لقطة عامة لمطار بيروت
لقطة عامة لمطار بيروت

يتأهب اللبنانيون لاحتمال ضربة عسكرية إسرائيلية كبيرة رداً على الهجوم الصاروخي الذي استهدف ملعباً لكرة القدم في بلدة مجدل شمس بالجولان، السبت، الذي أسفر عن مقتل 12 فتى وفتاة وإصابة آخرين.

واتهمت إسرائيل حزب الله، المدعوم من إيران، بالمسؤولية عن الهجوم، متوعدة إياه بـ "ثمن باهظ"، فيما نفى الحزب مسؤوليته عن ذلك مهدداً برد قوي على الضربة الإسرائيلية المرتقبة.

التهديدات المتبادلة بين حزب الله وإسرائيل رفعت مستوى الخوف لدى اللبنانيين من انزلاق البلاد نحو حرب واسعة، بعد انخراط حزب الله في حرب غزة، مع إعلانه جنوب لبنان جبهة دعم وإسناد لحركة حماس بعد الهجوم الدموي الذي نفذته الأخيرة على إسرائيل في السابع من أكتوبر.

ورغم نفي حزب الله مسؤوليته عن الهجوم، واستنكار الحكومة اللبنانية استهداف المدنيين، وبذل العديد من المسؤولين الدوليين جهوداً دبلوماسية لإقناع إسرائيل بعدم التصعيد مع حزب الله، خوفاً من اندلاع حرب إقليمية واسعة النطاق، فإن المخاوف من ضربة إسرائيلية كبيرة لم تتراجع.

ورفع الجيش الإسرائيلي جاهزيته إلى "المرحلة التالية" من القتال في شمال البلاد، كما تعهد رئيس أركانه، هرتسي هاليفي، خلال جولة تفقدية في مجدل شمس، بضرب حزب الله "بصورة قاسية"، وتحقيق الأمن وإعادة السكان في الشمال إلى ديارهم.

وفوض مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي، الحكومة برئاسة بنيامين نتانياهو، بتحديد "طريقة وتوقيت" الرد على الهجوم الصاروخي على هضبة الجولان.

واليوم، الاثنين، أكد نتانياهو من موقع سقوط الصاروخ أن الرد الإسرائيلي "سيأتي وسيكون قاسيا"، على ما نقلت "فرانس برس".

بدء العد العكسي

تعيش ريان في حالة من القلق والترقب والحذر الشديد بسبب الأخبار المتداولة على وسائل الإعلام اللبنانية والإسرائيلية من هجوم إسرائيلي كبير ووشيك، قائلة "أتابع التطورات على مدار الساعة عبر مجموعات الواتساب، للأسف اختلطت الأخبار الحقيقية بالشائعات، ولم نعد نستطيع التمييز بينها، لكن ما بات مؤكداً أن العد العكسي لضربة إسرائيلية كبيرة قد بدأ".

وتخشى ريان أن يطال القصف العاصمة بيروت، حيث تعيش، وما يزيد من مخاوفها كما تقول لموقع "الحرة" " وجود مركز للجماعة الإسلامية بالقرب من منزلي، التي تشارك إلى جانب حزب الله في العمليات العسكرية على الجبهة الجنوبية"، مشددة "ما الذنب الذي ارتكبناه لكي نعيش كل هذه المخاوف، من فوّض حزب الله على زج بلدنا في حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، وإلى متى سنبقى رهن ميليشيا عسكرية تحرّك وطننا ومستقبلنا كيفما تشاء".

وتضيف "كنا نتوقع أن تحصل الضربة في الساعات الماضية، لذلك لم أتمكن من النوم الليلة الفائتة، خاصة بعد أن ألغت بعض شركات الطيران رحلاتها، وطلبت بعض الدول من رعاياها مغادرة لبنان فوراً، فهذا كان مؤشراً كبيراً على إمكانية وقوع هجوم وشيك".

وفي ظل الظروف الصعبة والخطيرة التي يمر بها لبنان، حزمت ريان حقائبها، واضعة فيها أوراق عائلتها الثبوتية وبعضاً من ملابسها وملابس والدها وشقيقتها، وتقول "لا أعرف الوجهة التي قد نضطر للذهاب إليها، لكن بالحد الأدنى أفعل ما يفترض بأي لبناني القيام به في هذه الأوقات العصيبة".

