حطام يظهر بالقرب من مبنى متضرر جراء غارة في لبنان
تبادل إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله أدى إلى نزوح السكان على جانبي الحدود

ازدادت جرعة التصعيد على الحدود الجنوبية للبنان بشكل غير مسبوق، الأربعاء، بعد العملية النوعية للجيش الإسرائيلي الذي استهدف خلالها قائداً عسكريّاً كبيراً في حزب الله بغارة على بلدة جويا مساء الثلاثاء.

واغتالت إسرائيل "القائد" طالب سامي عبد الله، كما وصفه حزب الله في بيانه، والملقب "أبو طالب"، مواليد عام 1969 من بلدة عدشيت في جنوب لبنان، مع ثلاثة عناصر من الحزب.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أن "طالب عبد الله هو قائد وحدة نصر التابعة لحزب الله، وأحد أبرز قادة الحزب في جنوب لبنان، وقد خطط ونفذ عدداً كبيراً من الهجمات الإرهابية ضد المدنيين الإسرائيليين، وأنه قتل خلال استهداف مقر قيادة لحزب الله أديرت منه الاعتداءات التخريبية من منطقة جنوب-شرق لبنان".

وقال مصدر أمني لوكالة "رويترز" إن القيادي القتيل هو أبرز عضو في حزب الله يقتل في الأعمال القتالية الدائرة بين الجماعة وإسرائيل، وهو أعلى في الترتيب من وسام الطويل، القائد الكبير بحزب الله الذي قُتل في غارة إسرائيلية في يناير الماضي".

وأوضح المصدر أن عبد الله كان "قائد جماعة حزب الله بالمنطقة الوسطى من الشريط الحدودي الجنوبي. والأعضاء الأربعة استُهدفوا على الأرجح خلال اجتماع".

وكانت إسرائيل وسعّت ميدان مواجهتها مع حزب الله متخطية تبادل قصف المواقع والبنى التحتية إلى عمليات الاغتيال، ناقلة الصراع إلى مرحلة جديدة، حيث نجحت باستهداف قادة من الحزب، عبر عمليات عسكرية وأمنية، تجاوزت حدود جنوبي لبنان إلى سوريا ومعقل الحزب في الضاحية الجنوبية لبيروت.

ورفعت عملية اغتيال عبد الله وتيرة تبادل إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل، ومعها مخاوف الانزلاق نحو حرب شاملة، بعد الترنح على حافتها منذ الثامن من أكتوبر تاريخ فتح حزب الله جبهة جنوب لبنان "كجبهة مساندة" لحركة حماس في غزة.

تحت وابل النيران

رداً على اغتيال عبد الله، أطلق حزب الله عشرات صواريخ الكاتيوشا وقذائف المدفعية على إسرائيل منذ الصباح، حيث قصف بحسب ما أعلن في بيانات متتالية، مقر قيادة الفيلق الشمالي في قاعد عين زيتيم، والمقر الاحتياطي للفيلق الشمالي في قاعدة تمركز احتياط فرقة الجليل ومخازنها في "عميعاد"، ومقر وحدة المراقبة الجوية وإدارة العمليات الجوية على الاتجاه الشمالي في قاعدة ميرون، وموقعي حدب يارين وحانيتا، ومرابض مدفعية الجيش الإسرائيلي في خربة ماعر وانتشاراً لجنوده في محيطها.

كما استهدف موقع السماقة والتجهيزات التجسسية في موقع رويسات العلم، وموقع راميا، وموقع الراهب، وموقع رويسة القرن، وثكنة زرعيت.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، أنه رصد حوالي "160 مقذوفة" جرى إطلاقها من جنوب من لبنان، سقط بعضها في أماكن متفرقة مما أدى إلى اندلاع حرائق، كما اعترضت الدفاعات الجوية عدداً منها.

هذا التصعيد قابله قصف إسرائيلي طال القرى الحدودية اللبنانية، وهي بحسب "الوكالة الوطنية للإعلام"، أطراف بلدات بليدا لجهة عيترون، ويارون ومارون الراس ووادي حسن وحانين ومركبا -خلة مكنة وحولا، كما شن الطيران الإسرائيلي غارات متتالية على أطراف عدد من القرى والبلدات في القطاع الغربي من قضاء صور، واستهدف شرق بلدة العديسة، والمنطقة بين دير سريان والطيبة وأغار على منزل في بلدة ياطر.

