حزب الله عوض غياب زعيمه بإعلانات متفرقة لأنشطته
حزب الله عوض غياب زعيمه بإعلانات متفرقة لأنشطته

انتشرت في الأيام القليلة الماضية مقاطع فيديو يظهر فيها زعيم حزب الله اللبناني، حسن نصرالله، في لقطات متنوعة، خلفية وجانبية، بإطار تسويقي دعائي يختلف عن النمط المعتاد لظهور نصرالله في خطاباته أو فيديوهاته الترويجية. 

وتثير هذه المقاطع جدلا في الإعلام المحلي اللبناني والخارجي، وكذلك على مواقع التواصل الاجتماعي حيث يجري تداولها على نطاق واسع، وسط حالة الترقب التي يعيشها لبنان ومنطقة الشرق الأوسط عموما، بسبب احتمالات اتساع نطاق الحرب بين إسرائيل وغزة، لتشمل لبنان إذا قرر حزب الله، هو الآخر، توسيع نطاق مشاركته في هذه الحرب. 

وتروَّج هذه الفيديوهات، في توقيت بالغ الدقة، بالتزامن مع انطلاق العملية البرية للجيش الإسرائيلي في غزة، والتي سبق واعتبرها حزب الله ومنظومته الإعلامية "خطا أحمر"، من شأن تخطيه أن يغير قواعد الاشتباك القائم وحجم تدخل الحزب في الحرب، التي يقتصر دوره فيها حاليا على اشتباكات حدودية محدودة. 

ظهور.. لأبرز الغائبين

الأكثر "إثارة" في هذه المواد الدعائية، أنها تسبق ظهورا إعلاميا مفترضا لنصرالله الجمعة القادم، هو الأول من نوعه منذ أن شنت حماس هجومها المفاجئ على إسرائيل في السابع من أكتوبر. وكان نصرالله الغائب الأبرز عن المشهد طيلة الفترة الماضية.

وكان حزب الله قد أعلن في بيان أن أمينه العام سيتحدث خلال "احتفال تكريمي" لقتلى الحزب الذين سقطوا "على طريق القدس"، في إشارة إلى الذين قتلوا في الاشتباكات مع الجيش الإسرائيلي على حدود لبنان الجنوبية. ومن المتوقع أن يحدد نصرالله خلال ظهوره المرتقب موقف الحزب واتجاهه في الحرب الدائرة، إن كان نحو التصعيد، أو الالتزام بقواعد الاشتباك القائمة حاليا. 

وعوّض حزب الله غياب زعيمه طيلة تلك المدة، بإعلانات متفرقة لأنشطته، بدأها بنشر رسالة مكتوبة وموقّعة من نصرالله يطلب فيها من ماكينته الإعلامية وصف الاشتباكات التي قتل فيها عناصره جنوب لبنان باسم "على طريق القدس". 

والظهور الأول كان يوم 25 أكتوبر من خلال صور جمعته، بالأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، زياد نخالة، ونائب رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"، صالح العاروري، خلال اجتماع تنسيقي، ولم يخرج عنه للإعلام أي مقررات أو توجهات، ما زاد من حالة الترقب.

كل تلك المعطيات، وضعت ظهور هذه المقاطع المصورة في الأيام الماضية  على هامش تطورات الحرب، الحديث الشاغل للرأي العام في لبنان وخارجه. 

وقد يكون ذلك جزءا من هدف حزب الله، الذي يضع غياب زعيمه عن الإعلام في إطار استراتيجيته الإعلامية، وفق ما يراه النائب عن كتلة حزب الله في البرلمان اللبناني، حسن فضل الله، الذي قال في تصريحات إعلامية إن عدم مخاطبة نصرالله للرأي العام بعد، هو "جزء من إدارته لهذه المعركة".

مقاطع "سينمائية"

وتفتقر معظم اللقطات المبثوثة إلى العفوية، ويبدو نصرالله فيها أقرب إلى ممثل يؤدي دورا ضمن سيناريو مكتوب سلفا.

في الفيديو الأول المنشور لنصرالله في 29 أكتوبر، ومدته 11 ثانية مبطأة، يظهر فيه من الخلف يمر من أمام لوحة تحمل علم حزب الله، فينظر إليها سريعا، ويتابع سيره، لتوضح صورة أخرى انتشرت من المشهد ذاته أنه كان متوجها إلى غرفة اجتماع كتب على مدخلها "غرفة عمليات محور المقاومة". 

