عبور
الفيلم توعوي عن العنف الاقتصادي القائم على النوع الاجتماعي في لبنان

وصلت شظايا حملات التحريض ضد مجتمع الميم عين في لبنان، إلى فيلم "عبور"، الذي واجه حملة تجييش حالت دون تمكنه من العبور إلى المسرح الوطني اللبناني في طرابلس، رغم أن الجمعية المنتجة له تؤكد أن مضمونه بعيد عما يدّعي مهاجموه.

الفيلم الذي أثار بلبلة من إنتاج جمعية ورد للتنمية والتطوير، وقد روّجت له بأنه فيلم توعوي عن العنف الاقتصادي القائم على النوع الاجتماعي، وبعد أن كان مقررا عرضه في الثامن عشر من الشهر الجاري تم تأجيل ذلك نتيجة الحملة التي شنت ضده.

أول من أطلق الحملة على الفيلم هو الباحث في الفكر والسياسة، أحمد القصص، الذي تساءل في منشور على صفحته عبر موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك" فيما إن كان أهل "مدينة العلم والعلماء يسمحون باستباحة مدينتهم ويشرّعون أبوابهم لهؤلاء المفسدين في الأرض".

القصص اعتبر في منشوره أن "طرابلس مستهدفة مجدّداً بهجوم جندري... عبر سينما أمبير هذه المرّة"، شارحاً "ما يؤكّد التهمة على هذا الفيلم أنّ الجمعيات الداعمة للنشاط هي جمعيات نسوية أو جندرية، ومنها مؤسّسة Kvinna till Kvinna، بالعربية: المرأة للمرأة. إنّها مؤسّسة سويدية المنشأ، أهمّ ما يلفت النظر فيها أنّ استراتيجيتها للفترة 2023-2028 تتضمّن العمل على مكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي (الجندر)".

لكن رئيسة جمعية ورد للتنمية والتطوير، المعالجة النفسية والأسرية، مهى الأتاسي الجسر، تؤكد أن "من يقف خلف تجييش الشارع ضد الفيلم والجمعية هم أشخاص يستخدمون أسلوب الترهيب بهدف إحداث بلبلة ومن خلفها شهرة لهم، ادّعوا أننا نروّج للمثلية الجنسية قبل مشاهدتهم الفيلم، مع العلم أن محتواه مستوحى من قصص نساء طرابلسيات سبق أن خضعن للتدريب في جمعيتنا، اطلعنا على معاناتهن، فرغبنا بالإضاءة عليها كخطوة أولى لمعالجتها في المجتمع الذي تكثر فيه تلك المآسي ومحاكمنا المدنية والشرعية شاهدة على هذه الحالات".

وتشدد الأتاسي في حديث لموقع "الحرة" على أنه "كان يفترض بمن شنّوا الحملة على الفيلم تطبيق الآية الكريمة: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين. إلا أنهم هاجمونا من دون أن يتبيّنوا الحقيقة".

بين التوعية وعدم العبيثة

صوِّر "عبور"، وهو فيلم وثائقي مدته 12 دقيقة، في نوفمبر من العام الماضي، بما يتوافق كما تقول الأتاسي "مع البيئة الطرابلسية ومبادئها ومبادئ اللبنانيين، للمحافظة على الأسرة التي تعتبر أساس المجتمع، وهو يهدف إلى إيصال رسالة الباحثة النفسية ميلاني كلاين التي تؤكد أن وجه الأم مرآة لأطفالها، بمعنى أن حالتها النفسية تنعكس عليهم وكذلك على أسرتها وبالتالي المجتمع، فإما أن تكون رافعة أو مدمّرة لهم".

ومن أهداف الفيلم كذلك "الإضاءة على سلبيات العنف الاقتصادي المجتمعي وضرورة تمكين المرأة اقتصادياً كي تكون فعّالة ومنتجة ودعامة قوية لأسرتها وزوجها في ظل التحديات الاقتصادية الصعبة التي يمر بها البلد، وتوعيتها قانونياً على حقوقها وواجباتها، ونفسياً كي تنشر الإيجابية في محيطها".

