موقع الأبراج على تلال مرتفعة ومشرفة على مساحات واسعة في الداخل السوري
موقع الأبراج على تلال مرتفعة ومشرفة على مساحات واسعة في الداخل السوري | Source: lebanese army

من خارج سياق الأحداث والتطورات التي يشهدها لبنان على حدوده الجنوبية مع إسرائيل، برزت قضية ملحّة من خلف حدوده الشمالية والشرقية مع سوريا، أثارت استفهامات حول توقيتها وسياقها، تمثلت في مذكرة احتجاج سورية رسمية، نادرة في نوعها، تلقتها الخارجية اللبنانية الأسبوع الماضي، تصنف أبراج مراقبة حدودية للجيش اللبناني بأنها "تهديد للأمن القومي السوري"، وتتهمها بالتجسس لصالح إسرائيل.

"لماذا الآن؟" كان السؤال الأبرز الذي طرح في لبنان في الأيام الماضية، خاصة وأن إنشاء تلك الأبراج وانطلاق العمل بها، يعود إلى أكثر من 10 سنوات مضت لم تشهد أي اعتراض، وهو ما فتح الباب أمام الكثير من التحليلات للخطوة السورية وأبعادها، والهدف المرجو من إثارة الملف في العلن، وعلى مستوى دبلوماسي رسمي، في هذا التوقيت بالذات.

وبحسب فحوى الاحتجاج الذي تناقلته وسائل إعلام لبنانية، فإن المتهم الرئيسي في هذا الملف، إلى جانب لبنان، هو الحكومة البريطانية، التي تعتبر عرّاب مشروع الأبراج الحدودية وراعية تجهيزها والتدريب على استخدامها، حيث جاء إنشاؤها بالتزامن مع الهجمات الإرهابية التي تعرض لها لبنان عبر حدوده مع سوريا منذ عام 2013، لمساعدة الجيش اللبناني في عملية ضبط الحدود ومواجهة عمليات التسلل والتهريب.

وتزعم المذكرة السورية أن الناتج المعلوماتي عن معدات المراقبة في هذه الأبراج، "يصل إلى أيدي البريطانيين، الذين يزودون الجانب الإسرائيلي بها للاستفادة منها في توجيه ضربات في العمق السوري".

وتحدثت المذكرة عن "تهديدات على مستويات عدة" تشكلها منظومة الأبراج، لاسيما لناحية المعدات الاستعلامية والتجسسية الحساسة التي تتضمنها، والتي تجمع المعلومات من مسافات عميقة في الداخل السوري. كما ذكرت بالقانون الدولي المتعلق بالحدود المشتركة بين الدول، والذي يفرض مشاركة المعلومات الناتجة عن رصد الأبراج الحدودية بين الدول في حالة السلم، ويسمح للدولتين بإقامة أبراج متقابلة على جانبي الحدود، في حالة الحرب.

وفيما طالبت المذكرة الحكومة اللبنانية بالتوضيح واتخاذ الإجراءات اللازمة "لحماية الأمن المشترك"، لم يعلن الجانب اللبناني بعد عن أي رد رسمي في هذا السياق، باستثناء تعليق صحفي مقتضب لوزير الخارجية اللبناني، عبد الله بو حبيب، أكد فيه أن لبنان "لا يقبل بأن تشكل هذه الأبراج أي أمر عدائي تجاه سوريا"، مذكراً أن الهدف منها يقتصر على مراقبة الحدود ومنع التسلل والتهريب.

وأوضح بوحبيب أن الخارجية اللبنانية تنتظر الرد التقني من الجيش اللبناني على المذكرة السورية لصياغة جوابها، منوّها بأن التشاور حول هذه المسائل الكبرى "يتم على أعلى المستويات داخلياً"، من أجل الخروج بالحلول الأنسب لضمان استقرار لبنان.

"توقيت مريب"

وأثار الاحتجاج السوري، عاصفة ردود أفعال في الداخل اللبناني، بين من انساق خلف التحذيرات السورية من "تجسس دولي" قد تتيحه تلك الأبراج، وبين معترضين على ما وصفوه "إهانة" للجيش اللبناني تتضمن تخويناً وتشكيكاً بأدائه بكونه المشغل لتلك الأبراج والمشرف على عملها والمعلومات الناتجة عنها.