وأدى القصف الإسرائيلي بحسب ما ذكرته "الوكالة الوطنية" إلى "اصابة مسعف من الهيئة الصحية ونجاة فريق العمل الرسالي بتفجير مسيرة انقضاضيه في ساحة بلدة مركبا".

وكان مسؤول في فيلق القدس الإيراني "الذي يشرف على حزب الله وغيره من الفصائل المرتبطة بإيران في الشرق الأوسط،" قال لمجلة "فورين بوليسي" إن "الحزب يمتلك أكثر من مليون صاروخ من أنواع مختلفة، بما في ذلك صواريخ موجهة بدقة وصواريخ كاتيوشا معدلة لزيادة الدقة، بالإضافة إلى صواريخ مضادة للدبابات. - صواريخ الدبابات".

وتشمل ترسانة حزب الله، كما تم الكشف عنها خلال حرب الاستنزاف الطويلة، وفق ما أوردت المجلة "طائرات بدون طيار انتحارية وطائرات بدون طيار أخرى مزودة بصواريخ روسية الصنع تتيح شن هجمات جوية من داخل الأراضي الإسرائيلية، إلى جانب نوع من الصواريخ الإيرانية يسمى "ألماس" مزود بكاميرا مستوحى من صاروخ سبايك الإسرائيلي، يغير هذا العتاد قواعد اللعبة لأنه يجعل المقاتلين أقل عرضة للهجمات الإسرائيلية على مواقع الإطلاق".

وتشير "فورين بوليسي" إلى أن إسرائيل تمتلك ترسانة أكبر بكثير من صواريخ جو-أرض تُطلق من طائرات حربية مختلفة وطائرات بدون طيار مسلحة.

تصعيد متوقع!

عمليات اغتيال إسرائيل لقادة وعناصر حزب الله و"محور الممانعة" بشكل عام ليست جديدة، كما يرى الخبير الإستراتيجي والعسكري، العميد المتقاعد ناجي ملاعب، "فقد استهدفتهم منذ زمن في سوريا، وعناصر هذا المحور لديهم عقيدة إيمانية بأن النصر حليفهم مهما فقدوا من قادة أو عناصر".

ويوضح ملاعب في حديث مع موقع "الحرة" أن "حزب الله استغل انشغال إسرائيل في حرب غزة، لرسم ميدان عسكري يستطيع التعامل معه في المدى القريب. فاستخدم قذائف لا تستطيع القبة الحديدية اعتراضها، مثل قذائف الكورنيت المباشرة أو صواريخ البركان قصيرة

المدى، ونجح في إخراج بعض مواقع الرصد في الجليل الأعلى وقواعد عسكرية إسرائيلية من الخدمة، بل وأصاب المنطاد الإسرائيلي الذي كان فخر الصناعة الإسرائيلية في وقته".

ويشير إلى أن إسرائيل تتعامل اليوم مع المواقع التي تطلق منها النيران في لبنان "مستخدمة عمليات رد مضاعفة، بقصف الأبنية وتشكيل حزام مدّمر، واستخدام قذائف فسفورية لحرق الأراضي الزراعية، كما طوّرت ضرباتها من خلال القيام بعمليات اغتيال ذكية لقادة وعناصر الحزب خارج الميدان المفتوح".

ويذكر ملاعب أن حزب الله "يمتلك زمام المبادرة طالما لم يصدر قرار إسرائيلي بالحرب. فالقرار الإسرائيلي يقتصر على الرد الأقوى، وهو ما يستدرج رداً أقوى من حزب الله، دون أن يتعدى ذلك".

من جانبه يرى رئيس "مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة"، العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر، في حديث مع موقع "الحرة" أن التصعيد على الجبهة الجنوبية للبنان أمر طبيعي جداً لأن "إسرائيل تواجه تحديات كبيرة، فمناطقها الشمالية مشلولة، وتتعرض لخسائر يومية نتيجة قصف حزب الله لها، وجيشها مستنفر منذ مدة طويلة، والنازحون يضغطون على الحكومة من أجل العودة".