تشابه الأسماء بين الفيلم اللبناني وفيلم تونسي يتحدث عن المثلية الجنسية هو الذي أدى إلى شن الحملة ضده، كما تقول الأتاسي، شارحة "أنهينا تصوير الفيلم (الذي تأخر عرضه لأسباب لوجستية)، قبل عرض الفيلم التونسي على يوتيوب، ولم نسمع بالأخير إلا حين شنّت الحملة ضدنا"، مشددة " تشابه الأسماء لا يعني تشابه المحتوى، كما أن وجود داعم سويدي مشترك لا يعني أننا انصعنا الى أجندات غربية لمجرد وجود تمويل، ولا يعني أننا تخلينا عن حضورنا المحافظ، فالجمعية والقيّمون عليها يلتزمون بمبادئهم ولهم القدرة على فرض شروطهم لتحقيق غاياتهم وغاية المجتمع الطرابلسي على خلاف الكثيرين".

وشددت "بعد الذي حصل سنبقي على اسم الفيلم مع إضافة كلمة ثانية له، أي عبور إلى... تلافياً لأي لغط مستقبلي، مع العلم أن خصّ كلمة عبور بمجتمع الميم عين أمر ظالم بحق لغتنا العربية الواسعة وتجهيلٌ للمعنى الأصلي للكلمة التي تعني الاجتياز، كما أننا بدأنا بتصوير جزء ثان للفيلم".

لكن القصص يرى في حديث لموقع "الحرة" أن "لا مسوغاً لاسم الفيلم ولم يقع الاختيار عليه عبثاً، بل لأن محركات البحث عنه عبر الإنترنت تؤدي إلى مصطلح العبور الذي يدل على التحوّل الجنسي، عدا عن وجود فيلم تونسي عن المثلية الجنسية يحمل ذات الاسم".

كما أن الترويج للفيلم استند كما يقول القصص على مصطلحات معادية للشريعة الإسلامية وعناوين مشبوهة لا بل مدانة، منها "النوع الاجتماعي الذي يعني الجندر، ويفيد بوجود أكثر من جنسين للإنسان، أي مجتمع الميم عين، كذلك مصطلح العنف الاقتصادي الذي يعني عدم المساواة بين الذكر والأنثى، ويقوم على رفض أن يكون للذكر مثل حظ الأنثيين في الإرث ورفض ولاية الأب على ابنته في التزويج وفكرة القوامة وغيرها"، ويشدد "أياً يكن مضمون الفيلم يكفي اسمه والشرح الذي روّج له للهجوم عليه".

من جانبه يرى مسؤول التواصل في منظمة حلم، ضوميط قزي، أن "الهجوم على الفيلم، هو نتيجة مباشرة لحملات التحريض ضد أفراد مجتمع الميم عين، هذه الحملات أصبحت عشوائية لذلك طالت الجمعيات النسوية المدافعة عن المرأة"، ويشرح "للأسف نحن نشهد قمعاً وحالات عنف غير مبررة تخرج أحياناً عن إطار المنطق كما حصل من خلال ربط فيلم عبور بالمثلية الجنسية، ما يعني أنه تمت شيطنته ليسحب بعدها من التداول إلى حين استبدال اسمه إرضاء لمن قادوا الحملة ضده".

تراجع تحت الضغط  

بعد الهجوم الذي شنّه القصص على الفيلم، وصلته رسالة من المسرح الوطني اللبناني، أفيد من خلالها أنه "ألغى عرض الفيلم إلى أن يتم التوضيح من الجهة المنظمة له للجهات التي اعترضت عليه".

