حزب الله أعلن مقتل 47 من عناصره منذ بدء الحرب بين غزة وإسرائيل في السابع من أكتوبر الجاري.
حزب الله أعلن مقتل 47 من عناصره منذ بدء الحرب بين غزة وإسرائيل في السابع من أكتوبر الجاري.

أعلن حزب الله اللبناني، الخميس، في آخر تحديث لخسائره، عن مقتل ثلاثة من عناصره خلال الاشتباكات التي تشهدها الحدود الجنوبية للبنان مع إسرائيل، ليرتفع بذلك عدد العناصر المعلن عن مقتلهم إلى 47 قتيلا منذ بدء الحرب بين غزة وإسرائيل، في السابع من أكتوبر الحالي.

ومنذ هجوم مسلحي حماس المفاجئ على إسرائيل، دخل حزب الله، المدعوم من إيران، على خط المواجهات مع الجيش الإسرائيلي قرب الحدود اللبنانية، في إعلان مؤازرة لحركة حماس، يخضع لما يسمى "قواعد اشتباك"، تقوم على فكرة التوازن في الأعمال الحربية، لناحية نطاق القصف المتبادل وعمقه، والمحصور بالخط الحدودي، وأهداف القصف، التي تتركز على مواقع عسكرية ونطاق الأنشطة الحربية، بالإضافة إلى التوازن في نوعية الهجمات والردود عليها، بين الجيش الإسرائيلي وتنظيم حزب الله، وصولاً حتى إلى نوعية الأسلحة المستخدمة.

ولا تزال هذه القواعد تحكم الاشتباكات الدائرة بين الطرفين، بحيث تمنع توسعها إلى حرب شاملة، رغم اتخاذها طابعاً أكثر تصاعداً وعنفاً في أوقات معينة، إلا أن كلا من حزب الله وإسرائيل، لم يعلنا رسمياً أنهما في حالة حرب، في ظل مخاوف دولية من تمدد الصراع إلى لبنان.

وكان لافتا الارتفاع النسبي في عدد قتلى "حزب الله" المعلن عنهم، 47، على الرغم من ندرة الاشتباكات المباشرة واقتصارها على تبادل القصف والاستهداف، خاصة مع مقارنة هذه الأعداد بخسائر حزب الله، في حرب عام 2006، مع إسرائيل، حيث أعلن حينها مقتل نحو 250 من عناصره، رغم أن المناوشات الحدودية الحاصلة اليوم تمثل تفصيلاً بسيطاً بالنسبة إلى حرب يوليو عام 2006.

"معركة مختلفة" وانكشاف أكبر

الارتفاع الواضح في عدد قتلى حزب الله، طرح استفهامات عن الأسباب الكامنة خلفه، وما إذا كان التنظيم المسلح المعروف بارتكازه على أساليب حرب العصابات، وقدرة مسلحيه على التخفي وسرعة المناورة، وتفادي التفوق الجوي والمدفعي للجيش الإسرائيلي، قد بدأ يفقد هذه المناعة ويخسر هوامش الحركة على الأرض، أم أن معطيات عسكرية مختلفة قد تفسر ذلك؟

في هذا السياق يعدد الخبير في الشؤون العسكرية، العميد المتقاعد إلياس حنا، أسبابا عدة تقف خلف ارتفاع خسائر حزب الله:

أولاً، هناك "تبدل كامل" في قواعد الاشتباك بين حزب الله والجيش الإسرائيلي على الحدود.

ثانيا، في عام 2006، كانت إسرائيل تهاجم وحزب الله كان يدافع، وبالتالي "دائما ما تكون خسائر المدافع أقل من أن يكون في موقع مهاجم".

ثالثاً، يصف حنا، خريج القيادة الجوية والأركان في القوات المسلحة الأميركية، ما يحصل اليوم بأنه "قصف، وقصف مضاد" وليس عمليات برية.

رابعاً، يقول حنا إن الجيش الإسرائيلي "مرتاح أكثر على جانبه من الحدود"، بكونه استطاع تنفيذ إخلاء بعمق نحو 5 كلم، وإعادة انتشار جديد، أما في المقابل لا إمكانية لعملية الإخلاء التام، وبالتالي يقاتل حزب الله على الحدود وعلى الخط الأزرق.

