شرطة بلدية الغبيري تغلق محلا في سوق سويدان
شرطة بلدية الغبيري تغلق محلا في سوق سويدان

حملات تضييق الخناق على اللاجئين السوريين في لبنان مستمرة، وتتخذ منحى تصاعديا مع فرض بعض البلديات إجراءات تمييزية ضدهم، مما زاد من حالة القلق التي يعيشونها منذ إعلان الحكومة اللبنانية أنه "غير مرحّب بهم، وعليهم العودة إلى بلدهم".

من حظر تجولهم إلى تقييد قدرتهم على استئجار منازل، وإجبارهم على تزويد البلديات ببياناتهم الشخصية، والتهديد بترحيلهم، وغيرها من الإجراءات التي تطال اللاجئين السوريين في الفترة الأخيرة، يترافق ذلك مع خطاب كراهية مستعر ضدهم من قبل مسؤولين لبنانيين ووسائل إعلامية.

ويتضمن ذلك بث شائعات لإثارة الرعب منهم، كتسلل "عناصر وأمراء من داعش" عبر معابر غير شرعية إلى الأراضي اللبنانية، إضافة إلى مداهمة الجيش اللبناني لمخيماتهم، مما زاد من معاناتهم والتحديات التي تواجههم في حياتهم اليومية.

إعادة بلديات لبنانية تصعيد إجراءاتها ضد السوريين، يأتي في إطار تطبيق القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء اللبناني الشهر الماضي، وعلى رأسها الطلب من وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال، بسام مولوي، "التعميم على البلديات وجوب الإفادة الفورية عن أي تحركات وتجمعات مشبوهة تتعلق بالنازحين السوريين".

وكذلك "إجراء مسح فوري للنازحين السوريين القاطنين في النطاق البلدي وتكوين قاعدة بيانات عنهم، وإزالة التعديات والمخالفات كافة عن البُنى التحتية الموجودة في أماكن إقامتهم، والتشدّد في تطبيق قانون السير".

كما طلب مجلس الوزراء من مولوي "تعميم التشدد في قمع المخالفات المتعلقة بالمحلات التي تستثمر ضمن النطاق البلدي من قبل سوريين من دون حيازة التراخيص اللازمة والعمل على إقفالها فوراً، وإحالة المخالفين على القضاء المختص، والطلب من الجمعيات كافة، لا سيما الأجنبية منها، وجوب التنسيق مع الوزارات والإدارات والأجهزة العسكرية والأمنية تحت طائلة سحب العلم والخبر منها، بناء على تقارير ترفع لهذه الغاية من قبل الإدارات والأجهزة المعنية، لاسيما من قبل المديرية العامة للأمن العام".

بلديات "تفوّقت بالقمع"

وتتشدد السلطات اللبنانية أكثر فأكثر في التعامل مع ملف اللاجئين السوريين، إلى درجة اعتبار أكثر من مسؤول أن وجودهم أصبح يشكل "خطراً وجودياً" على لبنان.

وقبل أيام، اعتبر مولوي أن "النزوح السوري لم يعد يُحتمل، وهو يهدد ديمغرافية لبنان وهويته"، مثنياً خلال رعايته أعمال مجلس الشؤون البلدية والاختيارية المركزي في قصر اليونيسكو في بيروت، على عمل ودور العديد من البلديات، لا سيما بيروت وطرابلس وسن الفيل والغبيري والدكوانة.

إثناء مولوي على هذه البلديات جاء كونها "كانت سبّاقة في ضبط وجود النازحين السوريين وتطبيق القانون"، لافتاً إلى أن "مشكلة النزوح كبيرة وشائكة، ويجب أن نتعامل معها من منطلق حرصنا على وجود ومصلحة لبنان وبالقانون".

لاجئون سوريون
"تهديد وجودي".. هل دعا قائد الجيش اللبناني إلى قتل السوريين فعلا؟
تداولت وسائل اعلام لبنانية كلاماً خطيراً نسب إلى قائد الجيش اللبناني، العماد جوزيف عون، خلال اجتماع تشاوري للحكومة حول "ملف النزوح السوري إلى لبنان"، عقد في السراي الحكومي قبل ظهر الاثنين الماضي، حيث نقل عنه قوله إن "تهريب السوريين عبر الحدود بات تهديداً وجودياً، وقد نضطر إلى الاشتباك معهم، أو أن نقول للجيش تحركشوا فيهم ليعتدوا عليكم، ليكون لدينا عذر بأن نَقتُل بالقانون".