وتضيف "لا نعلم متى سندخل إلى المجهول، كما أن أحداً لا يمكنه توقع المناطق التي ستطالها الضربات الإسرائيلية، وما إذا كان الرد سيكون محدوداً أو سيدفع إلى توسّع الحرب بين حزب الله وإسرائيل. لا نعرف ما الذي ينتظرنا. حقاً إنه شعور لا يمكن وصفه، فنحن نترقب مستقبلنا دون أن نستطيع التحكم به".

وبعد تزايد التوقعات بضربة إسرائيلية انتقامية، أعلنت شركة طيران الشرق الأوسط اللبنانية، عن تأجيل العديد من رحلاتها من وإلى لبنان، الإثنين، لأسباب قالت إنها تتعلق بتوزيع "المخاطر التأمينية على الطائرات".

واليوم الاثنين، أعلنت مجموعة الطيران الألمانية "لوفتهانزا" تعليق خدماتها إلى بيروت حتى الخامس من أغسطس.

وأفاد ناطق باسم "لوفتهانزا" وكالة "فرانس برس" بأنه تم إلغاء رحلات المجموعة إلى لبنان، نتيجة "التطوّرات الجارية في الشرق الأوسط".

كما علقت شركتا" إير فرانس" و"ترانسافيا" رحلاتهما إلى بيروت، الإثنين والثلاثاء "بسبب الوضع الأمني" في البلد، على ما نقلت" فرانس برس" عن متحدث باسم مجموعة إير فرانس-كاي إل إم.

من ناحية أخرى، نشرت السفارة الأميركية في لبنان على منصة "إكس" مقطع فيديو لمساعدة وزير الخارجية الأميركية للشؤون القنصلية رينا بيتر، ذكّرت خلاله المواطنين الأميركيين في لبنان ببعض النقاط الأساسية المتعلقة بالاستعداد للأزمة، داعية الرعايا الأميركيين ممن لا يريدون مغادرة لبنان للاستعداد للبقاء في أماكنهم لفترة طويلة.

ترقب وقلق

الحياة في البلدات الجنوبية البعيدة عن الحدود "شبه طبيعية، رغم الحذر وتراجع حركة تجول المواطنين"، كما تصف ريم، وتقول "مع كل تصعيد عسكري أو تهديد، يلتزم الناس منازلهم بعد تأمين حاجياتهم من طعام وشراب. يحاولون التكيف مع الظروف الصعبة، لكن يبقى القلق والترقب جزءاً لا يتجزأ من حياتهم اليومية، ومنذ التوعّد الإسرائيلي بالرد على هجوم الجولان لم نتمكن وأفراد عائلتي من النوم كالمعتاد، إذ نترقب اللحظة التي ستنفذ فيها إسرائيل تهديداتها".

تواصل ريم، وهي ابنة بلدة معركة الجنوبية، حديثها قائلة لموقع "الحرة" "هذه المرة إذا وقعت الحرب ستكون ضروساً. كلنا كلبنانيين تعبنا جداً ولم يعد بإمكاننا تحمّل المزيد".

وتشير إلى أن "التداعيات المتزايدة للحرب المحتملة تأتي في وقت يعاني فيه لبنان أزمة اقتصادية خانقة"، لافتة إلى أن "القطاع الصحي ليس في أفضل حالاته، لاسيما مع هجرة عدد كبير من الأطباء".

وكان تسجيل صوتي لنقيب المستشفيات الخاصة في لبنان، سليمان هارون، جرى تداوله أمس عبر "واتساب"، رفع منسوب خوف اللبنانيين، إذ طلب خلاله من المستشفيات أن تكون على جاهزية تامة، وفق خطة الطوارئ الموضوعة بالاتفاق مع وزارة الصحة.

وفي حديث صحفي، أكد هارون أنه أرسل التسجيل إلى مجموعة واتساب تضم أصحاب المستشفيات. وعن مدى قدرة المستشفيات على الصمود، أوضح نقيب المستشفيات الخاصة: "إذا كانت الضربات شبيهة بما يحصل في غزة من حيث استهداف المستشفيات باعتبارها أهدافاً عسكرية، فلا حول لنا ولا قوة. أما إذا كانت شبيهة بحرب يوليو 2006، فالمستشفيات قادرة على استيعاب الجرحى والتعامل مع الحالات الصحية الطارئة".