في هذا السياق يرى النائب في البرلمان اللبناني، أنطوان حبشي، أن توقيت إثارة الملف من الجانب السوري، "ملفت للنظر"، واصفاً "الاستفاقة السورية بعد 12 عاماً على إقامة الأبراج" بأنها "مريبة جداً"، خاصة أنها أنشئت في سياق معروف للجميع، وبتعاون معلن بين لبنان وبريطانيا.

يستغرب النائب عن منطقة بعلبك الهرمل، التي تضم الامتداد الشرقي الأوسع للحدود اللبنانية مع سوريا، طرح هذا الملف الآن من الباب الأمني، وتصوير الأبراج على أنها عامل مساعد يسهل استهداف العمق السوري من جانب إسرائيل، فيما تتعرض سوريا للقصف الإسرائيلي منذ سنوات، تسبق حتى إقامة الأبراج، معتبراً أن الربط القائم بين الأمرين "مخالف للمنطق".

ويبدي حبشي عدم استغرابه من الجانب السوري "منطق تخوين الجيش اللبناني وتصويره وكأنه يعمل لصالح جهات خارجية ويأتمر منها، هذا المنطق أيضاً يعززه حلفاؤهم في الداخل عند كل خلاف سياسي، عبر التخوين واتهام الآخر بولائه وبالعمالة"، معتبراً ذلك منطق من يريد الاستمرار في استباحة لبنان وسيادته على أراضيه.

ويلفت حبشي في حديثه لموقع "الحرة"، إلى أن تزامن الاعتراض السوري مع طرح بريطاني جديد لإقامة مثل هذه الأبراج على الحدود الجنوبية للبنان مع إسرائيل، كجزء من الحلول المطروحة للتوتر الحدودي القائم، "ليس من باب الصدفة"، مضيفاً "وكأن المذكرة ليست سورية، بل صادرة عن فريق لبناني فاعل في سوريا، يعبر عن عدم ارتياحه للمسار الذي تسير به الأمور"، في إشارة إلى حزب الله.

وكان وزير الخارجية البريطانية، ديفيد كاميرون، قدم اقتراحات حول كيفية إرساء التهدئة جنوب لبنان، في سياق زيارة له إلى لبنان مطلع فبراير الماضي، من بينها تعميم نموذج أبراج المراقبة على الحدود الجنوبية، لضمان تنفيذ واحترام القرار 1701 ومراقبة أي مظاهر مسلحة على الجانبين في عمق معين، على أن تكون تحت إشراف القوات الدولية (اليونيفيل) المنتشرة جنوب لبنان، بحسب ما نقلت تقارير محلية.

في حينها هاجمت وسائل إعلام مقربة من حزب الله المقترح البريطاني، معتبرة أنه "خدمة لأمن إسرائيل على حساب لبنان"، ومحاولات "ترهيب وترغيب" لحزب الله من أجل وقف عملياته العسكرية. وهو ما أوحى بارتباط الاحتجاج السوري المستجد على الأبراج، بالمقترح البريطاني المقدم.

"تجهيزات جديدة؟"

إلا أن الرواية المنقولة عن الجانب السوري لأسباب الاحتجاج تتحدث عن إدراج معدات جديدة ضمن تجهيزات أبراج المراقبة، "تتضمن أجهزة تشويش وتنصت، تغطي مساحات واسعة من العمق السوري تصل إلى نحو 80 كلم"، وفق ما ينقل المحلل العسكري، عمر معربوني.

ويلفت إلى أن توفر تلك المعلومات لدى الجانب السوري هو ما بدل مقاربته لقضية الأبراج، "التي كانت قبل ذلك مزودة فقط بكاميرات حرارية يبلغ مداها الفعال نحو 6 كلم، وكان الأمر متفق عليه بين الجانبين اللبناني والسوري، عبر مكتب التنسيق العسكري بين الجيشين السوري واللبناني"، وهو عبارة عن قنوات استخباراتية وعسكرية لتبادل المعلومات بين الجانبين، خاصة فيما يتعلق بالإرهاب والتهريب وأمن حدود البلدين.