ودعا مولوي إلى "إزالة المخالفات في كل البلديات والاتحادات، وإلى حماية الأملاك العامة والمشاعات الخاصة بالدولة اللبنانية التي هي حق كل مواطن"، لافتاً إلى أن "البلديات تعوض تقصير الدولة في الأزمات".

من البلديات التي أشاد بها مولوي، بلدية بيروت، التي أطلقت حملة لإزالة كافة أشكال المخالفات والتعديات على الأملاك العامة، وتم تسيير دوريات في شوارع العاصمة على مدار الساعة، تنفيذاً لقرار المحافظ القاضي مروان عبود، حيث يجري العمل على قمع الدراجات النارية غير القانونية، وضبط الأشخاص المخلّين بالقانون، وتسليمهم مع المضبوطات إلى المراجع المختصة.

كما كان لبلدية الدكوانة (قضاء المتن في محافظة جبل لبنان) التي تعرف بتشددها منذ سنوات تجاه السوريين، نصيبها من ثناء مولوي، فسبق أن شنّت حملة إقفال المحلات التي يشغلونها، معلنة "رفضها القاطع السماح للأجانب باستئجار المحلات التجارية في أي سوق من أسواقها".

كما أكدت على "عدم السماح بإدارة المحلات ذات الصناعات الخفيفة، التي تؤثر سلباً على التاجر اللبناني والصناعي، من حيث المضاربة غير المشروعة ونوعية البضائع".

وفي حديث مع موقع "الحرة"، أكد رئيس بلدية الدكوانة، المحامي أنطوان شختورة، أنه "يطبّق قرارات وتعاميم الحكومة، ووزيري الصناعة والداخلية ووزيري العمل سابقاً".

وقال: "البعض يتهمني بالعنصرية رغم أني أتصرف وفقاً للقانون وكرئيس بلدية حقوقي، وإن كان رأي الشخصي حول النزوح السوري أنه أصبح عبئا على البنى التحتية والاقتصاد اللبناني، بالتالي أؤيد عودتهم إلى بلدهم".

وكان وزير الصناعة جورج بوشكيان، قد حذّر المصانع العاملة على الأراضي اللبنانية، من "استخدام عمّال سوريين لا يحوزون أوراقاً وتراخيص قانونية، وذلك تحت طائلة وقف عمل تلك المصانع وسحب تراخيصها".

ويقدر عدد السوريين في منطقة الدكوانة، حسب شختورة، "بحوالي 1500 لاجئ، ومن الإجراءات التي اتخذتها البلدية لضبط تواجدهم، منع تأجير مسكن لمن لا يملك أوراق ثبوتية قانونية، ومنعهم من فتح مؤسسات من دون حيازة التراخيص القانونية".

حملات متواصلة

حظيت بلدية الغبيري (في الضاحية الجنوبية لبيروت) كذلك بإشادة وزير الداخلية. وكانت أعلنت في الـ29 من سبتمبر الماضي، مباشرة شرطتها "إجراءات الكشف على كافة المحال والمؤسسات والشركات وورش المهن الحرة التي يديرها نازحون سوريون في نطاقها البلدي، للتثبت من حيازتهم التراخيص القانونية وفي حال وجود مخالفات تم العمل على إقفالها فوراً".

وأوضحت في بيان أن "هذه الحملة ستستمر يومياً، إضافة إلى الإجراءات الخاصة بمنع الأجانب من قيادة الآليات دون تسجيل أو رخصة قيادة أو أوراق ثبوتية".

وعبر صفحته على منصة "إكس"، أعلن رئيس بلدية الغبيري، معن خليل، "بدء إقفال سوق سويدان الذي يضم أكثر من 50 محلاً تجارياً، ومطاعم معظمها مؤجرة لأجانب، أو يعمل فيه عمال أجانب خلافاً للقانون".

وفي تغريدة أخرى، أعلنت المؤسسات التربوية الواقعة ضمن نطاق البلدية، "مسح أوضاع الطلاب الأجانب المسجلين في مدارسها لناحية استيفاء ذويهم الشروط القانونية للإقامة على الأراضي اللبنانية".

وفي حديث مع موقع "الحرة" أكّد خليل، أنه "يطبق تعاليم وتعاميم الحكومة ووزير الداخلية".

وأضاف: "البلدية سلطة محلية، بالتالي تدخل هذه الإجراءات ضمن مهامها، مع العلم أنه منذ فترة طويلة نضبط المخالفات من دون أن تسلّط وسائل الإعلام الضوء على ذلك. إجراءاتنا بعيدة عن العنصرية، ونشكل يومياً فرقاً إضافية لضبط كل التجاوزات".

