قرية دبل في الشريط الحدودي
مناطق الشريط الحدودي اللبناني تواجه أوضاع صعبة بسبب الحرب

منذ عقود، تلاطمت بهم أمواج الحروب، حاصرتهم بلا رحمة، لكنهم، كشجر متجذّر، صمدوا وواجهوا العواصف، وتمسكوا بأرضهم.

في صمت عاشوا معاناتهم، كتموا آلامهم، لكن عزيمتهم لم تنكسر، وإرادتهم ظلت عصيّة على الانحناء.. إنهم مسيحيو الشريط الحدودي الجنوبي في لبنان، الذين لطالما فُرِض عليهم دفع ثمن فاتورة حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

مع اندلاع حرب غزة، انتزع قرار الحرب والسلم من يد السلطة اللبنانية مرة أخرى، لتواجه قرى الشريط الحدودي المسيحية من جديد سحب النيران الداكنة، ومع تصعيد العمليات العسكرية، يجد أبناء تلك القرى أنفسهم في مواجهة مع المخاطر التي أثقلت كاهلهم.

وللشهر الثامن على التوالي وعيون من تبقى من أهالي هذه القرى مشرّعة على مصراعيها، خوفاً من قذائف تباغتهم أو انفجارات تهزّ أركان حياتهم، في ظل تعقيدات المشهد وغرق المنطقة في المزيد من الضبابية.

يضاف إلى قلقهم الأمني، معاناة معيشية تزداد حدّة يوماً بعد يوم، فمع تقطّع سبل العيش وتراجع النشاطات الاقتصادية، تصبح إمكانية تلبية احتياجاتهم الأساسية تحدّياً كبيراً.

القوزح.. إصابة في الصميم

من رحم التاريخ، تروى حكاية القوزح، قرية لبنانية عتيقة، عمرها ألف عام، حفرت آثارها الرومانية ذاكرة المكان، ونسج أهلها خيوط الحياة ببساطة وكرم.

ومنذ اندلاع المعارك بين حزب الله وإسرائيل، حيث القصف متواصل على البلدات المجاورة لهذه القرية لاسيما على بيت ليف، نزح أهلها، تاركين وراءهم صدى ضحكاتهم في الأزقة، وعبق ذكرياتهم في البيوت الحجرية، وآثاراً صامتة، وحقولاً خضراء.

لم يبق في هذه القرية، كما يقول مختارها السابق متى نجم "سوى تيريز ونزهة، الشقيقتان الطاعنتان في السن، تحرسان إرث العائلة، وذاكرة والدهما الراحل الخوري بطرس نجم".

من بلدة القوزح

أغلبية أهالي القرية بحسب ما يقوله نجم لموقع "الحرة" "مهاجرون بين أميركا وكندا وأستراليا، حيث كان يسكن فيها حوالي ألف نسمة، وقبل اندلاع المعارك بين حزب الله وإسرائيل كان عدد سكانها نحو 150 نسمة نزحوا تباعاً، ومؤخراً عادت أربع عائلات، لعلّها تحيي روح المكان الذي يشتهر بمناخه الجميل وآثاره وكرم أهله، ولكن، قبل أيام قليلة، فُتحت جراح جديدة في قلب القوزح، عندما تعرّضت الحارة القديمة فيها للقصف".

الحارة القديمة، شريان تاريخ القوزح، وذاكرة أجيالها، تكبّدت خسائر فادحة، وفقاً لما يقوله نجم "فقد تهدّم قسم كبير من بيوتها العتيقة، تلك البيوت التي عمرها 200 سنة، لكن مهما حصل سنعيد ترميمها لتبقى حكاية تروى للأجيال القادمة عن حبنا العميق لهذه الحارة التي نعتبرها رمزاً لتراثنا وحضارتنا العريقة".

ويشدد على أن "الدمار الذي طال قرى الشريط الحدودي المسيحية لا يذكر مقارنة بما طال القرى الشيعية، حيث المشهد فيها يفطر القلب، وفعلاً حزننا كبير على ما آل بجيراننا الذين تربطنا بهم علاقات تاريخية، أُسسها المحبة وتبادل الأفراح والأتراح". 

