صورة تعبيرية لعناصر الأمن اللبناني
عناصر من الأمن اللبناني في العاصمة بيروت

بعد أيام على حادثة إطلاق النار بالقرب من مدخل السفارة الأميركية في منطقة عوكر في ضواحي العاصمة اللبنانية بيروت، أعلنت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي اللبناني، شعبة العلاقات العامة، توقيف مطلق النار في عملية نوعية لشعبة المعلومات.

وبحسب ما جاء في بيان قوى الأمن، أوقف المدعو م.خ (تولّد 1997/ لبناني) في محلة الكفاءات، وقد اعترف بقيامه بإطلاق النار على السفارة، وتم ضبط السلاح المستعمل في العمليّة، والتحقيق جار بإشراف القضاء المختص.

ومساء الأربعاء الماضي، وقع إطلاق النار على السفارة، وأفاد حينها المتحدث باسم السفارة جيك نيلسون أن "الحادث حصل عند الساعة 10:37 مساء بالتوقيت المحلي من دون أن تقع إصابات، ومنشأتنا آمنة (...) نحن على اتصال وثيق مع سلطات إنفاذ القانون في البلد المضيف".

وبعد الحادثة، استقبل رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، سفيرة الولايات المتحدة الأميركية دوروثي شيّا، حيث كرر إدانته للاعتداء الذي تعرضت له السفارة، مؤكدا أن الأجهزة الأمنية تُكثف تحقيقاتها لكشف ملابساته والضالعين فيه.

وبعد اللقاء عبرت شيّا في تصريح عن تقديرها لرسائل الدعم التي صدرت عن المسؤولين السياسيين في البلد بمن فيهم ميقاتي، "كما عن مختلف الفئات والأحزاب السياسية والشركاء الأمنيين الآخرين. هذا الدعم يعني لنا الكثير كسفارة أميركية".

وأضافت "نحن ندرك تماما أن السلطات تحقق في حادثة إطلاق رجل مسلح النار باتجاه السفارة، ونحن نقدر الالتزام الذي عبر عنه شركاؤنا الأمنيون والمسؤولون السياسيون في هذا البلد بأنهم لن يوفروا أي جهدٍ لجهة التحقيق في هذه الحادثة وملاحقة المرتكب ومحاسبته".

شيّا شددت على أنه "نحن في السفارة الأميركية لا نشعر بالخوف إثر هذه الحادثة فإجراءاتنا الأمنية متينة جدا وعلاقتنا صلبة ونحن نتابع عملنا في السفارة كالمعتاد".

علي

"أنا مين؟" سأل نفسه، عائدا، على حدود الوطن.

لم يجد جوابا.

منذ غادر لبنان، لم يكن الاسم وحده ما تغيّر.

علي، الشاب الشيعي المنتمي لحزب الله منذ الطفولة، لم يقرر أن يولد عليًّا، ولم يكن يتخيل يومًا أن يصير إيلي، يقول.

من الكشافة إلى القتال

في بيت فقير، في جنوب لبنان، وُلد علي يتيمًا بين عشرة.

أمه، بلا سند، لم تجد ملاذًا سوى في الحزب الذي يفرض حضوره على كل تفصيل في المجتمع: من المدرسة إلى المستشفى، من الطفولة إلى السلاح.

هناك، لم تكن الحياة مجرد حياة؛ بل عقيدة. "نحن على الحق"، يرددونها صباحًا ومساءً. ومنذ الطفولة، صارت البندقية جزءًا من المنهج.

في عمر العاشرة، انضم علي إلى "كشافة الإمام المهدي"، حيث يبدأ الغرس العقائدي والعسكري معًا. "دورة محو الأمية" لم تكن كما توحي تسميتها؛ بل تدريبًا أوليًا على حمل السلاح. في الثانية عشرة، كان الطفل الصغير يعرف كيف يفكك البندقية، وفي الثالثة عشرة، كان يفتخر باستشهاد أصدقاء في التدريبات.

يصف علي دورات القتال بأنها "مزج من العسكر والعقيدة"، لكن العقيدة كانت الغالبة دائمًا. يتعلم المنتسبون أنهم يدافعون عن "أمة، عن شرف، عن طائفة"، وأن كل ما هو خارج هذا المسار مشبوه، خطر، أو "كفر".

عالم بالألوان

لكن العالم ليس أبيض وأسود. في سن الثامنة عشرة، بدأت تظهر تصدعات الشك. تعرّف علي على أصدقاء خارج "الخط"، وبدأ يرى شيئًا مختلفًا: حياة أخرى، حوارات، ضحك، نساء، ملابس ملونة، وموسيقى. كلها ممنوعة.

في إحدى الليالي، عاد إلى البيت متأخرًا، فصفعته أمه بركوة قهوة. تلك الصفعة لم تكن مجرد غضب أم، بل لحظة صدع.

"هل هذا هو الحق؟"، تساءل لأول مرة.

ومن هذا السؤال، بدأ كل شيء يتغير.

الهروب من القدر

رفض علي دعوة الحزب للانضمام إلى دورة تؤهله ليصبح "متفرغًا". كان يعلم أن القبول بها يعني بلوغ نقطة اللاعودة. فقرر أن يغادر. هرب من عائلته، من أصدقائه، ومن اسمه.

سافر إلى تركيا، ومنها حاول عبور البحر إلى أوروبا على "قوارب الموت". غرق ثلاث مرات. في كل مرة، كان الموت قريبا وكان كأنه يولد من جديد. أعادته النجاة إلى السؤال الأصلي: من هو؟ وماذا يريد أن يكون؟

من علي إلى إيلي

بعد فشل محاولة اللجوء، عاد إلى لبنان. في مطار بيروت، وقف حائرًا: لا أهل، لا أصدقاء، ولا خط عودة إلى الحزب. دق باب صديق قديم، فأتاه الجواب:

"في عائلة بدها حدا يساعدها... بس في مشكلة: اسمك علي".

ضحك، وقال: "خليه إيلي".

هكذا بدأ فصلاً جديدًا من حياته، يعيش مع عائلة مسيحية، يذهب معهم إلى الكنيسة، يشاركهم التراتيل، ويشعر لأول مرة بأنه إنسان، فقط إنسان.

"أنا مين؟" يعيد السؤال، هذه المرة بثقة أكبر. لا يريد أن يكون تابعًا، ولا أن يُملى عليه ما هو الحق وما هو الباطل. "بدي أكون إنسان يقرر، يشوف، يعرف".

تغير الاسم، بقي السؤال، لكن صارت لديه حرية البحث عن إجابة.