ظروف معيشية قاسية في مخيمات عرسال
ظروف معيشية قاسية في مخيمات عرسال

تعيش عائلة اللاجئ السوري، قاسم، ظروفاً معيشية قاسية في خيمة متهالكة بأحد مخيمات عرسال، بعدما فرّ من الحرب في بلده بحثاً عن الأمان، الذي فُقِد منذ سنوات في لبنان، حيث يزداد الخناق يوماً بعد يوم على السوريين، حتى وصلت إلى مسامعهم أنباء عن نية ترحيلهم القسري من بلدة عرسال.

ويتساءل قاسم في حديث مع موقع "الحرة": "من قال للمسؤولين اللبنانيين أننا نعيش في سعادة داخل خيمة ضيقة تتهشّم مع كل هبة رياح، وتتحول إلى جهنّم في فصل الصيف، تفتقر إلى الخصوصية والخدمات الأساسية، وفوق هذا تحيط بها مياه الصرف الصحي والروائح الكريهة والحشرات والأمراض من كل الجهات"؟

ويشدد: "نعيش في كابوس حقيقي، يومياً تحصل إشكالات بين سكان المخيم بسبب المياه الآسنة، أما تأمين المياه النظيفة لأطفالنا فأشبه بالمعجزة، ما يجعلهم عرضة للأمراض المتنوعة، في وقت بات الاستشفاء وتأمين الدواء وحتى الطعام أمر في غاية الصعوبة، فما أجنيه لا يغطي احتياجات عائلتي الأساسية."

ورغم قسوة الحياة في المخيم، إلا أن العودة إلى سوريا ليست خياراً بالنسبة لقاسم، حيث إنه مطلوب للخدمة العسكرية، مما يعني أن ترحيله سيؤدي إلى سجنه وتعذيبه وربما قتله وتيتيم أطفاله، في حين أن انتقاله وعائلته إلى منطقة لبنانية أخرى أمر مستحيل كما يشدد لعدم قدرته المادية على استئجار منزل "إضافة إلى التضييق على السوريين في كل المناطق اللبنانية وترحيلهم من بلدات عدة".

وانضمت بلدة عرسال التي تضم أكبر عدد من مخيمات اللاجئين السوريين، إلى قائمة البلدات اللبنانية التي تطالب بترحيل السوريين قسراً من أراضيها، وقد طرح هذا المطلب خلال اجتماع لأهالي البلدة "المهتمين بالشأن العام"، بحضور عضو "تكتل بعلبك الهرمل" النائب ملحم الحجيري، لمناقشة الوضعين الصحي والبيئي المتفاقمين في البلدة.

وقد خرج الاجتماع، الذي عقد الشهر الماضي، بتشكيل لجنة متابعة للوضع الصحي والبيئي، وكلفت هذه اللجنة بمتابعة كافة القضايا التي تهم البلدة، وطالبت اللجنة المسؤولين بالتحرك السريع لإيجاد حلول مناسبة لحماية أطفال عرسال وأجيالها القادمة من كارثة بيئية وصحية تهدد البلدة والقرى المحيطة بها، كما أمهلت الجهات المختصة شهرين لإخراج اللاجئين السوريين من البلدة.

وإضافة إلى الترحيل القسري، شددت بلديات عدة الإجراءات تجاه اللاجئين السوريين، بناء على تعاميم وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال، بسام مولوي.

وتضمنت هذه الإجراءات سلسلة من الخطوات منها "إقفال المحلات التي تعمل بصورة غير قانونية واحالة المخالفين إلى القضاء، والتحقق من الأوراق الثبوتية للاجئين، وإحصاء عددهم".

وتتشدد السلطات اللبنانية أكثر فأكثر في التعامل مع ملف اللاجئين السوريين، إلى درجة اعتبار أكثر من مسؤول أن وجودهم أصبح يشكل "خطراً وجودياً" على لبنان.

وبحسب المفكرة القانونية، "قام الجيش اللبناني حتى 25 من يونيو من هذا العام، بترحيل وإعادة أكثر من 1400 سوري إلى سوريا، وقام الأمن العام بترحيل أكثر من 300. وفي العام 2023، رحّل الجيش اللبناني وأعاد أكثر من 13000 سوري. وكثيراً ما تتم عمليات الترحيل بموجب إجراءات موجزة، من دون أوامر قضائية، ومن دون إتاحة الفرصة للاجئين للدفاع عن حقّهم في الحصول على الحماية، أو الطعن في أوامر الترحيل".