ومما جاء في الرسالة أن "المسرح الوطني اللبناني هو مسرح مجاني مفتوح للجميع لعرض أعمالهم الفنية" وفيما يتعلق بفيلم عبور "ليس من إنتاج أو تنظيم المسرح"، وبناء لطلب الجهة المنتجة له "قدمنا لهم المسرح مجان لعرضه وإذا كان هناك أي اعتراض على ذلك يمكنكم توجيه اعتراضكم إلى الجهة المنتجة والمنظمة للفيلم فهي من يحق لها الرد". 

الأتاسي عبّرت عن استغرابها من موقف القيميين على المسرح الوطني اللبناني، لاسيما "لجهة نفيهم علمهم بالفيلم بعد تهديدهم من قبل مسلحين كما أطلعونا، رغم أن كل مشاهده صوّرت مدفوعة وليس مجاناً على مسرحه وبمشاهدة حيّة له وبمشاركة ممثلين الفيلم وهم أبناء المسرح الوطني، وقد برروا ذلك بخوفهم من التعرض لأي مكروه".

الخوف الأساسي كما تقول الأتاسي يجب أن يكون من المشاكل التي تعاني منها المرأة اللبنانية بشكل عام والطرابلسية بشكل خاص، ومنها "عدم الالتزام بما نصت عليه الأديان السماوية التي كرّمت المرأة وانصفتها، لذلك نجد أنها تحرم من الميراث وتعجز عن الحصول على طلاقها لعدم امتلاكها المال لدفع بدل أتعاب المحامي، ومنهن من لا يُسجَّل زواجهن في المحاكم الشرعية لأسباب مادية، وهناك من يُحرمن من اكمال تعليمهن أو يتعرضن للتنمر والتحرش والابتزاز في عملهن، أو يُستحوذ على ما ينتجنه من قبل والدهن أو زوجهن".

أما القصص فيعتبر أن "وضع المرأة في العالم الإسلامي بما فيه طرابلس ولبنان أفضل بكثير من وضعها في الحضارة والثقافة الغربية، والمشاكل التي أصابتها في بلادنا هي نتاج عدم تطبيق الشريعة الإسلامية بشكل كاف، وحل ذلك يكون عبر هذه الأحكام وليس الانتقال إلى الثقافة الغربية".

يذكر أن الشهر الماضي تعرّض فيلم "باربي" لهجوم ترأسه وزير الثقافة اللبناني محمد وسام المرتضى، حيث طالب بمنع عرضه في البلاد بحجة ترويجه "للشذوذ والتحول الجنسي، وتعارضه مع القيم الأخلاقية والإيمانية"، حسب تعبيره، وبعد تأجيل عرضه وافقت اللجنة المكلفة بالرقابة على أفلام السينما في لبنان على طرحه في جميع دور العرض.

حملات ترهيبية

الحملات ضد مجتمع الميم عين في مدينة طرابلس شمال لبنان لم تقتصر على الفيلم، فقبل أيام اقتحم أفراد بتغطية إعلامية مركزاً للتوعية على الصحة الجنسية في مجمع الرحمة الطبي تديره جمعية مرسى، وذلك بذريعة الترويج للمثلية الجنسية، حيث قاموا بتفتيش محتوياته واستجواب الطبيبة المسؤولة عنه.

"الهجوم على مركز طبي يقدم خدمات الصحة الإنجابية والجنسية لكل أفراد المجتمع بغض النظر عن انتمائهم الديني وجنسيتهم وهويتهم وميولهم الجنسية، وذلك بعد الحديث عن ترويجه للمثلية ومن ثم الزنى، هو مؤشر لمنحى خطير" كما يشدد قزي، ويتساءل "ما الذي يمنع من تهجّموا على هذا المركز من الهجوم على صيدليات وعيادات طبية أخرى لمنع تقديم خدمات مشابهة"؟

المستغرب بحسب قزي أن "المركز مرخص ومدعوم من وزارة الصحة ومع ذلك لم يعلّق الوزير فراس أبيض على الحادثة، كذلك حال نقابة الأطباء والجسم الطبي، رغم أن السكوت عن ذلك يعني شرعنة الاعتداء على مراكز مشابهة في مناطق أخرى".