ويقدّر عدد اللاجئين السوريين في منطقة الغبيري، كما يقول خليل، "بـ50 ألف سوري"، ويشير إلى أن "النازحين يشكلون ضغطاً اقتصادياً واجتماعياً على كل لبنان وليس فقط منطقتنا".

وتابع :"تسببوا بارتفاع بدلات الإيجارات، وعدم عثور اللبناني الفقير على غرفة لاستئجارها، إضافة إلى ارتفاع الكلفة التشغيلية لمصالح اللبنانيين الذين يدفعون الضرائب على عكس تلك التي تعود للسوريين، مما شكّل عنصر منافسة قوي، وأدى إلى توقف جزء من المصالح اللبنانية".

اللافت هو انضمام "حزب الله" إلى "نادي" المطالبين بعودة اللاجئين إلى سوريا.

والإثنين، دعا أمين عام الحزب، حسن نصر الله، إلى "وضع استراتيجية وطنية شاملة لمعالجة هذا الملف"، مهددا بـ"تسهيل ترحيل السوريين عبر البحر إلى أوروبا".

وقبل أيام، أكّد مسؤول ملف النازحين في "حزب الله"، النائب السابق نوّار الساحلي، أن "ما بين 40 إلى 45 بالمئة ممن يقطنون في لبنان، هم من الجنسية السورية، وهذا أمر غير موجود في أي بلد في العالم".

وفي حديث إذاعي، اعتبر الساحلي أن "النزوح بات يؤثر على الوضع الاقتصادي وفرص العمل"، قائلاً: "للمرة الأولى في تاريخ لبنان، يتفق الفرقاء اللبنانيون على حقيقة خطر النزوح السوري على لبنان؛ لأن الجميع أصبح يشعر به"، معتبراً أنّ "الحلّ يكون ببدء عودة العائلات السورية إلى بلدها".

كما كان لطرابلس في شمال لبنان حصة من ثناء مولوي، وقد سبق أن أصدر محافظ لبنان الشمالي، القاضي رمزي نهرا، في أبريل الماضي، تعميما متعلقاً بتنظيم العمالة الأجنبية في محافظة الشمال "حفاظاً على السلامة والأمن العام".

وقبل أيام أصدر تعميما آخراً لـ "تنظيم وجود النازحين السوريين ومكافحة عمليات التسلُّل غير الشرعي للأراضي اللبنانية"، حيث طلب من كافة القائمقام التعميم على البلديات الواقعة ضمن نطاق محافظة لبنان الشمالي، اتخاذ إجراءات حددها في تعميمه من شأنها تضييق الخناق أكثر على اللاجئين.

شائعات.. "إرهابية"

بعد أن أثار في مارس الماضي زوبعة من الردود على تصريحه حول راتبه الذي "بات أقل مما يتقاضاه النازح السوري"، يستمر محافظ بعلبك، الهرمل بشير خضر، بحملته على اللاجئين.

وقبل أيام، أعلن أن "عددهم في المحافظة بلغ 315 ألف سوري، وهو يفوق عدد اللبنانيّين القاطنين فيها، البالغ حوالي 250 ألفاً".

وفي حديث مع موقع "الحرة"، أرجع خضر ارتفاع عدد اللاجئين في محافظة بعلبك الهرمل إلى "ارتفاع عدد الولادات والزواج المبكر وتعدد الزوجات لديهم"، لافتاً إلى أن "أعداد النازحين الذي عادوا إلى سوريا قليلة جداً مقارنة بالأعداد التي دخلت إلى لبنان، كما أن أعمار نصف السوريين تقريباً في المحافظة دون الـ 15 سنة".

وشدد خضر على أنه "ينفّذ القرارات الصادرة عن وزارة الداخلية، في حين تواجه بعض البلديات عوائق لضبط الوضع وإحصاء عدد النازحين، عدا عن أن بعض رؤساء البلديات يتراخون بتطبيق القانون".

ومن الإجراءات التي اتخذها خضر كما يقول، "إيقاف عمل جميع الأطباء والممرضين والصيادلة السوريين في المستشفيات والمراكز الصحية اللبنانية في المحافظة، كون ذلك ممنوع قانوناً، وتشديد الرقابة على نشاط الجمعيات، باستثناء اليونيسف ومفوضية اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي، حيث بات يمنع على أي جمعية الدخول إلى مخيمات اللاجئين من دون إذنه، ولا تعطى الموافقة على أي مشروع تريد القيام به إذا لم يلحظ اللبنانيين".