يزور متى بلدته بين الحين والآخر، لكنه لم يعد يبيت فيها، فقلبه معلّق هناك، وجزء من روحه سكن تلك الأزقة الضيقة، ويقول "رحلت عائلات القوزح تاركة حقول التبغ والزيتون تئنّ حزناً، فلم تُقطف ثمار الزيتون العام الماضي، ولم يزرع تبغ هذا العام. توجه البعض إلى بيروت، بحثاً عن الأمان، بينما لجأ آخرون إلى دير في رميش، أو استقروا عند أقاربهم هناك، كل ذلك نتيجة صراعات يمكن أن تحل بعيداً عن لغة النار".

يناجي نجم بلدة القوزح، داعياً لها بالحفظ والسلام، متمنياً عودته وأبنائها عما قريب، لتعود الحياة تنبض في شوارعها، وتزهر حقولها من جديد.

عين إبل.. والظلال القاتمة

في قلب بنت جبيل، تقف بلدة عين إبل شامخة، رافعة راية الصمود في وجه عواصف الحرب العاتية. لم تقصف البلدة حتى الآن، لكن أصوات القصف تتردد في أرجائها من القرى المجاورة والأحراج المحيطة بها.

يحذّر رئيس بلديتها، عماد اللوس، من أن عين إبل، مثل باقي القرى المجاورة، تعيش في حالة حرب تحيط بها من كل جانب، وتلقي بظلالها القاتمة على حياة الأهالي.

عين إبل، تلك البلدة الساحرة التي تبعد عن الحدود حوالي 6 كيلومترات، كانت قبل اندلاع المعارك بين حزب الله وإسرائيل تتحول في فصل الصيف إلى واحة حياة نابضة بالحركة، فمع قدوم المغتربين والمصطافين، يرتفع عدد سكانها من 1500 نسمة في الشتاء إلى حوالي 4000 نسمة.

اليوم، كما يقول اللوس لموقع "الحرة"، "يخيم شبح النزوح على القرية، حيث غادر نصف سكانها بيوتهم بحثاً عن الأمان بعيداً عن أصوات القصف ومشاهد الدمار، لا سيما من يملكون منازل في العاصمة، وأولئك الذين تسمح لهم أحوالهم المادية باستئجار منزل، ومن لم يستطيعوا الرحيل، يواجهون قسوة الأيام بقلوب صامدة وعزائم لا تقهر".

نزوح الأهالي لا ينفي أنهم متمسكون بأرضهم ومنازلهم، فهم ليسوا مجرّد قاطنين، بل هم روّاد هذه الأرض، وصنّاع تاريخها، وحماة حاضرها، فإن غادرها بعضهم لحين أن تضع الحرب أوزارها إلا أنهم سيعودون إليها حتماً، فهم يدركون أن هذه الأرض وطنهم، وهم بالتأكيد غير راضين عن هذه الحرب.

ويهدّد النزوح الجماعي الحالي مستقبل الأجيال القادمة، خاصة مع إغلاق مدرسة عين إبل النموذجية لراهبات القلبين الأقدسين، التي تضم تلاميذ من كل القرى التي حولها، ولفت اللوس إلى أنه "أكثر من نصف التلاميذ من الطائفة الشيعية والبقية من عين إبل ورميش. مئات الطلاب يتابعون دروسهم عبر الإنترنت، كحلّ مؤقت لا يغني عن الحاجة الماسة للعودة إلى المقاعد الدراسية".

لم تقو أصوات القذائف والصواريخ على إسكات أجراس كنائس البلدة التي لا تزال تقرع كأنها لحن يقاوم صخب الحرب، كما ما زالت القداديس قائمة على إيقاع القصف الذي يتصاعد بوتيرة يوميّة.

وخلال الأعياد تقام الاحتفالات، في تحدّ للظروف القاسية، ويشير اللوس إلى أن " ثلثي أهالي البلدة من الموارنة والبقية من الكاثوليك".

