الحادثة أسفرت عن إصابة ستة صحفيين آخرين
الحادثة أسفرت عن إصابة ستة صحفيين آخرين

في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو الحدود الجنوبية للبنان، التي تشهد توترا بين "حزب الله" وإسرائيل، برزت أخبار اعتداءات ومضايقات طالت صحفيين في جنوب لبنان، خلال أدائهم لمهامهم الإعلامية في نقل صورة الأحداث الجارية. 

وأثارت تلك الاعتداءات مخاوف الأوساط الإعلامية والصحفية في لبنان، لاسيما أنها جاءت على خلفية حالة من "عدم الرضى" عن الأداء الإعلامي أو الموقف السياسي للمؤسسات الإعلامية، بشأن "الموقف من حزب الله"، الذي اتُهم بالوقوف خلف هذه الاعتداءات.

وتتجه أصابع الاتهام في هذا الصدد إلى حزب الله، إما "بارتكابه هذه الاعتداءات مباشرة كما حصل مع الصحفية، مايا هاشم، أو عبر أنصار له كما حصل مع مراسل قناة (العربية)، محمود شكر". 

"ضرب وتكسير"

وبرز، الإثنين، خبر تعرض المراسل شكر، يوم السبت 7 أكتوبر، لـ"اعتداء بالضرب المبرح" من قبل مجموعة أشخاص من المنطقة التي كان متواجدا فيها خلال قيامه بمهمته الإعلامية في تغطية الأحداث.

وأسفر الاعتداء عن إصابة المراسل بجروح ورضوض وكدمات استدعت نقله إلى المستشفى، فيما جرى تحطيم الكاميرات والمعدات الصحفية التي كانت بحوزة فريق العمل. 

وبحسب المعلومات، فقد جاء الاعتداء من قبل "مناصرين لحزب الله، على خلفية الموقف السياسي لقناة (العربية) فيما يتعلق بالحزب، وبسبب أداء المراسل نفسه خلال تغطيته الإعلامية لحادث تعرضت له شاحنة أسلحة تابعة لحزب الله في بلدة الكحالة، قبل شهرين، والتي تبعها اشتباكات مسلحة بين عناصر التنظيم وأبناء البلدة سقط على إثرها عدد من الضحايا". 

وتوالت الإدانات لهذا الاعتداء، حيث أعربت نقابة محرري الصحافة اللبنانية، عن استنكارها "الاعتداء الذي تعرض له شكر"، ودعت في بيان، الأجهزة الأمنية والقضائية إلى "التحقيق في هذه الحادثة المدانة، وتوقيف الفاعلين وإحالتهم أمام القضاء المختص". 

كما أهابت بجميع القوى والأفرقاء "عدم التعرض للصحفيين والمراسلين والمصورين الذين يقومون بعملهم في تغطية الأحداث والوقائع، واحترامهم.. لأن مثل هذا الأمر مناف للقوانين ومبدأ الحريات العامة ومدان، ولا يجوز الركون إليه مهما كان الموقف من الصحفي والوسيلة التي يعمل فيها". 

من جانبها، دانت جمعية "إعلاميون من أجل الحرية" ما وصفته بـ"الاعتداء البربري" على مراسل قناة "العربية" في الجنوب، على يد "عناصر مليشيوية بأبشع الطرق"، لمجرد قيامه بتغطية الأحداث، و"بمفعول رجعي يتصل بكونه شارك بالتغطية الإعلامية لحادثة الكحالة". 

وقالت في بيان: "ندين هذا السلوك المليشيوي، ونسأل جميع المسؤولين في لبنان، عن هذا التفلت الذي يتم تحت أنظارهم، فهل أصبح لبنان غابة تنتهك فيها الحريات والكرامات ويتم التعرض فيها لصحفي مسالم في وضح النهار، فيما المحاسبة غائبة؟".

بدوره، شدد "تجمع نقابة الصحافة البديلة" على ضرورة تأمين الحماية للصحفيين، وحمّل مسؤولية تكرار حوادث التعرض لهم والاعتداء عليهم أثناء قيامهم بعملهم، "للأجهزة الأمنية والقضائية، وتقصيرها في محاسبة المعتدين وردعهم".