وأدى تبادل إطلاق النار إلى نزوح أكثر من 150 ألف شخص على جانبي الحدود، بحسب "فورين بوليسي" "مما حوّل البلدات الحدودية اللبنانية إلى مناطق تشبه غزة المصغرة. ويمتد الدمار تدريجياً إلى بلدات شمال إسرائيل، التي يطالب سكانها بشكل متزايد الدولة الإسرائيلية باتخاذ خطوات عملية لإعادتهم إلى منازلهم".

صيف ساخن أم حرب شاملة؟

إذا لم تتوقف حرب غزة، فإن صيف لبنان كما يرى جابر "سيكون أكثر سخونة، دون أن يصل الأمر إلى حرب شاملة، فالمؤشرات التي تمنع إسرائيل عن اتخاذ هذه الخطوة متعددة، منها أن المغامرة ستكون كبيرة جداً وتداعياتها قاسية، خاصة على بنيتها التحتية".

ويضيف جابر أن "حزب الله كذلك لا يريد حرباً واسعة، والدليل الأكبر على ذلك تصريحات نائب الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، قبل أسبوعين بأن الحزب لن يقدم على هذه الخطوة، وتصريحات رئيس المجلس التنفيذي لحزب الله، هاشم صفي الدين بأن "على إسرائيل أن تجهّز نفسها للبكاء والعويل، بعد أن كانت تئنّ وتصرخ مما أصابها" في الشمال.

لدى حزب الله أسبابه التي تمنعه من فتح حرب واسعة بحسب ما يقول جابر، منها "رفضه تحمل مسؤولية تدمير لبنان، فهو يفضل أن يكون في موقع الرد. كما أن إيران لا تريد حرباً واسعة، لأن هذه الحرب إذا وقعت ستتطور وتتدحرج إلى منطقة الخليج العربي والبحر الأحمر، وحينها ستتدخل أميركا لإنقاذ إسرائيل، وستجد إيران نفسها في ورطة كبيرة، وبالتالي ليس لديها مصلحة في ذلك."

من جهة أخرى، "لا تريد أميركا هذه الحرب" وفقاً لجابر "وقد أبلغت الإسرائيليين بذلك مراراً، فهي في مرحلة انتخابات ولا تتحمل نتائج الحرب، والدول الأوروبية لا تريدها كي لا يتدفق آلاف النازحين على شواطئها. وخلال اجتماع الرئيس الأميركي جو بايدن والرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في النورماندي، اتفق الاثنان على عدم السماح بفتح حرب في لبنان ومواصلة الضغط لمنع ذلك."

ويشير جابر إلى زيارة وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن إلى إسرائيل الإثنين الماضي، "وهي الزيارة الأهم له، لأن هدفها إقناع إسرائيل بعدم الذهاب إلى حرب شاملة. ورغم أن نتانياهو اعتاد تجاهل مطالب أميركا، إلا أنه هذه المرة يجد نفسه مضطراً للامتثال لها، فهو بحاجة لدعمها لترميم حكومته".

أما ملاعب فيرى أن "إسرائيل لم تستطع التعامل مع 280 مقذوفاً من طائرات مسيرة وصواريخ أطلقت من إيران، فكيف ستتعامل مع 2500 صاروخ يوجه يومياً إلى الداخل الإسرائيلي؟ حتى الآن، لم يقصف حزب الله المدنيين، ولكن إذا تطور الوضع سيكون خطيراً جداً على إسرائيل".

ويوضح أن تقريراً أصدره معهد "رايخمان" الإسرائيلي، أعده 100 باحث على مدى ثلاث سنوات قبل 7 أكتوبر، يشير إلى أن "حزب الله يمتلك 150,000 صاروخ يستطيع إطلاق 2500 منها يومياً، والقبة الحديدية تستطيع التعامل معها لمدة أسبوع فقط".

