مخيمات اللاجئين السوريين على الحدود اللبنانية
يعيش في لبنان أكثر من 800 ألف لاجئ سوري مسجّلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (أرشيفية-تعبيرية)

أثار إعلان الاتحاد الأوروبي عن حزمة مساعدات مالية بقيمة مليار يورو للبنان انقساماً حاداً في البلاد، وعرّض رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي إلى هجوم واسع من قبل بعض الجهات التي اعتبرتها "رشوة" تهدف إلى إبقاء اللاجئين السوريين في لبنان ومنع تدفقهم بطرق غير شرعية إلى أوروبا.

وكانت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أعلنت قبل أيام عن حزمة المساعدات خلال زيارتها والرئيس القبرصي، نيكوس خريستودوليدس، إلى لبنان، حيث ستكون هذه الحزمة متاحة كما قالت "بدءاً من هذا العام حتى 2027" من أجل المساهمة في "الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ودعم الجيش والقوى الأمنية".

ولفتت فون دير لاين خلال مؤتمر صحفي إلى أن الاتحاد الأوروبي يتفهم "التحديات التي يواجهها لبنان نتيجة استضافة اللاجئين السوريين" مشيرة إلى أنه "منذ عام 2011، دعم الاتحاد الأوروبي لبنان بمبلغ 2.6 مليار يورو، ليس فقط للاجئين السوريين، وإنما أيضا للمجتمعات المضيفة".

وحضّت رئيسة المفوضية الأوروبية، خلال مؤتمر صحفي في بيروت، السلطات اللبنانية على "التعاون الجيد" لمنع "الهجرة غير النظامية ومكافحة تهريب المهاجرين" انطلاقاً من لبنان.

ومع اقتراب كل فصل صيف تنشط عمليات الهجرة غير الشرعية عبر الشواطئ اللبنانية لا سيما الشمالية منها، وذلك منذ لجوء عدد كبير من السوريين إلى لبنان عقب اندلاع الحرب في بلدهم، ومن ثم بسبب الأزمة الاقتصادية التي تعصف بلبنان منذ نحو 5 سنوات.

رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية، نجيب ميقاتي، أبدى تقديره "لموقف الاتحاد الاوروبي الجديد بدعم المؤسسات العسكرية والأمنية في لبنان لتمكينها من ضبط الحدود البحرية والبرية والقيام بواجباتها في منع الهجرة غير الشرعية من لبنان وإليه ودعم المجتمعات اللبنانية ذات الحاجة، وفي الوقت ذاته تخصيص جزء من الدعم لتحفيز العودة الطوعية للنازحين السوريين".

وشدد على أن "لبنان تحمّل منذ اندلاع المعارك في سوريا عام 2011، العبء الأكبر بين دول المنطقة والعالم في موضوع استضافة اللاجئين، والموضوع بات أكبر من قدرة لبنان على التحمل"، معتبراً أن "المطلوب كمرحلة أولى الاقرار أوروبياً ودولياً بأن اغلب المناطق السورية باتت آمنة ما يسهل عملية اعادة النازحين".

ويعيش في لبنان أكثر من 800 ألف لاجئ سوري مسجّلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بينما تُقدّر السلطات اللبنانية عددهم بأكثر من مليوني شخص.

وشهد ملف اللاجئين السوريين في لبنان تصعيداً غير مسبوق في الفترة الأخيرة من قبل الحكومة اللبنانية التي تسعى لترحيلهم بكل الوسائل الممكنة، على الرغم من تحذيرات المنظمات الحقوقية من مخاطر الإعادة القسرية إلى سوريا التي تعتبر بلداً غير آمن حتى الآن.

"رشوة مقنّعة"؟

يشهد ملف اللاجئين السوريين بعد حزمة المساعدات الأوروبية، تفاعلاً سياسياً كبيراً، لاسيما من قبل الأحزاب المسيحية التي سارعت إلى اعلان رفضها لها.