أوضاع مزرية

يتخوف قاسم من أن يتم تنفيذ ما أوصت به لجنة متابعة الوضع الصحي والبيئي في عرسال، ويقول: "كأنه لا يكفينا ما نعانيه من ضغوطات نفسية لا تحتمل، حتى يضاف إليها التفكير بمصيرنا. نحن لا نطلب سوى الأمان، ومع ذلك يبدو أن هذا الأمر محرّم على السوريين."

ويضيف في حديث مع موقع "الحرة": "لا أحد يرغب في أن يكون لاجئاً، ولكن الظروف فرضت علينا ذلك. وليتأكد الجميع أننا أول من يرغب في العودة إلى بلدنا، ولكن بعد سقوط نظام الأسد".

ويعيش اللاجئون كما يشرح عضو لجنة التنسيق والمتابعة مع مختلف الجهات ذات العلاقة باللاجئين السوريين، الناشط السوري، سامر عامر "في مخيمات مكتظة تفتقر إلى الخدمات الأساسية، مما يزيد من معاناتهم النفسية والجسدية، لاسيما في ظل غياب حلول لمشكلة الصرف الصحي، حيث تعاني المخيمات من انتشار الأمراض، ويعاني أهالي عرسال أيضاً من هذه المشكلة".

ويضاف إلى ذلك بحسب ما يقوله عامر لموقع "الحرة": "التراجع الحاد في مستوى الرعاية الطبية وصعوبة حصول اللاجئين على الأدوية اللازمة، مما يهدد حياتهم ويعيق عملية شفائهم، إضافة إلى صعوبة تأمين الغذاء، خاصة مع ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل" لافتاً إلى أن "نسبة فصل اللاجئين من مساعدات المفوضية وصلت إلى الستين في المئة".

وفيما يتعلق بمهلة الشهرين الممنوحة للاجئين لمغادرة عرسال، فإنها تهدف كما يؤكد عامر "إلى الضغط على المنظمات الدولية لتحمّل مسؤولياتها والقيام بواجباتها". ومع ذلك، يعرب عامر عن تخوف اللاجئين من الترحيل خاصة مع عدم وضوح مصيرهم، ويشدد "يطالب اللاجئون بفتح البحر لهم للهجرة، للبحث عن ملاذ آمن بعيداً عن الظروف المعيشية الصعبة التي تواجههم في هذا البلد".

لكن في مايو الماضي، أشار رئيس لجنة البيئة النيابية النائب غياث يزبك، بعد اجتماع اللجنة، إلى أن "عرسال من أكثر البلدات في لبنان التي تأذت من الوجود السوري الكثيف والذي يتجاوز بأعداده عدد سكان البلدة بضعفين أو أكثر" وأن "التقصير في الخدمة المالية من قبل الدول المانحة لليونيسف يؤدي الى كارثة انسانية حقيقية، بدأت بالطفح الجلدي وبأمراض الكبد الوبائي وبالجرب".

واعتبر أن "الحل ليس بمعالجة النتائج، بل بمعالجة الأسباب، ويجب البدء من الغد، وهذه توصية إلى الحكومة بإبلاغ من يلزم من المؤسسات الدولية والدبلوماسية والقوى الأمنية والأجهزة في لبنان للعمل سريعاً على البدء بالتخفيف من الضغط السكاني، ليس في عرسال فقط، بل في كل لبنان".

وأضاف "نقول لرئيس الحكومة واجه هذه الدول ولو كان هناك من هذه الدول من تدعي أنها لا تريد عودة السوريين حفاظاً على حقوق الانسان لأنهم قد يتعرضون للأذى من قبل النظام. وما يجري اليوم في مخيمات لبنان أليس اعتداء صارخاً على حقوق الانسان والحق الانساني بتأمين الحد الأدنى من المياه والاستشفاء".

مطلب.. نظري

ويواجه "أبو محمد" الذي يسكن في مخيمات عرسال تحدي الترحيل الذي يهدد حياته ومستقبله، ويروي قصته بصوت ممزوج بالحزن والخوف، كيف يعيش كل يوم على أعصابه، قلقاً من مداهمة المخيم وترحيله قسراً إلى سوريا التي فرّ منها خوفاً على حياته.

