ر
العاروري قتل مع قياديين من القسام بقصف في ضاحية بيروت الجنوبية

بعد أسابيع قليلة من تهديد رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي "الشاباك"، رونين بار، بتصفية "قادة حماس" حول العالم، قتل أمس الثلاثاء، نائب رئيس المكتب السياسي للحركة  صالح العاروري، في ضربة قرب العاصمة اللبنانية.

وقضى العاروري الذي يعد أبرز مسؤول بحماس يقتل منذ اندلاع الحرب في غزة، مع ستة آخرين، بينهم قياديان في الجناح العسكري للحركة، وفق ما أعلنت الأخيرة، بعد الضربة الجوية التي استهدفت مكتبا لها في الضاحية الجنوبية لبيروت.

ولم تعلن أو تنف إسرائيل مسؤوليتها عن تنفيذ الهجوم، لكن الأميرال، دانيال هاغاري، المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، قال إن، القوات الإسرائيلية في حالة جاهزية مرتفعة ومستعدة لأي احتمالات، في أعقاب تهديد حزب الله، بأن الحادثة "لن تمر دون رد أو عقاب".

ويبعث التطور الأخير تهديدات ومخاوف جديدة من اتساع رقعة الاشتباكات على مستوى الحدود بين إسرائيل ولبنان إلى حرب شاملة، وتبرز معه تساؤلات بشأن تداعياته على الحرب بقطاع غزة، وأيضا مستقبل عمليات الأجهزة الإسرائيلية في بلوغ هدف حربها المعلن: "القضاء على قادة حماس".

"الخطر قائم"

الصحفي الإسرائيلي المتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية، لازار بيرمان، يرى أن "خطر التصعيد قائم"، موضحا أن هناك دائما احتمالا قائما لـ"حدوث سوء تقدير بين إسرائيل وحزب الله"، كما كان الحال قبل نشوب حرب عام 2006.

وتتبادل جماعة حزب الله المتحالفة مع حماس إطلاق النار بشكل يومي مع إسرائيل، عبر حدود لبنان الجنوبية، منذ اندلاع حرب غزة في 7 أكتوبر.

وسبق أن حذر الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، إسرائيل من مغبة تنفيذ أي اغتيالات لقياديي "محور المقاومة" داخل لبنان متوعدا بالرد بقوة عليها، وفقا لفرانس برس.

وفي كلمة ألقاها، الأربعاء، قدم نصرالله التعازي بالعاروري واكتفى بالقول إن مقتله "لن يبقى دون رد وعقاب".

وكان حزب الله قال في بيان، الثلاثاء، إن "هذه الجريمة لن تمر أبدا من ‏دون رد وعقاب.. مقاومتنا على ‏عهدها ثابتة أبية وفية لمبادئها والتزاماتها التي ‏قطعتها على نفسها، يدها على الزناد، ومقاوموها في أعلى ‏درجات الجهوزية ‏والاستعداد".

وفيما يشير بيرمان إلى أن حزب الله وقائده، حسن نصر الله، يتعرضان لضغوط ليَظهروا لـ"محور المقاومة" الإيراني على أنهم قادة القتال ضد إسرائيل، في ظل تقوية الحوثيين لرصيدهم في هذا الصدد، يقول إن ضغوطا أخرى "أقوى"، وخاصة داخلية تفرض عليهما "حسابات أخرى".

في هذا الجانب، يلفت الصحفي الإسرائيلي، إلى أن جر الحزب للبنان للدخول في حرب مدمرة ضد إسرائيل، للانتقام من قائد فلسطيني "لن يحظى بشعبية بالأوساط اللبنانية التي تظهر فيها استطلاعات الرأي معارضة اللبنانيين لخوض الحرب".

بدوره، يؤكد الخبير والمحلل العسكري الفلسطيني، واصف عريقات، أن "باب الاحتمالات مفتوح على مصراعيه، ويمكن أن تتطور الأمور نحو التصعيد"، غير أنه يشير إلى أن قرار توسيع المواجهة من حزب الله "يخضع لحسابات الجماعة الذاتية الدقيقة".

ومن جهة ثانية، يوضح واصف في تصريح لموقع الحرة، أنه "مادامت المقاومة قادرة على التصدي للأهداف الصهيونية بقطاع غزة"، فإن الجبهة اللبنانية ستبقى في "دائرة الاشتباك المنضبط".

ويشدد واصف على أن توجه إسرائيل نحو استهداف قادة حماس بالخارج "دليل على الفشل العسكري في غزة"، معتبرا أنها "عندما تهزم عسكريا تلجأ دائما إلى طرق أخرى، وخاصة الاغتيالات".

"الصراع مفتوح"

ودان رئيس الوزراء الفلسطيني، محمد اشتية، ما قال إنها "جريمة تحمل هوية مرتكبيها"، محذرا "من المخاطر والتداعيات التي قد تترتب عليها. واعتبرها رئيس الحكومة اللبناني، نجيب ميقاتي، محاولة "لتوريط" لبنان في حرب غزة. 

