طائرات حربية إسرائيلية تحلق فوق مناطق في لبنان . أرشيفية
طائرات حربية إسرائيلية تحلق فوق مناطق في لبنان . أرشيفية

سادت حالة من الهلع والخوف مناطق لبنانية عدة، ظهر الأربعاء، بعدما دوّت أصوات انفجارات كبيرة هزت المنازل وحطمت زجاج نوافذها وواجهات محال تجارية، في وقت تسود البلاد حالة ترقب واحتياط، مترافقة مع توسع رقعة العمليات العسكرية بين حزب الله والجيش الإسرائيلي، وسط خشية تدهورها إلى حرب شاملة بشكل سريع.

تبين في وقت لاحق أن الأصوات ناجمة عن خرق الطائرات الحربية الإسرائيلية لجدار الصوت في سياق مناورات جوية وغارات وهمية فوق مناطق عدة، بحسب ما أفادت وكالات إعلامية لبنانية، طمأنت السكان إلى حقيقة ما حصل، بعدما ساد اعتقاد بوقوع قصف جوي.

وانتشرت مقاطع مصورة على شبكات التواصل الاجتماعية ترصد الغارات الوهمية.

وأفاد سكان مدن النبطية، صور، صيدا، ومناطق الزهراني والشريط الحدودي جنوب لبنان وإقليم الخروب والشوف وصولاً إلى عاليه، بسماع دوي الأصوات، فيما سجل تحطم زجاج بعض المنازل والمحال التجارية نتيجة الاهتزازات القوية المرافقة لها.

وسادت حالة هلع في الشوارع والمنازل حيث أقفلت بعض المؤسسات التجارية أبوابها، فيما توجه الأهالي إلى المدارس لاصطحاب أبنائهم، في حالة من الخوف، بعدما قررت إداراتها الإقفال نتيجة ما حصل. 

وتمكن العديد من السكان من مشاهدة الطائرات التي كانت تناور على علو منخفض بالعين المجردة، كما قاموا بتصويرها حيث انتشرت العديد من المقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي. 

وتصدر "جدار الصوت" و"الطيران الإسرائيلي" قائمة الوسوم الأكثر تداولاً في لبنان على منصة إكس، حيث استعرض المغردون تجربتهم وكيف تفاعلوا مع الصوت، بينما طمأن آخرون لكونها ليست غارات، فيما عبر الباقون عن سخطهم من أجواء التوتر والقلق التي يعيشونها في ظل هاجس اندلاع حرب واسعة. 

تروي سهام (أم حسين) من منطقة صور جنوب لبنان، كيف هرعت من حديقة منزلها إلى الداخل عند سماعها صوت الانفجار، وتضيف في حديثها لموقع "الحرة": "كنت أفكر أثناء عملي في الحديقة بضحايا القصف الذين سقطوا في منطقة مجدل زون - المنصوري، وأدعو الله ألا يتفاقم الوضع أكثر من ذلك، وإذ بصوت الانفجار يدوّي". 

 

وتتابع "هرعت إلى الداخل وإذ بصوت انفجار لاحق أكثر قوة، ترافق مع صوت تحطم زجاج ووقوع أغراض داخل المنزل وخارجه، كانت حالة مربكة ومخيفة، بدأت أستطلع من الداخل لأفهم ما حصل، وكنت ضائعة ما إذا كان قصفاً قريباً أو جدار صوت لأنني سمعت صوت الطيران، قبل أن يصلها اتصال للاطمئنان وأبلغها أنه جدار صوت".

تصف سهام حالة أحفادها الصغار الذين عاشوا بدورهم حالة رعب كبيرة، "كانوا في حالة صدمة بعد نوبة صراخ وبكاء، حفيدتي كانت تشير إلى السماء وتقول: بوم بوم وتبكي".

