدأوا اعتداءهم، كان يمكن ألا أكون أنا، كان يمكن أن يكون أي فرد من مجتمع الميم عين صادف وجوده في طريقهم".

وتخشى من أن كل التحريض الجاري على مجتمع الميم عين+ في لبنان، قد يذهب بالأمور نحو الأسوأ، حيث سيزداد التضييق على أفراد هذا المجتمع ما سيزيد خوفهم من التحرك والتنقل وعيش حياتهم الطبيعية.

تتحدث جيسيكا عن خوف كبير بات يتملكها اليوم من فكرة عيش حياتها بهويتها كامرأة عابرة، "أخشى حتى الخروج من المنزل للتوجه إلى عيادة الطبيب لتلقي علاجاتي، إلى هذا الحد وصلت الأمور".

من جهتها تحمل يعقوبيان مسؤولية هذا النوع من الاعتداءات للحملات وخطاب الكراهية الذي تعرض له مجتمع الميم عين في الفترة الماضية، معبرة عن خوفها من أن تؤدي كثافة هذه الحملات إلى "عنف منظم وقتل وربما أكثر".

وتشدد يعقوبيان على أن خطاب الكراهية "ليس مجرد كلام وحرية تعبير، وإنما يؤدي إلى تدمير عائلات وبيوت، ويذهب ضحيته أشخاص لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم".

بدوره يؤكد مسؤول التواصل في جمعية "حلم"، ضوميط قزي، أنه وبفعل خطاب الكراهية والتحريض خال الفترة الماضية، "انتقلنا من المحاججة والمهاجمة بالكلام، إلى العنف المباشر".

وبحسب قزي فقد جرى تجريد أفراد مجتمع الميم عين من صفتهم الإنسانية وتصويرهم كتهديد للمجتمع والعائلة والأطفال والأمن، وكمؤامرة غربية على البلاد، "ما يؤدي اليوم إلى ارتكاب هذا العنف بحقهم وإهدار دمهم وإباحة الاعتداء عليهم من قبل الأشخاص العنيفين في المجتمع".

ويلفت قزي إلى أن أي أحد يعتدي على أفراد مجتمع الميم عين اليوم، "هناك دعم له وغطاء وحماية وتبرير اجتماعي وديني، وسط غياب تام لدور الدولة اللبنانية في حماية كل مواطنيها"، معبراً عن خوف شديد من "تمدد موجة العنف لتصبح متكررة وبشكل أكبر وتسجل عدائية ووحشية أكبر".

ويشدد الناشط الحقوقي على أن الاعتداء على جيسيكا، ليست الحادثة الأولى في نوعها وإنما هذه الحادثة التي عرفت وحكي عنها على مواقع التواصل.

وأكد أن كثيراً من الحالات يجري فيها الاعتداء على أشخاص لمجرد أن شكلهم مختلف أو مظهرهم الخارجي لا يعجبهم، "بعضهم مغايرون جنسياً وليسوا مثليين، لكن بمجرد أن مظهرهم أو لبساهم لا يتناسب مع معايير المعتدين".

ولفت إلى أن الأماكن التي يرتادها أفراد مجتمع الميم عين "باتت معروفة ومراقبة ومهددة من قبل هذه المجموعات المتطرفة"، التي باتت بحسب قزي تقيم دوريات في شوارع وأماكن معينة (الأشرفية ومار مخايل والجميزة)، لتصيد ضحايا من أفراد مجتمع الميم عين، "باتوا مثل المطاوعين وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

ما علاقة الصحناوي؟

الواضح بالنسبة إلى قزي، أن احتجاز المعتدين هوية وهاتف الضحية "يشير إلى أنهم مدعومين ومحميين، فلا يخشون محاسبة أو ملاحقة، فيما وقفت القوى الأمنية إلى جانبهم خلال اعتداءات ماضية".

بدورها تعبر يعقوبيان عن أن "الانفلات الأمني بات موجوداً وسائداً في مختلف المناطق، أينما توجد أحزاب لديها مجموعاتها المسلحة، وشخصيات ورجال أعمال باتوا يجمعون الزعران (البلطجية) من حولهم".

وتضيف "اليوم زعران أنطون الصحناوي هم من الأخطر، ولا نعرف أجنداتهم معظمهم أصحاب سوابق جرى إخراجهم من السجون ودفع كفالاتهم، وباتت أعدادهم بالمئات يتقاضون رواتب منه، وولائهم له بشكل كامل"، في إشارة إلى مجموعة "جنود الرب".