وبعد تداول إشاعة "دخول عناصر وأمراء من داعش إلى لبنان"، أوردت إحدى الصحف المحلية أن تقريراً أمنياً يشير إلى وجود "مخطّط إرهابي لدى جماعات أصولية إرهابية لتفجير أعمدة قلعة بعلبك".

وعلّق خضر على ذلك، بالقول: "هذا الخبر عار من الصحة وغير ممكن تقنياً، فتفجير هذه الأعمدة يحتاج إلى خبير متفجرات وكمية كبيرة منها وتمضية ساعات طويلة لزرعها أسفل قواعد الأعمدة، والسبب وراء هذه الاشاعة هو النجاح المدوّي للموسم السياحي في بعلبك هذا العام، والأعداد الكبيرة للسياح، لا سيما الأجانب منهم".

ورغم إجماع غالبية المسؤولين اللبنانيين على ضرورة عودة اللاجئين إلى وطنهم، فإن هذا الملف يشكّل انقساماً حاداً بين بعضهم، لاسيما بين وزير المهجرين عصام شرف الدين، ووزير الخارجية عبد الله بو حبيب.

وقبل يومين، شهد برنامج على قناة محلية سجالاً حاداً بينهما، حيث طلب بو حبيب من شرف الدين "تخفيف الحكي، لأنه لن يستطيع فعل شيء في هذا الملف"، ليرد شرف الدين عليه بالقول: "لا يعنيني ما يقول هذا الرجل. وأقدر عمره"، قبل أن يتطاول عليه بالكلمات.

"تمييز وعنصرية"

سبق أن وجّه وزير الداخلية والبلديات القاضي، مولوي، في مايو الماضي، كتاباً إلى المحافظين، ومن خلالهم إلى القائمقامين والبلديات والمخاتير في القرى التي لا توجد فيها بلديات، والتي يتواجد فيها لاجئون سوريون؛ لـ"إطلاق حملة مسح وطنية لتعداد وتسجيل كافة النازحين السوريين المقيمين ضمن نطاقها".

وطلب من المخاتير "عدم تنظيم أي معاملة أو إفادة لأي نازح سوري قبل ضم ما يُثبت تسجيله، وغيرها من الإجراءات". كذلك وجّه كتاباً إلى وزارة العدل للتعميم على كافة كتاب العدل "بعدم تحرير أي مستند أو عقد لأي نازح سوري دون بيان وثيقة تثبت تسجيله في البلدية".

الأزمة الاقتصادية في لبنان ضاعفت متاعب اللاجئين
"فورا وقسرا".. نائب لبناني يثير ضجة بمقترح قانون لترحيل اللاجئين
انضم النائب اللبناني، إلياس جرادة، إلى الأصوات المطالبة بترحيل اللاجئين السوريين، حيث قدم مقترح قانون وصفه معارضون بـ "العنصري والتحريضي والمفاجئ"، من نائب تغييري "كان يعوّل عليه بمقاربة الملفات" بطريقة مختلفة عن السلطة السياسية المتجذرة منذ عشرات السنين.

كما توجّه إلى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، آملا التجاوب بإقفال ملفات "الذين يعودون إلى بلادهم طوعاً وإخطار مفوضية الأمم المتحدة بذلك، وعدم إعادة فتح ملفاتهم، حتى لو عاودوا الدخول إلى لبنان، وإفهام النازحين السوريين أن ورقة اللجوء لا تعتبر إقامة، وتزويد المديرية العامة للأمن العام بداتا (معلومات) مفصلة عنهم".

وخلال لقائه مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، الإثنين، اعتبر مولوي أن معضلة النزوح السوري "ينبغي أن تحل بطريقة علمية ومنطقية وبالمتابعة والمثابرة بدءاً بالسياسة، ولاحقاً بكل الإجراءات الإدارية والأمنية التي تنفّذ على الأرض، وهذا ليس موضوعاً للمزايدة".

قرارات الحكومة ووزير الداخلية اللبنانية دليل جديد، كما يرى مدير المركز اللبناني لحقوق الإنسان، وديع الأسمر، على "تهرّب المسؤولين اللبنانيين من مسؤوليتهم".

وقال: "بدلاً من تعريف اللاجئ ووضع آلية جدّية لإدارة ملف اللجوء، يتم تحميل المسؤولية تارة إلى الأمم المتحدة ومنظماتها، وتارة أخرى إلى المجتمع الدولي، وحالياً تم رمي المسؤولية على البلديات، مما فتح باباً لإشكاليات وتجاوزات غير قانونية".