وبعد الهجوم على المركز، نفى مجمع الرحمة الطبي التابع لجمعية الشباب الإسلامي "بشكل قاطع تقديم خدمات لدعم المثلية أو التشجيع عليها" مشدداً في بيان على أن "تلك الأخبار ملفقة وغير صحيحة ولا تمت للواقع بأي صلة"، ومعتبراً أن "الصحة حق أساسي للإنسان، ومهمة مجمعنا الطبي تقديم الرعاية الصحية بأعلى مستوى من الجودة، ونحرص كل الحرص على الحفاظ على ثقافة مدينتنا مدينة العلم والعلماء وقيمها".

وشرح البيان أن المجمع يقدّم "خدمات طبية وتأهيلية بالشراكة مع وزارة الصحة ووزارة الشؤون الاجتماعية ودائرة الرعاية الصحية الأولية في وزارة الصحة" لافتاً إلى أن "مركز الرعاية الصحية الأولية يقدم كافة الخدمات الصحية ومن ضمنها خدمات الصحة الانجابية مثل متابعة المرأة الحامل وخدمات تنظيم الأسرة والكشف عن أمراض وسرطانات الجهاز التناسلي على يد نخبة من الأطباء الاختصاصيين بهدف تحسين صحة الأسرة".

خطورة.. رسمية

الأخطر أن مسؤولين لبنانيين مشاركون كما يقول قزي في "شيطنة المثلية الجنسية والتحريض عليها وتأجيج العنف ضدها"، آخرهم وزير الاعلام في حكومة تصريف الأعمال زياد المكاري، الذي استقبل قبل أيام في مكتبه في الوزارة، وفداً ممن يطلقون على أنفسهم "إعلاميون وإعلاميات ضد الشذوذ الجنسي".

وبحسب الوكالة الوطنية للإعلام، ذكر المكاري أمام الوفد أن "موضوع الشذوذ اليوم هو هاجس كل البيوت والعائلات. ونحن في لبنان متمسكون بالقيم العائلية وبتراث اجتماعي معين، ولكن المشكلة ليست بسيطة ولا تعالج بسرعة ربما بمشاركة الجميع والوزارات المعنية لاسيما التربية والشؤون الاجتماعية ويجب أن يدرس في اتجاهات عدة والاتجاه الأساس، هو التربية من الأجيال الصغيرة وصعوداً".
 
أضاف المكاري "هناك أمر يتعلق بالتكنولوجيا لا أحد يستطيع ايقافه، كما أن هناك مسائل ايجابية وسلبية دخلت كل بيت. الاعلام عموماً ملتزم بالثوابت المتعلقة بهذا الموضوع وهناك ما هو متعلق بالإنترنت حيث إننا نفتقد القدرة على ضبط هذا الأمر"، لافتاً إلى أنه "نحن على استعداد في مؤسساتنا لنشر الوعي، فالموضوع ليس بصغير ولبنان يتعرض كباقي البلدان لهذه الأمور، ونحن مستعدون بالشراكة مع وزارات ومؤسسات اخرى للقيام بكل ما من شأنه حماية مجتمعنا وأسرنا وقيمنا الاجتماعية".

اعتبار وزير الإعلام أن "المثلية ضد قيم العائلة والأخلاق، أمر مخز ومخجل" كما يقول قزي "لاسيما وأنه يمثل جهة رسمية يفترض أن تساوي بين جميع المواطنين، وهذا التصويب على فئة من المجتمع يؤكد عجز الحكومة اللبنانية ووزرائها عن تحقيق أي إنجاز، لا بل على العكس هم يساهمون في تدهور البلد أكثر".

وتوجه قزي إلى من يطلقون على أنفسهم "اعلاميون واعلاميات ضد الشذوذ الجنسي" بالقول "عليكم معرفة أن الانقضاض على أفراد مجتمع الميم عين هو فتح باب الانقضاض على أي إنسان لمجرد ابداء رأيه، وأول من سيطالهم ذلك هم الصحفيين والإعلاميين".