خامساً، "الطرفان استفادا من الدروس من حروبهم السابقة"، خاصة إسرائيل التي باتت أكثر تحسبا لحركة حزب الله.

سادساً، اختلاف نوعية الأسلحة المعتمدة، وطبيعة "الاستعلام" الذي بات متواصلاً 24 ساعة في حقل المعركة، فيما باتت تستخدم أسلحة دقيقة وذكية "وهو تفصيل مهم جداً"، على حد قول العميد المتقاعد في الجيش اللبناني.

ويضيف "اليوم تراقب إسرائيل الحدود اللبنانية بأدق تفاصيلها وعلى نحو مستمر، إن كان عبر الأقمار الاصطناعية الإسرائيلية أو الأميركية، إضافة إلى المراقبة العسكرية المباشرة على الأرض، ومعها عشرات المسيرات المسلحة التي لا تغادر أجواء الحدود وبإمكانها نقل حقل المعركة مباشرة عبر الرصد والاستهداف، مشدداً على الدور الرئيسي الذي يلعبه "الاستعلام التكتيكي" في المعركة.

فضلاً عن ذلك، يعتمد الجيش الإسرائيلي، بحسب حنا، على نظام الرد المدفعي الفوري، "حيث تكشف الرادارات مصادر إطلاق الصواريخ بثوان معدودة، ثم تنفذ المدفعية على الفور رمايات غزيرة على المنطقة المحددة".

سابعاً يلفت حنا إلى أن حزب الله في وضع حركة كثيفة على الحدود لجمع المعلومات، "ولدى الطرفين بنك أهداف معروف يراقبونه منذ عام 2006"، فيما المواقع الدفاعية المستحدثة لحزب الله على الحدود معروفة للجيش الإسرائيلي الذي يراقب طيلة الوقت.

حدة المعركة الجارية، بالنسبة إلى حنا، "تجعل من خسائر حزب الله أمراً طبيعياً ومفهوماً"، وهو اعتبار يتشاركه مع العميد الركن المتقاعد، هشام جابر، الذي لا يرى في عدد قتلى حزب الله ما هو "خارج الطبيعي".

ويؤكد جابر أن قتلى حزب الله يسقطون في المنطقة الحدودية خلال انخراطهم في العمليات العسكرية، فيما لا يتعرض انتشار حزب الله في عمق أبعد من 10 كلم للاستهداف والقصف.

ويضيف، رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات، أن طبيعة انتشار حزب الله اليوم على الأرض، مختلفة عما كان عليه، عام 2006، وذلك بسبب "تعرضه لانكشاف أكبر، نظرا لضيق نطاق العمليات وانحصارها في المنطقة الحدودية".

ويلفت جابر إلى الدور الرئيسي الذي تلعبه الطائرات المسيرة المسلحة، والتي تمت عبرها معظم عمليات الاستهداف لمجموعات حزب الله، مشيراً إلى أن هذه الطائرات تنتشر اليوم بالعشرات على امتداد الحدود، وتنفذ عملية رصد مستمرة بتكنولوجيا متقدمة.

ويضيف أن ما يجري اليوم هو قصف متبادل بأسلحة دقيقة ومسيرات وصواريخ، "وبالتالي في هذه الحالة حزب الله لا يقاتل بأسلوب حرب العصابات، فلا عمليات تسلل ولا اقتحام ولا كمائن، وإنما يقصف كجيش نظامي"، ما يعرضه للرصد والاستهداف بصورة أكبر.

أعمار يافعة وانعدام الخبرة

من بين الأمور البارزة أيضاً، كان الفئة العمرية الصغيرة للقتلى المعلن عنهم، فعلى الرغم من عدم إعلان حزب الله عن أعمارهم في بياناته، على غير عادة، تظهر الصور المنشورة للعناصر أن الغالبية منهم في أوائل ومنتصف العشرينيات، وهو ما دفع إلى وصفهم "جيلاً جديداً"، لم يختبر حتى المعارك التي انخرط بها حزب الله في سوريا، منذ عام 2011، ويخوض بالتالي التجربة الأولى مع المعارك العسكرية، "دون خبرة سابقة".