تعرف البلدة وفقاً لما يقوله اللوس "بطابعها السياحي، حيث تنتشر فيها المطاعم والفنادق، كما يمارس سكانها عدداً من المهن، مثل النجارة والحدادة".

يخشى أهالي عين إبل، بحسب اللوس، من خطر توسع المعارك، ويقول "كل الدلائل تشير إلى أن الصراع قد يتفاقم، وأن تداعياته ستكون وخيمة، وفي ظل الظروف الصعبة مدت يد الدعم والمساندة لأبناء البلدة من جهات مسيحية ومجلس الجنوب وجمعيات غير حكومية".

وفي قلب عين إبل، حيث تنسج خيوط الإيمان مع خيوط التاريخ، ينتظر مشروع ضخم وضع اللمسات الأخيرة عليه، إنه مزار "أمّ النور"، ويشرح رئيس البلدية "هذا المزار، الذي سيصبح أعلى برج للسيدة مريم العذراء في لبنان، أكثر من مجرّد مبنى حجري، فهو شعلة تضيء دروب أبناء بنت جبيل ولبنان".

وصل العمل في مشروع المزار إلى مراحله الأخيرة، "فقد تم الانتهاء من بناء البرج الذي يبلغ ارتفاعه 62 متراً، بينما يقف التمثال الضخم للسيدة مريم العذراء جاهزاً بانتظار أن يوضع على قمته، بارتفاع يبلغ 14 متراً. ولكن، الظروف الحالية تحول دون إتمام هذا المعلم الديني".

دبل.. فرار من الجحيم 

في حضن الجنوب، حيث تتراقص أشجار الزيتون على نسمات الهواء العليل، تقع بلدة، دبل، التحفة الفنية التي رسمت بألوان الأخضر والذهب، والمعروفة بهدوئها، الذي كسرته وطأة القصف الذي يعصف بمحيطها وعلى أطرافها.

تحاول دبل الذي يعود اسمها الى الآرامية السريانية، وتعني التين المجفف، التي يسكنها حوالي 560 عائلة، أي ما يعادل حوالي 3500 نسمة، الإبقاء على شعلة الحياة فيها متّقدة، رغم صعوبة الأمر في ظل ما يدور في البلدات المجاورة لها.

فمنذ بداية الأحداث، نزح 80% من أهالي البلدة، وفقاً لتصريحات رئيس بلديتها السابق، إيلي لوقا، "تاركين وراءهم منازلهم وأرزاقهم، بحثاً عن الأمان في أحضان العاصمة، ظنوا بداية أن عودتهم ستكون قريبة، لكن الأيام تحوّلت إلى أسابيع، والأسابيع إلى أشهر، ليدركوا أن رحلة النزوح قد تطول".

بين بيروت وبلدته، يتنقل لوقا وعائلته، حاملين في قلوبهم حبّاً لبلدتهم لا يوصف، ويقول "بقيت 320 عائلة صامدة في القرية، فنحن ولدنا وترعرعنا على وقع أصوات المعارك، والآن يجبر من بقي في البلدة على العيش ذات المشهد". 

وفي هذه البلدة، تشكل الطائفة المارونية النسيج الأساسي للمجتمع، يتكاتف أبناؤها، يدعمون بعضهم البعض، يشاركون همومهم وأفراحهم، ويواجهون التحديات بروح واحدة.

ويقول لوقا "نحاول قدر الإمكان توفير المساعدات الغذائية لمن تبقى في البلدة، لكن في ظل الوضع الحالي، انخفضت مساعدات الجمعيات بسبب العدد الكبير للبلدات التي تحتاج إلى المساعدة."

دبل المعروفة بزراعة التبغ والزيتون كمصدر رئيسي للدخل، أوقفت المعارك نشاطها، وأدت إلى تدهور الأراضي وفقدان الأشجار لخضرتها، ويقول لوقا "بدأ حوالي 5 في المئة من سكان البلدة في الآونة الأخيرة، بزراعة الخضراوات في خيام بلاستيكية، مما فتح أفقاً جديداً أمامهم وساعدهم على تأمين دخل بديل وتلبية احتياجاتهم من الخضراوات، كما أن 80% من شباب البلدة اختاروا الانضمام إلى مؤسسات الدولة العسكرية".