من جهته، دعا الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إسرائيل إلى "تجنب أي سلوك تصعيدي وبخاصة في لبنان".

وقال قصر الإليزيه، إثر مكالمة هاتفية أجراها الرئيس الفرنسي مع عضو مجلس الحرب الوزاري الإسرائيلي، بيني غانتس، إن ماكرون شدد على وجوب "تجنب أيّ سلوك تصعيدي، بخاصة في لبنان، وأن فرنسا ستستمر في إيصال هذه الرسائل إلى كلّ الجهات الفاعلة المعنيّة بشكل مباشر أو غير مباشر في المنطقة".

من جانبها، قالت المتحدثة باسم قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، كانديس أرديل، الأربعاء، إن يونيفيل تشعر بقلق عميق إزاء أي احتمال للتصعيد قد يكون له عواقب مدمرة على الناس على جانبي الخط الأزرق.

وأضافت "نواصل مناشدة جميع الأطراف لوقف إطلاق النار، ومناشدة أي أطراف تتمتع بالنفوذ على أن تحث على ضبط النفس".

في السياق ذاته، يرى الكاتب والمحلل السياسي اللبناني، أحمد عياش، أن بالرغم من تعهد حزب الله بالثأر، فإن أن رده "لن يكون مرتبطا فقط بمقتل العاروري"، باعتبار أن "الطرفين قريبان من حرب كبيرة"، حيث أن ما يجري بجنوب لبنان يشير إلى أن "التحضيرات تمضي نحو اتساع الصراع".

وفي ضوء هذه المعطيات، يرى أن حادثة مقتل العاروري "لن تزيد أو تنقص من هذا المشهد المتوتر والمتدحرج باتجاه الانهيار الشامل".

وبالتالي، يقول إن العاروري "ذهب كما ذهبت قيادات أخرى بارزة في المواجهات القائمة بين حزب الله وإسرائيل"، مثل الأمين العام السابق لحزب الله، عباس الموسوي، مؤكدا أن "الصراع المفتوح لن يقف عند حد، ولا يمكن أن يضيف مقتله أي ردة فعل على هذا المشهد".

"استراتيجي لكن غير مفاجئ"

وكانت إسرائيل توعدت بـ"القضاء" على منظومة حماس العسكرية وقادتها السياسيين، بعد الهجوم غير المسبوق الذي شنته الحركة على جنوب البلاد، والذي أودى الهجوم بنحو 1140 شخصا في إسرائيل معظمهم مدنيّون، واختطاف نحو 250 شخصا رهائن، لا يزال 129 منهم محتجزين في قطاع غزة، بحسب أرقام الجيش الإسرائيلي.

والعاروري (57 عاما)، الذي كان يعيش في بيروت، هو أول قيادي سياسي كبير لحماس، يقتل منذ شنت إسرائيل هجوما شرسا على الحركة قبل ما يقرب من ثلاثة أشهر، ردا على هجوم السابع من أكتوبر.

وفيما لم يعلق المسؤولون الإسرائيليون على ما إذا كانت قواتهم استهدفت العاروري، إلا أن مسؤولين من لبنان والولايات المتحدة أرجعوا الهجوم إلى إسرائيل. 

ونقلت صحيفة "نيويورك تايمز"، عن مسؤول أميركي كبير، قوله إن هذه العملية  الأولى من بين العديد من الضربات التي ستنفذها إسرائيل ضد قادة حماس المرتبطين بهجوم 7 أكتوبر.

وقال المسؤول، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته: "لا أحد في مأمن إذا كان له أي دور في التخطيط لهذه الهجمات أو جمع الأموال لها أو تنفيذها"، ومشيرا إلى تعهد إسرائيل بمطاردة منفذي هجوم 7 أكتوبر أينما كانوا، وأضاف المسؤول: "هذه مجرد البداية، وسوف تستمر لسنوات".

في هذا السياق، يرى المحلل السياسي الإسرائيلي، شلومو غانور، أن إسرائيل "ستذهب بشكل أكبر في منحى استهداف قادة حماس بالخارج، الذين كانوا وراء هجوم السابع من أكتوبر".

وأضاف في تصريح لموقع "الحرة"، أن إسرائيل "ستلاحقهم وتصفيهم كما فعلت بمنفذي العملية الإرهابية لأولمبياد ميونيخ، حينما تم قتل أفراد منظمة "أيلول الأسد"، متوقعا تكرار نفس السيناريو".

وفي هجوم ميونيخ الذي أشار إليه غلومو، قتل 11 من أعضاء الفريق الأولمبي الإسرائيلي في سبتمبر 1972، عندما شن مسلحون من منظمة "أيلول الأسود" الفلسطينية هجوما على مقر بعثات دورة الألعاب الأولمبية بالمدينة الألمانية.

