ظروف معيشية قاسية في مخيمات عرسال
ظروف معيشية قاسية في مخيمات عرسال

تعيش عائلة اللاجئ السوري، قاسم، ظروفاً معيشية قاسية في خيمة متهالكة بأحد مخيمات عرسال، بعدما فرّ من الحرب في بلده بحثاً عن الأمان، الذي فُقِد منذ سنوات في لبنان، حيث يزداد الخناق يوماً بعد يوم على السوريين، حتى وصلت إلى مسامعهم أنباء عن نية ترحيلهم القسري من بلدة عرسال.

ويتساءل قاسم في حديث مع موقع "الحرة": "من قال للمسؤولين اللبنانيين أننا نعيش في سعادة داخل خيمة ضيقة تتهشّم مع كل هبة رياح، وتتحول إلى جهنّم في فصل الصيف، تفتقر إلى الخصوصية والخدمات الأساسية، وفوق هذا تحيط بها مياه الصرف الصحي والروائح الكريهة والحشرات والأمراض من كل الجهات"؟

ويشدد: "نعيش في كابوس حقيقي، يومياً تحصل إشكالات بين سكان المخيم بسبب المياه الآسنة، أما تأمين المياه النظيفة لأطفالنا فأشبه بالمعجزة، ما يجعلهم عرضة للأمراض المتنوعة، في وقت بات الاستشفاء وتأمين الدواء وحتى الطعام أمر في غاية الصعوبة، فما أجنيه لا يغطي احتياجات عائلتي الأساسية."

ورغم قسوة الحياة في المخيم، إلا أن العودة إلى سوريا ليست خياراً بالنسبة لقاسم، حيث إنه مطلوب للخدمة العسكرية، مما يعني أن ترحيله سيؤدي إلى سجنه وتعذيبه وربما قتله وتيتيم أطفاله، في حين أن انتقاله وعائلته إلى منطقة لبنانية أخرى أمر مستحيل كما يشدد لعدم قدرته المادية على استئجار منزل "إضافة إلى التضييق على السوريين في كل المناطق اللبنانية وترحيلهم من بلدات عدة".

وانضمت بلدة عرسال التي تضم أكبر عدد من مخيمات اللاجئين السوريين، إلى قائمة البلدات اللبنانية التي تطالب بترحيل السوريين قسراً من أراضيها، وقد طرح هذا المطلب خلال اجتماع لأهالي البلدة "المهتمين بالشأن العام"، بحضور عضو "تكتل بعلبك الهرمل" النائب ملحم الحجيري، لمناقشة الوضعين الصحي والبيئي المتفاقمين في البلدة.

وقد خرج الاجتماع، الذي عقد الشهر الماضي، بتشكيل لجنة متابعة للوضع الصحي والبيئي، وكلفت هذه اللجنة بمتابعة كافة القضايا التي تهم البلدة، وطالبت اللجنة المسؤولين بالتحرك السريع لإيجاد حلول مناسبة لحماية أطفال عرسال وأجيالها القادمة من كارثة بيئية وصحية تهدد البلدة والقرى المحيطة بها، كما أمهلت الجهات المختصة شهرين لإخراج اللاجئين السوريين من البلدة.

وإضافة إلى الترحيل القسري، شددت بلديات عدة الإجراءات تجاه اللاجئين السوريين، بناء على تعاميم وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال، بسام مولوي.

وتضمنت هذه الإجراءات سلسلة من الخطوات منها "إقفال المحلات التي تعمل بصورة غير قانونية واحالة المخالفين إلى القضاء، والتحقق من الأوراق الثبوتية للاجئين، وإحصاء عددهم".

وتتشدد السلطات اللبنانية أكثر فأكثر في التعامل مع ملف اللاجئين السوريين، إلى درجة اعتبار أكثر من مسؤول أن وجودهم أصبح يشكل "خطراً وجودياً" على لبنان.