مدرستان تشكلان نواة العلم والمعرفة في البلدة، "مدرسة رسمية، ومدرسة الراهبات الأنطونيات، وقد طالتهما شظايا الحرب، حيث أغلقتا أبوابهما، ليتلقى تلاميذهما دروسهم عبر الإنترنت".

ورغم كل الصعوبات، يحافظ سكان دبل على ممارسة شعائرهم الدينية، ويشرح لوقا "تزيّن دبل كنيستان لمار جرجس، إحداهما أثرية تم بناؤها عام 1720 كانت أول ما لجأ أهالي البلدة لها واستوطنوا وعمّروا فيها وقد تم ترميمها منذ حوالي 30 سنة، والثانية تم بناؤها قبل حوالي 60 عاماً".

وتتميّز دبل "بوجود منطقة حزور، التي تضمّ مغارة أثرية يعتقد أنّ السيد المسيح والسيدة مريم العذراء قد مرّا وناما ليلة فيها عندما كانا متوجهين للتبشير في منطقة قانا وصور حسب ما يخبر الكهنة".

ويقول لوقا "لدينا كذلك مزاران في البلدة للسيدة مريم العذراء، مزار في حزور تسمى الطريق المؤدية إليه، على خطى المسيح، وآخر في منتصف البلدة، كما تضم البلدة العديد من المغارات الأثرية، إضافة إلى بقايا قصور الأميرات التي مازالت تعرف باسمهن، كقصر ايمه وقصر جيني وغيرها من المعالم الأثرية".

تعيش دبل كلّ يوم بيومه، معتمدة على إيمانها وصمودها. ففي كل صباح، يشرق بحسب لوقا "شعاع أمل جديد يضيء دروب هذه البلدة الصامدة".

رميش.. صرخة في وجه الخطر

في مارس الماضي، هبّت رياح التوتر على بلدة رميش الحدودية، بعد محاولة عناصر من حزب الله نصب منصّة صواريخ بين منازل البلدة المكتظة.

لم يقف أحد أبناء رميش مكتوف الأيدي أمام هذا المشهد المروّع، فخرج معبّراً عن رفضه القاطع، ليُواجه بإطلاق نار من قبل عناصر الحزب، فخرج أهالي رميش (يسكنها نحو 6500 شخص) وقرعوا أجراس كنائسهم، معلنين رفضهم لتحويل بلدتهم إلى ساحة حرب تهدد أرواحهم وممتلكاتهم.

ولم تقتصر صرخة رميش على حدود البلدة، بل تجاوزتها لتلامس قلوب اللبنانيين في كافة أنحاء الوطن، حيث عبّر سياسيون ومواطنون على مواقع التواصل الاجتماعي عن تضامنهم مع رميش، مستنكرين محاولة تحويلها إلى خندق في معركة لا علاقة لها فيها.

رميش البلدة التي تنشد السلام ويناضل أهلها من أجل حياة كريمة، تقاوم ببسالة خوفاً من أن تصبح ضحية لصراعات حزب الله ومسرحاً لمعاركه وحروبه.

يتحدث رئيس المركز الكاثوليكي للإعلام، عبدو أبو كسم عن واقع القرى المسيحية على الشريط الحدودي في جنوب لبنان، مؤكداً على أنها جزء لا يتجزأ من هوية المنطقة، وأنها تعاني من تبعات الأحداث الجارية بشكل كبير.

يشير أبو كسم في حديث لموقع "الحرة" إلى أن هذه القرى شهدت نزوحاً كبيراً نحو بيروت، مما أدى إلى إغلاق المدارس، وخلق حالة من القلق الشديد بين أهالها.

