لاجئون سوريون
التصريحات المنسوبة لقائد الجيش اللبناني أشعلت الجدل

تداولت وسائل إعلام لبنانية، منها جريدة الأخبار،  وموقع أساس ميديا، تصريحات نسبت إلى قائد الجيش اللبناني، العماد جوزيف عون، خلال اجتماع تشاوري للحكومة حول "ملف النزوح السوري إلى لبنان"، عقد في السراي الحكومي قبل ظهر الاثنين الماضي، حيث نقل عنه قوله إن "تهريب السوريين عبر الحدود بات تهديداً وجودياً، وقد نضطر إلى الاشتباك معهم، أو أن نقول للجيش تحركشوا فيهم ليعتدوا عليكم، ليكون لدينا عذر بأن نَقتُل بالقانون".

كما تداول أن وزير الثقافة اللبناني محمد وسام المرتضى دعم موقف قائد الجيش، بالقول "لا تلتفت إلى القانون وافعل ما يجب فعله"، فتدخل الأمين العام لمجلس الوزراء القاضي محمود مكية، قائلاً "إذا أردتم احترام نص القانون فيجب إعلان حالة الطوارئ في المناطق الحدودية واتخذوا التدابير التي ترغبون بها، لأنه حينها يمكن للجيش الانتشار والسيطرة على المعابر".

بدلاً من اللقاء التشاوري، كان من المقرر أن تنعقد جلسة لمجلس الوزراء لكن لم يكتمل النصاب القانوني لها، وبعد أن أسف رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي لعدم حضور الوزراء المتغيبين عن الجلسة، "لا سيما الذين تصدح حناجرهم طوال النهار بمواقف من هذا الملف، من باب المزايدة ليس إلا"، عقد الاجتماع مع الوزراء الحاضرين وقائد الجيش والمدير العام للأمن العام.

وشدد ميقاتي خلال الاجتماع على أن الحكومة لم تتأخر يوماً عن اتخاذ القرارات المناسبة في ملف اللاجئين، وأن الجيش وسائر الأجهزة الأمنية يقومون بواجباتهم في هذا المجال، لكن "المطلوب هو اتخاذ موقف وطني جامع وموّحد بشأن كيفية مقاربة هذا الملف لا سيما النزوح المستجد لمئات السوريين عبر نقاط عبور غير شرعية".

نفي.. واستغراب

لم تمر 48 ساعة على تداول الحديث المنسوب إلى قائد الجيش، حتى ضج خبر إصابة ثلاثة سوريين أثناء محاولتهم التسلل إلى الأراضي اللبنانية بطريقة غير شرعية عند الحدود الشمالية، حيث "انفجر بهم لغمان أرضيان في الجانب السوري من الحدود"، بحسب ما ذكر الجيش اللبناني، ليتولى الصليب الأحمر اللبناني نقلهم إلى إحدى المستشفيات في شمال لبنان.

لكن وسائل إعلام لبنانية أكدت أن السوريين أصيبوا حين كانوا يحاولون العبور إلى الداخل اللبناني عبر معبر عبيدان البرّي غير الشرعي، في محلّة العرموطة في خراج بلدة خط البترول على الضفة اللبنانية لمجرى النهر الكبير في منطقة وادي خالد الحدودية، ما يدفع كما يقول رئيس مركز "سيدار" للدراسات القانونية، المدافع عن حقوق الإنسان، المحامي محمد صبلوح، إلى "التخوف من اللجوء للألغام للحد من هجرة السوريين".

وشدد مصدر قريب من الجيش اللبناني اتصل به موقع "الحرة" على أن عون "ليس مجرماً"،  وقال: "خلال اللقاء التشاوري بدأ عون حديثه عن المسؤوليات، مشيراً إلى عدم لعب القضاء دوره، فهو يطلق سراح المهرّبين وتجار المخدرات بعد توقيفهم من قبل الجيش الذي بات يتمنى أن يطلق هؤلاء النار لكي يكون لديه عذراً شرعياً للرد عليهم".

وفيما إن كان قائد الجيش يعتبر أن اللاجئين أصبحوا يشكلون خطراً وجودياً على لبنان كما تداولت وسائل إعلام لبنانية أجاب المصدر "بالتأكيد".