وبحسب المفكرة القانونية، "قام الجيش اللبناني حتى 25 من يونيو من هذا العام، بترحيل وإعادة أكثر من 1400 سوري إلى سوريا، وقام الأمن العام بترحيل أكثر من 300. وفي العام 2023، رحّل الجيش اللبناني وأعاد أكثر من 13000 سوري. وكثيراً ما تتم عمليات الترحيل بموجب إجراءات موجزة، من دون أوامر قضائية، ومن دون إتاحة الفرصة للاجئين للدفاع عن حقّهم في الحصول على الحماية، أو الطعن في أوامر الترحيل".

أوضاع مزرية

يتخوف قاسم من أن يتم تنفيذ ما أوصت به لجنة متابعة الوضع الصحي والبيئي في عرسال، ويقول: "كأنه لا يكفينا ما نعانيه من ضغوطات نفسية لا تحتمل، حتى يضاف إليها التفكير بمصيرنا. نحن لا نطلب سوى الأمان، ومع ذلك يبدو أن هذا الأمر محرّم على السوريين."

ويضيف في حديث مع موقع "الحرة": "لا أحد يرغب في أن يكون لاجئاً، ولكن الظروف فرضت علينا ذلك. وليتأكد الجميع أننا أول من يرغب في العودة إلى بلدنا، ولكن بعد سقوط نظام الأسد".

ويعيش اللاجئون كما يشرح عضو لجنة التنسيق والمتابعة مع مختلف الجهات ذات العلاقة باللاجئين السوريين، الناشط السوري، سامر عامر "في مخيمات مكتظة تفتقر إلى الخدمات الأساسية، مما يزيد من معاناتهم النفسية والجسدية، لاسيما في ظل غياب حلول لمشكلة الصرف الصحي، حيث تعاني المخيمات من انتشار الأمراض، ويعاني أهالي عرسال أيضاً من هذه المشكلة".

ويضاف إلى ذلك بحسب ما يقوله عامر لموقع "الحرة": "التراجع الحاد في مستوى الرعاية الطبية وصعوبة حصول اللاجئين على الأدوية اللازمة، مما يهدد حياتهم ويعيق عملية شفائهم، إضافة إلى صعوبة تأمين الغذاء، خاصة مع ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل" لافتاً إلى أن "نسبة فصل اللاجئين من مساعدات المفوضية وصلت إلى الستين في المئة".

وفيما يتعلق بمهلة الشهرين الممنوحة للاجئين لمغادرة عرسال، فإنها تهدف كما يؤكد عامر "إلى الضغط على المنظمات الدولية لتحمّل مسؤولياتها والقيام بواجباتها". ومع ذلك، يعرب عامر عن تخوف اللاجئين من الترحيل خاصة مع عدم وضوح مصيرهم، ويشدد "يطالب اللاجئون بفتح البحر لهم للهجرة، للبحث عن ملاذ آمن بعيداً عن الظروف المعيشية الصعبة التي تواجههم في هذا البلد".

لكن في مايو الماضي، أشار رئيس لجنة البيئة النيابية النائب غياث يزبك، بعد اجتماع اللجنة، إلى أن "عرسال من أكثر البلدات في لبنان التي تأذت من الوجود السوري الكثيف والذي يتجاوز بأعداده عدد سكان البلدة بضعفين أو أكثر" وأن "التقصير في الخدمة المالية من قبل الدول المانحة لليونيسف يؤدي الى كارثة انسانية حقيقية، بدأت بالطفح الجلدي وبأمراض الكبد الوبائي وبالجرب".

واعتبر أن "الحل ليس بمعالجة النتائج، بل بمعالجة الأسباب، ويجب البدء من الغد، وهذه توصية إلى الحكومة بإبلاغ من يلزم من المؤسسات الدولية والدبلوماسية والقوى الأمنية والأجهزة في لبنان للعمل سريعاً على البدء بالتخفيف من الضغط السكاني، ليس في عرسال فقط، بل في كل لبنان".