ويقول ملاعب إن "إسرائيل بدأت التعامل مع تقرير رايخمان بزيادة هجماتها على مواقع وجود صواريخ حزب الله وأماكن صناعتها وكذلك أماكن تواجد منصات صواريخ الدفاع الجوي. كما نفذت 44 عملية في الداخل السوري هذا العام، استهدفت مستودعات تابعة لحزب الله والحرس الثوري الإيراني، بهدف تخفيف قدرات الحزب العسكرية".

ويشدد على أن "قرار الحرب الشاملة ليس بيد إسرائيل، بل بيد أميركا التي لديها خياران: إما اعتماد أسلوب دبلوماسي، وهو ما تتبناه الإدارة الحالية منذ وصول الرئيس بايدن، أو أن تسمح لإسرائيل باستعادة زمام المبادرة وضرب قدرات حزب الله باستخدام الطيران، وهي متفوقة في هذا المجال بفضل الطائرات أف 35 الخفية عن الرادار".

ولا يعتقد ملاعب أن الأمور ذاهبة إلى حرب شاملة، مرجحاً أن يكون هناك صيف ساخن فقط، "خاصة وأن أميركا في فترة انتخابات، وبالتالي لن يُتخذ أي قرار يضع الإدارة المقبلة أمام مشكلة تتسبب في أخطار كبيرة على إسرائيل".

كما أوردت "فورين بوليسي" أن "كلاً من حزب الله وإسرائيل يحصران حربهما إلى حد كبير على الأهداف العسكرية. وبعد ما يقرب من ثمانية أشهر من المعارك المنتظمة، يدرك الطرفان أن أي حرب واسعة النطاق بينهما ستكون مدمرة. يدرك حزب الله أن لبنان سوف يدمّر، مع سقوط آلاف القتلى. لكن إسرائيل تدرك أيضاً أن ما واجهته في غزة خلال الأشهر الماضية، دون تحقيق أهدافها الكاملة، لا يقارن بالحرب مع حزب الله".

وأسفر القصف المتبادل بين إسرائيل وحزب الله عن مقتل 467 شخصاً على الأقل في لبنان بينهم 306 من حزب الله وقرابة 90 مدنياً، وفق تعداد لوكالة فرانس برس يستند إلى بيانات حزب الله ومصادر رسمية لبنانية.

وأعلن الجانب الإسرائيلي من جهته مقتل 15 عسكرياً و11 مدنياً خلال شهور المواجهة الأخيرة.

الحدود الإسرائيلية اللبنانية

يتصاعد الحديث عن مسار تطبيعي محتمل بين لبنان وإسرائيل، خاصة بعد الإعلان عن محادثات مرتقبة بوساطة أميركية، فرغم الطابع التقني لهذه المحادثات، فإن تقارير إسرائيلية تشير إلى أنها قد تتجاوز مسألة ترسيم الحدود، لتفتح الباب أمام تحوّل في شكل العلاقة بين البلدين.

وقد نقل موقع "واينت" الإسرائيلي، الأربعاء، عن مصدر سياسي، أن المناقشات بين لبنان وإسرائيل، هي جزء من "خطة واسعة وشاملة"، وأن إسرائيل مهتمة بالتوصل إلى تطبيع مع لبنان.

وكان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، أعلن أن إسرائيل تفتح مفاوضات مع لبنان بشأن الحدود البرية.

وفي السياق نفسه، أكدت نائبة المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط، مورغن أورتيغاس، الثلاثاء، أن واشنطن ستجمع الجانبين اللبناني والإسرائيلي في محادثات دبلوماسية لحل القضايا العالقة.

وعلى رأس هذه القضايا، النقاط الخلافية المتبقية على الخط الأزرق، والمواقع الخمسة التي لا تزال تحت السيطرة الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، وإطلاق سراح سجناء لبنانيين.

والخط الأزرق هو خط تقني يمتد على مسافة 120 كم، تم تحديده من قبل الأمم المتحدة في عام 2000 بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، ويعد هذا الخط مؤقتاً ويستخدم كحدود فاصلة بين البلدين.

وفي خطوة أثارت تساؤلات واسعة، أطلقت إسرائيل سراح لبنانيين، فيما اعتبره البعض إشارة اعتبرها بعض المراقبين "بادرة حسن نية"، تهيئ الأجواء لمفاوضات أوسع.