أما الفيديو الثاني الذي انتشر الثلاثاء، 31 أكتوبر، فيظهر نصرالله بلقطات مقربة من يديه ووجهه، ويمر بينها مشهد مجسم لمسجد قبة الصخرة في القدس، إضافة إلى لقطات لميكروفون ونظارات وأوراق وأقلام، يفترض أنها تعود لنصرالله، الذي يبدو في لقطات أخرى يراجع أوراقا بين يديه، غير واضح مضمونها، بشكل مبطأ أيضاً، على طريقة الإعلانات المسبقة "البرومو" للبرامج التلفزيونية.

كما أرفق الفيديو بصوت قراءة لآية قرآنية من سورة الإسراء، تقول: "فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مفْعُولًا"، الأمر الذي حمّل الفيديو أبعاداً ومقاصد من سياق الآية القرآنية، أبرزها الإشارة إلى احتمالية التصعيد أو الانخراط بالحرب.

وأثارت هذه المشاهد في المقابل موجة سخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، ممن انتقدوا "الأداء التمثيلي" الذي يظهر به نصرالله، والطابع السينمائي الذي يطغى على اللقطات، والذي رأوا فيه بروباغندا واستعراضاً دعائياً لا قيمة له. 

تبنٍ ضمني.. دون تأكيد

اللافت أن تلك الفيديوهات لم تصدر عن القنوات الرسمية لحزب الله، رغم أن بعضها ينشر للمرة الأولى، وإنما عبر قنوات محيطة به، وقريبة منه، كقنوات معروفة على تطبيق "تيليغرام"، أو عبر شخصيات إعلامية ومؤثرين يدورون في فلك التنظيم ووسائل إعلامه. 

إلا أن ذلك، لم يمنع دوائره الإعلامية المقربة من اعتماد هذه الفيديوهات، والترويج لها في سياقٍ تشويقي كنوع من الدعاية السياسية والحربية في توقيتها، بمن فيهم نجله، جواد نصرالله، الذي شارك هذه الفيديوهات عبر صفحته على موقع "إكس"، فضلاً عن نواب لحزب الله وإعلاميين في قنوات رسمية للتنظيم، مثل قناة المنار.

وشاركت إعلامية في قناة المنار مقطع فيديو منها:

وكان الفيديو الأول قد أثار جدلاً واسعاً بين أنصار حزب الله والإعلاميين المقربين منه أنفسهم، كونه غير صادر بصورة رسمية، ما أثار تشكيكا وتساؤلات وفرضيات، كان أبرزها انتشار مقطع صوتي مسجل، يدعي فيه أحد الأشخاص العاملين في القسم الإعلامي لحزب الله، أنه هو المسؤول عن تسريب هذا الفيديو المصور قبل عام، بمبادرة فردية. 

إلا أنه سرعان ما جرى التخلي عن هذه الرواية بعد تبني المنظومة الإعلامية لحزب الله هذا الفيديو وتناقله وترويجه من جانب شخصيات رسمية في التنظيم وإعادة استخدامه في إصدار رسمي جديد لـ"الإعلام الحربي" التابع لحزب الله، مع الترويج لرواية مقابلة، مفادها ألا شيء يصدر من هذا النوع، كفيديو حصري وحديث وغير منشور لزعيم حزب الله في هذا التوقيت، دون أن يكون ذلك "مقصوداً".

وفي هذا السياق يؤكد مؤسس شركة "influeanswers" للأبحاث، رالف بيضون، أن حزب الله ورغم كونه لم ينشر الفيديو عبر قنواته الرسمية، إلا أنه تبناه بإعادة نشره والترويج له عبر المجموعات المحسوبة عليه، وكان هناك إقرار من ناحية حزب الله بأنه مصدر بث هذا الفيديو. 

ويضيف الخبير باستراتيجيات التواصل والحملات الإعلامية في حديثه لموقع "الحرة" أن انتشار المقطع الصوتي الذي حاول سحب الصفة الرسمية عن الفيديو والقول بأنه قديم، يأتي أيضاً في سياق استراتيجية "الغموض البناء"، أي أن يبث حزب الله هذا الفيديو عبر القنوات المحيطة به، ويبقى قادراً على رفع المسؤولية عنه بكونه لم يصدر عبر قنواته الرسمية، ليبقى التبني عبر القنوات غير الرسمية، على طريقة "نعترف ولا نعترف". 