وأضاف "نقول لرئيس الحكومة واجه هذه الدول ولو كان هناك من هذه الدول من تدعي أنها لا تريد عودة السوريين حفاظاً على حقوق الانسان لأنهم قد يتعرضون للأذى من قبل النظام. وما يجري اليوم في مخيمات لبنان أليس اعتداء صارخاً على حقوق الانسان والحق الانساني بتأمين الحد الأدنى من المياه والاستشفاء".

مطلب.. نظري

ويواجه "أبو محمد" الذي يسكن في مخيمات عرسال تحدي الترحيل الذي يهدد حياته ومستقبله، ويروي قصته بصوت ممزوج بالحزن والخوف، كيف يعيش كل يوم على أعصابه، قلقاً من مداهمة المخيم وترحيله قسراً إلى سوريا التي فرّ منها خوفاً على حياته.

ويشعر "أبو محمد" كما يصف لموقع "الحرة" أنه عالق بين نارين، الخوف من العودة إلى بلده، والخوف من المجهول والمستقبل الضبابي في لبنان، ويقول "أعيش في قلق دائم على نفسي وعائلتي، لا أستطيع النوم أو التركيز على أي شيء، وتزداد مخاوفي مع تصاعد حملات التضييق على اللاجئين وتزايد عمليات الترحيل القسري".

ويناشد الوالد لثلاثة أبناء المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية للتدخل لحمايتهم من خطر الترحيل، وضمان حصولهم على حياة كريمة وآمنة، ويقول: "كل ما نريده العيش بسلام. لقد عانينا بما فيه الكفاية، ولا نريد أن نجبر على العودة إلى مكان يهدد حياتنا، أو الانتقال إلى منطقة ثانية من لبنان ومواجهة ذات المشكلة."

ويعتبر رئيس بلدية عرسال السابق، باسل الحجيري، أن البيان الصادر عن لجنة متابعة الوضع الصحي والبيئي في عرسال، بشأن ترحيل اللاجئين السوريين، لا يعبّر عن الواقع ويعتبر مجرد "نظريات".

ويشير الحجيري في حديث مع موقع "الحرة" إلى أن العدد الكبير للاجئين ليس مسألة جديدة، إذ بلغ ذروته في عام 2013 مع وجود 120,000 لاجئ، قبل أن يتراجع إلى 70,000 اليوم"، بينما سبق أن أشار محافظ بعلبك الهرمل، بشير خضر إلى أن "عدد سكان بلدة عرسال حوالي 20 ألف نسمة، أما عدد النازحين السوريين في البلدة فيصل إلى 95 ألفا".

ويوضح الحجيري أن "البلدية قدمت اقتراحاً إلى وزارة الداخلية في عهد الوزيرة ريا الحسن، لجمع المخيمات، التي يبلغ عددها 165 مخيماً، في مخيم واحد خارج عرسال للتخلص من العشوائية، إلا أن الاقتراح رفض".

تأقلم أهالي عرسال مع وجود السوريين، بحسب الحجيري "وذلك بسبب المعرفة السابقة بينهم، وهم عموماً لا يقبلون بترحيلهم، بل يؤيدون عودتهم إلى ديارهم حين تكون الظروف مواتية" ويشدد على أن "اللاجئين لا يزاحمون أبناء البلدة في أرزاقهم، بل يعززون الحركة الاقتصادية المحلية".

والعام الماضي، أصدر خضر، مذكرة قضت "بتكليف المدير الإقليمي لأمن الدولة في بعلبك الهرمل بإصدار إنذارات إلى أصحاب المحال التجارية والمطاعم والمصالح والخدمات ومستثمريهم بوجوب الاستغناء عن العمالة السورية النازحة العاملة دون إجازة عمل وبشكل غير قانوني، تحت طائلة اتخاذ القرارات اللازمة لإغلاق هذه المحال والمؤسسات، وإبلاغ المحافظة بالنتيجة والمقترحات عند انتهاء فترة الإنذارات".
 