وفي هذا الإطار يرى جابر أن عدم تواجد قتال قريب في المعركة الدائرة حالياً، أو ما يسمى عسكرياً بـ "الالتحام"، يفسر عدم دفع حزب الله بعناصره المجهزين للقتال المباشر وأصحاب الخبرة العسكرية إلى "جبهة قصف متبادل"، وانما يدفع بعناصر جديدة ليخوضوا ما يسمى عسكريا بـ "معمودية النار" الخاصة بهم، أو "معركتهم الأولى"، على حد قوله.

ولفت إلى أن "المقاتل الجديد والشاب يعتبر أكثر حماسة وتهوراً في أدائه على الأرض، ما قد ينعكس أيضاً انكشافاً أكبر".

من ناحيته، يرى حنا أن الجيل الجديد في حزب الله، قد يكون متحمساً فكرياً ومعبأ أيديولوجياً، "ولكن لا يمتلك بعد خبرة عسكرية ميدانية كالتي عايشها جيل الحرب السورية وجيل حرب عام 2006، حيث تختلف النوعية والخبرة، باختلاف طبيعة المعركة.

وبدل تنظيم "حزب الله" من أدائه العسكري بعد مشاركته في الحرب السورية، حيث عمل بخطط انتشار قريبة من تلك التي تعتمدها الجيوش الكلاسيكية، فيما كان يعتمد بصورة رئيسية قبل ذلك على أساليب حرب العصابات، وتحريك المجموعات القتالية الصغيرة، وتنفيذ عمليات وهجمات محدودة.

إلا أن قدرة حزب الله على الاستفادة من الخبرة العسكرية التي اكتسبها في المعارك السورية، تبدو ضئيلة في مواجهة الجيش الإسرائيلي، نتيجة الاختلاف الكبير في ساحة المعركة والقدرات العسكرية وهامش التحرك والغطاء المؤمّن، وسط تفوق إسرائيلي في القدرات العسكرية والتكنولوجية والاستخباراتية.

حتى الخبرات المكتسبة من القتال في سوريا، يرى حنا أنها "لن تكون مفيدة في ساحة المعركة الحالية جنوب لبنان"، فحزب الله في سوريا قاتل بأسلوب مختلف عن حرب عام 2006 مع إسرائيل، "قاتل إلى جانب الجيش السوري والدعم الإيراني، ومباشرة تحت الغطاء الروسي الجوي والمدفعي، أما اليوم فطبيعة المعركة مختلفة كلياً".

وبحسب الخبير في الشؤون العسكرية، يمتلك حزب الله حاليا الكثير من الإمكانات العسكرية، "لكنه غير قادر بعد على استخدامها، بخلاف حرب عام 2006، ففي حينها شنت إسرائيل هجوماً برياً وفتحت لحزب الله معركة كان يستعد لها منذ عام 2000".

أما اليوم، فإسرائيل لا تقاتل بهذه الطريقة، وفقا للعميد المتقاعد، "ولا تريد حرباً مع حزب الله، وانما مواجهات من هذا النوع والقصف المتبادل الخاضع لقواعد الرد المتناسب مع الهجوم".

توجيه إعلامي

ويقتصد حزب الله في تصريحاته الإعلامية وظهور قياداته على الإعلام، منذ اندلاع الاشتباكات الحدودية مع إسرائيل، كذلك يحد من تفاصيل ما ينشره من بيانات حول قتلاه وعملياته العسكرية، حتى أن زعيم التنظيم، حسن نصرالله، لم يدل بأي تصريح أو خطاب إعلامي منذ هجوم حماس في السابع من أكتوبر حتى اليوم.

واقتصر ظهور نصرالله على صورة جمعته بقيادات فلسطينية من حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" خلال تواجدهما في لبنان فيما وصف بأنه لقاء "تشاور وتنسيق".

كذلك تعمّد إعلام حزب الله قبل أيام، عرض رسالة من نصرالله بخط يده، موجهة إلى الوحدات الإعلامية في الحزب، يطلب فيها استخدام سياق "على طريق القدس"، في إعلانهم وبياناتهم حول مقتل عناصرهم في الاشتباكات الحدودية.