ويشعر "أبو محمد" كما يصف لموقع "الحرة" أنه عالق بين نارين، الخوف من العودة إلى بلده، والخوف من المجهول والمستقبل الضبابي في لبنان، ويقول "أعيش في قلق دائم على نفسي وعائلتي، لا أستطيع النوم أو التركيز على أي شيء، وتزداد مخاوفي مع تصاعد حملات التضييق على اللاجئين وتزايد عمليات الترحيل القسري".

ويناشد الوالد لثلاثة أبناء المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية للتدخل لحمايتهم من خطر الترحيل، وضمان حصولهم على حياة كريمة وآمنة، ويقول: "كل ما نريده العيش بسلام. لقد عانينا بما فيه الكفاية، ولا نريد أن نجبر على العودة إلى مكان يهدد حياتنا، أو الانتقال إلى منطقة ثانية من لبنان ومواجهة ذات المشكلة."

ويعتبر رئيس بلدية عرسال السابق، باسل الحجيري، أن البيان الصادر عن لجنة متابعة الوضع الصحي والبيئي في عرسال، بشأن ترحيل اللاجئين السوريين، لا يعبّر عن الواقع ويعتبر مجرد "نظريات".

ويشير الحجيري في حديث مع موقع "الحرة" إلى أن العدد الكبير للاجئين ليس مسألة جديدة، إذ بلغ ذروته في عام 2013 مع وجود 120,000 لاجئ، قبل أن يتراجع إلى 70,000 اليوم"، بينما سبق أن أشار محافظ بعلبك الهرمل، بشير خضر إلى أن "عدد سكان بلدة عرسال حوالي 20 ألف نسمة، أما عدد النازحين السوريين في البلدة فيصل إلى 95 ألفا".

ويوضح الحجيري أن "البلدية قدمت اقتراحاً إلى وزارة الداخلية في عهد الوزيرة ريا الحسن، لجمع المخيمات، التي يبلغ عددها 165 مخيماً، في مخيم واحد خارج عرسال للتخلص من العشوائية، إلا أن الاقتراح رفض".

تأقلم أهالي عرسال مع وجود السوريين، بحسب الحجيري "وذلك بسبب المعرفة السابقة بينهم، وهم عموماً لا يقبلون بترحيلهم، بل يؤيدون عودتهم إلى ديارهم حين تكون الظروف مواتية" ويشدد على أن "اللاجئين لا يزاحمون أبناء البلدة في أرزاقهم، بل يعززون الحركة الاقتصادية المحلية".

والعام الماضي، أصدر خضر، مذكرة قضت "بتكليف المدير الإقليمي لأمن الدولة في بعلبك الهرمل بإصدار إنذارات إلى أصحاب المحال التجارية والمطاعم والمصالح والخدمات ومستثمريهم بوجوب الاستغناء عن العمالة السورية النازحة العاملة دون إجازة عمل وبشكل غير قانوني، تحت طائلة اتخاذ القرارات اللازمة لإغلاق هذه المحال والمؤسسات، وإبلاغ المحافظة بالنتيجة والمقترحات عند انتهاء فترة الإنذارات".
 
وأكد خضر في المذكرة أن "النازحين السوريين يمارسون الأعمال التجارية والاستثمارات والخدمات وجميع المهن في محافظة بعلبك - الهرمل، لا سيما في بلدتي عرسال والقاع ومشاريعها، دون أي مسوغ قانوني، وبشكل مخالف لقانون العمل، وفي حال عدم الالتزام بمضمون الإنذار يصار إلى اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة بحق المخالف".

حملات مستمرة

وتضيّق السلطات اللبنانية الخناق على السوريين من أجل اجبارهم على العودة إلى وطنهم رغم أن سوريا "لم تبلغ حالة من الأمان المناسب لعودتهم إلى مناطقهم الأصلية"، كما خلصت تقارير الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن منظمات حقوق الإنسان، بما في ذلك منظمة العفو الدولية، وذلك بحسب ما ذكرت عدة منظمات دولية في بيان أصدرته الشهر الماضي، طالبت خلاله السلطات اللبنانية "باحترام التزاماتها الدولية وضمان التحقيق الفعال في جميع حالات التعذيب وسوء المعاملة، ووقف الترحيل غير القانوني للاجئين السوريين على الفور".