وفي هذا السياق تقدّم رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل، بكتاب إلى ميقاتي يطالب فيه "بتوضيح ما تمّ الاتفاق عليه مع مفوضية الاتحاد الأوروبي، والخطوات العمليّة التي ستتّخذها الحكومة لإعادة النازحين بشكل سريع إلى سوريا، خصوصاً في ظل توقف الأعمال العسكرية في أغلبية الأراضي السورية التي باتت تعتبر آمنة".

واعتبر الجميّل في كتابه "أن هناك تناقضاً بين ما أعلنه ميقاتي من أن لبنان يرفض أن يصبح بلداً بديلاً والدعوة إلى عودة النازحين إلى بلادهم لاسيما أولئك الذين دخلوا لبنان بعد عام 2016 لأسباب اقتصادية بحتة، وبين ما أعلنته رئيسة المفوضية الأوروبية لتي أشارت إلى أن الحزمة المالية ستصرف أساساً على توفير المعدات والتدريب لإدارة الحدود لمساعدة لبنان في إدارة الهجرة ومنع الهجرة غير الشرعية، ما يعني أن الهدف الأساس من الدعم الأوروبي ضمان عدم هجرة السوريين الى أوروبا وليس العمل على تخفيف العبء عن لبنان".

أما رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع فاعتبر في بيان أن "موقفنا من مسألة الوجود السوري غير الشرعي في لبنان هو موقف ثابت ومبدئي وسيادي ولا يتبدّل مع مليار يورو أو عشرات المليارات، ولا يتغيّر مع طلب أو تمنٍّ دولي، فكل ما هو غير شرعي لا يمكن استمراره على الأرض اللبنانية، وهذا الأمر غير قابل للبحث، وما هو قابل للنقاش فحسب هو المساعدة في ترحيلهم لا المساعدة على بقائهم في لبنان".

وأضاف "بعدما وجدنا ولمسنا ان من حكم وتحكّم لسنوات، تقاعس عن تحمّل مسؤولياته ولم يقدم على أي خطوة عملية خارج المزايدات السياسية، بدأنا مجموعة تحركات على الأرض مع البلديات والإدارات والوزرات المعنية ونحن مستمرون في كل ما نقوم به حتى إخراج آخر مهاجر غير شرعي من لبنان، وما بدأناه لن يتوقّف لا مع تمنيات دولية ولا مع مليارات أممية، لأن لا أولوية تعلو على أولوية الهوية اللبنانية والسيادة اللبنانية والأمن اللبناني".

كما ردّ رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل، على الخطوة الأوروبية بالتشديد على "رفض سياسة الاتحاد الأوروبي بإبقاء النازحين السوريين في لبنان والتأكيد أن لبنان ليس للبيع أو الإيجار"، محدداً المشكلة اللبنانية الأساسية بـ"انصياع المسؤولين للسياسات الخارجية ولو كانت على حساب المصلحة الوطنية"، ومعلناً عن "سلسلة تحركات للتيار الوطني الحر على المستويات النيابية والشعبية لمواجهة معضلة النزوح".

وقال في مؤتمر صحافي، "رئيسة المفوضية الاوروبية، وبالخطوة الأخيرة، بشرتنا أن النازحين السوريين سيبقون في لبنان على الأقل لأربع سنوات اضافية، لأنها وعدتنا بالمقابل بـمليار يورو على اربع سنوات، يعني ستدفع لنا 250 مليون يورو عن كل عام لبقاء 2.2 نازح، وكأنها استأجرت لبنان وشعبه بـ250 مليون يورو في السنة، يعني وبتفسير آخر كأن إيجار المتر المربع في العام 250 ليرة لبنانية، وكأن اجرة كل لبناني بالنهار هي 14 الف ليرة وكلفة قبوله بهذا النزوح، فإلى هذا الحد ثمننا ضئيل وهلقد رخاص نحنا؟".

وفي السياق اعتبر وزير المهجرين اللبناني عصام شرف الدين في حديث مع موقع "الحرة" أن الهبة الأوروبية "رشوة، الهدف منها أن يصبح لبنان حرس حدود لمنع هجرة السوريين إلى أوروبا، في وقت نحن نطالب بترحيل آمن لهم عبر سفن كبيرة".