ولكنّه يؤكد في الوقت ذاته على أن الكنيسة الكاثوليكية حاضرة بقوة في هذه القرى، "من خلال الآباء الكهنة الذين لم يتركوا رعاياهم وساهموا في تقديم الخدمات الروحية والإنسانية والاجتماعية لهم".

ويشير إلى أن السفير البابوي زار هذه القرى أكثر من 4 مرات، كما أن مطران الأبرشية يعمل قدر المستطاع في دعم صمود أهالها وبقائهم في أرضهم، وكذلك بعض المؤسسات المسيحية وغير المسيحية.

وكشف أبو كسم عن تحضير المركز الكاثوليكي مع جمعية نورج لمؤتمر في 21 من الشهر الجاري سيشارك فيه 12 رئيس بلدية "بهدف توضيح هواجسهم ومتطلباتهم".

وتشهد الحدود اللبنانية اشتباكات وقصف متبادل بين حزب الله والجيش الإسرائيلي، على خلفية إعلان حزب الله التصعيد العسكري على إسرائيل منذ اليوم التالي للهجوم غير المسبوق الذي شنته حركة حماس في السابع من أكتوبر. 

ويعلن حزب الله استهداف مواقع وأجهزة تجسس وتجمعات عسكرية إسرائيلية دعما لغزة و"إسنادا لمقاومتها"، فيما يرد الجيش الإسرائيلي بقصف جوي ومدفعي يقول إنه يستهدف "بنى تحتية" للحزب وتحركات مسلحين قرب الحدود.

حطام يظهر بالقرب من مبنى متضرر جراء غارة في لبنان
تبادل إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله أدى إلى نزوح السكان على جانبي الحدود

ازدادت جرعة التصعيد على الحدود الجنوبية للبنان بشكل غير مسبوق، الأربعاء، بعد العملية النوعية للجيش الإسرائيلي الذي استهدف خلالها قائداً عسكريّاً كبيراً في حزب الله بغارة على بلدة جويا مساء الثلاثاء.

واغتالت إسرائيل "القائد" طالب سامي عبد الله، كما وصفه حزب الله في بيانه، والملقب "أبو طالب"، مواليد عام 1969 من بلدة عدشيت في جنوب لبنان، مع ثلاثة عناصر من الحزب.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أن "طالب عبد الله هو قائد وحدة نصر التابعة لحزب الله، وأحد أبرز قادة الحزب في جنوب لبنان، وقد خطط ونفذ عدداً كبيراً من الهجمات الإرهابية ضد المدنيين الإسرائيليين، وأنه قتل خلال استهداف مقر قيادة لحزب الله أديرت منه الاعتداءات التخريبية من منطقة جنوب-شرق لبنان".

وقال مصدر أمني لوكالة "رويترز" إن القيادي القتيل هو أبرز عضو في حزب الله يقتل في الأعمال القتالية الدائرة بين الجماعة وإسرائيل، وهو أعلى في الترتيب من وسام الطويل، القائد الكبير بحزب الله الذي قُتل في غارة إسرائيلية في يناير الماضي".

وأوضح المصدر أن عبد الله كان "قائد جماعة حزب الله بالمنطقة الوسطى من الشريط الحدودي الجنوبي. والأعضاء الأربعة استُهدفوا على الأرجح خلال اجتماع".

وكانت إسرائيل وسعّت ميدان مواجهتها مع حزب الله متخطية تبادل قصف المواقع والبنى التحتية إلى عمليات الاغتيال، ناقلة الصراع إلى مرحلة جديدة، حيث نجحت باستهداف قادة من الحزب، عبر عمليات عسكرية وأمنية، تجاوزت حدود جنوبي لبنان إلى سوريا ومعقل الحزب في الضاحية الجنوبية لبيروت.

ورفعت عملية اغتيال عبد الله وتيرة تبادل إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل، ومعها مخاوف الانزلاق نحو حرب شاملة، بعد الترنح على حافتها منذ الثامن من أكتوبر تاريخ فتح حزب الله جبهة جنوب لبنان "كجبهة مساندة" لحركة حماس في غزة.