الأصوات أعادت لسهام ذكريات قديمة وانعكست عليها حالة توتر وقلق استمرت معها طيلة النهار وفق ما تقول، وتضيف "يبدو أن كل ما عشناه من صدمات حروب وقصف بدأ يظهر تأثيره علينا الآن". 

أما فايز، من سكان قضاء عاليه، استيقظ من نومه في حالة هلع بعد سماعه دوي صوت قوي مترافق مع اهتزازات. 

ويروي لموقع الحرة: "قفز كلبي بشكل مفاجئ من مكانه ودوى صوت الانفجار وإذ بصوت تهشم زجاج في الصالون، دخلت لأجد واجهة المنزل الزجاجية وقد تحطمت، ظننت أن القصف بدأ في بيروت". 

دقائق مرعبة عاشها فايز كمعظم اللبنانيين الذين شهدوا الغارات الوهمية، ويقول: "تجمدت في مكاني أفكر: 'هل بدأت الحرب؟ ماذا سأفعل الآن؟ بمن اتصل؟'"، قبل أن يعلم من مواقع التواصل الاجتماعي أنه "مجرد جدار صوت". 

ما هو جدار الصوت؟ 

ويعتبر إطلاق وصف "جدار الصوت" على الدوي الذي يسمع خطأً شائعاً، فالصوت ينتج فعلياً عن خرق الطائرات السريعة في تحليقها لسرعة الصوت (343 متر في الثانية)، وهو ما يسمى "كسر حاجز الصوت". 

ويشرح العميد الطيار المتقاعد، أندريه أبو معشر، أن الطائرة تصدر موجات صوتية خلال تحليقها، حين تسبق بسرعة تحليقها ذبذبات الصوت الذي تصدره يتشكل ما يسمى بـ "جدار الصوت" وينتج عنه صوت الدوي وارتجاجات صوتية، تؤدي إلى تحطم الزجاج والاهتزاز. 

وحين تسبق الطائرة سرعة الصوت فإنها تصطدم بالموجات الصوتية الصادرة عنها، لكن وبدلا من أن ترتد الموجات الصوتية عند اصطدامها بالأشياء، فإن الطائرة تخترقها وتحولها إلى موجة صوتية واحدة تنطلق خلفها بشكل مخروطي، هي عبارة عن صوت الدوي الذي يسمع عند بلوغه الأرض.  

وعادة ما يترافق جدار الصوت مع تشكل غيمة دائرية تحيط بالطائرة، تتكون من الاحتكاك العنيف للطائرة السريعة مع جزيئات الهواء، تشكل موجة الصدمة مخروطا من جزيئات الهواء المضغوط التي تتحرك للخارج والخلف في جميع الاتجاهات. 

وبحسب ما يشرح موقع "ناسا" فإن الهواء يتفاعل مثل السائل مع الأجسام الأسرع من الصوت. عندما تنتقل الأجسام عبر الهواء، يتم دفع جزيئات الهواء جانبا بقوة كبيرة وهذا يشكل موجة صادمة مثلما يخلق القارب موجة مقوسة عند سيره في البحر.

ويضيف أنه كلما كانت الطائرات أكبر وأثقل، زاد الهواء الذي تزيحه في تحليقها فوق سرعة الصوت. ويلعب حجم الطائرة وارتفاعها وسرعتها ومسارها فضلا عن حال الطقس والضغط الجوي دورا رئيسيا في حجم الصوت المسموع عند خرق حاجز الصوت. 

ولا تستطيع كل الطائرات أن تخترق حاجز الصوت، فهناك أنواع عديدة من الطائرات، "تحت صوتية"، التي تحلق بسرعة أدنى من سرعة الصوت، ولها حدود قصوى وقيود التصميم نسبة لهيكلها ومحركها، ولكن معظم الطائرات الحربية الحديثة تفوق سرعة الصوت ويمكنها خرق حاجزه، وفق ما يؤكده أبو معشر في حديثه لموقع "الحرة". 