وأكد خضر في المذكرة أن "النازحين السوريين يمارسون الأعمال التجارية والاستثمارات والخدمات وجميع المهن في محافظة بعلبك - الهرمل، لا سيما في بلدتي عرسال والقاع ومشاريعها، دون أي مسوغ قانوني، وبشكل مخالف لقانون العمل، وفي حال عدم الالتزام بمضمون الإنذار يصار إلى اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة بحق المخالف".

حملات مستمرة

وتضيّق السلطات اللبنانية الخناق على السوريين من أجل اجبارهم على العودة إلى وطنهم رغم أن سوريا "لم تبلغ حالة من الأمان المناسب لعودتهم إلى مناطقهم الأصلية"، كما خلصت تقارير الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن منظمات حقوق الإنسان، بما في ذلك منظمة العفو الدولية، وذلك بحسب ما ذكرت عدة منظمات دولية في بيان أصدرته الشهر الماضي، طالبت خلاله السلطات اللبنانية "باحترام التزاماتها الدولية وضمان التحقيق الفعال في جميع حالات التعذيب وسوء المعاملة، ووقف الترحيل غير القانوني للاجئين السوريين على الفور".

واعتبرت هذه التقارير أن "سوريا لا تزال غير آمنة للعودة وأن اللاجئين معرضون لخطر انتهاكات حقوق الإنسان عند عودتهم، بما في ذلك الاعتقال التعسفي والتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، والاختفاء القسري والاضطهاد. وفي بعض الحالات، واجه العائدون الاضطهاد والتعذيب لمجرد لجوئهم إلى لبنان أثناء النزاع، حيث تميل السلطات السورية إلى النظر إلى أولئك الذين فروا من النزاع المسلح بعين الشك. وفي الأشهر الأخيرة، شهدت سوريا أيضاً أسوأ تصعيد في أعمال العنف منذ عام 2020".

وهذا العام كان صعباً بشكل خاص على اللاجئين السوريين في لبنان، كما اعتبرت المنظمات الدولية في بيانها، "خاصة منذ 7 أبريل 2024، عندما تم العثور على منسق حزب القوات اللبنانية، باسكال سليمان، مقتولاً في حمص بسوريا؛ حيث تم اعتقال العديد من السوريين كمشتبه فيهم في القضية".

وواجه اللاجئون السوريون في لبنان "ردود فعل وانتقاماً بسبب عملية القتل"، حيث قامت بلديات عدة، كما ذكرت المنظمات في بيانها "بفرض حظر تجوّل تمييزي، ومنعت السوريين من مغادرة منازلهم خلال الأيام التالية".

والشهر الماضي، أكد المرصد السوري لحقوق الانسان أن "الانتهاكات والحملات العنصرية وحملات الترحيل القسرية لا تزال مستمرة بحق اللاجئين السوريين في لبنان من قبل بعض العنصريين والجيش اللبناني، بتحريض مباشر من قبل بعض السياسيين العنصريين اللبنانيين، ولايزال يعاني الكثير من اللاجئين السوريين في لبنان من القرارات الجائرة بحقهم والمعاملة السيئة التي يقابلون بها في البلد الجار الذي اختاروه ملاذاً آمناً هرباً من آلة الحرب الوحشية ومن الاعتقال والتعذيب والقتل على يد قوات النظام".

ووصلت العديد من نداءات الاستغاثة للمرصد السوري من قبل لاجئين سوريين في لبنان، يناشدون فيها "بتدخل المجتمع الدولي والمنظمات الفاعلة من أجل إنهاء معاناتهم داخل الأراضي اللبنانية في الوقت الذي يرفضون بشدة العودة إلى وطنهم خوفاً من وقوعهم في قبضة الأجهزة الأمنية التابعة للنظام لكون الكثير منهم من المعارضين للنظام ومصيرهم المحتم هو إما الاعتقال والتعذيب أو الموت في حال عودتهم".