واعتبرت هذه التقارير أن "سوريا لا تزال غير آمنة للعودة وأن اللاجئين معرضون لخطر انتهاكات حقوق الإنسان عند عودتهم، بما في ذلك الاعتقال التعسفي والتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، والاختفاء القسري والاضطهاد. وفي بعض الحالات، واجه العائدون الاضطهاد والتعذيب لمجرد لجوئهم إلى لبنان أثناء النزاع، حيث تميل السلطات السورية إلى النظر إلى أولئك الذين فروا من النزاع المسلح بعين الشك. وفي الأشهر الأخيرة، شهدت سوريا أيضاً أسوأ تصعيد في أعمال العنف منذ عام 2020".

وهذا العام كان صعباً بشكل خاص على اللاجئين السوريين في لبنان، كما اعتبرت المنظمات الدولية في بيانها، "خاصة منذ 7 أبريل 2024، عندما تم العثور على منسق حزب القوات اللبنانية، باسكال سليمان، مقتولاً في حمص بسوريا؛ حيث تم اعتقال العديد من السوريين كمشتبه فيهم في القضية".

وواجه اللاجئون السوريون في لبنان "ردود فعل وانتقاماً بسبب عملية القتل"، حيث قامت بلديات عدة، كما ذكرت المنظمات في بيانها "بفرض حظر تجوّل تمييزي، ومنعت السوريين من مغادرة منازلهم خلال الأيام التالية".

والشهر الماضي، أكد المرصد السوري لحقوق الانسان أن "الانتهاكات والحملات العنصرية وحملات الترحيل القسرية لا تزال مستمرة بحق اللاجئين السوريين في لبنان من قبل بعض العنصريين والجيش اللبناني، بتحريض مباشر من قبل بعض السياسيين العنصريين اللبنانيين، ولايزال يعاني الكثير من اللاجئين السوريين في لبنان من القرارات الجائرة بحقهم والمعاملة السيئة التي يقابلون بها في البلد الجار الذي اختاروه ملاذاً آمناً هرباً من آلة الحرب الوحشية ومن الاعتقال والتعذيب والقتل على يد قوات النظام".

ووصلت العديد من نداءات الاستغاثة للمرصد السوري من قبل لاجئين سوريين في لبنان، يناشدون فيها "بتدخل المجتمع الدولي والمنظمات الفاعلة من أجل إنهاء معاناتهم داخل الأراضي اللبنانية في الوقت الذي يرفضون بشدة العودة إلى وطنهم خوفاً من وقوعهم في قبضة الأجهزة الأمنية التابعة للنظام لكون الكثير منهم من المعارضين للنظام ومصيرهم المحتم هو إما الاعتقال والتعذيب أو الموت في حال عودتهم".

ومنذ فترة، اتخذ البعض في عرسال مشكلة الصرف الصحي حجة للمطالبة بترحيل اللاجئين، رغم أن هذه المشكلة "تعود إلى سنوات طويلة، كون البلدة تفتقر إلى البنى التحتية الأساسية" كما يشدد الحجيري "وقد طالبت البلدية مراراً بمعالجتها".

ويوضح الحجيري: "في عام 2017 وافقت جمعية فرنسية على بناء شبكة صرف صحي ومحطة تكرير بقيمة 26 مليون يورو في البلدة، وقد وافقت وزارة الطاقة على المشروع في عام 2020، إلا أنها قررت تنفيذه في مدينة أخرى بدوافع طائفية".

من جانبه، يشير عامر إلى توقف منظمة اليونيسيف عن تقديم المياه وشفط المياه لمدة 50 يوما، "مما أدى إلى تفاقم الأزمة الصحية. وبعد جهود مضنية، عادت المنظمة لتوزيع كميات قليلة من المياه، حيث يحصل الشخص حالياً على 12 لتراً فقط في اليوم، فيما يتم سحب 40 في المئة فقط من مياه الصرف الصحي".

وطال التلوث المياه الجوفية ومصادر المياه في القرى المحيطة بعرسال، والسبب كما شرح محافظ بعلبك الهرمل، الشهر الماضي، "كان استخدام 4 حفر غير مطابقة للمواصفات الصحية والبيئية يتم فيها رمي الصرف الصحي الذي يسحب من مخيمات النازحين السوريين في البلدة" فسارع إلى تقديم إخبار للمحامي العام البيئي، شرح فيه "الواقع لاتخاذ ما يلزم لرفع الضرر وللحفاظ على السلامة العامة".