وأظهر تدقيق أجراه موقع "الحرة" أن المصدر الأول للفيديو يعود لقناة على تطبيق "تيليغرام"، تحمل اسم نصرالله، يعود تاريخ افتتاحها إلى عام 2018 وتحظى بمتابعة أكثر من 16 ألف شخص، وتعنى وفق ما تعلن "بحفظ ونشر آثار الأمين العام لحزب الله"، من خلال توثيق ونشر المقاطع والصور النادرة والحصرية الخاصة به. 

أحدث الفيديوهات.. قديم

موقع "الحرة" دقق أيضا في الفيديو الثاني وهو أحدث الفيديوهات المنشور الثلاثاء، حيث أظهر تحليل اللقطات أنها لا تعود لجلسة تصوير واحدة، وإنما ملتقطة في أكثر من مكان، وهو ما يتبين من خلال اختلاف لون الزي الذي يلبسه نصرالله بين اللقطات.

وفي مراجعة لمصدر اللقطات المستخدمة في الفيديو وتاريخ نشرها، تبين أنها مصورة في مناسبات مختلفة ومنشورة على مراحل متفاوتة منذ 3 سنوات إلى ما قبل شهر من اليوم، عبر قناة على موقع يوتيوب، تحمل الاسم ذاته لقناة تيليغرام التي نشرت الفيديو الأول، والتي تنشر مشاهد من كواليس خطابات نصرالله التي يجري بثها. 

وهو ما من شأنه أن يُفقد هذا الفيديو أي ارتباط فعلي، جرى الحديث عنه بين المشاهد الواردة في الفيديو وحركة نصرالله فيه، وبين التطورات الجديدة المرتبطة بالحرب ومخططات حزب الله، إلا في مخيّلة من قام بإعداد هذا الفيديو وتجميع لقطاته، لنشره في هذا التوقيت. 

ويثير استخدام مقاطع قديمة لنصرالله السؤال عما إذا كان ظهوره القادم سيحمل أي جديد.

إثارة وتشويق

الأكيد، بالنسبة لبيضون، أن هذه الفيديوهات معدة للاستهلاك في الداخل اللبناني "أكثر من الخارج"، معتبرا أنها ليست سوى جزء من البروباغندا الإعلامية لحزب الله، والتي "بدأت منذ الثامن من أكتوبر، عبر بث فيديوهات الضربات العسكرية التي وجهها للمواقع الإسرائيلية، ثم تابع بنشر مشاهد من كل عملياته ومعلومات عامة حول أهدافه". 

ويرى الخبير باستراتيجيات التواصل والحملات الإعلامية أن إعلان حزب الله عن قتلاه بأسمائهم ومناطقهم ونشر صورهم هو أيضاً جزء من البروباغندا، "لاسيما إذا ما قورن بالحرب السورية مثلا، حيث انتهج حزب الله التعتيم الإعلامي الكامل على خسائره في الأشهر السبعة الأولى". 

ويلفت بيضون إلى أن حزب الله قام في سبيل ذلك بإنشاء قناة تيليغرام خاصة بوسائل الإعلام الأجنبية، للإعلان فقط عن قتلاه، أسماها "شهداء حزب الله"، ينشر عليها كل يوم الحصيلة الجديدة، "وذلك لكي يقول إعلامياً للعالم وللفلسطينيين ولحماس ولإسرائيل أنه منخرط في هذه الحرب، ولكن في الوقت ذاته غير منخرط، ويحقق ذلك باستراتيجية الغموض التي يعتمدها ويوجهها لأهداف داخلية". 

وفي نفس السياق، تأتي هذه الفيديوهات السابقة لخطاب نصرالله المقرر الجمعة، بحسب بيضون، الذي يرى أنها "تحمل المنطق الإعلامي ذاته، حيث تمهد لكلام نصرالله وتحضر الجمهور عبر الإثارة والتشويق، المرتكز على الغموض، بحيث لا يتبنونه، ولكن يستخدمونه في إيصال رسائل متوقعة من كلام نصرالله". 

الهدف "تحقق"

من جهته، يرى الإعلامي والمحلل السياسي المقرب من حزب الله، فيصل عبد الساتر، أن "بيت القصيد لا يكمن في تاريخ تصوير الفيديو أو إذا ما صدر عن جهة رسمية في حزب الله أم انتشر بصورة عفوية، وإنما في حجم وسرعة انتشاره والاهتمام الإعلامي الكبير الذي حصّله". 