ودفعت الحادثة إسرائيل، حينها، لتشكيل لجنة سرية ترأستها رئيسة الوزراء، غولدا مائير، ووزير الدفاع، موشيه دايان، للرد على مقتل الرياضيين الإسرائيليين عبر عمليات استخباراتية أطلق عليها "غضب الرب"، وذلك بهدف قتل كل من له علاقة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمنظمة "أيلول الأسود".

وتمكنت اللجنة التي تشكلت، والأفراد التابعين لها في جهاز "الموساد"، من تعقب أعضاء "أيلول الأسود"، وقتلوا العديد منهم.

أحد منفذي عملية ميونيخ 1972 كما ظهر على شرفة بمقر البعثة الأولمبية الإسرائيلية
من "غضب الرب" إلى "نيلي".. تاريخ سري ومعلن للاغتيالات الإسرائيلية
عندما هدد رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي "الشاباك"، رونين بار، قبل أيام بعزم إسرائيل تصفية "قادة حماس" في كل مكان حول العالم استحضر على نحو لافت "عملية ميونيخ" التي حدثت في سبعينيات القرن الماضي، بقوله في تسجيل مصور: "حدد لنا مجلس الوزراء هدفا.. هو القضاء على حماس.. هذه ميونيخ الخاصة بنا. سنفعل ذلك في كل مكان".

ويوضح غلومو، أن بلاده "ستكرر نفس السيناريو، لضرب كل من استهدف أمنها وسلامة مواطنيها مهما طال الأمد"، مشيرا إلى أن "هذه سياسة إسرائيلية ليست وليدة اليوم".

في السياق ذاته، يقول الصحفي الإسرائيلي، لازار بيرمان، إن مقتل القيادي بحماس في الخارج، يمثل "تغييرا" في استراتيجيات إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، غير أنه يقول إن العملية ليست "مفاجئة".

ويؤكد بيرمان، أنه منذ الهجوم الإرهابي في السابع من أكتوبر، أكد القادة الإسرائيليون، بمن فيهم نتانياهو، بشكل علني، على أنهم سيطاردون قادة حماس في كل مكان.

ويكشف المتحدث، أن مسؤولي حماس في لبنان، يمثّلون "هدفا" أسهل من أولئك الموجودين في تركيا وقطر، غير أنه يشير إلى أن "إسرائيل تعمل على الوصول إليهم أيضا".

الحدود بين لبنان وإسرائيل تشهد اشتباكات شبه يومية منذ 8 أكتوبر
الحدود بين لبنان وإسرائيل تشهد اشتباكات شبه يومية منذ 8 أكتوبر

أكد الجيش الإسرائيلي، الاثنين، أن عددا من جنوده أصيبوا داخل الأراضي اللبنانية بعد إعلانه في وقت سابق تعرض 4 منهم لانفجار وقع ليلا "في منطقة الحدود الشمالية". 

وقال متحدث باسم الجيش لوكالة فرانس برس إنه "من المؤكد أن الحادث وقع داخل لبنان". وكان حزب الله اللبناني أعلن في وقت سابق، الاثنين، أنه فجّر عبوات ناسفة بجنود إسرائيليين بعدما تجاوزوا الحدود إلى داخل الأراضي اللبنانية.

ونقلت "تايمز أوف إسرائيل" عن الجيش إن أربعة جنود أصيبوا في انفجار وقع على بعد مئات الأمتار داخل الأراضي اللبنانية خلال الليل، مشيرا إلى أن أحدهم إصابته خطيرة.

ويجري الجيش تحقيقا في سبب الانفجار الذي وقع في المنطقة الغربية من الحدود مع لبنان.

وهذه أول مرة يتبنى خلالها حزب الله تنفيذ عملية من هذا النوع منذ بدء تبادل إطلاق النار بين الجانبين على وقع الحرب المستمرة في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر، وفق فرانس برس.

وتأتي العملية بعد توتر شهدته المنطقة في عطلة نهاية الأسبوع، مع إطلاق إيران عشرات المسيّرات والصواريخ على إسرائيل، في أول هجوم مباشر تشنّه طهران على إسرائيل، ردا على قصف مبنى القنصلية الإيرانية في دمشق مطلع أبريل، الذي اتهمت إسرائيل بالوقوف وراءه.

ومنذ الثامن من أكتوبر، يتبادل حزب الله وإسرائيل القصف عبر الحدود بشكل شبه يومي. وقُتل في لبنان 364 شخصا على الأقل بينهم 240 عنصرا في حزب الله و70 مدنيا على الأقل، وفق حصيلة أعدّتها وكالة فرانس برس استنادا إلى بيانات الحزب ومصادر رسمية لبنانية. وأحصى الجانب الإسرائيلي من جهته مقتل 10 عسكريين و8 مدنيين.