كما ردّ وزير الثقافة على ما سرّبته وسائل الإعلام من خلال تغريدة عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "إكس" جاء فيها "إلى السفلة العملاء المأجورين مروّجي الدعاية الكاذبة ومستولدي الفتن: قائد الجيش لم يقل أنه يريد قتل النازحين المتسللين عبر الحدود بصورة غير شرعية. نحن كنا موجودين في الاجتماع وسمعنا جيّداً مداخلته... قائد الجيش حذّر من الخطر الوجودي على لبنان بفعل تسلل الإرهابيين ومخطّطات الشرّ التي ترمي إلى تثبيت النازحين وكنّا قد سبقناه وقلنا هذا الأمر بحرفيّته".

وأضاف "كل شخص أو جهة إعلامية يبثّ هذه الأخبار الملفّقة يقتضي ملاحقته وسيلاحق وسوف تنزل به أشدّ العقوبات بجملة جرائم منها توهين الجيش والمس بصورته وهيبته".

من جانبه استغرب صبلوح إثارة هذه الضجة من قبل مسؤولين لبنانيين "وإن كان صحيحاً فإن هذا الكلام خطير، فاللجوء إلى الخيار الدموي لا يغطيه القانون اللبناني ولا الاتفاقيات الدولية، وما يخيف أكثر الكلام الذي تم تداوله في الجلسة نفسها حول الطلب من الجمعيات كافة، لا سيما الأجنبية منها وجوب التنسيق مع الوزارات والإدارات والأجهزة العسكرية والأمنية تحت طائلة سحب العلم والخبر منها، ما يعني محاولة إسكات المنظمات الحقوقية التي تدعم السوريين وتوصل صرختهم".

ضحايا الأمل

ينصب اهتمام الأجهزة الأمنية اللبنانية في الفترة الأخيرة على مكافحة تهريب الأشخاص والتسلل غير الشرعي عبر الحدود البريّة، وفي هذا الإطار أعلن الجيش اللبناني قبل يومين إحباط وحدات منه بتواريخ مختلفة خلال الأسبوع الحالي، محاولة تسلل نحو 1250 سوري عند الحدود اللبنانية السورية.

 

وبعد الاجتماع التشاوري في السراي، أعلن وزير الإعلام في حكومة تصريف الأعمال زياد المكاري "أننا نرى آلاف النازحين السوريين من الشباب يدخلون البلد والجيش لا يمكنه ملاحقة ومتابعة هذا الموضوع بمفرده، هناك مشاكل لوجستية ومادية كثيرة، وهناك مشاكل لها علاقة بتهريب الاشخاص، إضافة إلى العصابات التي تتحرك والقضاء الذي لا يقوم بواجباته، فالأمور معقدة بشكل لا يوصف ولا يستخف أحد بهذا الأمر".

وأضاف "لقد سمعنا أرقاماً يا ليت يمكن لكل الشعب اللبناني أن يعرف ما يحصل ويعرف خطر أزمة النزوح الثاني التي تحصل. في كل الأحوال نقول بوجوب ذهاب وفد حكومي لبناني إلى سوريا، وهذا الموضوع يجب أن يبت في أسرع وقت".

لكن المتسللين عبر الحدود، كما يرى رئيس المركز اللبناني لحقوق الإنسان، وديع الأسمر، "ضحايا البحث عن مستقبل أفضل بعدما قطعوا الأمل بوطنهم، والدليل إصابة المتسللين الثلاثة بلغمين أرضيين، أما اتهام السوريين بدخول لبنان من أجل القتال أو الاستفادة المادية فأمر عار من الصحة، فهم إما يضعون أملهم في هذا البلد أو يتخذونه محطة لركوب قوارب الموت إلى أوروبا، لذلك يخاطرون بحياتهم عند اجتيازهم الحدود رغم أنه من واجب نظام بلدهم تأمين الحماية لهم، ومن واجب السلطة اللبنانية رفع الصوت على هذا النظام الذي يستغل قضيتهم للضغط على اللبنانيين، من دون استبعاد أن يكون أحد أهدافه من ذلك، التدخل في الانتخابات الرئاسية اللبنانية".