وأضاف: "تمول اليونيسف عملية تزويد مخيمات النازحين في عرسال بالمياه الصالحة للشرب والاستخدام، وسحب مياه الصرف الصحي، لكن الأمور تفاقمت عند اعتراض أصحاب الصهاريج على تخفيض الميزانية المخصصة لهم، ونفذوا إضرابا، وكذلك اعترض النازحون على تخفيض كمية المياه العذبة، ووتيرة الشفط للصرف الصحي من المخيمات، وطالبوا بإعادة التمويل الى سابق عهده".

ضغوط بلا جدوى

ويعرب الناشط طارق الحجيري الذي حضر اجتماع أهالي عرسال، عن قلقه العميق بشأن أزمة الصرف الصحي المتفاقمة في البلدة، ويقول "الوضع الصحي والبيئي في عرسال كارثي، في ظل تجاهل السلطات اللبنانية والمنظمات المانحة والجمعيات المعنية التي ينخرها الفساد".

ويشرح في حديث مع موقع "الحرة" أن "بلدتنا التي تنتج يومياً 800 متر مكعب من المياه الآسنة، تفتقر إلى شبكة للصرف الصحي، وتعتمد حلاً بدائيا (جوّر صحية) يتم شفطها وتفريغها في خراج البلدة، ما يشكل ضرراً كبيراً على سلامة المياه الجوفية وعلى صحة المقيمين في البلدة، وهذا ما دفع بالمدعي العام البيئي الى منع تفريغ المياه الآسنة في المكب".

قرار المدعي العام شكل بحسب طارق "ضرراً صحياً على الجميع، حيث سالت المياه الاسنة في الشوارع مما أدى إلى انتشار الروائح الكريهة والأوبئة، وبناء على متابعات اللجنة واتصالاتها قام المدعي العام البيئي بتجميد قراره مدة شهرين إفساحا في المجال لإيجاد حلول بيئية مناسبة مستدامة ولتخفيف الأضرار".

ويشير طارق إلى أن "الجهات المانحة دفعت نحو 45 مليون دولار لشفط الحفر الصحية، بينما توقفت الهبة الفرنسية لبناء معمل لتكرير المياه الآسنة وشبكة للصرف الصحي من قبل وزارة الطاقة، والتي كانت تقارب 30 مليون دولار، بحجة أسباب تتعلق بالتوطين"، وانتقد طارق هذا القرار متسائلاً عن علاقة المعمل وشبكة الصرف الصحي بموضوع التوطين.

وخلال اجتماع "أهالي عرسال المهتمين بالشأن العام" "جرى الحديث عن بناء معمل لتكرير المياه خلال شهرين"، لكن حتى الآن كما يقول عامر "لا توجد أي بوادر على تنفيذ هذا المشروع، مما يزيد من مخاوف اللاجئين من انتهاء المهلة دون إيجاد حلول جذرية لمشكلة الصرف الصحي".

كذلك يؤكد الحجيري أن "هذه المشكلة لم تُحل بعد، وإن كان المشروع الذي قدمته البلدية سابقاً لبناء معمل تكرير للمياه وتطوير شبكة الصرف الصحي لا يزال قيد المتابعة"، مشدداً على ضرورة إيجاد حلول جذرية لهذه المشكلة التي تعاني منها ليس عرسال فقط، بل كل بلدات بعلبك والهرمل".

من جانبه، يشدد طارق على أنه من الضروري إيجاد حل دائم لأزمة الصرف الصحي، "من خلال إنشاء معمل لتكرير المياه الآسنة، التي تتسبب في انتشار أمراض متنوعة، بما في ذلك السرطانية".

ضغط السلطات اللبنانية على اللاجئين لترحيلهم لا يجدي نفعاً وفقاً لما يقوله الحجيري، داعياً إلى "إيجاد حل لهم، إما بفتح باب الهجرة أمام إلى بلدان أخرى أو تسوية أمورهم مع بلدهم، والأهم من كل ذلك التعامل مع قضيتهم بإنسانية".

سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز
سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز

بعد أن زج حزب الله بلبنان في حرب مدمرة مع إسرائيل، أوقعت ضحايا وخلّفت خراباً واسعاً وفاقمت الانهيار الاقتصادي، برز ملف الاستراتيجية الدفاعية في صدارة المشهد السياسي اللبناني.

وتزامن ذلك مع تصاعد المطالبات الداخلية والدولية بنزع سلاح الحزب وحصر القرار العسكري بيد الدولة اللبنانية، تنفيذاً للقرارات الدولية، وفي مقدمتها القرار 1701.

في هذا السياق، أكد الرئيس اللبناني، جوزاف عون، في خطاب القسم، عزمه وضع "استراتيجية دفاعية متكاملة على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية". 

أما البيان الوزاري للحكومة، فشدد على ضرورة "حصر السلاح بيد الدولة"، ما يعني إنهاء مظاهر الازدواجية العسكرية التي تعيق قيام الدولة بمسؤولياتها السيادية.

ورغم أن الدعوة إلى وضع استراتيجية دفاعية تحظى بتأييد واسع، فإن التصورات حول مضمونها تبقى متباعدة إلى حد التناقض. 

فبينما يرى البعض أن إشراك سلاح حزب الله في هذه الاستراتيجية يقوض سيادة الدولة ويكرّس واقعاً ميليشيوياً، يشير آخرون إلى تجارب دولية احتوت جماعات مسلّحة ضمن منظومات دفاعية وطنية، غير أن موقف الحزب نفسه لا يزال ثابتاً في رفضه تسليم سلاحه.

فالحزب الذي وافق، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، على سحب سلاحه من جنوب الليطاني، يرفض تسليم ترسانته شمال النهر، ما يثير تساؤلات حول وجهة هذا السلاح وهدفه، خصوصاً في ظل سجل سابق من استخدامه داخلياً، كما حدث في أحداث 7 مايو 2008.

وأعلن النائب عن الحزب حسن فضل الله استعداد حزب الله للدخول في حوار حول الاستراتيجية الدفاعية، لكن هذا الموقف لم يترافق مع أي إشارات إلى نية التخلي عن السلاح.

وهو ما أكده عضو المجلس السياسي للحزب، غالب أبو زينب، بقوله إن "السلاح ليس مطروحاً للنقاش". 

أما الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، فذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن "أي حديث عن حصر السلاح بيد الجيش اللبناني لا يعني سلاح حزب الله"، وذلك في تحدٍّ مباشر لموقف السلطة اللبنانية.

ويبقى السؤال: هل ستكون الاستراتيجية الدفاعية مدخلاً جدياً لسحب سلاح حزب الله، أم ستستخدم كغطاء جديد لتكريس ازدواجية السلاح وتثبيت هيمنة حزب الله داخل مؤسسات الدولة وتحت غطائها؟

نهاية حقبة

وانتهى الدور الذي لعبه سلاح حزب الله في السابق، كما شدد الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد ناجي ملاعب.

وأكد أن "المرحلة الحالية تتطلب منح الدولة وقتاً كافياً لترسيخ هذه القناعة داخل البيئة الحاضنة للحزب، تمهيداً لترجمتها عملياً على أرض الواقع".

وقال ملاعب، لموقع "الحرة": "أعتقد أننا بدأنا نلمس هذا التحول في المزاج العام لدى بيئة حزب الله، حيث تنمو القناعة تدريجياً بأن هذا السلاح لم يؤد الدور الذي رُوّج له في السابق".

واعتبر أن هذا التحول يشكل فرصة جدية أمام رئيس الجمهورية والسلطات الرسمية للانتقال من مرحلة التفاهمات الضمنية إلى خطوات عملية واضحة، تستند إلى رؤية وطنية جامعة.

وأضاف "نحن اليوم أمام رئيس جمهورية سبق أن تولى قيادة الجيش لمدة خمس سنوات، وهو يمتلك خبرة عسكرية وأمنية واسعة، داخلياً وخارجياً. وقد أبدى في مختلف تصريحاته تمسكه بالسلم الأهلي، وهو معروف بقدرته على إدارة الأزمات بتوازن، دون أن يترك تداعيات سلبية معقدة، وبالتالي هو يتمتع بالحكمة والخبرة الكافيتين لقيادة البلاد في هذه المرحلة الدقيقة، والتعامل مع الملفات الأمنية الحساسة بمسؤولية عالية".