احتجاز وتحقيق

ورغم ارتفاع الأصوات المنددة بهذه الممارسات، فإن ذلك لم يمنع تكرارها، وهذه المرة بصورة مباشرة من قبل عناصر "حزب الله"، بحسب ما روت الإعلامية، مايا الهاشم، التي تم احتجازها والتحقيق معها على خلفية تاريخ عملها الصحفي والجهات التي عملت لصالحها. 

وكانت الهاشم تشارك في تغطية الأحداث المستجدة جنوبي لبنان، في بلدة القليلة الحدودية، قبل أن يقترب منها عناصر من حزب الله، بحسب ما تؤكد، و"يمنعونها من التصوير".

إلا أن الأمور لم تقف عند هذا الحد، إذ تقول الهاشم: "بعد ذلك طلبوا أوراقنا واصطحبونا (مع المصور) من مكانٍ إلى آخر معصوبي الأعين، كما انتزعوا هواتفنا منا واحتجزونا قرابة 9 ساعات، قبل أن يسلمونا إلى مخابرات الجيش اللبناني في مدينة صور".

وكشفت الهاشم ما جرى معها عبر حسابها على منصة "إكس" (تويتر سابقا)، بالقول: "قلت لأحدهم إن التصريح الذي طلبته من مخابرات الجيش لتغطية الأحداث حتما سيكون قد وصل، أعطني الهاتف كي أريك إياه، قال لي حتى لو أرسلوه لكِ فهذا لا يكفي، وعليكِ أن تأخذي إذنا من مكاتبنا الإعلامية". 

وكان السبب الرئيسي للمضايقات التي تعرضت لها الهاشم هوية المؤسسات الإعلامية التي عملت لصالحها، حيث نقلت عن عنصر قوله لها: "أنت تعملين منذ بداية دخولك مجال الإعلام بمؤسسات إعلامية ضدَّنا، يعني إذا طلبت منكِ إسرائيل أن تعملي معها فلن تمانعي".

وخضعت الهاشم لتحقيق، بحسب تأكيدها، حيث طرحت عليها "أسئلة غريبة وأسماء أشخاص لم تسمعها في حياتها".

وأضافت: "انفعل "المحقق المضطرب ورفع صوته مهددا إياي بالبقاء فترة طويلة محتجزة، مبديا امتعاضا شديدا من المؤسسات الإعلامية التي عملت بها... واعتبر أن كلها مؤسسات إعلامية معارضة تعمل على بث الأكاذيب".

وختمت مكتفية بعرض هذا القدر مما حصل معها، واصفة إياه بتصرِّف "ميليشياوي يتحمل مسؤوليته حزب الله". 

وفي اتصال مع "الحرة"، أكدت الهاشم أنه "لم يتواصل معها أحد بعد ما تعرضت له، في سبيل المتابعة، مضيفة: "لا جهات رسمية أو أمنية ولا حزبية، فيما لم يتعرض أحد لي مجددا بمضايقات".

وعما إذا تقدمت بشكوى رسمية بسبب ما تعرضت له، ردت: "على من أرفع الدعوة؟، ومن أصلا يتسلم ملف الاعتداء على الصحفيين؟ سيكون تضييعا للوقت والمجهود".

غياب المحاسبة

منجانبها، ذكّرت منسقة تجمع "نقابة الصحافة البديلة"، إلسي مفرّج، بالقانون الدولي الإنساني والحماية التي يمنحها للصحفيين خلال الحروب، والتي تشمل الحماية المعطاة للمدنيين. 

كذلك تستحضر إعلان اليونيسكو الذي ينص على حق الجمهور بالاطلاع، وحق الصحفيين بنقل الصوت والصورة للجمهور كي يكونوا على اطلاع، مضيفة: "بالتالي أي تعرض لصحفي أثناء قيامه بواجبه هو تعرض لحق الجمهور في المعرفة والاطلاع".

ومن ذلك تنطلق مفرّج في حديثها عن الاعتداءات على الصحفيين في لبنان، محملة المسؤولية عن حماية الصحفيين "للقوى الأمنية والجيش وأجهزة الدولة اللبنانية"، مطالبة بمحاسبة من يتعرض لهم. 