ويضيف عبد الساتر أن ما يهمه، كمقرب من دوائر حزب الله، "هو الكلام الكبير الذي خرج على الإعلام العبري وعلى لسان المسؤولين الإسرائيليين عموماً والاهتمام الكبير على مواقع التواصل الاجتماعي حول العالم، بهذه الثواني المعدودة، التي تمكن خلالها نصرالله من اقتحام كل الساحات الإعلامية والسياسية".  

وإذ يضع المحلل السياسي فيديو نصرالله في إطار الحرب النفسية، يتابع "سواء كان نشر الفيديو متعمداً، وهذا وارد، أو عفوياً، إلا أن تسريبه جرى بطريقة محترفة وحقق الغاية (المرجوّة) منه، وكان مادة إعلامية حقيقية ضمن إطار الحرب النفسية لإشغال إسرائيل". 

وعن موقف حزب الله من الفيديوهات، وما إذا ما كانت موضع قبول أو انتقاد، يؤكد عبد الساتر أن "الكل يرى الوجهين في هذه المقاطع، وهذا انقسام طبيعي، قد يكون في ذلك استراتيجية إعلامية معتمدة، أو اجتهادات من مجموعات وأفراد يرون فيه سلاحاً استراتيجياً جائزاً في هذا الوقت، فيما يرى آخرون فيه استعراضاً، لجس النبض، فيما المرحلة تحتاج لحرفية ومهنية أكبر".

ويخلص إلى أن "حزب الله ليس منهمكاً الآن بهذا الأمر، هذه الفيديوهات انتشرت ولا معنى لبحث من يقف وراءها، وإنما مفاعيلها الإعلامية، في سياق الحرب النفسية". 

واقع يؤكده بيضون من جهته، إذ يرى أن الناس "لن يطلعوا على حقيقة الفيديوهات هذه، حتى لو خرج حزب الله لاحقاً وكذب هذه الفيديوهات"، لافتاً إلى مقولة مفادها أن "الكذبة تأتي ركضاً، فيما الحقيقة تصل وهي تعرج خلفها". 

بين المنازل السكنية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، يزرع حزب الله الموت.. صواريخ وذخائر في أقبية المباني والمستودعات.
بين المنازل السكنية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، يزرع حزب الله الموت.. صواريخ وذخائر في أقبية المباني والمستودعات.

بين المنازل السكنية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، يزرع حزب الله الموت.. صواريخ وذخائر في أقبية المباني والمستودعات.

قبل أيام، عرض الجيش الإسرائيلي مشاهد لقصف استهدف بنية تحتية قال إنها خُصصت لتخزين صواريخ دقيقة في الضاحية الجنوبية لبيروت، مؤكداً أنه دمرها بالكامل. لم تكن هذه المرة الأولى التي تنشر فيها إسرائيل مقاطع تُظهر استهداف مستودعات أسلحة لحزب الله تتطاير منها الذخائر والصواريخ وسط أحياء سكنية.

أعادت واقعة الضاحية الجنوبية تسليط الضوء على المخاطر الجسيمة التي تتهدد حياة المدنيين في مناطق نفوذ حزب الله.

الدروع البشرية تحمي السلاح؟

بلغ حزب الله من حال الارتباك والضعف درجة الاحتماء بالمدنيين، كما يقول المحلل السياسي الياس الزغبي وهذا ما يفسّر برأيه "تخزينه الأسلحة في عمق المناطق الآهلة وفقاً لما ظهر في الهنغار الذي استهدفته إسرائيل قبل بضعة أيام في الضاحية الجنوبية لبيروت".

وهذا ما يفسّر أيضاً وفق ما يقوله الزغبي لموقع الحرة "الإنذار الذي وجهته إسرائيل إلى المدنيين القاطنين في محيط هذا الموقع كي تتفادى نقمة عالمية في حال سقوط قتلى من الأهالي. ولوحظ هذه المرة أن فترة الانذار كانت أطول من سابقاتها بهدف إتاحة الوقت الكافي لإخلاء الأبنية المحيطة بالموقع المستهدف".