ليس لـ "جدار الصوت" أي أثر أو استخدام عسكري، بحسب أبو معشر، حيث تقتصر أضراره على تحطيم الزجاج وما ينتج عن الارتجاجات التي يتسبب بها، ولكن لا استعمال قتالي له، ويستدرك "لكن قد يكون لهذه المناورات دور في التأثير النفسي".

ويضيف أنه يمكن للطائرات أن تخرق جدار الصوت على ارتفاعات متوسطة أو عالية أو منخفضة، "لكن دأبت الطائرات الإسرائيلية على تعمد خرق جدار الصوت على علو منخفض وفقما رأينا اليوم للتأثير النفسي وكأنها بهذه الخطوات تصدر تحذيرات من قدرتها على الوصول والقصف والتحليق". 

ويعتبر العميد الطيار المتقاعد أن ما حصل في لبنان، الأربعاء، "يحمل نوعا من الاستعراض، فالطائرات العسكرية تسعى عادة للتحليق بسرية لعدم اكتشافها وتنفيذ مهمتها، ولكن حين تصل إلى ارتفاعات منخفضة وتخرق جدار الصوت من هذا العلو، وكأنها تعلن عن نفسها وعن وجودها، وعلى الأرجح أنها رسائل نفسية للتحذير والتخويف، يمكن القول إن هدفها مثل هدف القنبلة الصوتية". 

وتزامن تحليق الطائرات الإسرائيلية في الأجواء اللبنانية مع إعلان التلفزيون التابع للنظام السوري عن تعرض منطقة كفرسوسة بالعاصمة السورية، دمشق، الأربعاء، لقصف "إسرائيلي"، وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بوقوع قتيلين على الأقل في غارة إسرائيلية على دمشق، حسبما نقلت وكالة فرانس برس. ولاحقا ارتفعت الحصيلة إلى 3 قتلى بعد مقتل "مدني سوري جراء شظايا الاستهداف الإسرائيلي"، وفقا للمرصد السوري.

يأتي ذلك في وقت تزداد فيه حدة الاشتباكات الحدودية بين حزب الله والجيش الإسرائيلي، وتتوسع رقعتها على مساحات جغرافية أوسع، كانت قد اندلعت غداة هجوم حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر، حيث يستهدف حزب الله مواقع وتجهيزات عسكرية إسرائيلية، فيما يرد الجيش الإسرائيلي بقصف مواقع وبنى تحتية تابعة للتنظيم. 

وشن الطيران الإسرائيلي على مدى الأربعاء سلسلة غارات استهدفت بلدات ومناطق جنوب لبنان، بينها غارة على مبنى سكني في منطقة المنصوري – مجدل زون، أدت إلى مقتل سيدة وطفلتها بحسب ما أعلنت الوكالة الرسمية للإعلام في لبنان.

كذلك أعلن حزب الله من جانبه، الأربعاء، تنفيذ سلسلة من عمليات القصف نفذها باتجاه مواقع واهداف عسكرية إسرائيلية. 

وتسود مخاوف محلية ودولية من احتمال توسع رقعة المواجهات الحدودية إلى حرب واسعة، حيث تبذل العديد من الدول الغربية على رأسها الولايات المتحدة جهوداً دبلوماسية كبيرة لضمان منع التصعيد. 

مصارف لبنان

في تحول تاريخي لعمل القطاع المصرفي اللبناني، أقرّ مجلس النواب الخميس تعديلات على قانون السرية المصرفية تسهّل للهيئات الناظمة الحصول على كامل المعلومات المتعلّقة بالحسابات.

جاءت الخطوة تلبية لمطلب رئيسي من مطالب صندوق النقد الدولي.

واعتبر رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، القرار "خطوة ضرورية نحو الإصلاح المالي المنشود وركيزة أساسية لأي خطة تعافٍ، ولكشف الحقائق" بشأن الأزمة المالية التي بدأت عام 2019.