توضيحات متناقضة

بعد الحملة ضده، عبّر ميقاتي عن استغرابه من تصوير البعض الحزمة الأوروبية على أنها "رشوة لإبقاء النازحين السوريين في لبنان"، وذلك من خلال بيان صادر عن مكتبه أكد خلاله أنها "مساعدة غير مشروطة، وهي للبنان واللبنانيين وتشمل القطاعات الصحية والتربوية والحماية الاجتماعية والعائلات الأكثر فقراً، إضافة الى مساعدات الجيش والقوى الأمنية من أمن عام وقوى أمن داخلي لضبط الحدود البرية، اضافة الى زيادة العديد والعتاد".

وأضاف البيان أن ميقاتي "كان واضحاً في تأكيد عزم الحكومة على تطبيق القوانين على كل الأراضي اللبنانية وكل من يقيم بشكلٍ غير شرعي سيتم ترحيله إلى بلده وهذا الموضوع لا جدال فيه والأوامر أعطيت للأجهزة المختصة لتنفيذ ما يلزم".

 وكان ميقاتي أعلن في مقابلة تلفزيونية أن "أيّ سوري يقيم في لبنان إقامة غير شرعية سيتمّ ترحيله وسيُنظر في كل المسجلين نظرة تختلف عن النظرة المخصصة لغير المسجلين"، وحذّر من أن "بعض المناطق ستمنع تعليم السوريين بعد الظهر في العام المقبل ولن نسمح بإضافة مشكلة جديدة على المشكلات القائمة نتيجة النزوح السوري".

كما شدد على أنه لن يتم تعريض "أي لاجئ سياسي إلى الخطر وسننظر في الحالات التي تتعلق بالمسائل الانسانية وتلك المتعلقة بحماية المقيمين عن طريق اللجوء".

وكشف عن اتصال أجراه "برئيس الوزراء السوري"، وأنه سمع منه جواباً واضحاً بأن "سوريا لا تقف عائقاً في وجه أي سوري يريد العودة إلى بلده وتم إعطاء التوجه للمدير العام للأمن اللبناني بالإنابة اللواء الياس البيسري لمتابعة هذا الملف وسيزور سوريا قريباً وعند الضرورة سيقوم وزير الخارجية عبد الله بحبيب بزيارة لدمشق".

لكن مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن يؤكد في حديث مع موقع "الحرة" على أنه "لا عودة آمنة إلى سوريا دون رحيل نظام الأسد"، مشيراً إلى أن السلطة اللبنانية تشجّع على العنصرية لصالح بشار الأسد، مدّعية أن مناطق النظام آمنة ويجب إعادة السوريين إليها، لكن في الواقع هي غير آمنة حيث تتواجد فيها ميليشيات موالية لإيران والنظام وعصابات" ويشدد "يومياً هناك اعتقالات للمعارضين وجرائم ترتكب في درعا وحمص وبقية المناطق السورية".

ويرى عبد الرحمن أنه على "حزب الله الخروج أولاً من المناطق السورية ليتسنى للاجئين السوريين العودة إلى بلادهم"، ويضيف أن "السياسيين في لبنان يعلّقون أزمات لبنان على شماعة وجود اللاجئين السوريين".

ويعاني لبنان من انهيار اقتصادي كبير منذ عام 2019، بات معه معظم السكان دون خط الفقر، وفق البنك الدولي، وقد انعكست تبعات الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة على قطاعات البلاد المختلفة.

مساعدة "ضبابية"

بغض النظر عن خلفيات الهبة الأوروبية، فإنها تثير كما يقول الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة، تساؤلات عدة، حول فعاليتها وكيفية استفادة البلاد منها، مشيراً إلى ضرورة وجود "صورة واضحة حول توزيعها بين القطاعات المختلفة وطابعها الاستثماري أو الاستهلاكي، وأهم من ذلك توضيح أسباب مخالفة أوروبا لقرارها بعدم مساعدة لبنان إلا بعد إجراء الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة من قبل صندوق النقد الدولي".