وأوضحت مفرّج أنه "في حالة مراسل قناة (العربية)، فإن المعتدين كانوا نحو 7 أشخاص، "وجوههم مكشوفة ومعروفون في منطقتهم".

وابعت: "بحسب ما قالوا عن أنفسهم وقت الاعتداء، فهم قريبون من حزب الله، وبالتالي توجههم وهوياتهم واضحة ومن المفترض محاسبتهم على ما حصل، منطق الإفلات من العقاب لم يعد مقبولا".

كذلك، طالبت مفرّج من الجيش اللبناني والمنظمات الدولية، لا سيما الصليب الأحمر الدولي، بـ"تأمين نقاط آمنة للصحفيين وإعلانها نقاطا محمية، على غرار ما سبق وحصل في (حرب تموز) عام 2006، وذلك استباقا لأي تطور ممكن أن يحصل في الفترة المقبلة".

"محاولة للتحكم بالسرد الإعلامي"

ووثق مركز "عيون سمير قصير – سكايز" المعني بالدفاع عن الحقوق والحريات الإعلامية في لبنان، الاعتداءات التي حصلت جنوبي البلاد.

وبحسب المسؤول الإعلامي في "سكايز"، جاد شحرور، فإن تلك الاعتداءات "حصلت بسبب موقف المؤسسات الإعلامية التي يعمل لصالحها الصحفيون، والمعارض لحزب الله". 

وأضاف: "فيما حزب الله يفرض نفسه قوة أمنية في الأماكن التي حصلت فيها الاعتداءات جنوبي لبنان، لأسباب يدعي أنها أمنية، فإنه يضع شروطا على آليات التغطية الإعلامية للأحداث وشكلها".

وتابع: "بالنسبة لنا فإن الموضوع لا يتعلق بأسماء من تعرضوا للاعتداء، وأنما بالمبدأ الذي نرفض فيه تدخل جهة حزبية أو عسكرية بعمل الصحفيين، سواء كانت مظاهرة بشارع صغير، أو بمعركة ومنطقة حرب متاخمة للحدود كما هو الحال اليوم".

فكرة الاعتداءات على الصحفيين ضمن مناطق نفوذ وسيطرة "حزب الله"، يراها شحرور "جزء من عمل حزب الله في لبنان"، موضحا أن هذه المضايقات والاعتداءات "لا تقتصر على مناطق الحرب".

وقال: "رأينا ذلك خلال الاحتجاجات الشعبية، ونرى ذلك في الضاحية الجنوبية لبيروت، وفي عدة استحقاقات كان فيها عناصر حزب الله أو مناصروه يعتدون على الحرية الإعلامية، ولم تحرك القوى الأمنية ساكنا لمحاسبة المعتدين".

"حزب الله ينزعج من الإعلام الذي يغرد خارج مزاجه"، وفق شحرور، مما يمكن أن يدفعه لمحاولة "التحكم بالسرد الإعلامي والسياسي للوقائع التي يتلقاها اللبنانيون بشكل رئيسي من ثم القنوات العالمية والعربية".

وشدد المسؤول الإعلامي في مؤسسة سمير قصير، على ضرورة "ضمان حرية عمل الصحفي دون تدخل من قوى الأمر الواقع"، منبها من أنه "في حال وقعت الحرب في الجانب اللبناني أيضا، لا شك في احتمال تعرض الصحفيين لمضايقات من تلك القوى".

واستطرد: "لكن يفترض ألا يشكل ذلك حاجزا لنقل الصورة كما هي، هذا واجب تجاه المهنة وتجاه الجمهور الذي ليس لديه سوى الصحفيين الذين يخاطرون بحياتهم لمعرفة ما يجري".

يذكر أن الجيش اللبناني أعاد التذكير، الجمعة، في بيان صادر عنه موجه للإعلاميين، بضرورة "الحصول على ترخيص تصوير من قيادة الجيش – مديرية التوجيه، قبل المباشرة بالتصوير ضمن الأراضي اللبنانية".

وأضاف البيان: "نظرا إلى الأوضاع الدقيقة التي يمر بها لبنان، لا سيما المناطق الحدودية، تشدد قيادة الجيش على ضرورة الالتزام بإجراءات الاستحصال على ترخيص تصوير، لحسن سير العمل والتنسيق مع الوحدات المنتشرة".