وبحسب معربوني فإن "موقع الأبراج على تلال مرتفعة ومشرفة على مساحات واسعة في الداخل السوري، مع معدات متقدمة تشرف على تشغيلها وصيانتها جهات خارجية، بإمكانها أن تؤمن للمستفيدين منها، إمكانية مراقبة مباشرة ودائمة، تؤمن تشويش أو تنصت مستدام على الجانب السوري، بشكل أفضل من الطائرات أو الأقمار الاصطناعية، وأوفر وأكثر دقة، وهو ما يفسر الحساسية والخشية السورية".

إلا أن اللافت بالنسبة إلى معربوني كان آلية إرسال الاحتجاج، بصيغة الاحتجاج الدبلوماسي الموجه رسميا للخارجية اللبنانية، "وهذا أمر غير مسبوق"، حيث كانت هذه الرسائل تصل عبر قنوات الاتصال التي يوفرها مكتب التنسيق العسكري مع الجانب السوري. وهو ما يشير إلى أن التواصل عبر المكتب لم يصل إلى نتيجة، ما دفع إلى رفع مستوى الاحتجاج.

وإذ يرى معربوني أن المذكرة لم تتضمن أي تخوين للجانب اللبناني، "وانما طلب توضيح لبعض المسائل"، يستبعد ارتباطها بالعرض البريطاني المتعلق بجنوب لبنان، "خاصة وأن هناك رفض حاسم من الجانب اللبناني لهذا المقترح لاسيما من قبل حزب الله"، معتبراً أن هذا الربط يأتي في سياق التجاذب السياسي.

وفي السياق نفسه برز كلام عن انزعاج لدى حزب الله من الأبراج على الحدود السورية، يعود لأعوام ماضية، بكونها تقع على معابر حدودية يستخدمها في نقل أسلحته وإمداداته العسكرية من الجانب السوري. إلا أن معربوني يذكّر أنه وعلى مدى أكثر من 10 أعوام، لم يسجل أي اعتراض من تلك الأبراج لتحركات حزب الله أو إمداداته، كما لم يسجل أي كلام أو تسريبات في هذا الشأن، معتبراً أن "حزب الله لديه ثقة بالجيش اللبناني في هذا الجانب".

قصة نشأة الأبراج

وتمتد تلك الأبراج على مدى الحدود اللبنانية السورية من منطقة العريضة شمال لبنان إلى ما بعد قرية راشيا في الجنوب الشرقي، ويقدر عددها بـ 39 برجاً، بينها أبراج محمولة ومتنقلة، يوفر كل منها رؤية بنصف قطر 360 درجة لمسافة 10 كيلومترات.

وجاء الإعلان الرسمي عن هذه الأبراج من جانب الحكومة اللبنانية في ديسمبر عام 2014، حيث قال رئيس الحكومة اللبنانية في حينها، تمام سلام، إن "ضباطا بريطانيين استخدموا وسائل حديثة وأقاموا بشكل سريع نحو 12 برج مراقبة للجيش اللبناني في الجبال على الحدود الشرقية، تسمح له بمراقبة التحركات في هذا القطاع بشكل أفضل وإقامة موقع دفاعي متقدم"، عقب مواجهات مع تنظيمات إرهابية متسللة من تنظيمي داعش والنصرة.

جاء ذلك عقب كشف حصري عن تلك الجهود البريطانية في تقرير لصحيفة "ديلي تلغراف"، نشر أواخر نوفمبر 2014، بعنوان "الدور البريطاني السري في وقف مذبحة داعش في لبنان"، تحدث عن فرقة بريطانية سرية عملت في يوليو 2014 بسرعة وجهود ضخمة لبناء الأبراج على الحدود السورية، لمنع سقوط بلدة مسيحية حدودية في أيدي داعش ووقوع مذبحة فيها.

وبحسب الصحيفة كان ذلك ناجم عن اهتمام وثيق من جانب رئيس الوزراء البريطاني في حينها، ديفيد كاميرون، بإنقاذ القرية.

في حينها وبعد نشر التقرير الصحفي، أصدرت السفارة البريطانية في لبنان، توضيحاً كشفت فيه أن الحكومة البريطانية أسهمت بـ273 مليون دولار من المساعدات للجيش اللبناني جاءت على شكل آليات وعتاد عسكري وشبكة اتصالات لاسلكية.