"عندما يتبنى أمثال هؤلاء من الاعلاميين ما يتداوله البعض حول وجود حملات تروّج للمثلية أو ما يسمونه الشذوذ الجنسي"، يعني كما يقول قزي "أنهم يطلبون من السلطات ضبط الخطاب العام وبالتالي قمع الصحفيين ووسائل الاعلام، وهذا يتنافى مع دورهم المهني ويدفع إلى التساؤل فيما إن كانوا أبواقاً لأنظمة عسكرية أو ميليشيات دينية أو فعلاً أنهم إعلاميون هدفهم تغطية المسائل التي تعني جميع المواطنين ومن ضمنهم أفراد المجتمع الميم عين".

حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا
حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا

في تطوّر لافت وغير مسبوق، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول كبير في حزب الله قوله إن الجماعة مستعدة لمناقشة مستقبل سلاحها مع الرئيس اللبناني جوزاف عون، في سياق استراتيجية دفاع وطني، وذلك بشرط انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس الحدودية في جنوب لبنان ووقف الغارات. الإعلان بحد ذاته شكّل كسراً لما يعتبر أحد أبرز "التابوهات" في قاموس حزب الله منذ تأسيسه.

مصادر سياسية كشفت للوكالة أن الرئيس عون يعتزم إطلاق حوار مع الحزب بشأن السلاح، في إطار ما وصفه بـ"استراتيجية الأمن الوطني"، التي أعلن عن نيّته العمل على صياغتها فور توليه المنصب، مؤكداً أن السلاح يجب أن يكون محصوراً بيد الدولة دون سواها.

هذا التطور يأتي في سياق تصاعد الضغوط الدولية والمحلية على الحزب، حيث أكدت المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت الأسبوع الماضي، موقف واشنطن القوي بضرورة نزع سلاح حزب الله والجماعات المسلحة الأخرى، مشددة على أن هذا يجب أن يتم في أقرب وقت ممكن.

وفي مقابلة مع قناة (إل.بي.سي.آي) اللبنانية في السادس من أبريل، قالت أورتاغوس "من الواضح أنه يجب نزع سلاح حزب الله، ومن الواضح أن إسرائيل لن تقبل بإطلاق الإرهابيين النار عليها داخل أراضيها، وهذا موقف نتفهمه".

هذا الموقف فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل حزب الله مستعد فعلاً للدخول في مفاوضات جديّة تنهي الثنائية الأمنية التي أرساها منذ عقود؟ أم أن ما يطرح لا يعدو كونه مناورة سياسية لشراء مزيد من الوقت؟ وما مدى واقعية الرهان على استراتيجية دفاعية وطنية تشمل الحزب؟

لكن الحزب لم يترك التأويلات مفتوحة طويلاً، إذ سارع العضو في مجلسه السياسي غالب أبو زينب إلى توضيح الموقف خلال مقابلة مع قناة "الجديد"، أمس الأربعاء، قائلاً "لم نوافق على تسليم السلاح أو نزعه. نحاور حول كيف يمكن للبنان أن يمتلك أوراق قوة أساسية يستطيع من خلالها أن يحافظ على وجوده في ظل هذه المتغيرات الكبيرة. لن نكون إلا في موقع قوة للبنان، وهذا السلاح ليس معروضاً للتسليم".

واليوم الخميس، قال النائب عن حزب الله حسن فضل الله، خلال مؤتمر صحفي في مجلس النواب، إن الحزب "أبدى كامل الاستعداد للحوار بهدف التوصل إلى استراتيجية دفاع وطني لحماية السيادة اللبنانية"، مؤكداً أن "من أولوياتنا الحفاظ على لبنان محرراً، محمياً وقوياً، وحماية إنجازات مقاومته".