وشرح الأسمر في حديث لموقع "الحرة"، أن "القانون اللبناني يحدد شروط لقيادة الآليات، يجب تطبيقها على اللبنانيين والأجانب وليس فقط على السوريين، كذلك الأمر فيما يتعلق بالمحال التجارية، لا أن يتم التمييز بناء على العرق، مما يجعل من هذه القرارات عنصرية، كما أن الدخول إلى منازل اللاجئين عنوة بذريعة تطبيق القانون أمر مخالف للقانون".

وأضاف: "للأسف يتعرض العديد من اللاجئين للانتهاكات بسبب سوريين يقيمون في لبنان بصورة غير قانونية، وبرضى السلطات اللبنانية المرتهنة للنظام السوري، والتي لا تجرؤ على منعهم من الخروج والدخول إلى لبنان متى أرادوا ذلك".

مصير مرهون

يساهم خطاب وإجراءات التحريض ضد اللاجئين في إثارة مشاعر العداء ضدهم، وتحميل المقيمين منهم في بلدة ما وزر ما يقوم به أحدهم.

مثال على ذلك ما حصل قبل أيام في برجا -إقليم الخروب، بعد اتهام لاجئ سوري بالتحرش بطفل، حيث طالب أهالي البلدة، البلدية ومخاتيرها "العمل سريعاً على تنظيم وجود الغرباء خصوصاً النازحين السوريين، مؤكدين على وجوب التشدّد في الإجراءات التي تحفظ أبناء البلدة ومصلحتهم وتحمي أبناءهم".

ومما دعا إليه الأهالي في بيان "منع تجول النازحين السوريين بعد الساعة السادسة مساءً إلا بتصريح من البلدية، وملاحقة كل سوري يفتح متجراً، وقمع القيادة العشوائية للدراجات النارية وغيرها".

ومنذ أعوام يتعرض اللاجئون السوريون في لبنان، بحسب المرصد "الأورومتوسطي"، إلى "ممارسات تمييزية وعنصرية، عدا عن القوانين التي تحد من قدرتهم على التمتع بحقوقهم الأساسية، لا سيما الحق في الصحة والعمل، إضافة إلى تعرّضهم لعدد كبير من الاعتداءات التي تسبّبت بمقتل عدد منهم وإحراق بعض المخيمات، والتي تكون غالباً مدفوعة بخطابات كراهية وتحريض".

"الهدف من القرارات التي تتخذها السلطات اللبنانية لإغلاق كل سبل العيش أمام اللاجئين السوريين، وادعاءات دخول مسلحين سوريين تابعين لتنظيم داعش عبر معابر غير شرعية وغيرها من الأكاذيب" كما يقول مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، هو "تضييق الخناق عليهم لدفعهم إلى العودة إلى حضن النظام السوري، ولا علاقة لانتشار الجريمة وانهيار الاقتصاد اللبناني بذلك".

وسيبقى مصير اللاجئين السوريين "الذين يواجهون عنصرية متزايدة في لبنان وتركيا" مرهوناً بحسب ما يقول عبد الرحمن لموقع "الحرة"، بـ"الحل السياسي في سوريا، في وقت تعجز الدول الأوروبية عن استيعاب عددهم، فقد تستقبل المئات والآلاف منهم لكن قطعاً ليس الملايين".

صورة عامة للعاصمة اللبنانية بيروت تظهر مقر البرلمان
قانون موازنة العام الحالي اللبناني أقر الزيادة على رسوم الطوابع المالية

رفع مخاتير لبنانيون أختامهم احتجاجاً على رفع تعرفة الطوابع المالية لمعاملات الأحوال الشخصية والتي ضُربت بعشرين ضعفاً في إطار مشروع موازنة عام 2024، مطالبين السلطة بالتراجع عن قرارها ومهددين بالتصعيد إذا لم يلق مطلبهم آذاناً صاغية.

وأقرت المادة 66 من قانون موازنة العام الحالي الزيادة على رسوم الطوابع المالية، ما انعكس على تعرفة الحصول على وثائق رسمية عدة، لاسيما إخراج القيد الذي يستخدم في العديد من المعاملات الرسمية والشخصية، منها استخراج جواز سفر أو تجديده، وتسجيل عقود الزواج والطلاق والمواليد، ومعاملات الإرث، والحصول على رخصة قيادة، والتسجيل في المدارس والجامعات، والتقديم لوظائف حكومية أو خاصة.