ويحظى الجيش اللبناني بدعم دول غربية عدة، في طليعتها الولايات المتحدة الأميركية ودول أوروبية. وتعبر بريطانيا باستمرار عن التزامها بدعم الجيش اللبناني لحفظ الاستقرار والسلام في لبنان، وقدمت في هذا السبيل مساعدات وعتاد بمئات ملايين الدولارات، فضلا عن تدريبات واسعة لآلاف الجنود على القتال واستخدام معدات المراقبة والاتصال.

ورغم أن تلك الأبراج تخضع لسلطة الجيش اللبناني وإشرافه، يصطلح في لبنان على تسميتها "الأبراج البريطانية" نسبة لقصة نشأتها برعاية وتمويل بريطاني، فضلاً عن كونها مستوحاة من اختبار بريطانيا لفعالية تلك الأبراج في أيرلندا الشمالية.

وأجرت فرق بريطانية متخصصة العديد من الدورات التدريبية لعناصر وضباط بالجيش اللبناني، وفق ما يعلن موقعه على الإنترنت، وذلك في مجال مراقبة الحدود البرية والمهارات الأساسية لضبطها، ودروس على نظام ARGUS المستخدم في الأبراج، والمراقبة المتحركة  Mobile Observation، ومراقبة الحدود وضبطها عبر أبراج مراقبة، واستخدام مناطيد مجهّزة بكاميرات ونظام CLIO وأجهزة الإشارة Datron وBarette، فضلاً عن تدريبات حول نظام DTRA المعتمد في أبراج المراقبة، والذي يؤمّن المراقبة والاتصال بين الوحدات والقيادة.

إلا أن الفكرة بأصلها تعود إلى ما قبل ذلك بأعوام، وتحديداً إلى عام 2006، بعد انتهاء "حرب تموز" وصدور القرار 1701، بحسب ما يؤكد العميد المتقاعد في الجيش اللبناني، خليل الحلو، في حديثه لموقع "الحرة"، إذ ينص البند رقم 14 في القرار الأممي على "مطالبة حكومة لبنان بتأمين حدوده وغيرها من نقاط الدخول لمنع دخول الأسلحة أو ما يتصل بها من عتاد إلى لبنان دون موافقتها، ويطلب إلى قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان مساعدة الحكومة بناء على طلبها".

منذ ذلك الحين، بحسب الحلو، بدأت الدول الداعمة للجيش اللبناني، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا ودول بالاتحاد الأوروبي، البحث في آليات لضبط الحدود، وهو ما نتج عنه إنشاء أفواج حرس الحدود البرية تباعاً، ولتفعيل عمل هذه الأفواج بدأ الحديث عن أبراج المراقبة التي رعتها بريطانيا لاحقاً.

ويشرح العميد المتقاعد أن تلك الأبراج موصولة مع قيادات أفواج الحدود البرية، بحيث أن كل برج بحسب نطاقه يرسل المعلومات والمشاهد المباشرة إلى غرف عمليات خاصة بالأفواج، كذلك في قيادة الجيش، ويمكن أن يغطي (البرج) مدى 20 كلم.

وبحسب المعلومات الواردة في الموقع الرسمي للجيش اللبناني، يحتوي كل برج كاميرا تتحرّك 360 درجة ومنظار، بالإضافة إلى شاشة في غرفة عمليات البرج وأخرى في إمرة السرية. ويتم معالجة الثغرات في تغطية كاميرات المراقبة الناجمة عن طبيعة الأرض، بالاستعانة بحسّاساتٍ (Sensors) تطلق إنذارًا عند مرور أشخاص، حيث يتم التعامل معها عبر دورية أو طائرة من دون طيّار.

وحول الإشراف التقني الخارجي على تجهيزات تلك الأبراج يلفت الحلو إلى أن استخدام تلك الأبراج على مدى سنوات يتطلب أعمال صيانة وتأهيل، جرى تمويلها بمبادرات دولية غربية، وتم توكيل شركات خاصة بهذه المهمات، يهتمون بصيانة هذه الأبراج بالتنسيق مع قيادة الجيش اللبناني وتحت إشرافها، وشملت الصيانة الكاميرات وأجهزة الاستشعار، والمولدات الكهربائية، والطاقة الشمسية، وغيرها.