أبعاد إقليمية

رغم مسارعة أبو زينب إلى نفي استعداد الحزب لتسليم سلاحه، إلا أن مجرد ربط هذا السلاح بشروط محددة، "يُفرغ أي حوار مرتقب من مضمونه محوّلاً إياه إلى مجرد فولكلور ووعد نظري"، كما يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي، "لأن نزع السلاح مشروط بتنفيذ تفاهمات وقف الأعمال العدائية أي وقف إطلاق النار ابتداء من 27 نوفمبر الفائت وبالقرارات الدولية واتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري".

ويذهب الزغبي أبعد من ذلك في حديث مع موقع "الحرة"، معتبراً أن الحزب لا يربط سلاحه بشروطه، بل بمصير الحوار الإيراني–الأميركي، ويقول "على ضوء نتائج هذا الحوار يتلقى التوجيه الإيراني بالموقف المناسب، وحتى ذلك الحين يسعى إلى كسب الوقت والمماطلة".

من جانبه يرى رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية، شارل جبور، أن "المشهد الإقليمي يشهد تغييرات جذرية تنعكس بشكل مباشر على وضع حزب الله في لبنان"، معتبراً أن الحزب أصبح أمام معادلة جديدة تفرض عليه التخلي عن سلاحه.

ويقول جبور لموقع "الحرة" إن "المسألة لم تعد مرتبطة بما يقوله حزب الله أو لا يقوله، بل بالواقع الإقليمي المتبدل كلياً"، موضحاً أن "الحزب خرج من الحرب الأخيرة مهزوماً، ووقّع اتفاقاً لوقف إطلاق النار ينص بوضوح على تفكيك بنيته العسكرية في كل لبنان، فيما انقطع طريق إمداده من إيران نتيجة سقوط نظام الأسد".

ويشير جبور إلى أن هذه التطورات تتزامن مع معطيات أخرى لا تقل أهمية، أبرزها "الإعلان الرسمي عن المفاوضات الإيرانية-الأميركية في سلطنة عمان، وتخلي الفصائل المدعومة من إيران في العراق عن مشروع السلاح، بالإضافة إلى إعلان طهران عدم مسؤوليتها عن الحوثيين في اليمن". واعتبر أن "هذه المؤشرات تؤكد أن إيران بدأت إرسال رسائل 'حسن نية' إلى واشنطن، تتماشى مع شروط الأخيرة الثلاثة: التخلي عن الأذرع العسكرية، الصواريخ الباليستية، والمشروع النووي".

والأربعاء، اعتبر رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان أن "ربط مسألة نزع السلاح بقضايا أخرى يُعدّ مخالفة واضحة لتعهدات لبنان، ونكون نُضيّع وقتنا إذا اعتقدنا أن الإصلاح ممكن من دون حصر السلاح بيد الدولة".

كما أضاف في مؤتمر صحافي من المجلس النيابي "سمعنا الوزير غسان سلامة يتحدث عن أن موضوع السلاح خارج الدولة يرتبط بمسألة إعادة الإعمار، ونقول لرئيس الحكومة نواف سلام إن المطلوب منه اليوم هو تدبير سريع بحق الوزير سلامة لأنه يخالف البيان الوزاري والقرارات الدولية، وإن لم يتم فنحن كتكتل الجمهورية القوية قد نطرح الثقة به".

حوار بلا جدوى؟

"نزع السلاح ليس في حاجة إلى الحوار الذي قرره رئيس الجمهورية جوزف عون مدعوماً من الرئيسين بري وسلام"، كما يرى الزغبي "لأن قرار تسليمه "نافذ على أصله" كما في الأحكام القضائية، ولا يتطلّب سوى تنفيذ الاتفاقات والتعهدات المكتوبة، لكن السلطة تبرر الحوار بتفادي الصدام واهتزاز السلم الأهلي كما تقول. وفي أي حال، على هذا الحوار ألّا يطرح مبدأ نزع السلاح، بل الآلية والجدول الزمني للتنفيذ لئلّا يغرق في متاهات تساعد الحزب في المماطلة إلى درجة التملّص من تسليم سلاحه".