ومن بين التصريحات القليلة لقيادات حزب الله، كان لافتاً تصريح للنائب عن حزب الله في مجلس النواب اللبناني، حسن فضل الله، والتي وصف خلالها الاشتباكات الجارية مع الجيش الإسرائيلي على الحدود بأنها "معركة لا يمكن أن نقيسها بأي مواجهة خضناها في السابق، فهذه المعركة هي من نوع جديد، لها آلياتها ومعاييرها وطرقها وأسلحتها وطبيعة انتشارها".

وأضاف أن القتال يحصل "من نقطة صفر أحيانا"، لافتا إلى أن مسلحي حزب الله "لا يقاتلون لا من مناطق مأهولة ولا من مناطق مدنية، وإنما هناك خطوط ينتشرون عليها..".

وتركز الإصدار الإعلامي لحزب الله في الفترة الماضية على توثيق عمليات القصف التي ينفذها غالباً بصواريخ مضادة للدروع، معظمها من نوع "كورنيت" روسية الصنع، يستهدف عبرها آليات عسكرية ودبابات ومواقع وتحصينات للجيش الإسرائيلي على امتداد الحدود مع لبنان، فضلاً عن قصف مدفعي ورشاش لتغطية عمليات مجموعاته وتحركاتها.

في المقابل، يكثف الجيش الإسرائيلي من عمليات القصف المدفعي والجوي على المناطق الحدودية اللبنانية، لاسيما المناطق الحرجية والأراضي المفتوحة التي تنطلق منها الصواريخ.

عمليات "إعماء"

واستهدف حزب الله مراكز الرصد والمراقبة والكاميرات وأجهزة الاستشعار وأجهزة الاتصالات التابعة للجيش الإسرائيلي على السياج الحدودي وفي المواقع العسكرية الإسرائيلية، بحسب المقاطع المصورة التي ينشرها التنظيم.

وتنوع الاستهداف ما بين عمليات قنص للكاميرات وإطلاق صواريخ موجهة على تجهيزات عواميد الإرسال التي ينشرها الجيش الإسرائيلي على الحدود.

ويصف جابر هذه الهجمات بأنها عمليات "إعماء"، شارحاً أن حزب الله يتمتع بأفضلية جغرافية جنوب لبنان، الأكثر ارتفاعاً نسبة للعمق الإسرائيلي، تمنحه إشرافاً يسهل عملية المراقبة والرصد.

ويستعيض الجيش الإسرائيلي عن ذلك، وفق جابر، بنشر منظومة مراقبة واستشعار حركي وكاميرات دقيقة وأجهزة تنصت وتكنولوجيا رصد متقدمة على طول المنطقة الحدودية، "وهذا ما يستهدفه حزب الله".

من ناحيته، يرى حنا أن ما يقوم به حزب الله من استهداف لهذه الأجهزة، "بغض النظر عن مدى فعاليته، هو ضرورة عسكرية له، بالمنطق العسكري".

ويلفت إلى أن الاستعلام التكتيكي، القائم على جمع المعلومات، وتحليلها، لقراءة نوايا العدو، هو أمر أساسي عسكريا، وعليه "هذه الأجهزة هي العين المتقدمة لجمع الداتا (البيانات) والاستعلام التكتيكي، والتنصت والاستشعار".

ويشير الخبير العسكري إلى أن إسرائيل "كانت تعمل على إصلاح نظامها الأمني بحيث تتيح معلومات مسرح المعركة، رقمياً، لكل قطعاتها المقاتلة جواًً أو براً أو بحراً، وتوزع الأهداف في مراكز القيادة بحسب القدرة على الاستهداف السريع والقرب الجغرافي لوحداتها المنتشرة".

ويؤكد حنا أنه وبالرغم من محاولات حزب الله، لا يزال لدى إسرائيل الكثير من وسائل المراقبة والرصد الدقيقة والتكنولوجيا التي لا قدرة على تعطيلها أو استهدافها.

تصاعد مؤشرات الحرب

وتتصاعد المؤشرات الدالة على إمكانية اتساع رقعة الحرب الجارية بين غزة وإسرائيل، لتشمل لبنان في حال وسّع حزب الله من عملياته لتتخطى قواعد الاشتباك القائمة حالياً، لاسيما مع اقتراب دخول إسرائيل في هجوم بري على قطاع غزة، يعتبره حزب الله ومن خلفه إيران أحد المحاذير التي قد تبدل شكل المواجهة.