ويتابع أن بعض الكاميرات المستخدمة في هذه الأبراج جرى إرسالها إلى السويد سابقاً لإصلاح بعض الأعطال، "حيث لا يجري إصلاحها إلا هناك".

يذكر أن الجيش اللبناني سبق أن أعلن عبر موقعه عن إيفاد ضباط وعناصر إلى السويد لتدريبهم على استخدام أجهزة المراقبة FLIR الخاصة بالتصوير الحراري، وبرنامج Cameleon.

"إثارة بلبلة للفت الانتباه"

إلا أن ذلك لا يعني صحة الاتهامات السورية بحسب الحلو، الذي يضيف أن "النظام السوري يريد أن يقنعنا أن تلك الأبراج هي التي تهدد أمنه القومي، في وقت يعمل على الأراضي السورية 10 جيوش وتنظيمات على الأقل، من بينها الجيش الأميركي والجيش الروسي، والتركي والإسرائيلي، والحرس الثوري الإيراني وحزب الله، والميليشيات العراقية وقوات سوريا الديمقراطية والجيش الحر، فضلاً عن داعش والنصرة".

ويضيف أن اعتبار النظام السوري الأبراج أداة تجسس بريطانية لصالح إسرائيل، يأتي في وقت يحاول فيه النظام نفسه استعادة التواصل مع بريطانيا تحديداً، ومع غيرها من الدول الغربية المقاطعة له.

وإذ يستبعد الحلو بدوره أي ارتباط حقيقي بين إثارة الجانب السوري للقضية وموقف حزب الله من الأبراج، أو مقترح نشرها جنوباً، يرى أن "النظام السوري يرفع السقف ويثير بلبلة حول العديد من الملفات من أجل الضغط لتحقيق مكتسبات".

ويضيف "صحيح أن المدخل لبنان، لكن الضغط فعلياً في هذه المسألة هو على بريطانيا، المهتمة بمسار مشروع الأبراج الذي أسسته واستثمرت فيه لينجح، فيما تعمل على تعميمه. ويسعى من خلال هذه المسألة للفت الانتباه البريطاني إليه أملاً باستعادة التواصل معه".

أما عن المطالبة بمشاركة الناتج المعلوماتي لتلك الأبراج، يؤكد العميد المتقاعد في الجيش اللبناني أن التنسيق بشأن تلك المعلومات قائم عبر المخابرات من الجانبين، في المقابل لا يقوم الجانب السوري بواجبه في هذا الاطار لضبط التهريب بمختلف أشكاله واتجاهاته، بل يتورط فيه أيضاً، "وبالتالي التنسيق ومشاركة المعلومات لن يقدم أو يؤخر".

ويختم "أما إن كان لديه رغبة ببناء أبراج مماثلة من ناحيته، فهذا حقه ويستطيع فعلها بموجب القانون الدولي، ولا أحد يمنعه من ذلك".

لبنانيون عاشوا لحظات رعب أثناء الهجوم الإيراني
لبنانيون عاشوا لحظات رعب أثناء الهجوم الإيراني

يعيش اللبنانيون حالة من الترقب والقلق من تداعيات الضربة الإيرانية على إسرائيل، وسط احتمالية تورّط بلدهم في الصراع الجديد والذي لم يغب كلياً عن مشهده، حيث مرّت الصواريخ والمسيرات فوق أراضيه ودوت أصوات الانفجارات في أجواء مختلفة من مناطقه، نتيجة اعتراضها بالدفاعات الجوية من دول مجاورة.

ولا تزال انعكاسات تبدّل "قواعد الاشتباك" بين إيران وإسرائيل من الحرب بالواسطة إلى المواجهة المباشرة، ضبابية، لاسيما فيما يتعلق بدور حزب الله في حلقة النار الجديدة بعدما جرى تحيّده عن الجولة الأولى، ورمي طهران الكرة في ملعب إسرائيل، لكن تبقى الخشية من أن يتحول لبنان إلى الملعب الرئيسي للمواجهة.