تفاؤل حذر

وبعد ما يزيد عن عشرة أشهر من التهديدات المتبادلة بين حزب الله وإسرائيل، تقول منال إنها اعتادت الوضع الحالي، شارحة "وصلت الأمور مرات عدة خلال هذه الأشهر إلى حافة الهاوية، وفي كل مرة شهدنا تدخلاً من أطراف دولية لتهدئة الأمور. نأمل أن يحدث الشيء نفسه هذه المرة، فجميع الأطراف لا تريد حرباً واسعة لأنها مكلفة على الجميع واستنزافية وطويلة المدى".

لكن الإرادة الدولية الواضحة في تجنب الوصول إلى حرب واسعة لا يمنع، بحسب ما تقوله منال لموقع "الحرة" من أن "خطأ واحداً كبيراً قد يؤدي إلى الانزلاق إلى حرب واسعة".

ورغم ذلك، لم تستعد منال للسيناريو الأسوأ وهي التي تسكن في الضاحية الجنوبية، وتقول "لا أتوقع أن نشهد أحداثاً مماثلة لحرب يوليو 2006".

وتضيف: "حتى في الجنوب، حيث الخطر أكبر، يمضي الناس حياتهم بشكل شبه طبيعي، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بسكان الضاحية الجنوبية وبيروت؟ استبعد أن تطالهما الضربة الإسرائيلية المرتقبة، كونها ستكون إعلان حرب صريح، لا أعتقد أن إسرائيل في وارد شنها".

واليوم الاثنين، أجرى وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، لبحث الهجوم الصاروخي في مجدل شمش، وبحسب ما نقلت وكالة "رويترز"، شدد بلينكن على "أهمية تجنب تصعيد الصراع".

وبحث الجانبان "جهود التوصل إلى حل ديبلوماسي للسماح للمواطنين على جانبي الحدود بين إسرائيل ولبنان بالعودة إلى منازلهم، بالإضافة إلى الجهود الجارية للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة والإفراج عن الرهائن المحتجزين هناك".

وفي ظل تصاعد التوتر بين حزب الله وإسرائيل، كشف وزير الخارجية اللبناني عبد الله بو حبيب، الأحد، أن الحكومة اللبنانية "طلبت من الولايات المتحدة حث إسرائيل على ضبط النفس".

وقال بو حبيب إن الولايات المتحدة "طلبت من الحكومة اللبنانية نقل رسالة إلى حزب الله، تطالبه بالتحلي بضبط النفس أيضا".

وفي إطار متابعة الأوضاع الطارئة المستجدة، أجرى رئيس الحكومة اللبناني، نجيب ميقاتي، اتصالات ديلوماسية مكثفة شدد خلالها على أن "الحل يبقى في التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار والتطبيق الكامل للقرار الدولي الرقم 1701، للتخلص من دورة العنف التي لا جدوى منها، وعدم الانجرار إلى التصعيد الذي يزيد الأوضاع تعقيداً ويؤدي إلى ما لا تحمد عقباه".

كما جدد رئيس الحكومة خلال هذه الاتصالات التشديد على موقف الحكومة "بإدانة كل أشكال العنف ضد المدنيين"، وأن "وقف إطلاق النار بشكل مستدام على كل الجبهات هو الحل الوحيد الممكن لمنع حدوث مزيد من الخسائر البشرية، ولتجنب المزيد من تفاقم الأوضاع ميدانيا".

وقد تلقى ميقاتي اتصالاً من وزير خارجية بريطانيا، ديفيد لامي، الذي "جدد دعوة جميع الأطراف إلى ضبط النفس منعاً للتصعيد"، كما دعا "إلى حل النزاعات سلمياً وعبر تطبيق القرارات الدولية ذات الصلة".

وتتبادل إسرائيل وجماعة حزب الله، المصنفة ارهابية، القصف بشكل شبه يومي عبر الحدود منذ الهجوم الذي شنته حماس في 7 أكتوبر على إسرائيل، وأدى إلى اندلاع الحرب في قطاع غزة.

ومنذ بدء التصعيد، على خليفة الحرب في غزة، استهدف حزب الله شمال إسرائيل، بأكثر من 6000 صاروخ و300 طائرة مسيرة، فيما ردت إسرائيل بشن هجمات، أغلبها على جنوب لبنان، وفقا لوكالة "بلومبيرغ" الأميركية.

تصدع صورة حزب الله
تصدع صورة حزب الله

تصدّعت الصورة التي سعى حزب الله طويلاً إلى ترسيخها بوصفه تنظيماً قوياً، منضبطاً، عصياً على الاختراق، وذلك عقب حربه الأخيرة مع إسرائيل وسلسلة الاغتيالات التي طالت صفوفه القيادية، ولا تزال تستهدف كوادره، وسط عجزه عن الرد.