وهو ما يدفع في المقابل المسؤولين السياسيين والعسكريين في إسرائيل إلى إصدار التحذيرات المتكررة لحزب الله والدولة اللبنانية، وكان آخرها ما صدر عن مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتانياهو، الذي قال: "إذا قرر حزب الله الدخول في الحرب، فإنه سيشتاق إلى حرب لبنان الثانية".

وأكد نتانياهو في حديثه لجنود من وحدة الكوماندوس الإسرائيلية المنتشرة في شمال إسرائيل أن حزب الله في حال قيامه بذلك، فإنه "سيرتكب خطيئة كبرى". وتابع "سنضرب حزب الله بقوة لا يستطيع تخيلها وتداعيات ذلك بالنسبة له وللدولة اللبنانية ستكون مدمرة".

وسبق لوزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، أن أدلى بتحذيرات مشابهة قال فيها إن "حزب الله قرر المشاركة في القتال وهو يدفع ثمنا باهظا"، مضيفاً: "علينا أن نستعد بيقظة لكل الاحتمالات، فهناك تحديات أكبر تنتظرنا".

وكانت إسرائيل أعلنت مرارا منذ بدء الحرب أنها "غير معنية" بتوسيع الحرب إلى الجبهة الشمالية مع لبنان، إلا أن اتساع نطاقات القصف المتبادل وسقوط القتلى من الطرفين، إضافة إلى التعزيزات المتبادلة، تثير مخاوف محلية ودولية من اتساع رقعة المواجهات لتتدحرج إلى حرب شاملة.

حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا
حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا

في تطوّر لافت وغير مسبوق، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول كبير في حزب الله قوله إن الجماعة مستعدة لمناقشة مستقبل سلاحها مع الرئيس اللبناني جوزاف عون، في سياق استراتيجية دفاع وطني، وذلك بشرط انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس الحدودية في جنوب لبنان ووقف الغارات. الإعلان بحد ذاته شكّل كسراً لما يعتبر أحد أبرز "التابوهات" في قاموس حزب الله منذ تأسيسه.

مصادر سياسية كشفت للوكالة أن الرئيس عون يعتزم إطلاق حوار مع الحزب بشأن السلاح، في إطار ما وصفه بـ"استراتيجية الأمن الوطني"، التي أعلن عن نيّته العمل على صياغتها فور توليه المنصب، مؤكداً أن السلاح يجب أن يكون محصوراً بيد الدولة دون سواها.

هذا التطور يأتي في سياق تصاعد الضغوط الدولية والمحلية على الحزب، حيث أكدت المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت الأسبوع الماضي، موقف واشنطن القوي بضرورة نزع سلاح حزب الله والجماعات المسلحة الأخرى، مشددة على أن هذا يجب أن يتم في أقرب وقت ممكن.

وفي مقابلة مع قناة (إل.بي.سي.آي) اللبنانية في السادس من أبريل، قالت أورتاغوس "من الواضح أنه يجب نزع سلاح حزب الله، ومن الواضح أن إسرائيل لن تقبل بإطلاق الإرهابيين النار عليها داخل أراضيها، وهذا موقف نتفهمه".

هذا الموقف فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل حزب الله مستعد فعلاً للدخول في مفاوضات جديّة تنهي الثنائية الأمنية التي أرساها منذ عقود؟ أم أن ما يطرح لا يعدو كونه مناورة سياسية لشراء مزيد من الوقت؟ وما مدى واقعية الرهان على استراتيجية دفاعية وطنية تشمل الحزب؟

لكن الحزب لم يترك التأويلات مفتوحة طويلاً، إذ سارع العضو في مجلسه السياسي غالب أبو زينب إلى توضيح الموقف خلال مقابلة مع قناة "الجديد"، أمس الأربعاء، قائلاً "لم نوافق على تسليم السلاح أو نزعه. نحاور حول كيف يمكن للبنان أن يمتلك أوراق قوة أساسية يستطيع من خلالها أن يحافظ على وجوده في ظل هذه المتغيرات الكبيرة. لن نكون إلا في موقع قوة للبنان، وهذا السلاح ليس معروضاً للتسليم".