من جهته، أكد رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة، العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر، أن إعداد استراتيجية دفاعية وطنية شاملة لم يعد ترفاً. 

وقال لموقع "الحرة": "منذ سنوات نطالب بوضع استراتيجية دفاعية، ومن غير المفهوم أن الدولة لم تبادر حتى اليوم إلى تشكيل لجنة متخصصة لهذا الغرض، علماً أن إعداد هذه الاستراتيجية لا يحتاج لأكثر من شهر، قبل عرضها على الحكومة ثم مجلس النواب لإقرارها بقانون".

أما القائد السابق لفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر، فرأى في حديث لموقع "الحرة" أن تصريحات رئيس الجمهورية عن "استراتيجية الأمن الوطني" تشير إلى مقاربة أشمل من مجرد استراتيجية دفاعية. 

إذ تشمل وفق نادر "الأمن الداخلي والخارجي، الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، إلى جانب الأمن العسكري. وبالتالي فإن الاستراتيجية الدفاعية ليست سوى جزء من منظومة الأمن الوطني الشاملة".

بدوره، شدد ملاعب على أن "استراتيجية الأمن الوطني لا يمكن اختزالها بالبعد العسكري، بل تشمل مختلف الأبعاد: الاقتصادية، المالية، الجغرافية، التربوية، وكل ما يشكل مكونات القوة الوطنية. ومن هذه الركائز تُبنى الاستراتيجية الدفاعية لتكون إطاراً شاملاً يحفظ أمن الدولة واستقرارها".

الدمج غير وارد؟

"أي استراتيجية دفاعية لا يمكن أن تستوعب سلاحاً خارج إطار الدولة"، كما رأى نادر، مؤكداً أن "القرار الرسمي اللبناني واضح في هذا السياق، ويقضي بحصر السلاح بيد الجيش اللبناني".

لذلك لا يمكن على الإطلاق كما أكد نادر "إدماج الحزب في استراتيجية الدفاع الوطني، لأن السلاح يجب أن يكون فقط بيد الجيش".

وأردف قائلا: "لا يمكن لمجموعة مسلّحة، ولو كانت مؤلفة على سبيل المثال من خمسة آلاف عنصر، أن تشكّل لواءً خاصاً بها داخل المؤسسة العسكرية وتحتفظ بسلاحها".

واستعاد نادر تجربة توحيد المؤسسة العسكرية بعد الحرب الأهلية، مشيراً إلى أن "الجيش خضع عام 1990 لعملية دمج شاملة، أنهت الانقسامات الطائفية والمناطقية، وأرست أسس مؤسسة وطنية موحدة. اليوم، لم يعد هناك مكان لألوية مذهبية أو فئوية، وأي عودة إلى الوراء ستُقوّض ما تحقق".

لذلك "من يرغب من عناصر الحزب في الدفاع عن لبنان فالباب مفتوح أمامه" كما قال نادر "للتطوع في صفوف القوات المسلحة اللبنانية، وفق الشروط المعتمدة، كما هو الحال مع أي مواطن لبناني آخر".

وأكد نادر أن "الاستراتيجية الدفاعية هي مسؤولية وطنية سيادية، تحدّد من هو العدو، وكيف تتم مواجهته، وبأي وسائل، ولماذا"، مشدداً على أنه "لا يمكن أن تترك هذه المهمة لأي فصيل مسلّح خارج سلطة الدولة".

مقاربة مختلفة

على خلاف نادر، رأى جابر أن الاستراتيجية الدفاعية "يجب أن تقوم على مبدأ أن مسؤولية الدفاع عن الوطن تقع أولاً على عاتق القوى النظامية، أي الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بالإضافة إلى قوات احتياط تنظّم ضمن إطار الدولة" وتشمل ما يعرف بـ"القوى شبه النظامية" أو Para-Military Forces.

وأوضح جابر أن "الأحزاب التي تمتلك سلاحاً، ومنها حزب الله، تخضع أسلحتها الثقيلة لإشراف الجيش اللبناني، بحيث تُخزَّن في مستودعات عسكرية، فيما يعود عناصر هذه القوى إلى حياتهم المدنية في الظروف العادية. ويتم تنظيم هذه العملية بشكل لوجستي دقيق، يسمح باستدعاء العناصر خلال 72 ساعة في حال إعلان الطوارئ أو تعرّض البلاد لخطر داهم".