المبدأ الأساسي هو أن حق اللجوء مكرّس لكل إنسان، لكن الأمر المستغرب بحسب الأسمر أن "أغلبية محاولات التسلل تتم من مناطق بعيدة عن لبنان يسيطر عليها النظام السوري بشكل كامل، لذلك على السلطة اللبنانية استدعاء السفير السوري لمعرفة أسباب سماح جيش نظامه لهؤلاء بالعبور لأن ذلك لا يمكن أن يجري إلا بموافقته".

وفيما يتعلق بالمعابر غير الشرعية يعلّق الأسمر "الموضوع ليس بجديد، سبق أن أثرناه عدة مرات، لا يقتصر التهريب في هذه المعابر على البشر، بل يطال كذلك البضائع، والأجهزة الأمنية اللبنانية على علم بهذه الممرات وهي بغالبيتها تحت حماية نواب ووزراء وسلطات الأمر الواقع، وبدلاً من ملاحقة حيتان التهريب المسؤولة عنها يتم ايقاف صغار المهربين"، وتساءل "لماذا لم تغلق الأجهزة الأمنية هذه المعابر ولماذا لا تحقق الأجهزة القضائية فيما يمكن تسميته تشابك المصالح بين الأجهزة الأمنية على الحدود اللبنانية السورية"؟

كذلك يؤكد صبلوح على أنه "لا يمكن للسوريين التسلل إلى لبنان من دون مهربين، ولا يمكن للمهربين العمل من دون غطاء أمني، بالتالي على الجيش اللبناني توقيف المهربين واغلاق الحدود بالتنسيق مع النظام السوري، لاسيما وأن الحكومة اللبنانية على تواصل دائم مع أركان هذا النظام".

تشديد الخناق

قبل أيام أعلن قائد الجيش أنّ "انتشارنا على طول الحدود، تتخلّله صعوبات كثيرة، سواء طبيعة المنطقة الجغرافيّة أو نقص العديد، لكن عسكريّينا يبذلون قصارى جهودهم لحمايتها ومنع عمليات التهريب والنزوح غير الشرعي"، مبيّناً أنهم "يتعرّضون لشتّى أنواع الشائعات والاتهامات بالتقصير، فيما الحقيقة تثبتها الوقائع اليومية بالجهود الجبّارة التي تقوم بها الوحدات المنتشرة على الأرض".

ودعا كل مشكّك إلى "زيارة الحدود والاطلاع ميدانياً على الوضع الذي ينذر بالأسوأ قريباً فكفى تنظيراً واتهامات باطلة، وليقفوا خلف الجيش، لأنه كان صمام الأمان للبنان وسيبقى كذلك، ولن يحيد عن قسمه وواجباته".

ويوم الاثنين الماضي طلبت الحكومة اللبنانية من الأجهزة الأمنية والعسكرية التعاون والتنسيق فيما بينها لتوحيد الجهود وتعزيز التدابير المتخذة، لا سيما من قبل أفواج الحدود البرية في الجيش والمراكز الحدودية كافة، إضافة إلى تعزيز نقاط التفتيش على المسالك التي يستخدمها المتسللون، وتنفيذ عمليات مشتركة شاملة ومنسقة تستهدف شبكات التهريب وإحالتهم على القضاء المختص، كما وإغلاق نقاط العبور غير الشرعية ومصادرة الوسائل والأموال المستخدمة من قبل المهربين وفقا للأصول، على أن يترافق ما تقدم مع تغطية إعلامية واسعة.

ومن جملة القرارات التي أصدرتها الحكومة لتضييق الخناق على السوريين، "الطلب من وزارة الداخلية التعميم على البلديات وجوب الإفادة الفورية عن أي تحركات وتجمعات مشبوهة تتعلق بالنازحين السوريين، لاسيما لناحية تهريبهم ضمن نطاقها، وإجراء مسح فوري للقاطنين منهم في النطاق البلدي وتكوين قاعدة بيانات عنهم، وإزالة التعديات والمخالفات كافة عن البُنى التحتية (كهرباء، ماء، صرف صحي،...) الموجودة في أماكن إقامتهم، وكذلك التشدد في قمع المخالفات المتعلقة بالمحلات التي تستثمر ضمن النطاق البلدي من قبل سوريين".