والجمعة، نُشر في الجريدة الرسمية اللبنانية قانون تعديل بعض المواد المتعلقة بسرية المصارف في لبنان، بما في ذلك تعديل المادة 7 (هـ) و (و) من القانون المتعلق بسرية المصارف الذي أقرّ عام 1956، وكذلك تعديل المادة 150 من قانون النقد والتسليف الصادر في عام 1963، بموجب القانون رقم 306 الصادر في 28 تشرين الأول 2022.

وينص التعديل الجديد على تعديل المادة 7 (هـ) من القانون المتعلق بسرية المصارف بما يسمح بمشاركة معلومات مصرفية بين مصرف لبنان، ولجنة الرقابة على المصارف، والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، في إطار تعزيز مراقبة القطاع المصرفي وحماية النظام المالي. 

ويشمل التعديل أيضا صلاحيات تعديل وإنشاء مؤسسة مختلطة لضمان الودائع المصرفية.

أما المادة 7 (و) فتتيح للجهات المعنية، مثل مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، طلب معلومات مصرفية محمية بالسرية دون تحديد حساب أو عميل معين. ويتيح التعديل إصدار طلبات عامة للحصول على معلومات عن جميع الحسابات والعملاء، إلا أن هذه الطلبات يمكن أن تكون قابلة للاعتراض أمام قاضي الأمور المستعجلة، ويخضع الاعتراض للأصول القانونية المتعلقة بالاعتراض على العرائض.

وفي ما يتعلق بالمادة 150 من قانون النقد والتسليف، تضمن التعديل رفع السرية المصرفية بشكل كامل وغير مقيد أمام مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، بالإضافة إلى المدققين والمقيمين المعينين من قبل مصرف لبنان أو اللجنة.

وتشمل التعديلات الحسابات الدائنة والمدينة، سواء كانت ضمن أو خارج الميزانية، كما تتيح رفع السرية المصرفية عن سجلات ومستندات ومعلومات تعود إلى أشخاص معنويين أو حقيقيين يتعاملون مع المصارف أو المؤسسات المالية الخاضعة للرقابة. ويشمل تطبيق هذا التعديل بأثر رجعي لمدة عشر سنوات من تاريخ صدور القانون.

وقد شهد لبنان خلال الأسابيع الماضية نقاشات حادة، رأى فيها معارضون للخطوة أن هذا القانون ورفع السرية المصرفية طي لصفحة من تاريخ لبنان المالي العريق من خلال "إلغاء ميزة تفاضلية،" وبأن كشف الفساد ليس معطلاً بسبب السرية المصرفية.

ويرى المتحمسون للقانون أن من شأن التعديلات الجديدة تعزيز الشفافية في القطاع المصرفي في لبنان وتحسين مراقبة ومراجعة العمليات المصرفية، في وقت يشهد فيه القطاع المصرفي تحديات كبيرة في ظل الأزمة المالية المستمرة.

وأوضحت "المفكرة القانونية" وهي منظمة حقوقية غير حكومية، في بيان أصدرته أن التعديل يخوّل "الهيئات الرقابيّة والهيئات النّاظمة للمصارف، وتحديدًا مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، طلب الحصول على جميع المعلومات المصرفية، من دون أن يربط طلب المعلومات بأيّ هدف معيّن، وإمكانية التدقيق في الحسابات بالأسماء، تصحيحا لقانون 2022" والذي تضمن بعض التعديلات.

يعتمد لبنان السرية المصرفية منذ عام 1956، وكان لذلك أثر كبير في جذب رؤوس الأموال والودائع وتوفير مناخ الاستقرار الاقتصادي. وبموجب هذا القانون تلتزم المصارف الخاضعة لأحكامه السرية المطلقة، إذ لا يجوز كشف السر المصرفي سواء في مواجهة الجهات الخاصة أو السلطات العامة، وسواء كانت قضائية أو إدارية أو مالية، إلا في حالات معينة في القانون وردت على سبيل الحصر، وهي:

1- إذن العميل او ورثته خطيًا.
2- صدور حكم بإشهار افلاس العميل.
3- وجود نزاع قضائي بينه وبين البنك بمناسبة الروابط المصرفية. 
4- وجود دعاوى تتعلق بجريمة الكسب غير المشروع. 
5- توقف المصرف عن الدفع، إذ ترفع في هذه الحالة السرية المصرفية عن حسابات أعضاء مجلس الإدارة والمفوضين بالتوقيع ومراقبي الحسابات. 
6- الاشتباه في استخدام الأموال لغاية تبييضها، وعندها ترفع السرية المصرفية بقرار من هيئة التحقيق الخاصة لمصلحة المراجع القضائية المختصة والهيئة المصرفية العليا، وذلك عن الحسابات المفتوحة لدى المصارف أو المؤسسات المالية.

وبالفعل ومنذ إقرار هذا القانون ازدهر القطاع المصرفي اللبناني واستطاع جذب رؤوس أموال، لكن كل ذلك تغير مع اندلاع الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات، وبدأت الليرة اللبنانية رحلة الانهيار. خمسة عشر عاما من الاقتتال، انتهت بتسويات سياسية، تبعها نظام اقتصادي جديد، قاده منذ عام 1993 الراحل رفيق الحريري رئيسا للحكومة، ورياض سلامة حاكما لمصرف لبنان المركزي، سعيا وراء الاستقرار. 

وبعد أربع سنوات من استلام منصبه، نجح سلامة في تثبيت سعر العملة اللبنانية، عند 1500 مقابل الدولار الأميركي.

استمرت تلك المعادلة أكثر من عقدين، لكنها كانت تحتاج إمدادات لا تنقطع من العملة الصعبة للمحافظة على استمرارها. وفي محاولة لسد العجز، سعت المصارف اللبنانية لجذب حصيلة كبيرة من العملة الخضراء عبر تقديم فوائد مرتفعة على الودائع الدولارية، فوائد تراوحت بين 15 و 16 في المئة.

نتيجة للفوائد البنكية المرتفعة، شهدت ودائع القطاع المصرفي اللبناني نمواً سنوياً وصل ذروته بقرابة 12 مليار دولار خلال عام 2009.

أغرت الفوائد العالية المقيمين والمغتربين، ليصل إجمالي الودائع في المصارف اللبنانية إلى أكثر من 177 مليار دولار في نهاية نوفمبر عام 2018. 

منذ عام 2017، تراجع الاحتياطي في خزينة مصرف لبنان، رغم محاولات جذب الدولار. وفي صيف عام 2019، لاحت بوادر صعوبة في توافر الدولار في الأسواق اللبنانية، فارتفع سعر صرفه مقابل الليرة للمرة الأولى منذ أكثر من 20 عاما، ما دفع الحكومة لاتخاذ إجراءات استثنائية. لكن البعض يرى أن تلك القرارات جاءت متأخرة.

في أكتوبر 2019، انفجر الشارع اللبناني مطالبا بإسقاط السلطة السياسية، وأغلقت المصارف أبوابها، لكن تقارير صحفية تحدثت عن عمليات تحويل لأرصدة ضخمة الى خارج البلاد.

في تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، نُشر في صيف 2020، فإنه، وفقا لكبير موظفي الخدمة المدنية المالية السابق في لبنان ومدير عام وزارة المالية السابق ألان بيفاني، قام مصرفيون بتهريب ما يصل إلى 6 مليارات دولار من لبنان منذ  أكتوبر 2019، في تحايل على الضوابط التي تم إدخالها لوقف هروب رأس المال، مع غرق البلاد في أسوأ أزمة مالية منذ ثلاثين 30 عاما، بينما بات مصير مليارات الدولارات مجهولًا. 