وبينما تتسارع الأحداث، يبقى السؤال مطروحاً: هل يمضي لبنان فعلياً نحو مسار التطبيع مع إسرائيل، أم أن هذه المحادثات ستظل محصورة في إطارها الحدودي؟

السلام ممكن؟

وتعتبر إسرائيل اللحظة الحالية "الأنسب لعقد اتفاق سلام مع لبنان، مستفيدة من التغيرات الإقليمية"، كما يرى الباحث في الشأن السياسي نضال السبع.

وقال السبع، لموقع الحرة، إن إسرائيل "نجحت في توجيه ضربة قاسية لحزب الله وإبعاده إلى شمال الليطاني، إضافة إلى انهيار النظام السوري، وقطع خطوط إمداد الحزب، ومنع التواجد الإيراني في الأراضي السورية".

نظام الأسد كان يعد حليفا استراتيجيا لحزب الله.
كيف يتعامل حزب الله مع خسارة شريان إمداده؟
مرّت نحو 3 أشهر على سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، الحدث الذي غيّر المعادلات، ليس فقط في سوريا، بل أيضاً بالنسبة لحزب الله، الذي فقد شريانه الرئيسي، فمع انهيار هذا الحليف الاستراتيجي، وجد الحزب نفسه أمام واقع جديد يفرض عليه تحديات غير مسبوقة عسكرياً ومالياً.

وأضاف السبع أن "إسرائيل تعمل على تحقيق هدفين رئيسيين: أولاً، ربط انسحابها من الأراضي اللبنانية بعملية سلام شاملة، وثانياً، ربط إعادة إعمار الجنوب اللبناني بهذا المسار التفاوضي الذي يحظى بدعم أميركي..".

وقال إن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يسعى "إلى الدفع باتجاه توقيع اتفاق سلام شامل بين لبنان وإسرائيل، في إطار توسيع دائرة اتفاقات التطبيع في الشرق الأوسط".

من جانبه، رأى رئيس لقاء سيدة الجبل النائب السابق، فارس سعيد، أن الخطوة الأولى ليست في اتجاه التطبيع مع إسرائيل، بل في تنفيذ القرار 1701 بالكامل.

وقال سعيد، لموقع "الحرة"، إن "قراءة هذا القرار بتأنٍ تكشف أن البنود 8 و9 و10 تنصّ على آلية واضحة، تقضي بمحادثات بين الحكومة اللبنانية والحكومة الإسرائيلية برعاية الأمم المتحدة لحل القضايا العالقة".

ولم يرتق القرار 1701، بطبعة عام 2006، "إلى مستوى وقف لإطلاق النار، بل اقتصر على وقف العمليات العسكرية"، كما أشار سعيد.

وشدد على أن الخطوة الحالية تتمثل في "تنفيذ القرار 1701 الذي يهدف إلى الانتقال من مرحلة وقف الاعتداءات إلى مرحلة وقف إطلاق النار، ومن ثم إجراء مفاوضات تشمل ترسيم الحدود، وقضية الأسرى، والنقاط الخمس التي لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي".

وأضاف سعيد أن الادعاء أن "الدفاع عن لبنان هو من اختصاص حزب أو طائفة"، لم يعد قائماً، مشدداً على أن حماية البلاد مسؤولية الدولة اللبنانية.

وذكر أن "لبنان، عبر علاقاته الدبلوماسية العربية والدولية، قادر على حل الأزمات، وسيتمكن من التنفيذ الكامل للقرار 1701 كما تمكّن من إطلاق الأسرى".

ما موقف لبنان الرسمي؟

وعن موقف الحكومة اللبنانية من التطبيع، قال نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني، طارق متري، في لقاء مع "الحرة" بث الاثنين، "هناك تحركات غير رسمية داخل الولايات المتحدة للضغط على الإدارة الأميركية كي تشترط علينا الدخول في مسار تطبيعي مع إسرائيل، وهذا أمر حقيقي. لكننا، كحكومة، لم نتعرض لأي ضغط مباشر من أي جهة".