كما دعت وزارة العدل إلى الطلب من النيابات العامة التشدد في الإجراءات القانونية المتعلقة بالضالعين في تهريب الأشخاص والداخلين إلى لبنان بطرق غير مشروعة، والطلب من السلطات القضائية الإسراع في المحاكمات التي تخفف من مشكلة الاكتظاظ في السجون واتخاذ الإجراءات المناسبة التي من شأنها ترحيل المحكومين السوريين وابعادهم مع مراعاة الاتفاقات الدولية والقوانين ذات الصلة.

استمرار الحكومة في حملتها العنصرية ضد اللاجئين يعتبره صبلوح "أمراً خطيراً سيزيد من مستوى الكراهية بين اللبنانيين والسوريين وسيوصل إلى ما لا تحمد عقباه".

ويشير صبلوح إلى طرق عدة يمكن من خلالها "معالجة مشكلة التسلل وملف اللاجئين بعيداً عن العنصرية، منها اغلاق المعابر غير الشرعية، ونزع صفة اللجوء عن السوريين الذين قصدوا وطنهم وعادوا إلى لبنان، وهؤلاء يقارب عددهم نحو 500 ألف، وفي حال رحّلتهم الحكومة اللبنانية لا يمكن لأحد أن يعترض على قرارها، كونه لا خطر عليهم بالتعرض للتوقيف والتعذيب في وطنهم، لكن تضييق الخناق على اللاجئين وترحيلهم بقرارات عشوائية أمر يخالف الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها لبنان كونه يعرضهم لخطر الاعتقال والتعذيب والموت على يد النظام السوري".

حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا
حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا

في تطوّر لافت وغير مسبوق، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول كبير في حزب الله قوله إن الجماعة مستعدة لمناقشة مستقبل سلاحها مع الرئيس اللبناني جوزاف عون، في سياق استراتيجية دفاع وطني، وذلك بشرط انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس الحدودية في جنوب لبنان ووقف الغارات. الإعلان بحد ذاته شكّل كسراً لما يعتبر أحد أبرز "التابوهات" في قاموس حزب الله منذ تأسيسه.

مصادر سياسية كشفت للوكالة أن الرئيس عون يعتزم إطلاق حوار مع الحزب بشأن السلاح، في إطار ما وصفه بـ"استراتيجية الأمن الوطني"، التي أعلن عن نيّته العمل على صياغتها فور توليه المنصب، مؤكداً أن السلاح يجب أن يكون محصوراً بيد الدولة دون سواها.

هذا التطور يأتي في سياق تصاعد الضغوط الدولية والمحلية على الحزب، حيث أكدت المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت الأسبوع الماضي، موقف واشنطن القوي بضرورة نزع سلاح حزب الله والجماعات المسلحة الأخرى، مشددة على أن هذا يجب أن يتم في أقرب وقت ممكن.

وفي مقابلة مع قناة (إل.بي.سي.آي) اللبنانية في السادس من أبريل، قالت أورتاغوس "من الواضح أنه يجب نزع سلاح حزب الله، ومن الواضح أن إسرائيل لن تقبل بإطلاق الإرهابيين النار عليها داخل أراضيها، وهذا موقف نتفهمه".

هذا الموقف فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل حزب الله مستعد فعلاً للدخول في مفاوضات جديّة تنهي الثنائية الأمنية التي أرساها منذ عقود؟ أم أن ما يطرح لا يعدو كونه مناورة سياسية لشراء مزيد من الوقت؟ وما مدى واقعية الرهان على استراتيجية دفاعية وطنية تشمل الحزب؟

لكن الحزب لم يترك التأويلات مفتوحة طويلاً، إذ سارع العضو في مجلسه السياسي غالب أبو زينب إلى توضيح الموقف خلال مقابلة مع قناة "الجديد"، أمس الأربعاء، قائلاً "لم نوافق على تسليم السلاح أو نزعه. نحاور حول كيف يمكن للبنان أن يمتلك أوراق قوة أساسية يستطيع من خلالها أن يحافظ على وجوده في ظل هذه المتغيرات الكبيرة. لن نكون إلا في موقع قوة للبنان، وهذا السلاح ليس معروضاً للتسليم".