ومنذ فترة، اتخذ البعض في عرسال مشكلة الصرف الصحي حجة للمطالبة بترحيل اللاجئين، رغم أن هذه المشكلة "تعود إلى سنوات طويلة، كون البلدة تفتقر إلى البنى التحتية الأساسية" كما يشدد الحجيري "وقد طالبت البلدية مراراً بمعالجتها".

ويوضح الحجيري: "في عام 2017 وافقت جمعية فرنسية على بناء شبكة صرف صحي ومحطة تكرير بقيمة 26 مليون يورو في البلدة، وقد وافقت وزارة الطاقة على المشروع في عام 2020، إلا أنها قررت تنفيذه في مدينة أخرى بدوافع طائفية".

من جانبه، يشير عامر إلى توقف منظمة اليونيسيف عن تقديم المياه وشفط المياه لمدة 50 يوما، "مما أدى إلى تفاقم الأزمة الصحية. وبعد جهود مضنية، عادت المنظمة لتوزيع كميات قليلة من المياه، حيث يحصل الشخص حالياً على 12 لتراً فقط في اليوم، فيما يتم سحب 40 في المئة فقط من مياه الصرف الصحي".

وطال التلوث المياه الجوفية ومصادر المياه في القرى المحيطة بعرسال، والسبب كما شرح محافظ بعلبك الهرمل، الشهر الماضي، "كان استخدام 4 حفر غير مطابقة للمواصفات الصحية والبيئية يتم فيها رمي الصرف الصحي الذي يسحب من مخيمات النازحين السوريين في البلدة" فسارع إلى تقديم إخبار للمحامي العام البيئي، شرح فيه "الواقع لاتخاذ ما يلزم لرفع الضرر وللحفاظ على السلامة العامة".

وأضاف: "تمول اليونيسف عملية تزويد مخيمات النازحين في عرسال بالمياه الصالحة للشرب والاستخدام، وسحب مياه الصرف الصحي، لكن الأمور تفاقمت عند اعتراض أصحاب الصهاريج على تخفيض الميزانية المخصصة لهم، ونفذوا إضرابا، وكذلك اعترض النازحون على تخفيض كمية المياه العذبة، ووتيرة الشفط للصرف الصحي من المخيمات، وطالبوا بإعادة التمويل الى سابق عهده".

ضغوط بلا جدوى

ويعرب الناشط طارق الحجيري الذي حضر اجتماع أهالي عرسال، عن قلقه العميق بشأن أزمة الصرف الصحي المتفاقمة في البلدة، ويقول "الوضع الصحي والبيئي في عرسال كارثي، في ظل تجاهل السلطات اللبنانية والمنظمات المانحة والجمعيات المعنية التي ينخرها الفساد".

ويشرح في حديث مع موقع "الحرة" أن "بلدتنا التي تنتج يومياً 800 متر مكعب من المياه الآسنة، تفتقر إلى شبكة للصرف الصحي، وتعتمد حلاً بدائيا (جوّر صحية) يتم شفطها وتفريغها في خراج البلدة، ما يشكل ضرراً كبيراً على سلامة المياه الجوفية وعلى صحة المقيمين في البلدة، وهذا ما دفع بالمدعي العام البيئي الى منع تفريغ المياه الآسنة في المكب".

قرار المدعي العام شكل بحسب طارق "ضرراً صحياً على الجميع، حيث سالت المياه الاسنة في الشوارع مما أدى إلى انتشار الروائح الكريهة والأوبئة، وبناء على متابعات اللجنة واتصالاتها قام المدعي العام البيئي بتجميد قراره مدة شهرين إفساحا في المجال لإيجاد حلول بيئية مناسبة مستدامة ولتخفيف الأضرار".

ويشير طارق إلى أن "الجهات المانحة دفعت نحو 45 مليون دولار لشفط الحفر الصحية، بينما توقفت الهبة الفرنسية لبناء معمل لتكرير المياه الآسنة وشبكة للصرف الصحي من قبل وزارة الطاقة، والتي كانت تقارب 30 مليون دولار، بحجة أسباب تتعلق بالتوطين"، وانتقد طارق هذا القرار متسائلاً عن علاقة المعمل وشبكة الصرف الصحي بموضوع التوطين.