ويشدد عجاقة على ضعف حجم هذه الهبة، حيث إن حجم الاحتياجات الشهرية للبلاد يفوقها بكثير، "لو قسمنا المليار يورو على أربع سنوات، يعني 250 مليون يورو سنوياً، أو 21 ألف يورو شهرياً. بالمقابل، تفوق حاجات الحكومة الشهرية المئتي مليون يورو أميركي، والاستيراد الشهري يفوق المليار يورو. كما أن عملية حسابية بسيطة تظهر أن نصيب كل شخص في لبنان من هذه المساعدة يبلغ 0.09 يورو يومياً".

كل ذلك والكلفة المباشرة على خزينة الدولة من اللجوء السوري بحسب عجاقة "لا تقلّ عن 1.72 مليار دولار أميركي سنوياً، أما الكلفة غير المباشرة فلا تقلّ عن بضعة مليارات سنوياً".

ولم توضح رئيسة الإتحاد الأوروبي، بحسب عجاقة فيما إن كانت المساعدة لدعم الاستثمارات أم الاستهلاك وما هي الآلية التي ستتبع في ذلك، ويقول "في كلتي الحالتين، لا المبلغ كاف للدعم ولا الآلية واضحة مع وجود فساد بحجم الفساد في لبنان، هنا لا بد من طرح علامة استفهام حول كيفية تمكّن المفوضية الأوروبية من مراقبة الإنفاق في ظل الفساد المستشري؟ وإذا اكتشفت أن هناك مخالفات، هل ستوقف المساعدة"؟

كما تساءل عجاقة عن كيفية دعم الخدمات العامة في لبنان "ليستفيد منها اللبناني فقط، كما صرّح ميقاتي"، وفيما إن كانت "المساعدة المقدّمة إلى الجيش والقوى الأمنية (مُقدّرة بـ 264 مليون دولار أميركي) تتضمّن الإنفاق التشغيلي أو إقامة أبراج مراقبة على الحدود"؟ وكذلك فيما إن كان "لعدم إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي الدولية علاقة بالهبة الأوروبية وبملف النازحين السوريين"؟

تحت المجهر

تخضع الهبة المقدمة من الاتحاد الاوروبي لأحكام قانون المحاسبة العمومية، الذي ينص في المادة 52 منه على أنه " تقبل بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء الاموال التي يقدمها للدولة الاشخاص المعنويون والحقيقيون"، بحسب ما يقوله الوزير شريف الدين.

ويشرح رئيس مؤسسة JUSTICA والعميد في الجامعة الدولية للأعمال في ستراسبورغ، المحامي الدكتور بول مرقص، لموقع "الحرة" أنه "يقع ضمن صلاحية مجلس الوزراء قبول الهبات، وبالتالي فإن المجلس يعود له قبول الهبة أو رفضها. أما في حال كان هناك ثمة اتفاقية بين الإتحاد الأوروبي ولبنان فهي تمر على مجلس النواب للموافقة على إبرامها الذي يعود له أيضاً أن يوافق عليها أو يرفضها".

ويشدد مرقص على أنه "هذا موقف إستراتيجي يجب أن ينبع من المصلحة اللبنانية الكامنة في حماية المصلحة اللبنانية التي تقضي بعدم قبول أي توطين على الأراضي اللبنانية وفي الوقت عينه المحافظة على حسن العلاقة مع الدول الأوروبية".

وحتى لا تُعتبر هذه الهبة رشوة يجب وفقاً لما يقوله مرقص "في حال قبولها أن يأتي هذا القبول على شكل دفعة على حساب المساعدات الخارجية لاستضافة النازحين السوريين مؤقتاً على الأراضي اللبنانية وعلى أن لا يشكل ذلك أي وجه من وجوه الإدماج او التوطين في لبنان و أن لا يُرتب على لبنان أي التزامات سياسية في المقابل أي أن يكون القبول مشروطاً".