واليوم الخميس، قال النائب عن حزب الله حسن فضل الله، خلال مؤتمر صحفي في مجلس النواب، إن الحزب "أبدى كامل الاستعداد للحوار بهدف التوصل إلى استراتيجية دفاع وطني لحماية السيادة اللبنانية"، مؤكداً أن "من أولوياتنا الحفاظ على لبنان محرراً، محمياً وقوياً، وحماية إنجازات مقاومته".

أبعاد إقليمية

رغم مسارعة أبو زينب إلى نفي استعداد الحزب لتسليم سلاحه، إلا أن مجرد ربط هذا السلاح بشروط محددة، "يُفرغ أي حوار مرتقب من مضمونه محوّلاً إياه إلى مجرد فولكلور ووعد نظري"، كما يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي، "لأن نزع السلاح مشروط بتنفيذ تفاهمات وقف الأعمال العدائية أي وقف إطلاق النار ابتداء من 27 نوفمبر الفائت وبالقرارات الدولية واتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري".

ويذهب الزغبي أبعد من ذلك في حديث مع موقع "الحرة"، معتبراً أن الحزب لا يربط سلاحه بشروطه، بل بمصير الحوار الإيراني–الأميركي، ويقول "على ضوء نتائج هذا الحوار يتلقى التوجيه الإيراني بالموقف المناسب، وحتى ذلك الحين يسعى إلى كسب الوقت والمماطلة".

من جانبه يرى رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية، شارل جبور، أن "المشهد الإقليمي يشهد تغييرات جذرية تنعكس بشكل مباشر على وضع حزب الله في لبنان"، معتبراً أن الحزب أصبح أمام معادلة جديدة تفرض عليه التخلي عن سلاحه.

ويقول جبور لموقع "الحرة" إن "المسألة لم تعد مرتبطة بما يقوله حزب الله أو لا يقوله، بل بالواقع الإقليمي المتبدل كلياً"، موضحاً أن "الحزب خرج من الحرب الأخيرة مهزوماً، ووقّع اتفاقاً لوقف إطلاق النار ينص بوضوح على تفكيك بنيته العسكرية في كل لبنان، فيما انقطع طريق إمداده من إيران نتيجة سقوط نظام الأسد".

ويشير جبور إلى أن هذه التطورات تتزامن مع معطيات أخرى لا تقل أهمية، أبرزها "الإعلان الرسمي عن المفاوضات الإيرانية-الأميركية في سلطنة عمان، وتخلي الفصائل المدعومة من إيران في العراق عن مشروع السلاح، بالإضافة إلى إعلان طهران عدم مسؤوليتها عن الحوثيين في اليمن". واعتبر أن "هذه المؤشرات تؤكد أن إيران بدأت إرسال رسائل 'حسن نية' إلى واشنطن، تتماشى مع شروط الأخيرة الثلاثة: التخلي عن الأذرع العسكرية، الصواريخ الباليستية، والمشروع النووي".

والأربعاء، اعتبر رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان أن "ربط مسألة نزع السلاح بقضايا أخرى يُعدّ مخالفة واضحة لتعهدات لبنان، ونكون نُضيّع وقتنا إذا اعتقدنا أن الإصلاح ممكن من دون حصر السلاح بيد الدولة".

كما أضاف في مؤتمر صحافي من المجلس النيابي "سمعنا الوزير غسان سلامة يتحدث عن أن موضوع السلاح خارج الدولة يرتبط بمسألة إعادة الإعمار، ونقول لرئيس الحكومة نواف سلام إن المطلوب منه اليوم هو تدبير سريع بحق الوزير سلامة لأنه يخالف البيان الوزاري والقرارات الدولية، وإن لم يتم فنحن كتكتل الجمهورية القوية قد نطرح الثقة به".

حوار بلا جدوى؟

"نزع السلاح ليس في حاجة إلى الحوار الذي قرره رئيس الجمهورية جوزف عون مدعوماً من الرئيسين بري وسلام"، كما يرى الزغبي "لأن قرار تسليمه "نافذ على أصله" كما في الأحكام القضائية، ولا يتطلّب سوى تنفيذ الاتفاقات والتعهدات المكتوبة، لكن السلطة تبرر الحوار بتفادي الصدام واهتزاز السلم الأهلي كما تقول. وفي أي حال، على هذا الحوار ألّا يطرح مبدأ نزع السلاح، بل الآلية والجدول الزمني للتنفيذ لئلّا يغرق في متاهات تساعد الحزب في المماطلة إلى درجة التملّص من تسليم سلاحه".