بدأت الأزمة المالية بالظهور تدريجيا، لكنها انفجرت حرفيا منذ اندلاع الاحتجاجات في شهر أكتوبر عام 2019. وتشير تقارير رسمية إلى أن أموالا طائلة تصل إلى مليارات الدولارات تم تحويلها إلى الخارج، بينما تم حجز ودائع صغار زبائن البنوك، من دون ضمانات لحماية ودائع المواطنين، ولا سيولة نقدية.

وتقدر تقارير دولية والمصرف المركزي اللبناني أن ودائع صغار زبائن البنوك بحوالي 121 مليار دولار منها ودائع لغير المقيمين تُقدّر بـ20 مليار دولار، وأصحابها لبنانيون وعراقيون ويمنيون وليبيون ومصريون ومن دول الخليج، إضافة لودائع للسوريين، يقدر المصرفيون بأنها أكثر من 3 مليارات دولار.

وفيما تجري التحقيقات حول آلية تهريب الأموال، لم يصل المحققون المحليون ولا حتى الدوليون إلى جواب شاف، لكن كانت دائما "المصالح المتشابكة داخل النظام اللبناني" جزءا من الجواب.

وتعتبر البنوك اللبنانية مرآة للنظام من حيث التقسيم الطائفي، فغالبيتها تابعة لجهات سياسية ومقربين منها، الأمر الذيث كان واضحا في انعدام الرقابة على عمليات إدخال أموال حزب الله المهربة أو غير الشرعية إلى هذه البنوك، مما يعني عمليات تبييض وشرعنة لهذه الأموال.

منذ منذ عام 2001، وضعت الولايات المتحدة حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية، وفرضت عليه عقوبات ضمن خطة لمكافحة تمويل الإرهاب. وفي هذا الإطار صدر قانون مكافحة تبييض الأموال رقم 44، عام 2015، والذي لم يتم تعطبيقه، واكتفى مصرف لبنان بتعاميم، لم تغير واقع الحال.

بدأ لبنان في يناير 2022 مفاوضات رسمية مع صندوق النقد الذي طالما شدد على أنه لن يقدم أي دعم طالما لم تقرّ الحكومة إصلاحات على رأسها تصحيح الموازنة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وإصلاح المؤسسات العامة والتصدي للفساد المستشري.

وأعلن الصندوق في أبريل من العام ذاته اتفاقا مبدئيا على خطة مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار على أربع سنوات، لكنّ تطبيقها كان مشروطا بإصلاحات لم يتم تنفيذ معظمها.

في سبتمبر عام 2024، أوقف الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، وهو حتى اليوم قيد التحقيق في اتهامات بغسيل الأموال وشراء وبيع سندات خزينة الحكومة اللبنانية. ومنذ انهيار حزب الله اللبناني، في حربه مع إسرائيل، وصعود ما سمي بالعهد الجديد، أقرت حكومة نواف سلام مشروع قانون لإعادة هيكلة المصارف، استجابةً لمطالب صندوق النقد الدولي، الذي اشترط تنفيذ إصلاحات جذرية، بينها رفع السرية المصرفية، كشرط أساسي لأي دعم مالي للبنان، كما تأتي في ظل إدراج مجموعة العمل المالي (FATF) لبنان على اللائحة الرمادية بسبب ثغرات خطيرة في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

من المتوقع أن تسهم هذه التعديلات في تعزيز الشفافية المالية، ومكافحة الفساد وتبييض الأموال والتهرب الضريبي، كما يُتوقع أن تفتح الباب أمام إعادة هيكلة النظام المالي اللبناني بالكامل، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، وتأمين الدعم المالي اللازم من الجهات المانحة.

إلا أن نجاح هذه الخطوة لا يقاس فقط بالكشف عن الحسابات، بل العبرة في التنفيذ في ظل نظام قضائي شبه مهترئ وتورط بعض من أصحاب النفوذ السياسي والمالي أنفسهم.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن يسلك طريق العهد الجديد الذي وعد به اللبنانيون، أو يظل الفساد العنوان الأبرز في سياسات لبنان المالية المقبلة.