واليوم الخميس، قال النائب عن حزب الله حسن فضل الله، خلال مؤتمر صحفي في مجلس النواب، إن الحزب "أبدى كامل الاستعداد للحوار بهدف التوصل إلى استراتيجية دفاع وطني لحماية السيادة اللبنانية"، مؤكداً أن "من أولوياتنا الحفاظ على لبنان محرراً، محمياً وقوياً، وحماية إنجازات مقاومته".

أبعاد إقليمية

رغم مسارعة أبو زينب إلى نفي استعداد الحزب لتسليم سلاحه، إلا أن مجرد ربط هذا السلاح بشروط محددة، "يُفرغ أي حوار مرتقب من مضمونه محوّلاً إياه إلى مجرد فولكلور ووعد نظري"، كما يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي، "لأن نزع السلاح مشروط بتنفيذ تفاهمات وقف الأعمال العدائية أي وقف إطلاق النار ابتداء من 27 نوفمبر الفائت وبالقرارات الدولية واتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري".

ويذهب الزغبي أبعد من ذلك في حديث مع موقع "الحرة"، معتبراً أن الحزب لا يربط سلاحه بشروطه، بل بمصير الحوار الإيراني–الأميركي، ويقول "على ضوء نتائج هذا الحوار يتلقى التوجيه الإيراني بالموقف المناسب، وحتى ذلك الحين يسعى إلى كسب الوقت والمماطلة".

من جانبه يرى رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية، شارل جبور، أن "المشهد الإقليمي يشهد تغييرات جذرية تنعكس بشكل مباشر على وضع حزب الله في لبنان"، معتبراً أن الحزب أصبح أمام معادلة جديدة تفرض عليه التخلي عن سلاحه.

ويقول جبور لموقع "الحرة" إن "المسألة لم تعد مرتبطة بما يقوله حزب الله أو لا يقوله، بل بالواقع الإقليمي المتبدل كلياً"، موضحاً أن "الحزب خرج من الحرب الأخيرة مهزوماً، ووقّع اتفاقاً لوقف إطلاق النار ينص بوضوح على تفكيك بنيته العسكرية في كل لبنان، فيما انقطع طريق إمداده من إيران نتيجة سقوط نظام الأسد".

ويشير جبور إلى أن هذه التطورات تتزامن مع معطيات أخرى لا تقل أهمية، أبرزها "الإعلان الرسمي عن المفاوضات الإيرانية-الأميركية في سلطنة عمان، وتخلي الفصائل المدعومة من إيران في العراق عن مشروع السلاح، بالإضافة إلى إعلان طهران عدم مسؤوليتها عن الحوثيين في اليمن". واعتبر أن "هذه المؤشرات تؤكد أن إيران بدأت إرسال رسائل 'حسن نية' إلى واشنطن، تتماشى مع شروط الأخيرة الثلاثة: التخلي عن الأذرع العسكرية، الصواريخ الباليستية، والمشروع النووي".

والأربعاء، اعتبر رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان أن "ربط مسألة نزع السلاح بقضايا أخرى يُعدّ مخالفة واضحة لتعهدات لبنان، ونكون نُضيّع وقتنا إذا اعتقدنا أن الإصلاح ممكن من دون حصر السلاح بيد الدولة".

كما أضاف في مؤتمر صحافي من المجلس النيابي "سمعنا الوزير غسان سلامة يتحدث عن أن موضوع السلاح خارج الدولة يرتبط بمسألة إعادة الإعمار، ونقول لرئيس الحكومة نواف سلام إن المطلوب منه اليوم هو تدبير سريع بحق الوزير سلامة لأنه يخالف البيان الوزاري والقرارات الدولية، وإن لم يتم فنحن كتكتل الجمهورية القوية قد نطرح الثقة به".

حوار بلا جدوى؟

"نزع السلاح ليس في حاجة إلى الحوار الذي قرره رئيس الجمهورية جوزف عون مدعوماً من الرئيسين بري وسلام"، كما يرى الزغبي "لأن قرار تسليمه "نافذ على أصله" كما في الأحكام القضائية، ولا يتطلّب سوى تنفيذ الاتفاقات والتعهدات المكتوبة، لكن السلطة تبرر الحوار بتفادي الصدام واهتزاز السلم الأهلي كما تقول. وفي أي حال، على هذا الحوار ألّا يطرح مبدأ نزع السلاح، بل الآلية والجدول الزمني للتنفيذ لئلّا يغرق في متاهات تساعد الحزب في المماطلة إلى درجة التملّص من تسليم سلاحه".

