لبنان- مسيرة- اعتداء
المسيرة نظمتها جمعيات ومنظمات ومؤسسات إعلامية وحقوقية | Source: Webscreenshot

استباحة جديدة للحريات شهدها لبنان، السبت، هذه المرة تمثلت بالاعتداء على "مسيرة الحريات" التي كان مخططاً لها الانطلاق من ساحة رياض الصلح وسط العاصمة بيروت باتجاه وزارة الداخلية، تحت عنوان "من أجل ضمانة كاملة لحرّياتنا وردّاً على الانتهاكات المتتالية".

المسيرة التي نظمتها جمعيات ومنظمات ومؤسسات إعلامية وحقوقية، تعرّضت لاعتداء من قبل شبّان كانوا يستقلون دراجات نارية انطلقوا في مسيرة مناهضة تحت شعار "اِحمِ عائلتك" حيث نادوا "بفرض القيم والأخلاق الصحيحة، ورفض الدفاع عن حقوق المثليين".

"ادعى المعتدون دعم المسيرة لحقوق المثليين، واتخذوا ذلك ذريعة لشيطنتها ومنعها من إكمال طريقها وتبرير الاعتداء على المشاركين فيها ومحاصرة بعضهم" كما تؤكد الباحثة والصحفية في مؤسسة سمير قصير، وداد جربوع، مشددة في حديث لموقع "الحرة" على أنه تم تسجيل "سقوط عدد من الجرحى من الناشطين وتجاوزات وانتهاكات بحق الطواقم الإعلامية من صحفيين ومصورين سواء من قبل الرافضين للمسيرة أو من قبل العناصر الأمنية التي عرقلت عملهم".

الهدف الأساسي من المسيرة بحسب جربوع "الوقوف في وجه قمع الحريات، ورفض الملاحقات والدعاوى والاستدعاء بحق أصحاب الرأي، والتشديد على ضرورة الالتزام بالدستور اللبناني الذي يكفل حرية الرأي والتعبير، وكذلك الالتزام بالتشريعات والقوانين الدولية"، مطالبة الأجهزة الأمنية "بحماية الطواقم الصحفية والإعلامية ومحاسبة المعتدين".

بعد ارتفاع أصوات التهديد والوعيد، وحفاظاً على سلامة المشاركين والمشاركات في المسيرة، فضلت المجموعات المنظمة لها الاكتفاء باعتصام وسط العاصمة بيروت، مع تعهدها "باستمرار النضال دفاعاً عن الحريات العامة والخاصة" بحسب ما جاء في بيان تلته الناشطة النسوية، الصحفية حياة مرشاد، وذلك "حفاظاً على حق الأفراد والمجموعات بالتعبير عن آرائهم وأفكارهم وممارسة قناعاتهم كي يبقى لبنان وطن الحريات، ووطن للجميع من دون استثناء، بمعزل عن اختلافهم الفكري والثقافي والاجتماعي والعقائدي".

ويشهد لبنان في الآونة الأخيرة "قمعاً ممنهجاً وغير مسبوق لحرية الرأي والتعبير من قبل السلطة" بحسب البيان حيث "تزايدت استدعاءات التحقيق بجرائم القدح والذم والتحقير بوجه الناشطين والصحفيين، على خلفية منشورات تسلط الضوء على فساد المنظومة الحاكمة وتطالب بالمساءلة أو بسبب محتوى ينتقد السلطات الدينية والسياسية والأمنية، ولم يسلم الفن والثقافة والعلم من رهاب التنوع الفكري، وأبدعت النيابة العامة بملاحقة الأساتذة والفنانين والمسرحيين والكوميديين فخفت المسرح والسينما".


هذا الاعتداء لم يكن مستغرباً بحسب جربوع "وذلك بعد التحريض الذي تصاعد في الفترة الأخيرة ضد كل من يدافع عن الحريات وعن الفئات المهمّشة في المجتمع ومن ضمنها أفراد مجتمع الميم عين، وبالتالي خطاب الكراهية هو السبب والمحرك الأساسي لما شهدناها اليوم".

وأكد المنظمون تمسّكهم بأعلى درجات التعبير والتظاهر وإنشاء الجمعيات والتحرك، "فهذا الحق الطبيعي مرتبط بحقنا بالكرامة الإنسانية".

أدخلت مكافحة الشغب آلياتها إلى ساحة رياض الصلح، "وعملت على جمع المتظاهرات/ين في "مسيرة الحريات" في الآليات لإخراجهن/م من الساحة بعد محاصرتهن/م من قبل العصابات المتفلتة" بحسب ما ذكرت منظمة "شريكة ولكن" التي حمّلت في منشور عبر صفحتها على موقع "إكس"، "مسؤولية ما حصل، وما لا يُستبعد أن يصبح نمطاً خطيراً لتهديد الحريات والأرواح على حد سواء، لكل من شارك بخطابات التحريضية، وحضّ على العنف والتمييز والكراهية" مشددة على أن "وزير الداخلية بسام المولوي، يتحمّل مسؤولية مباشرة لدوره الأساسي في تجييش العصابات وتحريضها ضد المواطنات/ين".