من جانبه يكشف شرف الدين مطالبه لموافقته على الهبة في مجلس الوزراء، "المطلب الأول إنشاء لجنة ثلاثية، والثاني تسديد المساعدات في سوريا للنازحين العائدين، أما الثالث فتسير قوافل بحرية رسمية تتضمن مواصفات السلامة البحرية لنقل النازحين الراغبين بالسفر إلى دولة ثالثة، مغطاة بالقانون والأعراف الدولية".

وبالنسبة لملف اللاجئين السياسيين، هناك أربعة احتمالات، كما يقول "استفادتهم من العفو الرئاسي، السفر إلى دولة ثالثة، أو الرحيل اختيارياً عبر السفن المذكورة سابقاً، وأخيراً تسيير قوافل عودة إلى مناطق شمال شرق سوريا حيث توجد المعارضة."

لكن ميقاتي نقل الملف المُلتهب من ملعب الحكومة إلى ملعب مجلس النواب، حيث طلب من رئيس المجلس نبيه بري عقد جلسة لمناقشة الهبة الأوروبية، الذي خصص جلسة لذلك في 15 من الشهر الجاري.

الأنظار تتجه الآن نحو ما ستؤول إليه الجلسة المقبلة، وإلى حينه يزداد الضغط الاقتصادي على لبنان بحسب عجاقة "مع ارتفاع نسبة التضخّم بالدولار الأميركي الذي أصبحت قيمته الشرائية تساوي 60% مما كانت عليه قبل عام 2019، فيما يتعلّق بالاستهلاك، مما يشير إلى أن الفوضى تطل برأسها على لبنان".

حطام يظهر بالقرب من مبنى متضرر جراء غارة في لبنان
تبادل إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله أدى إلى نزوح السكان على جانبي الحدود

ازدادت جرعة التصعيد على الحدود الجنوبية للبنان بشكل غير مسبوق، الأربعاء، بعد العملية النوعية للجيش الإسرائيلي الذي استهدف خلالها قائداً عسكريّاً كبيراً في حزب الله بغارة على بلدة جويا مساء الثلاثاء.

واغتالت إسرائيل "القائد" طالب سامي عبد الله، كما وصفه حزب الله في بيانه، والملقب "أبو طالب"، مواليد عام 1969 من بلدة عدشيت في جنوب لبنان، مع ثلاثة عناصر من الحزب.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أن "طالب عبد الله هو قائد وحدة نصر التابعة لحزب الله، وأحد أبرز قادة الحزب في جنوب لبنان، وقد خطط ونفذ عدداً كبيراً من الهجمات الإرهابية ضد المدنيين الإسرائيليين، وأنه قتل خلال استهداف مقر قيادة لحزب الله أديرت منه الاعتداءات التخريبية من منطقة جنوب-شرق لبنان".

وقال مصدر أمني لوكالة "رويترز" إن القيادي القتيل هو أبرز عضو في حزب الله يقتل في الأعمال القتالية الدائرة بين الجماعة وإسرائيل، وهو أعلى في الترتيب من وسام الطويل، القائد الكبير بحزب الله الذي قُتل في غارة إسرائيلية في يناير الماضي".

وأوضح المصدر أن عبد الله كان "قائد جماعة حزب الله بالمنطقة الوسطى من الشريط الحدودي الجنوبي. والأعضاء الأربعة استُهدفوا على الأرجح خلال اجتماع".

وكانت إسرائيل وسعّت ميدان مواجهتها مع حزب الله متخطية تبادل قصف المواقع والبنى التحتية إلى عمليات الاغتيال، ناقلة الصراع إلى مرحلة جديدة، حيث نجحت باستهداف قادة من الحزب، عبر عمليات عسكرية وأمنية، تجاوزت حدود جنوبي لبنان إلى سوريا ومعقل الحزب في الضاحية الجنوبية لبيروت.

ورفعت عملية اغتيال عبد الله وتيرة تبادل إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل، ومعها مخاوف الانزلاق نحو حرب شاملة، بعد الترنح على حافتها منذ الثامن من أكتوبر تاريخ فتح حزب الله جبهة جنوب لبنان "كجبهة مساندة" لحركة حماس في غزة.