"في زمن الإفلاس، تبحث حكومة تصريف الأعمال عن أي مخرج، حتى لو كان من ورق قديم، ففي وقت تعتمد فيه معظم الدول على المكننة في معاملاتها الرسمية، يستمر الطابع المالي في لبنان كرمز للفساد، والبيروقراطية، والضرائب التي لا تنتهي" كما يقول رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار ببنين، زاهر الكسار.

والمضحك المبكي كما يقول الكسار لموقع "الحرة" إنه "تم رفع تعرفة هذه الطوابع على الرغم من أنها مفقودة من الأسواق، حتى ظهر سوق سوداء يوفرها بأضعاف سعرها، ما دفع وزارة المالية، في يونيو الماضي، إلى إصدار تعميم يتيح استيفاء قيمتها في مراكز التحويل المالي في لبنان، ليصبح الوصل بمكانة الطابع الورقيّ، وفوق هذا كنا نجبر على دفع 50 ألفاً ليرة بدلاً من 28 ألفاً ثمن طوابع إخراج القيد".

ومع إقرار موازنة العام الحالي، تخطى بدل إخراج القيد المليون ليرة، كما يقول مختار الأشرفية، إيلي صباغة في حديث لموقع "الحرة" شارحاً "في السابق كانت كلفة إخراج القيد 200,000 ليرة وربحنا كذلك، أي أن المواطن كان يدفع 400,000 للحصول عليه، أما الآن أصبح يتوجب عليه دفع 1,200,000 ليرة، وذلك بسبب رفع ثمن الطوابع الذي ندفعه في مراكز التحويل المالي إلى 600,000 ليرة، إضافة إلى 50,000 ليرة طابع مختار، وعلى الرغم من ارتفاع المبلغ الذي نحصل عليه، إلا أن ربحنا تراجع إذا ما تم احتسابه بالدولار الأميركي".

"جريمة موصوفة"

يصف الكسار قانون موازنة العام الحالي بالجريمة بحق المواطنين "الذين يعاني 90 في المئة منهم من الفقر، فمن كان قبل الأزمة الاقتصادية ينتمي إلى الطبقة الوسطى أو الميسورة، حُجزت ودائعه في المصارف، في وقت فقدت رواتب الموظفين والعمال في القطاعين العام والخاص قيمتها، حتى بات اللبناني عاجزاً عن تأمين أبسط متطلبات الحياة من طعام وشراب وأقساط مدرسية وأدوية واستشفاء".

ويضيف وصل الوضع إلى مرحلة "أصبح فيها اللبناني يحتفل إذا ما حصل على قارورة غاز أو غالون من المحروقات، ويحتار بين إطعام أولاده وشراء علبة دواء. نسي الرفاهية ورضخ للعيش من دون كهرباء وتدفئة ولشرب المياه الملوثة وللموت وهو على قيد الحياة، كل هذا والمسؤولون لا يرحمونه، بل يخنقونه أكثر فأكثر بحبل الضرائب والرسوم."

ويشدد رئيس رابطة مخاتير عكار على أنه "كان الأجدى بالمسؤولين العمل على توفير الطوابع في الأسواق، ومراعاة ظروف الناس الذين يعيشون ويلات الأزمة الاقتصادية، والتركيز على إصلاحات جوهرية تعالج الأزمات من جذورها، لا أن يغدقوا علينا مزيداً من الضرائب".

من جانبه يؤكد مختار الهرمل، مساعد صقر أن "في مالية الهرمل طوابع بملياري ليرة حين كان سعر صرف الدولار 1500 ليرة، إلا أنه بسبب إضراب الموظفين تارة والتحجج بتعطّل السيستم تارة أخرى، لم يتم بيعها لطالبيها، ما اضطر المواطنين والمخاتير إلى شرائها من السوق السوداء بسعر 50,000 ليرة لطابع الألف ليرة".

ويتساءل صقر في حديث مع موقع "الحرة" "لماذا يستحصل المواطن على بطاقة هوية إن كانت المعاملات الرسمية تتطلب إخراج قيد، فحتى لو كانت هذه البطاقة صادرة حديثاً إلا أنه لا يؤخذ بها في المعاملات الرسمية".

أما صباغة فيشدد على أن رفع رسوم الطوابع يزيد الطين بلّة، وفوق هذا لم تصدر وزارة الداخلية إلى حد الآن أي آلية للإجراءات التي يجب اتباعها لإصدار المعاملات في ظل عدم وجود طوابع مناسبة"، إذ بحسب القانون الجديد يجب كما يقول الكسار "لصق 40 طابعاً من فئة العشرة آلاف ليرة، أو 400 طابعاً من فئة الألف ليرة، على وثيقة اخراج القيد الفردي، فأي منطق هذاً".