التعرض للحريات هو "الطلقة الأخيرة لهذه السلطة" بحسب البيان، ولهذا السبب حذّر المنظمون من الاستمرار باستخدام أساليب القمع والتعرض للحريات العامة والخاصة مطالبين بتطبيق أحكام الدستور وتعزيز النصوص الضامنة للحريات فوراً وإلغاء النصوص التي تجرم التحقير والتشهير والتجمع السلمي.

حرية الرأي والتعبير تشكل أبرز ركائز الدولة ديمقراطية، كما جاء في البيان "وأصوات الناس واحتياجاتهم هي البوصلة، والحريات هي ميزة لبنان، وكلنا مدعوون للحفاظ على هذه الميزة وهذا الأمر لا مساومة عليه".

علي

"أنا مين؟" سأل نفسه، عائدا، على حدود الوطن.

لم يجد جوابا.

منذ غادر لبنان، لم يكن الاسم وحده ما تغيّر.

علي، الشاب الشيعي المنتمي لحزب الله منذ الطفولة، لم يقرر أن يولد عليًّا، ولم يكن يتخيل يومًا أن يصير إيلي، يقول.

من الكشافة إلى القتال

في بيت فقير، في جنوب لبنان، وُلد علي يتيمًا بين عشرة.

أمه، بلا سند، لم تجد ملاذًا سوى في الحزب الذي يفرض حضوره على كل تفصيل في المجتمع: من المدرسة إلى المستشفى، من الطفولة إلى السلاح.

هناك، لم تكن الحياة مجرد حياة؛ بل عقيدة. "نحن على الحق"، يرددونها صباحًا ومساءً. ومنذ الطفولة، صارت البندقية جزءًا من المنهج.

في عمر العاشرة، انضم علي إلى "كشافة الإمام المهدي"، حيث يبدأ الغرس العقائدي والعسكري معًا. "دورة محو الأمية" لم تكن كما توحي تسميتها؛ بل تدريبًا أوليًا على حمل السلاح. في الثانية عشرة، كان الطفل الصغير يعرف كيف يفكك البندقية، وفي الثالثة عشرة، كان يفتخر باستشهاد أصدقاء في التدريبات.

يصف علي دورات القتال بأنها "مزج من العسكر والعقيدة"، لكن العقيدة كانت الغالبة دائمًا. يتعلم المنتسبون أنهم يدافعون عن "أمة، عن شرف، عن طائفة"، وأن كل ما هو خارج هذا المسار مشبوه، خطر، أو "كفر".

عالم بالألوان

لكن العالم ليس أبيض وأسود. في سن الثامنة عشرة، بدأت تظهر تصدعات الشك. تعرّف علي على أصدقاء خارج "الخط"، وبدأ يرى شيئًا مختلفًا: حياة أخرى، حوارات، ضحك، نساء، ملابس ملونة، وموسيقى. كلها ممنوعة.

في إحدى الليالي، عاد إلى البيت متأخرًا، فصفعته أمه بركوة قهوة. تلك الصفعة لم تكن مجرد غضب أم، بل لحظة صدع.

"هل هذا هو الحق؟"، تساءل لأول مرة.

ومن هذا السؤال، بدأ كل شيء يتغير.

الهروب من القدر

رفض علي دعوة الحزب للانضمام إلى دورة تؤهله ليصبح "متفرغًا". كان يعلم أن القبول بها يعني بلوغ نقطة اللاعودة. فقرر أن يغادر. هرب من عائلته، من أصدقائه، ومن اسمه.

سافر إلى تركيا، ومنها حاول عبور البحر إلى أوروبا على "قوارب الموت". غرق ثلاث مرات. في كل مرة، كان الموت قريبا وكان كأنه يولد من جديد. أعادته النجاة إلى السؤال الأصلي: من هو؟ وماذا يريد أن يكون؟

من علي إلى إيلي

بعد فشل محاولة اللجوء، عاد إلى لبنان. في مطار بيروت، وقف حائرًا: لا أهل، لا أصدقاء، ولا خط عودة إلى الحزب. دق باب صديق قديم، فأتاه الجواب:

"في عائلة بدها حدا يساعدها... بس في مشكلة: اسمك علي".

ضحك، وقال: "خليه إيلي".

هكذا بدأ فصلاً جديدًا من حياته، يعيش مع عائلة مسيحية، يذهب معهم إلى الكنيسة، يشاركهم التراتيل، ويشعر لأول مرة بأنه إنسان، فقط إنسان.

"أنا مين؟" يعيد السؤال، هذه المرة بثقة أكبر. لا يريد أن يكون تابعًا، ولا أن يُملى عليه ما هو الحق وما هو الباطل. "بدي أكون إنسان يقرر، يشوف، يعرف".

تغير الاسم، بقي السؤال، لكن صارت لديه حرية البحث عن إجابة.