تحت وابل النيران

رداً على اغتيال عبد الله، أطلق حزب الله عشرات صواريخ الكاتيوشا وقذائف المدفعية على إسرائيل منذ الصباح، حيث قصف بحسب ما أعلن في بيانات متتالية، مقر قيادة الفيلق الشمالي في قاعد عين زيتيم، والمقر الاحتياطي للفيلق الشمالي في قاعدة تمركز احتياط فرقة الجليل ومخازنها في "عميعاد"، ومقر وحدة المراقبة الجوية وإدارة العمليات الجوية على الاتجاه الشمالي في قاعدة ميرون، وموقعي حدب يارين وحانيتا، ومرابض مدفعية الجيش الإسرائيلي في خربة ماعر وانتشاراً لجنوده في محيطها.

كما استهدف موقع السماقة والتجهيزات التجسسية في موقع رويسات العلم، وموقع راميا، وموقع الراهب، وموقع رويسة القرن، وثكنة زرعيت.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، أنه رصد حوالي "160 مقذوفة" جرى إطلاقها من جنوب من لبنان، سقط بعضها في أماكن متفرقة مما أدى إلى اندلاع حرائق، كما اعترضت الدفاعات الجوية عدداً منها.

هذا التصعيد قابله قصف إسرائيلي طال القرى الحدودية اللبنانية، وهي بحسب "الوكالة الوطنية للإعلام"، أطراف بلدات بليدا لجهة عيترون، ويارون ومارون الراس ووادي حسن وحانين ومركبا -خلة مكنة وحولا، كما شن الطيران الإسرائيلي غارات متتالية على أطراف عدد من القرى والبلدات في القطاع الغربي من قضاء صور، واستهدف شرق بلدة العديسة، والمنطقة بين دير سريان والطيبة وأغار على منزل في بلدة ياطر.

وأدى القصف الإسرائيلي بحسب ما ذكرته "الوكالة الوطنية" إلى "اصابة مسعف من الهيئة الصحية ونجاة فريق العمل الرسالي بتفجير مسيرة انقضاضيه في ساحة بلدة مركبا".

وكان مسؤول في فيلق القدس الإيراني "الذي يشرف على حزب الله وغيره من الفصائل المرتبطة بإيران في الشرق الأوسط،" قال لمجلة "فورين بوليسي" إن "الحزب يمتلك أكثر من مليون صاروخ من أنواع مختلفة، بما في ذلك صواريخ موجهة بدقة وصواريخ كاتيوشا معدلة لزيادة الدقة، بالإضافة إلى صواريخ مضادة للدبابات. - صواريخ الدبابات".

وتشمل ترسانة حزب الله، كما تم الكشف عنها خلال حرب الاستنزاف الطويلة، وفق ما أوردت المجلة "طائرات بدون طيار انتحارية وطائرات بدون طيار أخرى مزودة بصواريخ روسية الصنع تتيح شن هجمات جوية من داخل الأراضي الإسرائيلية، إلى جانب نوع من الصواريخ الإيرانية يسمى "ألماس" مزود بكاميرا مستوحى من صاروخ سبايك الإسرائيلي، يغير هذا العتاد قواعد اللعبة لأنه يجعل المقاتلين أقل عرضة للهجمات الإسرائيلية على مواقع الإطلاق".

وتشير "فورين بوليسي" إلى أن إسرائيل تمتلك ترسانة أكبر بكثير من صواريخ جو-أرض تُطلق من طائرات حربية مختلفة وطائرات بدون طيار مسلحة.

تصعيد متوقع!

عمليات اغتيال إسرائيل لقادة وعناصر حزب الله و"محور الممانعة" بشكل عام ليست جديدة، كما يرى الخبير الإستراتيجي والعسكري، العميد المتقاعد ناجي ملاعب، "فقد استهدفتهم منذ زمن في سوريا، وعناصر هذا المحور لديهم عقيدة إيمانية بأن النصر حليفهم مهما فقدوا من قادة أو عناصر".