وخلال اجتماع "أهالي عرسال المهتمين بالشأن العام" "جرى الحديث عن بناء معمل لتكرير المياه خلال شهرين"، لكن حتى الآن كما يقول عامر "لا توجد أي بوادر على تنفيذ هذا المشروع، مما يزيد من مخاوف اللاجئين من انتهاء المهلة دون إيجاد حلول جذرية لمشكلة الصرف الصحي".

كذلك يؤكد الحجيري أن "هذه المشكلة لم تُحل بعد، وإن كان المشروع الذي قدمته البلدية سابقاً لبناء معمل تكرير للمياه وتطوير شبكة الصرف الصحي لا يزال قيد المتابعة"، مشدداً على ضرورة إيجاد حلول جذرية لهذه المشكلة التي تعاني منها ليس عرسال فقط، بل كل بلدات بعلبك والهرمل".

من جانبه، يشدد طارق على أنه من الضروري إيجاد حل دائم لأزمة الصرف الصحي، "من خلال إنشاء معمل لتكرير المياه الآسنة، التي تتسبب في انتشار أمراض متنوعة، بما في ذلك السرطانية".

ضغط السلطات اللبنانية على اللاجئين لترحيلهم لا يجدي نفعاً وفقاً لما يقوله الحجيري، داعياً إلى "إيجاد حل لهم، إما بفتح باب الهجرة أمام إلى بلدان أخرى أو تسوية أمورهم مع بلدهم، والأهم من كل ذلك التعامل مع قضيتهم بإنسانية".

كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟
كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟

طائرة تحلّق في الأجواء. صاروخ لا تراه لكن تشاهد أثره: سيارة تتحول في ثوان إلى حطام، أو شقة سكنية تتحول إلى كتلة لهب.

الهدف كادر أو قيادي في حزب الله.

والمشهد يتكرر.

في لبنان، تهدئة معلنة.. هذا على الأرض.

لكن في السماء، تواصل الطائرات الإسرائيلية المسيّرة التحليق وتنفيذ ضربات دقيقة تخلّف آثاراً جسيمة، ليس في ترسانة الحزب العسكرية فقط، بل في البنية القيادية كذلك.

وفيما يحاول الحزب امتصاص الضربات، تتوالى الأسئلة: كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ أهو التقدّم التكنولوجي المحض، من ذكاء اصطناعي وطائرات بدون طيار؟ أم أن هناك ما هو أخطر؟ اختراقات بشرية داخل صفوف الحزب تُستغلّ لتسهيل تنفيذ الضربات؟ وما هي الاستراتيجية الإسرائيلية هنا والأهداف؟

"اختراق بشري"

استهداف تلو الآخر، والرسالة واضحة: اليد الإسرائيلية طويلة بما يكفي لتصل إلى أي نقطة في لبنان، والعين الإسرائيلية ترى ما لا يُفترض أن يُرى.

يصف القائد السابق للفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر العمليات الإسرائيلية الأخيرة بأنها "بالغة التعقيد، تعتمد على تناغم نادر بين التكنولوجيا المتقدّمة والاختراق الاستخباراتي البشري"، مشيراً إلى أن "تحديد هوية القادة الجدد الذين حلّوا مكان المُغتالين يتم عبر تقنيات متطوّرة تشمل بصمات العين والصوت والوجه"، متسائلاً "من أين حصلت إسرائيل على أسماء القادة والكوادر الجدد؟ الجواب ببساطة: عبر اختراق بشري فعّال".

ويتابع نادر "حتى الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، المعروف بتشدده الأمني وإقامته في مواقع محصّنة، لم يكن بمنأى عن محاولات التتبّع، إذ تحدّثت تقارير استخباراتية دولية عن اختراق بشري ساعد في تحديد موقعه".