وما أن أعلن عن الضربة الإيرانية حتى اتخذ وزير الأشغال والنقل اللبناني، علي حمية، قرار إغلاق الأجواء اللبنانية أمام جميع الطائرات القادمة والمغادرة والعابرة لها، وذلك بشكل مؤقت واحترازي، كما سارع لبنانيون إلى التزود بالوقود، خوفا من توسّع الحرب.

وعقب تنفيذ طهران وعيدها بالردّ على استهداف مبنى قنصليتها في سوريا، دعا رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية، نجيب ميقاتي، إلى جلسة طارئة قبل أن يعدّلها إلى جلسة تشاورية، وأشارت وزارة الخارجية اللبنانية إلى أنها تتابع "بقلق شديد الأحداث والتطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، بعد أن وصلت المنطقة برمتها إلى حافة الهاوية".

ودعت الوزارة في بيان إلى "وقف التصعيد والتهديد بشن الحرب والأعمال العسكرية الانتقامية بأشكالها كافة، والعودة إلى احترام قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، الرادع الوحيد لتجنب تبعات انفجار الشرق الأوسط برمته".

خطوات استباقية

عاش وسيم وعائلته ساعات من الرعب بعد توجيه إيران لمسيراتها وصواريخها نحو إسرائيل، وجلسوا جميعا أمام التلفاز، يترقبون ما ستؤول إليه الأمور، ويقول: "سارعت زوجتي إلى تجهيز حقيبة وضعت فيها ملابسنا وأوراقنا الثبوتية وما نملكه من مال استعداداً للمجهول القادم، قبل أن تنضم إلينا في متابعة الأحداث حتى الفجر".

ويضيف في حديث مع موقع "الحرة" أنه "كلبنانيين لم نعش في أمان وهدوء منذ سنوات، دائماً لدينا خوف من حدوث تفجير أو انفلات أمني، إلا أن هذا النوع من الحروب الإقليمية وإمكانية انزلاق لبنان فيها، لم نختبره بعد".

وفقا لوسيم، لبنان ليس في وضع يمكّنه من تحمل تبعات حرب واسعة، ويشرح: "نمر في أزمة متعددة الأبعاد، اقتصادية واجتماعية وأمنية تتفاقم بشكل يومي، والآن نتخوف من تدهور الوضع بشكل دراماتيكي، نفكر أين سنتهجر، فنحن نسكن في بيروت على مقربة من الضاحية الجنوبية، وقد سبق أن هدد مسؤولون إسرائيليون بأنها ليست بمنأى عن الضربات فيما لو توسعت الحرب".

ويشدد: "كما معظم اللبنانيين، أعاني من وضع مالي صعب. لا أملك المال الكافي لاستئجار منزل بعيد عن معاقل حزب الله، أو لتأمين مؤنة لمدة طويلة، فأنا موظف براتب بسيط تآكلت قيمته نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار".

ويتابع، الوالد لطفلين، التطورات على مدار الساعة عبر هاتفه، وهو يخشى من الرد الإسرائيلي على الهجوم الإيراني، يبحث مع شقيقيه عن منزل صغير للإيجار في الجبل استعداداً واستباقاً لما سيؤول إليه الوضع، ويقول "لن أغامر في انتظار دخول لبنان في حرب شاملة إذا ما ارتأت إيران ذلك، سأتجهز لها آملاً عدم اندلاعها".

ويُلاحظ أن كل ردود فعل وتفاعلات إيران في المنطقة، إن كان فيما يتعلق بحرب غزة أو استهداف قنصليتها في دمشق، "وكأنها تخدم مصالح إسرائيل" وفقاً لما يقوله المحلل العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد يعرب صخر، "فقبل الرد الهزلي أو المسرحي الذي لم ينفع إيران ولم يضر إسرائيل، كانت إسرائيل تواجه موقفا دولياً ورأياً عاماً عالمياً ممتعضاً من العنف المفرط الذي تمارسه في غزة، وضغطاً أميركياً لعدم توسيع الجبهات وفتح معركة رفح، وبدأت دول مثل إسبانيا، على سبيل المثال، تتجه للاعتراف بدولة فلسطينية".