فـ"الهالة" التي أحاط بها الحزب نفسه بدأت بالتشقّق منذ قراره فتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى "إسناد غزة"، إذ بدا حينها واثقاً من قدرته على التحكم بقواعد الاشتباك وحصر المواجهة ضمن نطاق محسوب. غير أن توسّع العمليات، والخسائر الكبيرة التي تكبّدها، وصولاً إلى قبوله اتفاق وقف إطلاق نار وصفه كثيرون بأنه أقرب إلى "الاستسلام"، ساهمت جميعها في قلب المعادلة.

بعد هذه الحرب، تحوّل "الردع" لدى حزب الله إلى مجرّد شعار، وباتت مكانته السياسية والعسكرية والمعنوية موضع شكّ، حتى في أوساطه الشعبية. وازدادت الدعوات، داخلياً وخارجياً، إلى نزع سلاحه، استناداً إلى القرارات الدولية، وإلى ضرورة استعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي.

فمع كل عملية اغتيال أو غارة إسرائيلية تستهدف موقعاً أو ترسانة عسكرية، تتصاعد الأسئلة: أي جدوى بعد اليوم من استمرار امتلاك السلاح؟ أسئلة كانت تهمس همساً في السابق، لكنها تطرح اليوم علناً.

صورة وهمية؟

على مدى العقدين الماضيين، "بنى حزب الله هالة القوة العسكرية والأمنية القادرة على مواجهة إسرائيل، منذ انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، واستثمر نتائج حرب يوليو 2006، لترسيخ صورة التنظيم الذي لم يُهزم، بل القادر على إلحاق الأذى بالجيش الإسرائيلي"، بحسب ما يوضح رئيس تحرير موقع "جنوبية"، الصحفي علي الأمين.

ويضيف الأمين في حديث لموقع "الحرة" أن الحزب لم يكتف بهذا الرصيد، "بل وسّع نفوذه في الداخل اللبناني، مقدماً نفسه على أنه الطرف القادر على فرض السياسات ومواجهة خصومه السياسيين، بوصفه القوة العسكرية والأمنية الأقوى في البلاد".

ويشير إلى أن هذه الصورة تعززت في وعي مناصري الحزب، وحتى بعض خصومه، لا سيما مع اندلاع الثورة السورية، "حيث لعب الحزب دوراً محورياً في دعم نظام الأسد ومنع سقوطه. كما أن دعمه للحوثيين في اليمن، وتدريبه للفصائل المسلحة في العراق، ساهم في ترسيخ صورة "القوة التي لا تُقهر".

لكن الأمين يلفت إلى أن هذا المشهد لم يُبْنَ فقط على وقائع عسكرية، بل تعزّز بعوامل إضافية، أبرزها "التدفق المالي المستمر من طهران، والمراعاة الدولية النسبية التي تظهر أي رفض لتمدد الحزب في الاقليم، مقابل تراجع مؤسسات الدولة اللبنانية وانكفائها لصالح نفوذ الحزب".

من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن "التهديد الحقيقي في الحسابات الإسرائيلية لم يكن في غزة، بل في المحور الإقليمي الممتد من لبنان إلى إيران، مروراً بسوريا والعراق، حيث يتصدر حزب الله المشهد بوصفه "الخطر الاستراتيجي الأكبر، نظراً لامتلاكه ترسانة من أكثر من مئة ألف صاروخ، وقوة بشرية مدرّبة بعشرات الآلاف، واستعداده الدائم لأي مواجهة. هذا التهديد لم يكن مجرد دعاية إعلامية، بل جزء من استراتيجية ردع مدروسة".

ويضيف ملاعب في حديث لموقع "الحرة" أن "إسرائيل كثّفت في السنوات الأخيرة من جهودها في تتبّع حزب الله، سواء عبر الوسائل البشرية أو التكنولوجية. ولم تغفل عن استثمار التطور التكنولوجي في هذا المجال، وقد أسهم تعاونها مع شركات تكنولوجية كبرى، وما توفره من بيانات رقمية ضخمة، في تعزيز قدراتها الاستخبارية لرصد وتتبع نشاطات الحزب. كما كثّفت من ضرباتها الجوية في سوريا، مستهدفة شحنات أسلحة مخصصة له".