ويرى أن "ما نشهده هو منظومة اغتيال متطوّرة ومتعددة الأبعاد، تمزج بين الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والعمل البشري الدقيق. هذه الثلاثية تفسّر نجاح العمليات الأخيرة، والأثر العميق الذي تتركه في هيكلية حزب الله، سواء على المستوى العملياتي أو المعنوي".

من جانبه، يرى الباحث في الشأن السياسي نضال السبع أن هذه الاستهدافات "تعكس مزيجاً من التفوق التقني الإسرائيلي والاختراق الأمني الداخلي في بنية الحزب، وكما هو واضح فإن إسرائيل تمتلك قائمة أهداف تتعامل معها تباعاً، وفقاً لمعلومات دقيقة يتم تحديثها باستمرار، ما يتيح لها تنفيذ عمليات مدروسة بعناية شديدة، ويحدّ من قدرة حزب الله على المناورة أو استعادة توازنه سريعاً".

صمت وعجز

على الرغم من الضربات المتتالية التي تلقاها الحزب منذ 27نوفمبر الماضي، والتي أودت بحياة عدد كبير من كوادره، لم يقم بالرد، ويُفسّر نادر ذلك بـ"ضعف فعلي في القدرة على الرد، أكثر من كونه خياراً استراتيجياً".

ويقول نادر "ليس بالضرورة أن الحزب لا يريد الرد، بل الحقيقة أنه لم يعد يمتلك القدرة. هو يعاني من تراجع عملياتي ملحوظ، وتصدّع في هيكليته القيادية، يرافقه حصار سياسي داخلي وخارجي يزداد ضيقاً".

ويضيف "حتى لو قرّر الرد، فما الذي يمكنه فعله فعلاً؟ هل يملك القدرة على تنفيذ عملية نوعية تترك أثراً؟ المعطيات الحالية تشير إلى أن هذه القدرة باتت شبه معدومة، لا سيما بعد خسارته الغطاء السياسي الذي كان يوفره له بعض الحلفاء، ومع تزايد عزلته على الصعيدين العربي والدولي".

ويختم نادر بالقول "تصريحات الحزب تعكس حالة من التردد والارتباك. فتارةً يتحدّث عن التزامه بقرارات الدولة، وتارةً يلوّح بحق الرد. لكن الواقع على الأرض يقول إنه في وضع حرج: محاصر سياسياً، وعاجز عسكرياً، وأي مغامرة جديدة قد تكلّفه الكثير... وهو يعلم ذلك جيداً".

من جانبه، يرى السبع أن حزب الله لا يسعى حالياً إلى الرد، بل يركّز على "مرحلة إعادة التقييم والاستعداد"، مشيراً إلى أن الحزب "رغم الخسائر، لا يزال يحتفظ ببنية عسكرية كبيرة، تفوق في بعض جوانبها إمكانيات الجيش اللبناني نفسه، لكنه في المقابل، يقرأ المشهد اللبناني الداخلي بدقة، ويدرك حساسية التزامات الدولة تجاه المجتمع الدولي، ولا سيما مع توقف خطوط إمداده من سوريا، ما يدفعه إلى التريّث في اتخاذ قرار المواجهة".

خريطة استراتيجية تغيرت

يرى الباحث نضال السبع أن الإسرائيليين يشعرون بالتفوق. يضيف "عزز هذا الانطباع عدد من العوامل، أبرزها سقوط النظام السوري كحليف استراتيجي، والتقدم الميداني في غزة، وعجز الحزب عن تنفيذ ضربات نوعية، فضلاً عن ازدياد عزلته السياسية في الداخل اللبناني، لا سيما بعد انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية وتشكيل نواف سلام للحكومة".

يشبّه السبع ما يجري اليوم في لبنان بالمشهد الذي أعقب حرب يوليو 2006، "حيث توقفت العمليات العسكرية رسمياً، فيما بدأت إسرائيل التحضير لما وصفته آنذاك بـ(المعركة الأخيرة)، مستغلة فترة الهدوء الطويل لإعادة التموضع وتكثيف الجهوزية".