صرخة مدوية

رفض المخاتير الرسوم الجديدة التي تثقل كاهل المواطنين، وامتنع بعضهم عن إنجاز أي معاملة قبل إعادة النظر في الزيادة المجحفة، فتعذّر إنجاز المعاملات الرسمية في بعض المدن والقرى، وأعاق حياة المواطنين اليومية وزاد من معاناتهم.

وترجم غضب المخاتير اعتصامات في معظم المناطق اللبنانية، ففي شمال لبنان أكدت رابطة مختاري عكار أن المخاتير لن يضعوا أختامهم على أي معاملة ما لم يتم التراجع عن هذه الضرائب، مهددة بتصعيد تحركاتها السلمية على مستوى مخاتير كل لبنان.

كما أعلنت رابطة مختاري الضنية الإضراب والتوقف عن العمل لمدة أسبوع حتى تبلور الأمور، وذلك بعد الاجتماع الطارئ الذي عقدته عقب الاعتصام الذي نفذته أمام مركز قلم نفوس سير في مبنى القائمقامية.

ورأى مخاتير منطقة المنية الإدارية خلال وقفة احتجاجية أن "الرسوم الجديدة جائرة وظالمة"، وسألوا "كيف سيتم تنفيذ القانون الجديد والطوابع المالية الجديدة غير متوافرة بعد؟"، مطالبين المسؤولين بأن "تتوافر الطوابع في الدوائر المالية لا أن تبقى أسيرة بعض السماسرة في السوق السوداء، وأن تكون هناك مهلة قبل تنفيذ القانون للنظر في كيفية تنفيذه، وأن تتوافر الظروف المناسبة لذلك، أو أن يتم تعديله".

واستنكرت "رابطة مخاتير منطقة البترون" في بيان "رفع الرسوم على المعاملات في دوائر الأحوال الشخصية"، واعتذرت من "أهالي البترون ومن جميع اللبنانيين، كونها لم تعد قادرة على تحمل المزيد"، داعية "المسؤولين الى تحمل مسؤوليتهم وإعادة النظر في هذه الموازنة المجحفة في حق الجميع".

واعتبر رؤساء وأعضاء روابط مخاتير طرابلس ومختلف المناطق الشمالية، أن " الموازنة العامة التي أقرت تفتقر الى معايير العدالة الاجتماعية".

الطعن.. قادم

ومن الشمال إلى الجنوب، أعلن مخاتير صيدا ومنطقتها والزهراني، خلال اعتصام أنهم "سيقدمون طعناً في القانون المتعلق بالأحوال الشخصية".

وشارك النائب عبد الرحمن البزري في الاعتصام، حيث اعتبر أن "الموازنة ضريبية بامتياز، ولا تحمل عناصر تحفيزية مما رفع كلفة الضرائب والرسوم على المواطنين من دون تأمين أي بدائل خدماتية حقيقية" وشدد "الموازنة غير عادلة بما تتضمنه من ضغط معيشي واقتصادي واجتماعي على المواطن، وسوف نعمل على نقضها عبر تقديم طعون في العديد من بنودها".

كذلك شارك النائب شربل مسعد في الاعتصام، حيث أكد أن "أن الموازنة تشوبها مشاكل قانونية منها عدم وجود قطع حساب عدا الضرائب المجحفة في حق المواطنين، وقال "نحن كنواب سنؤدي واجبنا من خلال تقديم الطعن في هذه الموازنة إلى المجلس الدستوري لنكون إلى جانب المواطن الذي من واجب الدولة أن تقف معه في هذه الظروف والانهيار الاقتصادي المعيشي بدلا من زيادة أعبائه".

وأمل مسعد أن يسلك الطعن طريقه "لنحقق الحلول للضرائب والرسوم الجديدة التي فرضت على المواطن".

أما النائب أسامة سعد الذي شارك كذلك في الاعتصام، فاعتبر أن الموازنة لم تقدم حلولاً اقتصادية واجتماعية للناس، بل عملت على تأمين موارد الدولة، وقال "بدل العمل في هذا الاتجاه فلتلاحق الدولة الفاسدين والذين نهبوا أموال البلد وسرقوها وما زالوا مستمرين ولم يتم توقيفهم حتى الآن".