أما بعد الرد الإيراني، استعادت إسرائيل بحسب ما يقوله صخر لموقع "الحرة" "التعاطف العالمي والتأييد الدولي، شاهدنا كيف أن دولا مثل فرنسا وأميركا وبريطانيا، وقفت إلى جانبها على الفور، وأسقطت أكثر من 50 في المئة من المسيرات والصواريخ الإيرانية، وما تبقى واجهته إسرائيل، ليفشل الهجوم الإيراني بنسبة 99 في المئة".

كما كشف الرد الإيراني "الهزيل" بحسب صخر، أن "طهران كانت تؤدي دوراً مرسوماً لها في المنطقة بإشاعة الفوضى وعدم الاستقرار وسلب قرار الدول وشغل دول الطوق المحيطة، كما أظهر أن فلسطين بالنسبة لها ليست قضية بل للمتاجرة، وبأنها تريد أن تفرض نفسها مستغلة الانشغال الإسرائيلي في غزة والانهماك الأميركي في الانتخابات الوشيكة، لتتحول من عامل مساعد في نشر الفوضى إلى عامل منافس في التقرير على طاولة التفاوض في الشرق الأوسط، كما أظهر أنها هي التي أوهن من بيت العنكبوت وليس إسرائيل، حيث تبين مدى هشاشة قوتها على عكس ما كانت تعلن".

أصعب الخيارات

التوتر المتصاعد في المنطقة، يلقي بظلاله على ميادة وعائلتها، حيث تقول "يخيم شبح توسّع الحرب على أفكارنا وحياتنا، ومنذ الضربة الإيرانية، برز لدينا خيار السفر إلى بلد أوروبي كطوق نجاة مما يدور، لكن سرعان ما اصطدم هذا الخيار بالواقع، وهو أن ليس جميع أفراد العائلة يحملون تأشيرة شنغن".

خيار البقاء تحت رحمة الظروف المقلقة "صعب جدا" وتقول ميادة "نخشى أن يدّمر البلد فوق رؤوسنا كما حصل مع سكان غزة، فلا أحد كان ليتوقع أن يواجه أشخاص ما يواجهونه من موت ودمار ومجاعة. ومن دون تدمير بالكاد تستطيع مستشفيات لبنان تأمين العلاج لمرضاها فكيف إن اندلعت حرب شاملة، وسقط عدد كبير من القتلى والجرحى".

وتضيف بحزن: "وكأنه لا يكفينا كل الأزمات التي نمر بها والخوف على حياتنا من الجرائم والسرقات وارتفاع الأسعار وانتشار الفقر والمعارك على حدودنا الجنوبية، حتى نترقب حرب شاملة في ظل سلطة عجزت على مدى خمس سنوات من وضع خطة لحل أزمات لبنان والتي كان لها اليد الطولى فيها".

وتشدد ميادة "يبقى خيار الهجرة هو المطروح بالنسبة لنا، وإن كان الابتعاد النهائي عن الوطن صعباً جداً، لكن اللجوء إلى بلد يؤّمن لنا عيش كريم أفضل من العيش في وطن على صفيح ساخن لا نعلم متى يحرقنا جميعاً إذا ما قرر حزب الله ذلك".

ورسم حزب الله هدفه في هذه الحرب بمساندة حماس في غزة، بحسب ما يقوله الخبير الإستراتيجي والعسكري، العميد المتقاعد ناجي ملاعب، "ورسم قواعد الاشتباك وهي (بتوسعوا من وسّع)، والتي لم يتجاوزها سوى بضع مرات، تاركاً الأمر لإسرائيل، حيث يوسّع الحزب الأهداف إذا ما أقدمت إسرائيل هي على ذلك، كما حدث عندما قصفت بعلبك فوسّع الحزب ضرباته نحو الجولان".

واليوم نواجه خطراً حقيقياً، يقول ملاعب، لموقع "الحرة" "فعندما وصل الأمر إلى استهداف قادة إيرانيين في سوريا، وقصف القنصلية الإيرانية في دمشق أثناء عقد قادة إيرانيين اجتماعاً، واعتبار طهران أنها أرض إيرانية وما حصل يستوجب الرد، فإن هذا الرد دونه استراتيجية جديدة يمكن أن تتبعها إسرائيل تجاه إيران وهي تمتلك الإمكانيات لذلك، فلديها غواصتين من طراز الدولفين أمام الخليج العربي وطيران متفوق، ولكن بعد تصدي طائرات أميركية وبريطانية وفرنسية للصواريخ الإيرانية، أصبح القرار الإسرائيلي للدفاع بيد أكثر من جهة".