ورغم بيانات النفي المتكررة التي تصدر عن أنطوان الصحناوي لعلاقته بمجموعة جنود الرب مع كل مناسبة يثيرون فيها ضجة ويُتهم برعايتهم، تؤكد يعقوبيان في المقابل أن هناك مقاطع مصورة تثبت ذلك، "تارة يخرجون لتهديد المودعين من الاقتراب من المصرف الذي يملكه الصحناوي (sgbl)، يصفونه بالمعلم، وهناك مقاطع تثبت تجمعهم أمام المصرف ويصرخون "بالروح بالدم نفديك يا صحناوي".

وتذكر بأنهم (جنود الرب) يتواجدون معظم الأوقات أمام فرع المصرف في منطقة كرم الزيتون، حيث يعيش أنطون الصحناوي في المبنى نفسه، "بعضهم يتنقل مع نواب سبق أن دعمهم الصحناوي في الانتخابات، وبعضهم يعمل أيضاً كحراس في أفرع عديدة للمصرف".

في المقابل ترد مسؤولة العلاقات العامة لدى أنطون الصحناوي، أسما أندراوس، باعتبار اتهام الصحناوي وتحميله مسؤولية هذا الاعتداء "أخبار كاذبة ملفقة على خلفيات سياسية".

وتضيف في حديث لموقع "الحرة" أن مكتب الصحناوي تلقى اتصالات بشأن هذه القضية، "وطلبنا منهم الحصول على أي صور أو فيديوهات أو دليل يثبت من يقف خلف هذا الاعتداء، ولم نحصل على ذلك".

وسبق لأندراوس أن طرحت تساؤلات عن سبب عدم تقديم شكوى سريعة بالقضية، "كان الجواب بسبب الخوف من الملاحقة أو ظهور وجه الضحية، ثم كانت المفاجأة خروج الضحية على مواقع التواصل الاجتماعي بفيديو انتشر بوجهه المكشوف".

وعليه تخلص أندراوس إلى وجود استغلال وتلاعب لأهداف سياسية "نعلم من يقف خلفه".

حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا
حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا

في تطوّر لافت وغير مسبوق، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول كبير في حزب الله قوله إن الجماعة مستعدة لمناقشة مستقبل سلاحها مع الرئيس اللبناني جوزاف عون، في سياق استراتيجية دفاع وطني، وذلك بشرط انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس الحدودية في جنوب لبنان ووقف الغارات. الإعلان بحد ذاته شكّل كسراً لما يعتبر أحد أبرز "التابوهات" في قاموس حزب الله منذ تأسيسه.

مصادر سياسية كشفت للوكالة أن الرئيس عون يعتزم إطلاق حوار مع الحزب بشأن السلاح، في إطار ما وصفه بـ"استراتيجية الأمن الوطني"، التي أعلن عن نيّته العمل على صياغتها فور توليه المنصب، مؤكداً أن السلاح يجب أن يكون محصوراً بيد الدولة دون سواها.

هذا التطور يأتي في سياق تصاعد الضغوط الدولية والمحلية على الحزب، حيث أكدت المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت الأسبوع الماضي، موقف واشنطن القوي بضرورة نزع سلاح حزب الله والجماعات المسلحة الأخرى، مشددة على أن هذا يجب أن يتم في أقرب وقت ممكن.

وفي مقابلة مع قناة (إل.بي.سي.آي) اللبنانية في السادس من أبريل، قالت أورتاغوس "من الواضح أنه يجب نزع سلاح حزب الله، ومن الواضح أن إسرائيل لن تقبل بإطلاق الإرهابيين النار عليها داخل أراضيها، وهذا موقف نتفهمه".

هذا الموقف فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل حزب الله مستعد فعلاً للدخول في مفاوضات جديّة تنهي الثنائية الأمنية التي أرساها منذ عقود؟ أم أن ما يطرح لا يعدو كونه مناورة سياسية لشراء مزيد من الوقت؟ وما مدى واقعية الرهان على استراتيجية دفاعية وطنية تشمل الحزب؟

لكن الحزب لم يترك التأويلات مفتوحة طويلاً، إذ سارع العضو في مجلسه السياسي غالب أبو زينب إلى توضيح الموقف خلال مقابلة مع قناة "الجديد"، أمس الأربعاء، قائلاً "لم نوافق على تسليم السلاح أو نزعه. نحاور حول كيف يمكن للبنان أن يمتلك أوراق قوة أساسية يستطيع من خلالها أن يحافظ على وجوده في ظل هذه المتغيرات الكبيرة. لن نكون إلا في موقع قوة للبنان، وهذا السلاح ليس معروضاً للتسليم".