تحت وابل النيران

رداً على اغتيال عبد الله، أطلق حزب الله عشرات صواريخ الكاتيوشا وقذائف المدفعية على إسرائيل منذ الصباح، حيث قصف بحسب ما أعلن في بيانات متتالية، مقر قيادة الفيلق الشمالي في قاعد عين زيتيم، والمقر الاحتياطي للفيلق الشمالي في قاعدة تمركز احتياط فرقة الجليل ومخازنها في "عميعاد"، ومقر وحدة المراقبة الجوية وإدارة العمليات الجوية على الاتجاه الشمالي في قاعدة ميرون، وموقعي حدب يارين وحانيتا، ومرابض مدفعية الجيش الإسرائيلي في خربة ماعر وانتشاراً لجنوده في محيطها.

كما استهدف موقع السماقة والتجهيزات التجسسية في موقع رويسات العلم، وموقع راميا، وموقع الراهب، وموقع رويسة القرن، وثكنة زرعيت.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، أنه رصد حوالي "160 مقذوفة" جرى إطلاقها من جنوب من لبنان، سقط بعضها في أماكن متفرقة مما أدى إلى اندلاع حرائق، كما اعترضت الدفاعات الجوية عدداً منها.

هذا التصعيد قابله قصف إسرائيلي طال القرى الحدودية اللبنانية، وهي بحسب "الوكالة الوطنية للإعلام"، أطراف بلدات بليدا لجهة عيترون، ويارون ومارون الراس ووادي حسن وحانين ومركبا -خلة مكنة وحولا، كما شن الطيران الإسرائيلي غارات متتالية على أطراف عدد من القرى والبلدات في القطاع الغربي من قضاء صور، واستهدف شرق بلدة العديسة، والمنطقة بين دير سريان والطيبة وأغار على منزل في بلدة ياطر.

وأدى القصف الإسرائيلي بحسب ما ذكرته "الوكالة الوطنية" إلى "اصابة مسعف من الهيئة الصحية ونجاة فريق العمل الرسالي بتفجير مسيرة انقضاضيه في ساحة بلدة مركبا".

وكان مسؤول في فيلق القدس الإيراني "الذي يشرف على حزب الله وغيره من الفصائل المرتبطة بإيران في الشرق الأوسط،" قال لمجلة "فورين بوليسي" إن "الحزب يمتلك أكثر من مليون صاروخ من أنواع مختلفة، بما في ذلك صواريخ موجهة بدقة وصواريخ كاتيوشا معدلة لزيادة الدقة، بالإضافة إلى صواريخ مضادة للدبابات. - صواريخ الدبابات".

وتشمل ترسانة حزب الله، كما تم الكشف عنها خلال حرب الاستنزاف الطويلة، وفق ما أوردت المجلة "طائرات بدون طيار انتحارية وطائرات بدون طيار أخرى مزودة بصواريخ روسية الصنع تتيح شن هجمات جوية من داخل الأراضي الإسرائيلية، إلى جانب نوع من الصواريخ الإيرانية يسمى "ألماس" مزود بكاميرا مستوحى من صاروخ سبايك الإسرائيلي، يغير هذا العتاد قواعد اللعبة لأنه يجعل المقاتلين أقل عرضة للهجمات الإسرائيلية على مواقع الإطلاق".

وتشير "فورين بوليسي" إلى أن إسرائيل تمتلك ترسانة أكبر بكثير من صواريخ جو-أرض تُطلق من طائرات حربية مختلفة وطائرات بدون طيار مسلحة.

تصعيد متوقع!

عمليات اغتيال إسرائيل لقادة وعناصر حزب الله و"محور الممانعة" بشكل عام ليست جديدة، كما يرى الخبير الإستراتيجي والعسكري، العميد المتقاعد ناجي ملاعب، "فقد استهدفتهم منذ زمن في سوريا، وعناصر هذا المحور لديهم عقيدة إيمانية بأن النصر حليفهم مهما فقدوا من قادة أو عناصر".