ويوضح ملاعب في حديث مع موقع "الحرة" أن "حزب الله استغل انشغال إسرائيل في حرب غزة، لرسم ميدان عسكري يستطيع التعامل معه في المدى القريب. فاستخدم قذائف لا تستطيع القبة الحديدية اعتراضها، مثل قذائف الكورنيت المباشرة أو صواريخ البركان قصيرة

المدى، ونجح في إخراج بعض مواقع الرصد في الجليل الأعلى وقواعد عسكرية إسرائيلية من الخدمة، بل وأصاب المنطاد الإسرائيلي الذي كان فخر الصناعة الإسرائيلية في وقته".

ويشير إلى أن إسرائيل تتعامل اليوم مع المواقع التي تطلق منها النيران في لبنان "مستخدمة عمليات رد مضاعفة، بقصف الأبنية وتشكيل حزام مدّمر، واستخدام قذائف فسفورية لحرق الأراضي الزراعية، كما طوّرت ضرباتها من خلال القيام بعمليات اغتيال ذكية لقادة وعناصر الحزب خارج الميدان المفتوح".

ويذكر ملاعب أن حزب الله "يمتلك زمام المبادرة طالما لم يصدر قرار إسرائيلي بالحرب. فالقرار الإسرائيلي يقتصر على الرد الأقوى، وهو ما يستدرج رداً أقوى من حزب الله، دون أن يتعدى ذلك".

من جانبه يرى رئيس "مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة"، العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر، في حديث مع موقع "الحرة" أن التصعيد على الجبهة الجنوبية للبنان أمر طبيعي جداً لأن "إسرائيل تواجه تحديات كبيرة، فمناطقها الشمالية مشلولة، وتتعرض لخسائر يومية نتيجة قصف حزب الله لها، وجيشها مستنفر منذ مدة طويلة، والنازحون يضغطون على الحكومة من أجل العودة".

وأدى تبادل إطلاق النار إلى نزوح أكثر من 150 ألف شخص على جانبي الحدود، بحسب "فورين بوليسي" "مما حوّل البلدات الحدودية اللبنانية إلى مناطق تشبه غزة المصغرة. ويمتد الدمار تدريجياً إلى بلدات شمال إسرائيل، التي يطالب سكانها بشكل متزايد الدولة الإسرائيلية باتخاذ خطوات عملية لإعادتهم إلى منازلهم".

صيف ساخن أم حرب شاملة؟

إذا لم تتوقف حرب غزة، فإن صيف لبنان كما يرى جابر "سيكون أكثر سخونة، دون أن يصل الأمر إلى حرب شاملة، فالمؤشرات التي تمنع إسرائيل عن اتخاذ هذه الخطوة متعددة، منها أن المغامرة ستكون كبيرة جداً وتداعياتها قاسية، خاصة على بنيتها التحتية".

ويضيف جابر أن "حزب الله كذلك لا يريد حرباً واسعة، والدليل الأكبر على ذلك تصريحات نائب الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، قبل أسبوعين بأن الحزب لن يقدم على هذه الخطوة، وتصريحات رئيس المجلس التنفيذي لحزب الله، هاشم صفي الدين بأن "على إسرائيل أن تجهّز نفسها للبكاء والعويل، بعد أن كانت تئنّ وتصرخ مما أصابها" في الشمال.

لدى حزب الله أسبابه التي تمنعه من فتح حرب واسعة بحسب ما يقول جابر، منها "رفضه تحمل مسؤولية تدمير لبنان، فهو يفضل أن يكون في موقع الرد. كما أن إيران لا تريد حرباً واسعة، لأن هذه الحرب إذا وقعت ستتطور وتتدحرج إلى منطقة الخليج العربي والبحر الأحمر، وحينها ستتدخل أميركا لإنقاذ إسرائيل، وستجد إيران نفسها في ورطة كبيرة، وبالتالي ليس لديها مصلحة في ذلك."