واليوم الخميس، قال النائب عن حزب الله حسن فضل الله، خلال مؤتمر صحفي في مجلس النواب، إن الحزب "أبدى كامل الاستعداد للحوار بهدف التوصل إلى استراتيجية دفاع وطني لحماية السيادة اللبنانية"، مؤكداً أن "من أولوياتنا الحفاظ على لبنان محرراً، محمياً وقوياً، وحماية إنجازات مقاومته".

أبعاد إقليمية

رغم مسارعة أبو زينب إلى نفي استعداد الحزب لتسليم سلاحه، إلا أن مجرد ربط هذا السلاح بشروط محددة، "يُفرغ أي حوار مرتقب من مضمونه محوّلاً إياه إلى مجرد فولكلور ووعد نظري"، كما يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي، "لأن نزع السلاح مشروط بتنفيذ تفاهمات وقف الأعمال العدائية أي وقف إطلاق النار ابتداء من 27 نوفمبر الفائت وبالقرارات الدولية واتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري".

ويذهب الزغبي أبعد من ذلك في حديث مع موقع "الحرة"، معتبراً أن الحزب لا يربط سلاحه بشروطه، بل بمصير الحوار الإيراني–الأميركي، ويقول "على ضوء نتائج هذا الحوار يتلقى التوجيه الإيراني بالموقف المناسب، وحتى ذلك الحين يسعى إلى كسب الوقت والمماطلة".

من جانبه يرى رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية، شارل جبور، أن "المشهد الإقليمي يشهد تغييرات جذرية تنعكس بشكل مباشر على وضع حزب الله في لبنان"، معتبراً أن الحزب أصبح أمام معادلة جديدة تفرض عليه التخلي عن سلاحه.

ويقول جبور لموقع "الحرة" إن "المسألة لم تعد مرتبطة بما يقوله حزب الله أو لا يقوله، بل بالواقع الإقليمي المتبدل كلياً"، موضحاً أن "الحزب خرج من الحرب الأخيرة مهزوماً، ووقّع اتفاقاً لوقف إطلاق النار ينص بوضوح على تفكيك بنيته العسكرية في كل لبنان، فيما انقطع طريق إمداده من إيران نتيجة سقوط نظام الأسد".

ويشير جبور إلى أن هذه التطورات تتزامن مع معطيات أخرى لا تقل أهمية، أبرزها "الإعلان الرسمي عن المفاوضات الإيرانية-الأميركية في سلطنة عمان، وتخلي الفصائل المدعومة من إيران في العراق عن مشروع السلاح، بالإضافة إلى إعلان طهران عدم مسؤوليتها عن الحوثيين في اليمن". واعتبر أن "هذه المؤشرات تؤكد أن إيران بدأت إرسال رسائل 'حسن نية' إلى واشنطن، تتماشى مع شروط الأخيرة الثلاثة: التخلي عن الأذرع العسكرية، الصواريخ الباليستية، والمشروع النووي".

والأربعاء، اعتبر رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان أن "ربط مسألة نزع السلاح بقضايا أخرى يُعدّ مخالفة واضحة لتعهدات لبنان، ونكون نُضيّع وقتنا إذا اعتقدنا أن الإصلاح ممكن من دون حصر السلاح بيد الدولة".

كما أضاف في مؤتمر صحافي من المجلس النيابي "سمعنا الوزير غسان سلامة يتحدث عن أن موضوع السلاح خارج الدولة يرتبط بمسألة إعادة الإعمار، ونقول لرئيس الحكومة نواف سلام إن المطلوب منه اليوم هو تدبير سريع بحق الوزير سلامة لأنه يخالف البيان الوزاري والقرارات الدولية، وإن لم يتم فنحن كتكتل الجمهورية القوية قد نطرح الثقة به".