عملياً، لم يعد حزب الله يقيم وزنا للمدنيين، يقول الزغبي، بل لعلّه يفضل وفق ما يشدد "سقوط قتلى كي يستثير العواطف ويؤجج مشاعر بيئته، فهو يضع أولوية الحفاظ على سلاحه قبل أي أمر آخر، حتى لو سقطت أرواح بريئة. وبذلك يكون قد استبدل شعاره "السلاح يحمي السلاح" بشعار جديد "الدروع البشرية تحمي السلاح"!.

يذكر أن للبنانيين تجارب عديدة مع استخدام حزب الله للمناطق اللبنانية في سبيل أنشطته العسكرية، لا سيما في حرب عام 2006، حيث أجرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" تحقيقاً موسعاً حول أداء حزب الله خلال تلك الحرب، بيّن أن الميليشيا التي تصنفها الولايات المتحدة منظمة إرهابية، عرّضت في مواقف عدة موثقة بالتواريخ والأمكنة حياة المدنيين للخطر، إما بسبب نشاطها العسكري أو بسبب إخفاء مخازن أسلحة بين المدنيين.

ووثقت المنظمة حينها عدداً من الحالات التي انتهك فيها حزب الله قوانين الحرب عبر تخزين الأسلحة والذخيرة في مناطق مأهولة وعدم بذل أي جهد بغرض إبعاد المدنيين الواقعين تحت سيطرته عن تلك المناطق.

ونقل التحقيق معلومات مفادها أن حزب الله خزن أسلحةً في مناطق مدنية بضواحي بيروت الجنوبية. وقابل مدنيين في الضاحية الجنوبية نقلوا لـ"هيومن رايتس ووتش" مشاهداتهم لتخزين ونقل الأسلحة من مبان سكنية في الضاحية الجنوبية والاحتماء في ملاجئ مدنية، وهو ما اعتبره التحقيق انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني بتعريض المدنيين للخطر.

في حينها، رأت المنظمة أن الحالات التي قام بها الحزب بتخزين الأسلحة ونشر المقاتلين في أحياء كثيفة السكان، فإنه كان يرتكب انتهاكاً جسيماً لقوانين الحرب، تتضمن "اتخاذ المدنيين دروعاً".

مخاوف محلية وتحذيرات دولية

منذ سنوات، يواصل الجيش الإسرائيلي نشر صور ومقاطع مصورة تُظهر منشآت ومخازن ومصانع صواريخ تابعة لحزب الله، أقيمت وسط مناطق مدنية مأهولة، بعضها يقع قرب مدارس ومساجد ومرافق حيوية. وتتهم إسرائيل الحزب باستخدام السكان المدنيين كدروع بشرية وكساتر لتخزين سلاحه وتنفيذ مخططاته العسكرية، في حين ينفي حزب الله هذه الاتهامات بشكل متكرر.

"والمشكلة أن المدنيين لا حول لهم ولا قدرة على مواجهة ما يقرره حزب الله"، كما يقول الزغبي، "وهم مجبرون على تنفيذ مشيئته ولو على حساب استقرارهم وسلامتهم، لكنهم يتهامسون فيما بينهم عن المصيبة التي أوقعهم فيها الحزب ويناشدون الدولة لإنقاذهم ويسلّمون أمرهم لله".

وشكّل هذا الملف على الدوام محور تجاذب وخلاف داخلي في لبنان، في ظل رفض شريحة واسعة من اللبنانيين لتحويل مناطقهم إلى ساحات عسكرية، وقد برزت هذه المعارضة بشكل واضح في حادثة بلدة شويا في قضاء حاصبيا عام 2021، حين اعترض الأهالي على إطلاق صواريخ من منطقتهم، وقاموا بتوقيف راجمة تابعة لحزب الله. وتكررت مشاهد التوتر في بلدة الكحالة، حيث اندلع اشتباك بين سكان المنطقة وعناصر من الحزب، إثر سقوط شاحنة كانت تنقل أسلحة في قلب البلدة.

وشهدت السنوات الماضية تصاعداً في التحذيرات المحلية من خطورة هذه الممارسات، والتي لم يقتصر على الساحة اللبنانية فحسب، بل اتخذ أبعاداً دولية. ففي عام 2020، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، عن وجود مصنع صواريخ في منطقة الجناح في بيروت، ما أثار موجة من الجدل والقلق. ورداً على الاتهامات، نظّم الجانب اللبناني جولة ميدانية لسفراء عدد من الدول الأجنبية إلى الموقع المذكور، في مسعى لنفي صحة الاتهامات الإسرائيلية وتأكيد خلو المنطقة من أي نشاط عسكري.