ويوضح ملاعب في حديث مع موقع "الحرة" أن "حزب الله استغل انشغال إسرائيل في حرب غزة، لرسم ميدان عسكري يستطيع التعامل معه في المدى القريب. فاستخدم قذائف لا تستطيع القبة الحديدية اعتراضها، مثل قذائف الكورنيت المباشرة أو صواريخ البركان قصيرة

المدى، ونجح في إخراج بعض مواقع الرصد في الجليل الأعلى وقواعد عسكرية إسرائيلية من الخدمة، بل وأصاب المنطاد الإسرائيلي الذي كان فخر الصناعة الإسرائيلية في وقته".

ويشير إلى أن إسرائيل تتعامل اليوم مع المواقع التي تطلق منها النيران في لبنان "مستخدمة عمليات رد مضاعفة، بقصف الأبنية وتشكيل حزام مدّمر، واستخدام قذائف فسفورية لحرق الأراضي الزراعية، كما طوّرت ضرباتها من خلال القيام بعمليات اغتيال ذكية لقادة وعناصر الحزب خارج الميدان المفتوح".

ويذكر ملاعب أن حزب الله "يمتلك زمام المبادرة طالما لم يصدر قرار إسرائيلي بالحرب. فالقرار الإسرائيلي يقتصر على الرد الأقوى، وهو ما يستدرج رداً أقوى من حزب الله، دون أن يتعدى ذلك".

من جانبه يرى رئيس "مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة"، العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر، في حديث مع موقع "الحرة" أن التصعيد على الجبهة الجنوبية للبنان أمر طبيعي جداً لأن "إسرائيل تواجه تحديات كبيرة، فمناطقها الشمالية مشلولة، وتتعرض لخسائر يومية نتيجة قصف حزب الله لها، وجيشها مستنفر منذ مدة طويلة، والنازحون يضغطون على الحكومة من أجل العودة".

وأدى تبادل إطلاق النار إلى نزوح أكثر من 150 ألف شخص على جانبي الحدود، بحسب "فورين بوليسي" "مما حوّل البلدات الحدودية اللبنانية إلى مناطق تشبه غزة المصغرة. ويمتد الدمار تدريجياً إلى بلدات شمال إسرائيل، التي يطالب سكانها بشكل متزايد الدولة الإسرائيلية باتخاذ خطوات عملية لإعادتهم إلى منازلهم".

صيف ساخن أم حرب شاملة؟

إذا لم تتوقف حرب غزة، فإن صيف لبنان كما يرى جابر "سيكون أكثر سخونة، دون أن يصل الأمر إلى حرب شاملة، فالمؤشرات التي تمنع إسرائيل عن اتخاذ هذه الخطوة متعددة، منها أن المغامرة ستكون كبيرة جداً وتداعياتها قاسية، خاصة على بنيتها التحتية".

ويضيف جابر أن "حزب الله كذلك لا يريد حرباً واسعة، والدليل الأكبر على ذلك تصريحات نائب الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، قبل أسبوعين بأن الحزب لن يقدم على هذه الخطوة، وتصريحات رئيس المجلس التنفيذي لحزب الله، هاشم صفي الدين بأن "على إسرائيل أن تجهّز نفسها للبكاء والعويل، بعد أن كانت تئنّ وتصرخ مما أصابها" في الشمال.

لدى حزب الله أسبابه التي تمنعه من فتح حرب واسعة بحسب ما يقول جابر، منها "رفضه تحمل مسؤولية تدمير لبنان، فهو يفضل أن يكون في موقع الرد. كما أن إيران لا تريد حرباً واسعة، لأن هذه الحرب إذا وقعت ستتطور وتتدحرج إلى منطقة الخليج العربي والبحر الأحمر، وحينها ستتدخل أميركا لإنقاذ إسرائيل، وستجد إيران نفسها في ورطة كبيرة، وبالتالي ليس لديها مصلحة في ذلك."