يقول إن "حزب الله دخل مرحلة إعادة تقييم وتجهيز بعد سلسلة الضربات التي تلقاها في الأشهر الماضية، في حين تسعى إسرائيل إلى منعه من التقاط الأنفاس، عبر استمرارها في تنفيذ عمليات نوعية ودقيقة، تشبه إلى حدّ بعيد تلك التي نفذتها في الساحة السورية بعد العام 2011، عندما استباحت الأجواء السورية".

ويضيف أن "المشهد ذاته يتكرر اليوم في لبنان، حيث باتت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية جزءاً من المشهد اليومي، تنفّذ عمليات اغتيال متتالية".

كسر البنية القيادية

لكن هل تؤثر هذه العمليات على بنية الحزب؟

يوضح السبع أن "الاستهدافات الأخيرة تطال كوادر داخل حزب الله، لكن الضربة الكبرى وقعت خلال حرب الشهرين، حين تعرّضت قيادات الصف الأول والثاني للاغتيال، أما اغتيال كوادر من الصف الثالث، فله تأثير محدود ولا يحدث خللاً جذرياً في الهيكل التنظيمي للحزب".

من جهته، يرى العميد المتقاعد جورج نادر أن أهداف إسرائيل من تصفية الكوادر العسكرية تلامس عمقاً استراتيجياً أكبر، موضحاً: "الرسالة الأساسية التي تبعث بها إسرائيل من خلال هذه العمليات هي التأكيد على قدرتها على استهداف أي عنصر أو قائد في حزب الله، وفي أي موقع داخل الأراضي اللبنانية، ما يكرّس واقعاً أمنياً جديداً تتحكم فيه بالمجال الجوي للبنان".

ويؤكد نادر أن وراء هذا الاستهداف "رسالة مباشرة مفادها أن لا أحد بمنأى، ما يترك أثراً نفسياً بالغاً على العناصر، ويقوّض شعورهم بالأمان".

خريطة استهدافات

رسمت إسرائيل، خلال السنوات الماضية، خريطة دقيقة لاستهداف قيادات حزب الله، عبر عمليات اغتيال شكّلت ضربة قاسية للحزب. ومن بين أبرز هذه العمليات، اغتيال ثلاثة من أمنائه العامين.

ففي 16 فبراير 1992، اغتيل عباس الموسوي، الأمين العام الأسبق لحزب الله، في غارة جوية استهدفت موكبه في جنوب لبنان.

وفي سبتمبر 2024، قتل حسن نصر الله، بصواريخ خارقة للتحصينات، في الضاحية الجنوبية لبيروت، وبعد أسابيع، في أكتوبر 2024، اغتيل هاشم صفي الدين، خلفية نصر الله، في عملية مماثلة.

وطالت الاغتيالات شخصيات بارزة في الجناح العسكري للحزب، أبرزهم عماد مغنية، الذي قُتل في فبراير 2008، إثر تفجير سيارة مفخخة في أحد أحياء دمشق، وفي مايو 2016، لقي مصطفى بدر الدين، خليفة مغنية مصرعه في تفجير استهدفه قرب مطار دمشق.

واغتيل فؤاد شكر، القائد البارز في وحدة "الرضوان"، في يوليو 2024، بواسطة طائرة استهدفته داخل مبنى سكني في الضاحية الجنوبية.

وفي سبتمبر 2024، لقي إبراهيم عقيل، عضو مجلس الجهاد والرجل الثاني في قيادة الحزب بعد مقتل شكر، المصير ذاته، إثر ضربة بطائرة استهدفته في الضاحية.

ويرى نادر أن "هذه الاغتيالات لا تكتفي بالتأثير الرمزي، بل تُحدث خللاً فعلياً في التراتبية القيادية داخل الحزب، إذ يصعب تعويض القادة المستهدفين بسرعة أو بكفاءة مماثلة، ما يربك الأداء الميداني والتنظيمي، ويجعل من عمليات الاغتيال أداة استراتيجية تستخدم لإضعاف حزب الله من الداخل".