من جهة أخرى، "لا تريد أميركا هذه الحرب" وفقاً لجابر "وقد أبلغت الإسرائيليين بذلك مراراً، فهي في مرحلة انتخابات ولا تتحمل نتائج الحرب، والدول الأوروبية لا تريدها كي لا يتدفق آلاف النازحين على شواطئها. وخلال اجتماع الرئيس الأميركي جو بايدن والرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في النورماندي، اتفق الاثنان على عدم السماح بفتح حرب في لبنان ومواصلة الضغط لمنع ذلك."

ويشير جابر إلى زيارة وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن إلى إسرائيل الإثنين الماضي، "وهي الزيارة الأهم له، لأن هدفها إقناع إسرائيل بعدم الذهاب إلى حرب شاملة. ورغم أن نتانياهو اعتاد تجاهل مطالب أميركا، إلا أنه هذه المرة يجد نفسه مضطراً للامتثال لها، فهو بحاجة لدعمها لترميم حكومته".

أما ملاعب فيرى أن "إسرائيل لم تستطع التعامل مع 280 مقذوفاً من طائرات مسيرة وصواريخ أطلقت من إيران، فكيف ستتعامل مع 2500 صاروخ يوجه يومياً إلى الداخل الإسرائيلي؟ حتى الآن، لم يقصف حزب الله المدنيين، ولكن إذا تطور الوضع سيكون خطيراً جداً على إسرائيل".

ويوضح أن تقريراً أصدره معهد "رايخمان" الإسرائيلي، أعده 100 باحث على مدى ثلاث سنوات قبل 7 أكتوبر، يشير إلى أن "حزب الله يمتلك 150,000 صاروخ يستطيع إطلاق 2500 منها يومياً، والقبة الحديدية تستطيع التعامل معها لمدة أسبوع فقط".

ويقول ملاعب إن "إسرائيل بدأت التعامل مع تقرير رايخمان بزيادة هجماتها على مواقع وجود صواريخ حزب الله وأماكن صناعتها وكذلك أماكن تواجد منصات صواريخ الدفاع الجوي. كما نفذت 44 عملية في الداخل السوري هذا العام، استهدفت مستودعات تابعة لحزب الله والحرس الثوري الإيراني، بهدف تخفيف قدرات الحزب العسكرية".

ويشدد على أن "قرار الحرب الشاملة ليس بيد إسرائيل، بل بيد أميركا التي لديها خياران: إما اعتماد أسلوب دبلوماسي، وهو ما تتبناه الإدارة الحالية منذ وصول الرئيس بايدن، أو أن تسمح لإسرائيل باستعادة زمام المبادرة وضرب قدرات حزب الله باستخدام الطيران، وهي متفوقة في هذا المجال بفضل الطائرات أف 35 الخفية عن الرادار".

ولا يعتقد ملاعب أن الأمور ذاهبة إلى حرب شاملة، مرجحاً أن يكون هناك صيف ساخن فقط، "خاصة وأن أميركا في فترة انتخابات، وبالتالي لن يُتخذ أي قرار يضع الإدارة المقبلة أمام مشكلة تتسبب في أخطار كبيرة على إسرائيل".

كما أوردت "فورين بوليسي" أن "كلاً من حزب الله وإسرائيل يحصران حربهما إلى حد كبير على الأهداف العسكرية. وبعد ما يقرب من ثمانية أشهر من المعارك المنتظمة، يدرك الطرفان أن أي حرب واسعة النطاق بينهما ستكون مدمرة. يدرك حزب الله أن لبنان سوف يدمّر، مع سقوط آلاف القتلى. لكن إسرائيل تدرك أيضاً أن ما واجهته في غزة خلال الأشهر الماضية، دون تحقيق أهدافها الكاملة، لا يقارن بالحرب مع حزب الله".

وأسفر القصف المتبادل بين إسرائيل وحزب الله عن مقتل 467 شخصاً على الأقل في لبنان بينهم 306 من حزب الله وقرابة 90 مدنياً، وفق تعداد لوكالة فرانس برس يستند إلى بيانات حزب الله ومصادر رسمية لبنانية.

وأعلن الجانب الإسرائيلي من جهته مقتل 15 عسكرياً و11 مدنياً خلال شهور المواجهة الأخيرة.