وعن رد الحكومة اللبنانية في حال تلقي طلب رسمي بهذا الشأن، قال متري "نحن بطبيعة الحال غير مستعدين لذلك".

في المقابل، أكد أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية، الدكتور مئير مصري، أن "لبنان لم يكن مجرد جار لإسرائيل، بل كان صديقاً حميماً لها وقدم لها الدعم في السابق".

وأشار إلى أن "الجيش اللبناني لم يطلق رصاصة واحدة على إسرائيل التي لم تواجه في لبنان سوى عناصر خارجة عن السيادة اللبنانية".

وقال مصري، في مقابلة مع قناة i24، أن " لبنان الرسمي كاد أن يصوت لصالح قرار التقسيم عام 1947".

كما أشار إلى "التحالف العسكري بين إسرائيل وما عرف آنذاك اليمين المسيحي اللبناني الذي استمر لعقود، وتوّج بالحرب المشتركة ضد منظمة التحرير الفلسطينية في أوائل الثمانينيات، ومن ثم توقيع معاهدة السلام اللبنانية-الإسرائيلية في 17 مايو 1983، التي حظيت بتصديق البرلمان اللبناني، حيث صوتت عليها مختلف الطوائف، بأغلبية كبيرة، لكنها ألغيت عام 1984 بضغط سوري".

وحول ملف الحدود، شدد مصري على أنه "لا يوجد أي خلاف حول الحدود، والجهة الوحيدة التي تدعي وجود نزاع هي حزب الله". 

وأشار إلى وثيقة "وقعها الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفي أنان، تؤكد أن إسرائيل انسحبت عام 2000 حتى الحدود الدولية وفق ما هو متعارف عليه في الأمم المتحدة، وهي الحدود التي بقيت ثابتة لعقود".

نقاط النزاع

المحادثات المرتقبة بين لبنان وإسرائيل تهدف إلى تثبيت النقاط الحدودية العالقة، وليست عملية ترسيم جديد للحدود، كما شدد السبع.

وشرح: "الحدود البرية بين البلدين معروفة ومحددة مسبقاً بموجب اتفاقيات دولية، أبرزها اتفاق "بوليه – نيوكومب" عام 1923، الذي رسم الحدود بين الانتدابين الفرنسي والبريطاني، واتفاقية الهدنة اللبنانية-الإسرائيلية عام 1949، التي صادقت عليها الأمم المتحدة".

ويبلغ عدد النقاط الخلافية على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية 13 نقطة، وبحسب ما أشار وزير الخارجية اللبناني السابق، عبد الله بو حبيب، في تصريحات سابقة " تم التوصل إلى اتفاق بشأن 7 منها، فيما تبقى 6 نقاط موضع نزاع".

وتمتد هذه النقاط على طول الحدود، من البحر في رأس الناقورة غرباً وصولاً إلى بلدة الغجر شرقاً على الحدود مع سوريا، وتتوزع على النحو التالي: النقطة B1 في رأس الناقورة، 3 نقاط في بلدة علما الشعب، نقطة واحدة في كل من البستان، مروحين، رميش، مارون الراس، بليدا، ميس الجبل، العديسة، كفركلا، والوزاني.

ووفقاً لما سبق أن ذكره العميد المتقاعد، بسام ياسين، الذي ترأس الوفد اللبناني التقني العسكري المفاوض حول الحدود البحرية، لموقع "الحرة"، فإن ما حدث بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، وعقب حرب يوليو 2006، هو أن إسرائيل تقدّمت في بعض النقاط داخل الأراضي اللبنانية وبقيت فيها، وفي المقابل، تقدّم لبنان في بعض النقاط الحدودية ولا يزال متمركزاً فيها.

نتيجة لذلك، تم إنشاء "الخط الأزرق" ليحدد خط انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، لكن بعض النقاط الحدودية ظلّت عالقة بسبب الاستعجال في إعلان الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 ووقف إطلاق النار عام 2006، مما جعلها اليوم موضع خلاف بين الجانبين".