وأضاف "نحن كنواب اعترضنا على الموازنة وسنحاول تأمين نصاب نيابي لنتمكن من تقديم الطعن بنص متماسك وقوي عنوانه الأساسي هو العدالة الاجتماعية والضريبية، لأنه لا يجوز تأمين موارد الدولة من الأكثرية الساحقة أو 90 في المئة من اللبنانيين الفقراء والكادحين والطبقات المنتجة بسواعدها أو بعقولها، فيما يدفع عشرة بالمئة من الأغنياء الرسوم كالتي تدفعها الأكثرية".

كذلك أعلنت رابطة مخاتير حاصبيا وقضائها، خلال اعتصام نفذته أمام مدخل قائمقامية حاصبيا، رفض الزيادات التي طرأت على كلفة اخراجات القيد، وطالبت الحكومة ووزارة المالية بالعودة عن هذه الرسوم وتخفيضها.

رسائل إلى المعنيين

ومن الجنوب إلى البقاع، أعلنت رابطة مخاتير قضاء راشيا إضراب مخاتير القضاء عن إصدار الإفادات لمدة أسبوع لحين نظر الجهات المختصة في الموازنة، وخلال اعتصام نفذته داخل سرايا راشيا وأمام قلم النفوس، وصف رئيسها المختار جميل قاسم، الموازنة "بالظالمة والجائرة والملعونة على هذه الطبقة الفقيرة والمتعففة".

وطالب مخاتير قضاء الهرمل خلال اعتصام نفذوه أمام السرايا، وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال بسام مولوي والنواب بـ "التراجع عن القرار المجحف الذي يمس الطبقات الفقيرة في إنجاز معاملاتها في دوائر الدولة" مطالبين باعتماد الهوية في المعاملات بدل إخراج القيد الذي "أصبح يتجاوز تحمل المواطنين".

أما رابطة مخاتير البقاع الشمالي فنفذت وقفة احتجاجية كذلك، ناشد خلالها رئيسها علي الحاج حسن، رئيس مجلس النواب نبيه بري، "التدخل والعمل مع الكتل النيابية على تقديم مشروع قانون معجل وإقراره يعيد تصويب الأمور".

ونظمت رابطة مخاتير زحلة والبقاع اعتصاماً أمام سراي زحلة، حيث طالب رئيسها مختار مجدل عنجر علي يوسف "لجنة المال والموازنة ووزير المالية والنواب الذين صوتوا على الموازنة، إما الطعن بهذا القانون أو إعادة النظر بهذه الرسوم والرسوم الأخرى التي تهلك المواطن، وكذلك اعتماد بطاقة الهوية كمستند وحيد في المعاملات الرسمية لحين البت برسوم إخراجات القيد.

خطوة في غير محلها

حذّرت المتخصصة بالاقتصاد النقدي، الدكتورة ليال منصور، من مخاطر رفع الضرائب في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها لبنان، قائلة "إذا كان من حق السلطة فرض الضرائب، ومن بينها رفع تعرفة رسوم الطوابع المالية كمقابل للخدمات التي تقدمها، وذلك لتأمين إيرادات إضافية، إلا أن الضرائب لا تحل أزمة، بل تفاقمها، خاصة في ظل اتباع سياسة التقشف.

وتشدد منصور في حديث إلى موقع "الحرة" أهمية البدء بإصلاحات جوهرية لإخراج لبنان من أزمته، وعلى رأسها "التخلص من المصرف المركزي الذي أصبح بقاؤه متعباً ومكلفاً ومن دون قيمة مضافة، مقترحة اعتماد الدولار كعملة رسمية، بدءاً من رواتب القطاع العام، لفرض ضرائب بالدولار".

كما لا بد، كما تقول منصور، من القيام بإصلاحات بديهية، التي تطلب قضاء نزيهاً يُمكنه محاسبة الفاسدين، وحل مشكلة الودائع، أي إعادة الأموال المحتجزة في المصارف ليتمكن المواطنون من دفع رسوم الخدمات التي يحصلون عليها، وكذلك تصغير القطاع العام لتخفيض النفقات.

وفي تغريدة له عبر منصة "إكس" اعتبر رئيس لجنة المال والموازنة، النائب ابراهيم كنعان، أن "فقدان الطابع المالي للمختار بعد رفعه إلى 50 ألف ليرة يهدد بشلل العمل الاختياري" وأن "المطلوب فوراً إما توفير الطابع أو تعليق العمل به لحين توفيره من قبل وزارة المالية" لافتاً إلى أنه تواصل مع عدد من المسؤولين المعنيين لمعالجة هذه المسألة بالإضافة إلى تصحيح بعض الرسوم المتعلقة بالأحوال الشخصية.