واحتمال توسيع إسرائيل لجبهة لبنان وارد، كما يشدد ملاعب "لا بل من المتوقع أن يكون الرد على كامل المحور، من لبنان إلى دير الزور في أقاصي سوريا".

بين الاستعداد والاستبعاد

تطورات الميدان لا تشي بالخير بحسب ما يرى، علي، لذلك قرر الانتقال من الضاحية الجنوبية لحين انجلاء كيفية مسار الأمور، ويقول "لم أفكر سابقاً باتخاذ هذا القرار رغم مرور عدة أشهر من المعارك الدائرة بين حزب الله وإسرائيل على الحدود، لكن دخول إيران المباشر في مواجهة هي الأولى من نوعها في المنطقة، دفعني إلى ذلك".

ولا يريد علي الهروب بسرعة، من دون أن يتمكّن من نقل أغراضه الثمينة وملابس والدته وشقيقته وحاجياتهم، ويقول لموقع "الحرة" "بالتأكيد سيسارع بعض مالكي الشقق الجشعين إلى رفع بدلات الإيجار كما في كل أزمة، غير آبهين بوضع أبناء وطنهم، لكن ليس أمامي خيار آخر، فوالدتي طاعنة بالسن لن أتركها حتى اللحظة الأخيرة للهرب تحت الصواريخ والنار".

ومن الاستعدادات التي يتخذها اللبنانيون لاحتمالية اندلاع حرب، التهافت على شراء المواد الغذائية وتخزينها، ويقول علي: "علينا التعامل مع الظروف المستجدة، لذلك قصدت السوبرماركت لشراء المعلبات والأرز والمعكرونة وغيرها، خوفاً من انقطاعها من الأسواق وتحسباً من ارتفاع أسعارها لاسيما بعد التأكيدات الإسرائيلية بالرد على الضربة الإيرانية".

ويبدي الشاب الثلاثيني استغرابه من استبعاد بعض أصدقائه وأقاربه امكانية توسّع الحرب، "لا بل منهم من يتحدثون بثقة بأن إسرائيل لا تريد الحرب مع إيران لا سيما بعد موجة الصواريخ التي أطلقتها مثبتة أنها لا تهاب الدخول في حرب مباشرة إذا ما استدعى الأمر ذلك".

وكان موقع "أكسيوس" الأميركي، قد ذكر الاثنين، نقلاً عن مسؤول أميركي ومصدر آخر مطلع، إن وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، أبلغ نظيره الأميركي، لويد أوستن، الأحد، أن "إسرائيل لا يمكنها السماح بإطلاق صواريخ بالستية على أراضيها دون رد"، حسبما قال المسؤول الأميركي والمصدر المطلع على المكالمة لموقع "أكسيوس".

وكشف مسؤول أميركي كبير للموقع، أن التقييم الأميركي هو أن إيران سترد على أي ضربة إسرائيلية كبيرة وعلنية على الأراضي الإيرانية بجولة جديدة من الهجمات الصاروخية والطائرات بدون طيار.

وخلال مكالمتهما الهاتفية الأخيرة، دعا الرئيس الأميركي، جو بايدن، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، إلى ضرورة للتفكير بعناية وبشكل استراتيجي بشأن خطر التصعيد الإقليمي نتيجة لأي انتقام إسرائيلي على الهجوم الإيراني، حسبما قال مسؤول أميركي كبير في مكالمة مع الصحفيين.

الأمور مهيأة الآن بحسب صخر "لاستغلال إسرائيل الوضع، خاصة مع تخفيف الضغط الأميركي عنها وتبدّل الرأي العام العالمي، لذلك ستبدأ بالتحرك، سواء في جنوب لبنان أو في سوريا أو في مناطق أخرى، لكن الساحة الأكثر إغراء هي جنوب لبنان، حيث يُعتبر حزب الله الذراع القوي والطويل لإيران، وإسرائيل ترغب في قطعه لتحقيق أهدافها، لاسيما بعد أن استطاعت السيطرة على غزة بنسبة 90 في المئة".