ويضيف الزغبي "الواضح أن الرئاسة اللبنانية تطرح "إستراتيجية الأمن الوطني" الأشمل بحيث تكون "الاستراتيجية الدفاعية" جزءاً منها، خلافاً لما يريده حزب الله للاحتفاظ بسلاحه تحت حجة عجز الجيش اللبناني وضرورة بقاء "المقاومة" لمواجهة إسرائيل، كما أن هناك خلافاّ داخله بين فريق متشدد يريد الاستمرار في المواجهة العسكرية وفريق يطالب باستخلاص دروس الحرب والانضواء تحت لواء الدولة، الأمر الذي يضاعف تعقيد الحوار وإفشاله".

من جانبه يقول جبور، "حزب الله أصبح اليوم أمام واقع لا يمكن الانقلاب عليه، ويتوجب عليه أن يتأقلم مع المستجدات، ويتخلى عن مشروعه المسلح، ويسلّم سلاحه".

وفي هذا السياق، لفت جبور إلى أن "المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس وصفت حزب الله بـ'السرطان الذي يجب استئصاله'، بعد زيارتها الأخيرة إلى بيروت، كما أن السفارة الأميركية أعلنت في أعقاب الزيارة أن المحادثات تركزت على شقين أساسيين: سلاح حزب الله والإصلاحات، وأكدت أن لا مساعدات دولية للبنان ما لم يُسلّم الحزب سلاحه للدولة".

وفي السياق، رد رئيس الحكومة نواف سلام، من بكركي أمس الأربعاء، على سؤال حول الجدول الزمني لسحب سلاح حزب الله مؤكداً أن مسألة حصر السلاح بيد الدولة ستكون قريباً على جدول أعمال مجلس الوزراء، وقال "عندما طُرح هذا الموضوع في مجلس الوزراء، كان جوابي أننا سنطلب سريعاً من الوزراء المعنيين، ولا سيما وزير الدفاع، تزويدنا بتقرير حول ما التزمنا به في البيان الوزاري، وكيف يمكننا التقدم في بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية".

فرصة مؤقتة

يعيش لبنان في مرحلة "وقت ضائع"، كما يصفها جبور، "حيث كان يفترض أن تشهد البلاد انطلاقة جديدة مع عودة الانتظام الدستوري والمؤسساتي، وأن تستعاد الدورة الاقتصادية والمالية. لكن ذلك لم يتحقق، والسبب تمسّك حزب الله بسلاحه".

ويتابع جبور "لقد تبيّن أن هذا السلاح لم ينجح في حماية الحزب، لا خلال الحرب ولا بعدها. وحدها الدولة تمتلك القدرة على تأمين الحماية لجميع اللبنانيين، بما فيهم حزب الله".

ويختم جبور بالتأكيد على أن "موضوع سلاح حزب الله انتهى"، معتبراً أن "كلما تم تسريع احتكار الدولة للسلاح، كلما اقترب لبنان من استعادة عافيته، ومن قيام دولة فاعلة تستعيد سيادتها ودورتها الاقتصادية والمالية".

من جانبه يرى الزغبي أن لبنان "أمام فرصة محدودة في الزمن لتلبية رغبة المواطنين في الاستقرار وشروط المجتمع الدولي، ولا يملك ترف الوقت المفتوح لحوار تم تجربته سابقاً على الطاولات الجامعة وانتهى إلى الفشل".

ولذلك لا بد بحسب الزغبي "من برمجة الحوار ضمن مهلة محددة، وفي حال بلوغه طريقاً مسدوداً تستعيد الدولة مبادرة معالجة السلاح تنفيذاً لكل الوثائق التي تؤكد حصر السلاح في يد الدولة. وإذا تلكأت أو فشلت فإن خطر تجدد الحرب يصبح ماثلاً وتعود إسرائيل إلى تدمير ما تبقى من ترسانات "الحزب"، ويدفع لبنان أثماناً إضافية".