وأضاف "في حالات الطوارئ، يستدعى هؤلاء إلى مراكز محددة من قبل قيادة الجيش، حيث يعاد توزيع السلاح عليهم وفق خطة مُسبقة، تحدد موقع كل عنصر ودوره ووقت تدخله، على أن تتم العملية تحت إشراف السلطة العسكرية العليا، أي قيادة الجيش والمجلس الأعلى للدفاع".

وعن مدى قدرة هذه المقاربة على إنهاء الازدواجية العسكرية، قال جابر "نعم، بالتأكيد. القيادة والقرار سيكونان بيد مؤسسة واحدة، ما يشكّل حلاً نهائياً وليس تسوية ظرفية أو مؤقتة".

واستشهد جابر بالنموذج السويسري، حيث يمكن للجيش رفع عديده من 50 ألفاً إلى نحو 370 ألفاً خلال 72 ساعة فقط عبر استدعاء الاحتياط، قائلاً "لا نسعى لأن نصبح سويسرا، لكن من خلال العمل الجاد والتنظيم، يمكننا بناء استراتيجية دفاعية تتيح لكل من يريد الدفاع عن الوطن أن يفعل ذلك ضمن كنف الدولة".

وشدد جابر على أن هذه الاستراتيجية لا تستهدف حزب الله وحده، بل تشمل جميع الأحزاب والقوى التي تمتلك سلاحاً.

وأوضح أن "من يرفض الانخراط في هذا الإطار تنزع منه الأسلحة. فهناك أيضاً عشائر وفصائل حزبية تمتلك سلاحاً ثقيلاً، ويجب أن يشملها الحل، سواء عبر الدمج ضمن الاستراتيجية الدفاعية أو من خلال نزع سلاحها".

وأشار إلى ضرورة شمول المخيمات الفلسطينية بهذا الإطار، مؤكداً أنه "لا يمكن المطالبة بنزع سلاح جهات لبنانية، مع الإبقاء على ترسانة قائمة داخل المخيمات".

أما فيما يخص السلاح الفردي، فكشف جابر عن وجود أكثر من ثلاثة ملايين قطعة سلاح خفيف في لبنان، كالمسدسات، مشيراً إلى إمكانية تنظيم هذا النوع من السلاح عبر آليات الترخيص لأغراض الحماية الشخصية.

خطوط حمراء.. ودعم

وتضع الولايات المتحدة الأميركية خطوط حمراء في مقاربتها للملف اللبناني، وفق ما يؤكده ملاعب، "أولهما ضمان أمن إسرائيل، وثانيهما الحفاظ على موقع رئاسة الجمهورية اللبنانية كمدخل لاستقرار النظام السياسي في لبنان".

وقال ملاعب "من رعا انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وإطلاق مسار إصلاحي هي واشنطن، وبالتالي فإن هذه السلطة باتت بالنسبة لها خطاً أحمر لا يُسمح بإفشاله".

وأضاف أن المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت مؤخراً، "لم تأتِ بسيف التهديد كما حاول البعض الترويج، بل حملت رؤية دعم واضحة، وعقدت لقاءات مع وزراء معنيين بملفات الاقتصاد، الإدارة، المالية والعدل، وناقشت معهم خطوات إصلاحية بدأت تترجم ميدانيًاً."

وأوضح ملاعب أن الموقف الأميركي لا يزال ثابتاً "الولايات المتحدة ستكون شريكاً للبنان فقط إذا مضى في طريق الإصلاح، ونجح في حصر السلاح بيد الدولة".

وأشار إلى أن اللقاءات اللبنانية–الأميركية الأخيرة عكست إجماعاً لبنانياً على ضرورة معالجة جذور الأزمة الأمنية، لا الاكتفاء بنتائجها. 

وقال "هناك موقف واضح من الدولة اللبنانية مفاده: إذا التزمت واشنطن بالضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة وتنفيذ القرار 1701 والاتفاقات الدولية ذات الصلة، فلن يبقى مبرر لأي سلاح خارج إطار الشرعية."

من جهته، شدد نادر على أن الحل الوحيد المقبول لقضية سلاح حزب الله يتمثل في "تسليم الحزب سلاحه للدولة، والانخراط في العمل السياسي كأي حزب لبناني آخر، ضمن القوانين والدستور".