علي

"أنا مين؟" سأل نفسه، عائدا، على حدود الوطن.

لم يجد جوابا.

منذ غادر لبنان، لم يكن الاسم وحده ما تغيّر.

علي، الشاب الشيعي المنتمي لحزب الله منذ الطفولة، لم يقرر أن يولد عليًّا، ولم يكن يتخيل يومًا أن يصير إيلي، يقول.

من الكشافة إلى القتال

في بيت فقير، في جنوب لبنان، وُلد علي يتيمًا بين عشرة.

أمه، بلا سند، لم تجد ملاذًا سوى في الحزب الذي يفرض حضوره على كل تفصيل في المجتمع: من المدرسة إلى المستشفى، من الطفولة إلى السلاح.

هناك، لم تكن الحياة مجرد حياة؛ بل عقيدة. "نحن على الحق"، يرددونها صباحًا ومساءً. ومنذ الطفولة، صارت البندقية جزءًا من المنهج.

في عمر العاشرة، انضم علي إلى "كشافة الإمام المهدي"، حيث يبدأ الغرس العقائدي والعسكري معًا. "دورة محو الأمية" لم تكن كما توحي تسميتها؛ بل تدريبًا أوليًا على حمل السلاح. في الثانية عشرة، كان الطفل الصغير يعرف كيف يفكك البندقية، وفي الثالثة عشرة، كان يفتخر باستشهاد أصدقاء في التدريبات.

يصف علي دورات القتال بأنها "مزج من العسكر والعقيدة"، لكن العقيدة كانت الغالبة دائمًا. يتعلم المنتسبون أنهم يدافعون عن "أمة، عن شرف، عن طائفة"، وأن كل ما هو خارج هذا المسار مشبوه، خطر، أو "كفر".

عالم بالألوان

لكن العالم ليس أبيض وأسود. في سن الثامنة عشرة، بدأت تظهر تصدعات الشك. تعرّف علي على أصدقاء خارج "الخط"، وبدأ يرى شيئًا مختلفًا: حياة أخرى، حوارات، ضحك، نساء، ملابس ملونة، وموسيقى. كلها ممنوعة.

في إحدى الليالي، عاد إلى البيت متأخرًا، فصفعته أمه بركوة قهوة. تلك الصفعة لم تكن مجرد غضب أم، بل لحظة صدع.

"هل هذا هو الحق؟"، تساءل لأول مرة.

ومن هذا السؤال، بدأ كل شيء يتغير.

الهروب من القدر

رفض علي دعوة الحزب للانضمام إلى دورة تؤهله ليصبح "متفرغًا". كان يعلم أن القبول بها يعني بلوغ نقطة اللاعودة. فقرر أن يغادر. هرب من عائلته، من أصدقائه، ومن اسمه.

سافر إلى تركيا، ومنها حاول عبور البحر إلى أوروبا على "قوارب الموت". غرق ثلاث مرات. في كل مرة، كان الموت قريبا وكان كأنه يولد من جديد. أعادته النجاة إلى السؤال الأصلي: من هو؟ وماذا يريد أن يكون؟

من علي إلى إيلي

بعد فشل محاولة اللجوء، عاد إلى لبنان. في مطار بيروت، وقف حائرًا: لا أهل، لا أصدقاء، ولا خط عودة إلى الحزب. دق باب صديق قديم، فأتاه الجواب:

"في عائلة بدها حدا يساعدها... بس في مشكلة: اسمك علي".

ضحك، وقال: "خليه إيلي".

هكذا بدأ فصلاً جديدًا من حياته، يعيش مع عائلة مسيحية، يذهب معهم إلى الكنيسة، يشاركهم التراتيل، ويشعر لأول مرة بأنه إنسان، فقط إنسان.

"أنا مين؟" يعيد السؤال، هذه المرة بثقة أكبر. لا يريد أن يكون تابعًا، ولا أن يُملى عليه ما هو الحق وما هو الباطل. "بدي أكون إنسان يقرر، يشوف، يعرف".

تغير الاسم، بقي السؤال، لكن صارت لديه حرية البحث عن إجابة.