ويضيف الزغبي "الواضح أن الرئاسة اللبنانية تطرح "إستراتيجية الأمن الوطني" الأشمل بحيث تكون "الاستراتيجية الدفاعية" جزءاً منها، خلافاً لما يريده حزب الله للاحتفاظ بسلاحه تحت حجة عجز الجيش اللبناني وضرورة بقاء "المقاومة" لمواجهة إسرائيل، كما أن هناك خلافاّ داخله بين فريق متشدد يريد الاستمرار في المواجهة العسكرية وفريق يطالب باستخلاص دروس الحرب والانضواء تحت لواء الدولة، الأمر الذي يضاعف تعقيد الحوار وإفشاله".

من جانبه يقول جبور، "حزب الله أصبح اليوم أمام واقع لا يمكن الانقلاب عليه، ويتوجب عليه أن يتأقلم مع المستجدات، ويتخلى عن مشروعه المسلح، ويسلّم سلاحه".

وفي هذا السياق، لفت جبور إلى أن "المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس وصفت حزب الله بـ'السرطان الذي يجب استئصاله'، بعد زيارتها الأخيرة إلى بيروت، كما أن السفارة الأميركية أعلنت في أعقاب الزيارة أن المحادثات تركزت على شقين أساسيين: سلاح حزب الله والإصلاحات، وأكدت أن لا مساعدات دولية للبنان ما لم يُسلّم الحزب سلاحه للدولة".

وفي السياق، رد رئيس الحكومة نواف سلام، من بكركي أمس الأربعاء، على سؤال حول الجدول الزمني لسحب سلاح حزب الله مؤكداً أن مسألة حصر السلاح بيد الدولة ستكون قريباً على جدول أعمال مجلس الوزراء، وقال "عندما طُرح هذا الموضوع في مجلس الوزراء، كان جوابي أننا سنطلب سريعاً من الوزراء المعنيين، ولا سيما وزير الدفاع، تزويدنا بتقرير حول ما التزمنا به في البيان الوزاري، وكيف يمكننا التقدم في بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية".

فرصة مؤقتة

يعيش لبنان في مرحلة "وقت ضائع"، كما يصفها جبور، "حيث كان يفترض أن تشهد البلاد انطلاقة جديدة مع عودة الانتظام الدستوري والمؤسساتي، وأن تستعاد الدورة الاقتصادية والمالية. لكن ذلك لم يتحقق، والسبب تمسّك حزب الله بسلاحه".

ويتابع جبور "لقد تبيّن أن هذا السلاح لم ينجح في حماية الحزب، لا خلال الحرب ولا بعدها. وحدها الدولة تمتلك القدرة على تأمين الحماية لجميع اللبنانيين، بما فيهم حزب الله".

ويختم جبور بالتأكيد على أن "موضوع سلاح حزب الله انتهى"، معتبراً أن "كلما تم تسريع احتكار الدولة للسلاح، كلما اقترب لبنان من استعادة عافيته، ومن قيام دولة فاعلة تستعيد سيادتها ودورتها الاقتصادية والمالية".

من جانبه يرى الزغبي أن لبنان "أمام فرصة محدودة في الزمن لتلبية رغبة المواطنين في الاستقرار وشروط المجتمع الدولي، ولا يملك ترف الوقت المفتوح لحوار تم تجربته سابقاً على الطاولات الجامعة وانتهى إلى الفشل".

ولذلك لا بد بحسب الزغبي "من برمجة الحوار ضمن مهلة محددة، وفي حال بلوغه طريقاً مسدوداً تستعيد الدولة مبادرة معالجة السلاح تنفيذاً لكل الوثائق التي تؤكد حصر السلاح في يد الدولة. وإذا تلكأت أو فشلت فإن خطر تجدد الحرب يصبح ماثلاً وتعود إسرائيل إلى تدمير ما تبقى من ترسانات "الحزب"، ويدفع لبنان أثماناً إضافية".