حوار بلا جدوى؟

"نزع السلاح ليس في حاجة إلى الحوار الذي قرره رئيس الجمهورية جوزف عون مدعوماً من الرئيسين بري وسلام"، كما يرى الزغبي "لأن قرار تسليمه "نافذ على أصله" كما في الأحكام القضائية، ولا يتطلّب سوى تنفيذ الاتفاقات والتعهدات المكتوبة، لكن السلطة تبرر الحوار بتفادي الصدام واهتزاز السلم الأهلي كما تقول. وفي أي حال، على هذا الحوار ألّا يطرح مبدأ نزع السلاح، بل الآلية والجدول الزمني للتنفيذ لئلّا يغرق في متاهات تساعد الحزب في المماطلة إلى درجة التملّص من تسليم سلاحه".

ويضيف الزغبي "الواضح أن الرئاسة اللبنانية تطرح "إستراتيجية الأمن الوطني" الأشمل بحيث تكون "الاستراتيجية الدفاعية" جزءاً منها، خلافاً لما يريده حزب الله للاحتفاظ بسلاحه تحت حجة عجز الجيش اللبناني وضرورة بقاء "المقاومة" لمواجهة إسرائيل، كما أن هناك خلافاّ داخله بين فريق متشدد يريد الاستمرار في المواجهة العسكرية وفريق يطالب باستخلاص دروس الحرب والانضواء تحت لواء الدولة، الأمر الذي يضاعف تعقيد الحوار وإفشاله".

من جانبه يقول جبور، "حزب الله أصبح اليوم أمام واقع لا يمكن الانقلاب عليه، ويتوجب عليه أن يتأقلم مع المستجدات، ويتخلى عن مشروعه المسلح، ويسلّم سلاحه".

وفي هذا السياق، لفت جبور إلى أن "المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس وصفت حزب الله بـ'السرطان الذي يجب استئصاله'، بعد زيارتها الأخيرة إلى بيروت، كما أن السفارة الأميركية أعلنت في أعقاب الزيارة أن المحادثات تركزت على شقين أساسيين: سلاح حزب الله والإصلاحات، وأكدت أن لا مساعدات دولية للبنان ما لم يُسلّم الحزب سلاحه للدولة".

وفي السياق، رد رئيس الحكومة نواف سلام، من بكركي أمس الأربعاء، على سؤال حول الجدول الزمني لسحب سلاح حزب الله مؤكداً أن مسألة حصر السلاح بيد الدولة ستكون قريباً على جدول أعمال مجلس الوزراء، وقال "عندما طُرح هذا الموضوع في مجلس الوزراء، كان جوابي أننا سنطلب سريعاً من الوزراء المعنيين، ولا سيما وزير الدفاع، تزويدنا بتقرير حول ما التزمنا به في البيان الوزاري، وكيف يمكننا التقدم في بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية".

فرصة مؤقتة

يعيش لبنان في مرحلة "وقت ضائع"، كما يصفها جبور، "حيث كان يفترض أن تشهد البلاد انطلاقة جديدة مع عودة الانتظام الدستوري والمؤسساتي، وأن تستعاد الدورة الاقتصادية والمالية. لكن ذلك لم يتحقق، والسبب تمسّك حزب الله بسلاحه".

ويتابع جبور "لقد تبيّن أن هذا السلاح لم ينجح في حماية الحزب، لا خلال الحرب ولا بعدها. وحدها الدولة تمتلك القدرة على تأمين الحماية لجميع اللبنانيين، بما فيهم حزب الله".

ويختم جبور بالتأكيد على أن "موضوع سلاح حزب الله انتهى"، معتبراً أن "كلما تم تسريع احتكار الدولة للسلاح، كلما اقترب لبنان من استعادة عافيته، ومن قيام دولة فاعلة تستعيد سيادتها ودورتها الاقتصادية والمالية".

من جانبه يرى الزغبي أن لبنان "أمام فرصة محدودة في الزمن لتلبية رغبة المواطنين في الاستقرار وشروط المجتمع الدولي، ولا يملك ترف الوقت المفتوح لحوار تم تجربته سابقاً على الطاولات الجامعة وانتهى إلى الفشل".

ولذلك لا بد بحسب الزغبي "من برمجة الحوار ضمن مهلة محددة، وفي حال بلوغه طريقاً مسدوداً تستعيد الدولة مبادرة معالجة السلاح تنفيذاً لكل الوثائق التي تؤكد حصر السلاح في يد الدولة. وإذا تلكأت أو فشلت فإن خطر تجدد الحرب يصبح ماثلاً وتعود إسرائيل إلى تدمير ما تبقى من ترسانات "الحزب"، ويدفع لبنان أثماناً إضافية".