وعقب الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل، عاد الحديث عن سلاح الحزب إلى الواجهة، في ضوء اتفاق وقف إطلاق النار الذي يستند إلى القرار الدولي 1701، والذي يشدد بدوره على تنفيذ القرار 1559 القاضي بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية ونزع سلاح الميليشيات.

خرق للقانون الإنساني

يفرض تخزين الأسلحة والصواريخ الالتزام بإجراءات دقيقة وبروتوكولات صارمة تأخذ في الحسبان مختلف الاحتمالات، بما في ذلك خطر الاستهداف، أو التعرض لخلل تقني، أو نشوب حريق، أو تلف المواد المخزنة. ويستدعي ذلك دراسة منهجية لمواقع التخزين، وضمان ابتعادها عن المناطق السكنية لتفادي أي أضرار محتملة. كما يشترط، في هذا السياق، تفكيك المقذوفات كالصواريخ وجعلها غير مفعّلة أثناء التخزين، بهدف الحد من تداعيات أي طارئ قد يؤدي إلى انفجارها أو تسرب مواد خطرة إلى محيطها.

ويلزم القانون الإنساني الأطراف المتقاتلة اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية ما تحت سيطرتها من سكان مدنيين من الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية، ويشمل هذا تجنب إقامة أهداف عسكرية (كالأسلحة والذخيرة) في المناطق المكتظة بالسكان، وعند تعذر ذلك نقل السكان المدنيين بعيداً عن المناطق المجاورة للأهداف.

وتشدد اللجنة الدولية للصليب الأحمر على اتخاذ أقصى "الاحتياطات المستطاعة" خلال الحروب لتجنيب المدنيين آثار العمليات العسكرية، حيث تدعو لاتخاذ الخطوات المطلوبة للتعرف على الهدف العسكري المشروع "في الوقت المناسب وبالشكل الذي يعفي السكان المدنيين من الضرر قدر المستطاع".

ومن بين الاحتياطات، تجنب "إقامة أهداف عسكرية داخل المناطق المكتظة بالسكان أو بالقرب منها، وتدعو أطراف النزاع للسعي بجهد إلى "نقل ما تحت سيطرتهم من السكان المدنيين بعيداً عن المناطق المجاورة للأهداف العسكرية".

وتحذر من أنه لا يجوز لأطراف النزاع استخدام المدنيين لصالح "درء الهجمات عن الأهداف العسكرية" أو التذرع بوجودهم في "درء الهجوم عن الأهداف العسكرية، أو تغطية، أو تحبيذ، أو إعاقة العمليات العسكرية، وإذا استخدم أحد أطراف النزاع المدنيين كدروع يجب ألا يفعل الطرف الآخر مثله، وأن يستمر في اتباع قواعد القانون الإنساني الدولي، وتفادي الهجمات العشوائية واتخاذ الاحتياطات لحماية المدنيين".

معادلة مكشوفة

منذ توريط حزب الله للبنان بالحرب الأخيرة مع إسرائيل، تتعالى أصوات داخل لبنان وخارجه تطالب حزب الله بالالتزام الكامل بالقرارات الدولية، إلا أن الحزب لا يزال يرفض التخلي عن سلاحه في شمال الليطاني، ويضع شروطاً مسبقة للدخول في أي حوار وطني حول هذه المسألة.

من أبرز شروط الحزب، بحسب تصريحات مسؤوليه، أن أي نقاش حول تسليم سلاحه يجب أن يسبقه انسحاب إسرائيل من خمس نقاط في جنوب لبنان.

وحتى الآن لا تبدو الدولة اللبنانية وفق ما يقوله الزغبي "قادرة على حماية الناس من سطوة الحزب، وتتعامل بحذر شديد معه تخوفاً من التصادم وشبح الحرب الأهلية، لكن المجتمع الدولي لن يسمح باستمرار هذا الوضع الضاغط على الدولة، وقد بدأ يضعها أمام استحقاق نزع السلاح غير الشرعي ضمن مهلة محددة قبل أن تتمادى إسرائيل في عملياتها العسكرية".

وفي أي حال بات لبنان كما يشدد الزغبي "أمام معادلة مكشوفة: حصر السلاح فعلياً في يد الجيش أو التعرض المستمر للغارات الإسرائيلية. والمسألة ليست مفتوحة، بل تقاس بالأسابيع".