ويضيف الزغبي "الواضح أن الرئاسة اللبنانية تطرح "إستراتيجية الأمن الوطني" الأشمل بحيث تكون "الاستراتيجية الدفاعية" جزءاً منها، خلافاً لما يريده حزب الله للاحتفاظ بسلاحه تحت حجة عجز الجيش اللبناني وضرورة بقاء "المقاومة" لمواجهة إسرائيل، كما أن هناك خلافاّ داخله بين فريق متشدد يريد الاستمرار في المواجهة العسكرية وفريق يطالب باستخلاص دروس الحرب والانضواء تحت لواء الدولة، الأمر الذي يضاعف تعقيد الحوار وإفشاله".

من جانبه يقول جبور، "حزب الله أصبح اليوم أمام واقع لا يمكن الانقلاب عليه، ويتوجب عليه أن يتأقلم مع المستجدات، ويتخلى عن مشروعه المسلح، ويسلّم سلاحه".

وفي هذا السياق، لفت جبور إلى أن "المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس وصفت حزب الله بـ'السرطان الذي يجب استئصاله'، بعد زيارتها الأخيرة إلى بيروت، كما أن السفارة الأميركية أعلنت في أعقاب الزيارة أن المحادثات تركزت على شقين أساسيين: سلاح حزب الله والإصلاحات، وأكدت أن لا مساعدات دولية للبنان ما لم يُسلّم الحزب سلاحه للدولة".

وفي السياق، رد رئيس الحكومة نواف سلام، من بكركي أمس الأربعاء، على سؤال حول الجدول الزمني لسحب سلاح حزب الله مؤكداً أن مسألة حصر السلاح بيد الدولة ستكون قريباً على جدول أعمال مجلس الوزراء، وقال "عندما طُرح هذا الموضوع في مجلس الوزراء، كان جوابي أننا سنطلب سريعاً من الوزراء المعنيين، ولا سيما وزير الدفاع، تزويدنا بتقرير حول ما التزمنا به في البيان الوزاري، وكيف يمكننا التقدم في بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية".

فرصة مؤقتة

يعيش لبنان في مرحلة "وقت ضائع"، كما يصفها جبور، "حيث كان يفترض أن تشهد البلاد انطلاقة جديدة مع عودة الانتظام الدستوري والمؤسساتي، وأن تستعاد الدورة الاقتصادية والمالية. لكن ذلك لم يتحقق، والسبب تمسّك حزب الله بسلاحه".

ويتابع جبور "لقد تبيّن أن هذا السلاح لم ينجح في حماية الحزب، لا خلال الحرب ولا بعدها. وحدها الدولة تمتلك القدرة على تأمين الحماية لجميع اللبنانيين، بما فيهم حزب الله".

ويختم جبور بالتأكيد على أن "موضوع سلاح حزب الله انتهى"، معتبراً أن "كلما تم تسريع احتكار الدولة للسلاح، كلما اقترب لبنان من استعادة عافيته، ومن قيام دولة فاعلة تستعيد سيادتها ودورتها الاقتصادية والمالية".

من جانبه يرى الزغبي أن لبنان "أمام فرصة محدودة في الزمن لتلبية رغبة المواطنين في الاستقرار وشروط المجتمع الدولي، ولا يملك ترف الوقت المفتوح لحوار تم تجربته سابقاً على الطاولات الجامعة وانتهى إلى الفشل".

ولذلك لا بد بحسب الزغبي "من برمجة الحوار ضمن مهلة محددة، وفي حال بلوغه طريقاً مسدوداً تستعيد الدولة مبادرة معالجة السلاح تنفيذاً لكل الوثائق التي تؤكد حصر السلاح في يد الدولة. وإذا تلكأت أو فشلت فإن خطر تجدد الحرب يصبح ماثلاً وتعود إسرائيل إلى تدمير ما تبقى من ترسانات "الحزب"، ويدفع لبنان أثماناً إضافية".