وتعدّ النقطة B1 في رأس الناقورة أبرز نقاط الخلاف، وفق ياسين، نظراً لموقعها الجغرافي والعسكري الاستراتيجي، حيث تقع على مرتفع يشرف على مساحات واسعة من الجانبين اللبناني والإسرائيلي، ويتيح رؤية بصرية تصل إلى مدينة حيفا داخل الأراضي الإسرائيلية.

وقال ياسين "كانت هذه النقطة محور الخلاف الرئيسي خلال مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، فقد أصرّ لبنان على اعتبارها نقطة الانطلاق البري لترسيم حدوده البحرية، وسط رفض من الجانب الإسرائيلي الذي يسيطر على تلك المنطقة الحدودية ويعتبرها جزءا من أراضيه".

أما بقية النقاط الـ12، فبينها بقع صغيرة لا يتعدى الخلاف عليها الأمتار المعدودة، وأخرى تمتد إلى 2000 و3000 متر مربع، فيما تصل أكبرها إلى 18 ألف متر مربع، وفقاً لياسين.

وتشمل أكبر المناطق المتنازع عليها بلدات رميش والعديسة والوزاني، بينما يقدّر لبنان المساحة الإجمالية التي يعتبرها مقتطعة من أراضيه بنحو 485,039 متراً مربعاً.

فيما يتعلق بمزارع شبعا، بلدة الغجر، وتلال كفرشوبا، أشار ياسين إلى أن حل هذا النزاع يتطلب اتفاقاً ثلاثياً بين لبنان وسوريا وإسرائيل لتحديد الحدود في تلك المنطقة.

وتجدر الإشارة إلى أن سكان بلدة الغجر، الواقعة على الجانب اللبناني، يرفضون الانضمام إلى لبنان، ما يطرح معضلة إضافية، حيث أكد ياسين أن "الأرض لبنانية ولا يمكن التخلي عنها لأن سكانها يرفضون الانضمام. قد يكون الحل في ترحيلهم إلى حيث يريدون الانتماء."

حزب الله وقدرة التعطيل

ويثير الحديث عن أي تقارب بين لبنان وإسرائيل جدلاً واسعاً في لبنان، حيث يُنظر إلى هذا الملف على أنه قضية شديدة الحساسية، في ظل الرفض القاطع لأي تطبيع من قبل قوى سياسية رئيسية، على رأسها حزب الله.

ومع ذلك، يرى السبع أن "الحزب غير قادر على تعطيل مسار التطبيع، خاصة إذا استمرت التوازنات السياسية في البرلمان على حالها، ولم يتمكن من تشكيل تحالفات تعرقل أي اتفاق يمر عبر المؤسسات الدستورية".

وأشار إلى أنه "حتى في المحطات السياسية السابقة، لم يتمكن الحزب من فرض خياراته بالكامل. فقد عارض انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية، لكنه عاد وصوّت له..".

كما رفض حزب الله "ترشيح نواف سلام لرئاسة الحكومة، إلا أن الأخير حصل على 95 صوتاً في البرلمان. وبالتالي، حتى لو استُثني 30 نائباً محسوبين على الثنائي الشيعي، يبقى هناك 65 نائباً، وهي نسبة كافية لتمرير أي قانون داخل المجلس النيابي"، وفق السبع.

ورغم ذلك، يستذكر الباحث في الشأن السياسي، تجربة عام 1983، حين توصلت إسرائيل إلى "اتفاق 17 أيار (مايو)" مع الحكومة في عهد الرئيس اللبناني أمين الجميّل بعد اجتياحها بيروت، "إلا أن الاتفاق لم يُنفّذ بسبب رفض النظام السوري آنذاك".

لكن السبع يشير إلى أن "المشهد اليوم مختلف، إذ تصبّ المتغيرات الإقليمية والدولية في مصلحة إسرائيل".

وبشأن طبيعة التطبيع المحتمل، أوضح السبع أن "حتى لو تم توقيع اتفاق سلام، فلن يعني ذلك تغييراً جذرياً في المشهد على الأرض".

وأضاف "هل سيتمكن المواطن الإسرائيلي من الهبوط في مطار بيروت، وزيارة الضاحية، والتوجه إلى جونية؟ بالتأكيد لا. قد توقّع اتفاقات سلام، لكن الواقع لن يتغير بهذه السهولة".