من جهة أخرى، "لا تريد أميركا هذه الحرب" وفقاً لجابر "وقد أبلغت الإسرائيليين بذلك مراراً، فهي في مرحلة انتخابات ولا تتحمل نتائج الحرب، والدول الأوروبية لا تريدها كي لا يتدفق آلاف النازحين على شواطئها. وخلال اجتماع الرئيس الأميركي جو بايدن والرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في النورماندي، اتفق الاثنان على عدم السماح بفتح حرب في لبنان ومواصلة الضغط لمنع ذلك."

ويشير جابر إلى زيارة وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن إلى إسرائيل الإثنين الماضي، "وهي الزيارة الأهم له، لأن هدفها إقناع إسرائيل بعدم الذهاب إلى حرب شاملة. ورغم أن نتانياهو اعتاد تجاهل مطالب أميركا، إلا أنه هذه المرة يجد نفسه مضطراً للامتثال لها، فهو بحاجة لدعمها لترميم حكومته".

أما ملاعب فيرى أن "إسرائيل لم تستطع التعامل مع 280 مقذوفاً من طائرات مسيرة وصواريخ أطلقت من إيران، فكيف ستتعامل مع 2500 صاروخ يوجه يومياً إلى الداخل الإسرائيلي؟ حتى الآن، لم يقصف حزب الله المدنيين، ولكن إذا تطور الوضع سيكون خطيراً جداً على إسرائيل".

ويوضح أن تقريراً أصدره معهد "رايخمان" الإسرائيلي، أعده 100 باحث على مدى ثلاث سنوات قبل 7 أكتوبر، يشير إلى أن "حزب الله يمتلك 150,000 صاروخ يستطيع إطلاق 2500 منها يومياً، والقبة الحديدية تستطيع التعامل معها لمدة أسبوع فقط".

ويقول ملاعب إن "إسرائيل بدأت التعامل مع تقرير رايخمان بزيادة هجماتها على مواقع وجود صواريخ حزب الله وأماكن صناعتها وكذلك أماكن تواجد منصات صواريخ الدفاع الجوي. كما نفذت 44 عملية في الداخل السوري هذا العام، استهدفت مستودعات تابعة لحزب الله والحرس الثوري الإيراني، بهدف تخفيف قدرات الحزب العسكرية".

ويشدد على أن "قرار الحرب الشاملة ليس بيد إسرائيل، بل بيد أميركا التي لديها خياران: إما اعتماد أسلوب دبلوماسي، وهو ما تتبناه الإدارة الحالية منذ وصول الرئيس بايدن، أو أن تسمح لإسرائيل باستعادة زمام المبادرة وضرب قدرات حزب الله باستخدام الطيران، وهي متفوقة في هذا المجال بفضل الطائرات أف 35 الخفية عن الرادار".

ولا يعتقد ملاعب أن الأمور ذاهبة إلى حرب شاملة، مرجحاً أن يكون هناك صيف ساخن فقط، "خاصة وأن أميركا في فترة انتخابات، وبالتالي لن يُتخذ أي قرار يضع الإدارة المقبلة أمام مشكلة تتسبب في أخطار كبيرة على إسرائيل".

كما أوردت "فورين بوليسي" أن "كلاً من حزب الله وإسرائيل يحصران حربهما إلى حد كبير على الأهداف العسكرية. وبعد ما يقرب من ثمانية أشهر من المعارك المنتظمة، يدرك الطرفان أن أي حرب واسعة النطاق بينهما ستكون مدمرة. يدرك حزب الله أن لبنان سوف يدمّر، مع سقوط آلاف القتلى. لكن إسرائيل تدرك أيضاً أن ما واجهته في غزة خلال الأشهر الماضية، دون تحقيق أهدافها الكاملة، لا يقارن بالحرب مع حزب الله".

وأسفر القصف المتبادل بين إسرائيل وحزب الله عن مقتل 467 شخصاً على الأقل في لبنان بينهم 306 من حزب الله وقرابة 90 مدنياً، وفق تعداد لوكالة فرانس برس يستند إلى بيانات حزب الله ومصادر رسمية لبنانية.

وأعلن الجانب الإسرائيلي من جهته مقتل 15 عسكرياً و11 مدنياً خلال شهور المواجهة الأخيرة.