تهشّم وعجز

"ساهمت نتائج الحرب الأخيرة وما خلّفته من خسائر فادحة على حزب الله وبيئته ولبنان عموماً، في تآكل الصورة التي عمل الحزب طويلاً على ترسيخها في الوعي العام"، بحسب ما يرى الأمين "إذ أظهرت العمليات الإسرائيلية قدرة غير مسبوقة على اختراق ما كان يُعتبر قلعة أمنية محصّنة، وتمكّنت من تصفية معظم قيادات الحزب الميدانية، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وقبول الحزب باتفاق وقف إطلاق نار مذل للبنان".

ويضيف الأمين أن هذا التحوّل لم يقتصر على الخسائر الميدانية، بل تفاقم مع العجز المتواصل للحزب عن الردّ على سلسلة الاغتيالات التي طالت عناصره وكوادره بعد سريان وقف إطلاق النار.

ويرى أن هذا العجز فرض معادلة جديدة في الداخل اللبناني "لم يعد أحد يطالب حزب الله بالرد العسكري على الاعتداءات الإسرائيلية. فصورة العجز باتت راسخة، إلى حد أن أي تحرّك عسكري من الحزب قد يُواجَه أولاً برفض من بيئته نفسها، قبل رفض سائر اللبنانيين، هذا التراجع في صورة الحزب أفقده جزءاً كبيراً من هيبته، وإن كان يحاول تعويض ذلك عبر ترويج قدرته على مواجهة ما يسميه خونة الداخل'".

من جانبه، يرى ملاعب أن "الصورة التي بناها حزب الله لنفسه كقوة عسكرية منضبطة بدأت تتشقق، خصوصاً بعد انخراطه في الحرب السورية، وما رافق ذلك من تسريبات أمنية واختراقات داخلية، كما أن تمدد الحزب في الملفات اللبنانية الداخلية انعكس سلباً على صورته أمام جمهوره، الذي بات يحمّله جزء من تبعات الأزمات والانهيارات المتتالية وصولاً إلى حربه الأخيرة مع إسرائيل التي هشّمت صورته بشكل كبير، فبعد أن تباهى طويلاً بقدرته على كشف الجواسيس في صفوفه، يواجه اليوم ثغرات أمنية غير مسبوقة".

تماه هش؟

"انتقل حزب على المستوى الوطني من قوة مقرِّرة ومهيمنة على مجمل الشؤون السياسية، إلى طرف تتراجع حدود تأثيره تدريجياً، في ظل عودة تدريجية للدور المؤسساتي الدستوري والقانوني والعسكري الرسمي"، وفق ما يقوله الأمين.

أما في ما يخص بيئته الشيعية، فيشير الأمين إلى أن "تراجع صورة الحزب يبقى نسبياً، طالما أنه لا يزال يحتفظ بمقوّمات القوة من مال وسلاح وقدرة على القمع". لكنه يلفت إلى أن هذه السيطرة بدأت تتآكل بدورها، "مع تنامي صرخة النازحين والمتضررين من الحرب، وتراجع الثقة بقدرة الحزب على تأمين شروط العودة إلى القرى، وإعادة الإعمار، وتوفير الأمن والأمان".

من جهته، يسجّل ملاعب نقطة لافتة تتعلّق بعلاقة الحزب مع بيئته، إذ يرى أن "التماهي شبه الكامل بين حزب الله وسكان جنوب لبنان بات هشّاً. فالمواطن الجنوبي غير المنتمي للحزب عاد إلى بلدته بإحساس نسبي بالأمان، بعدما لمس أن الضربات الإسرائيلية تركّز على مواقع محدّدة تابعة للحزب ".

ويضيف ملاعب أن هذا التحوّل في الوعي الشعبي أصبح أكثر وضوحاً، كما ظهر في جولة ميدانية له في الضاحية الجنوبية لبيروت، "حيث بات السكان يفرّقون بوضوح بين مبنى تابع للحزب وبقية المباني في الحيّ الذي يقطنونه". ويعتبر أن هذا المزاج الجديد يعكس إرهاقاً عاماً من الحروب المتكررة، ورغبة متزايدة في حياة أكثر استقراراً وأقل مخاطرة.

يذكر أن الحرس الثوري الإيراني أسّس حزب الله عام 1982، عقب انشقاق مجموعة من حركة "أمل"، ليشكّل نقطة تحول في المشهد السياسي والأمني اللبناني. وسرعان ما عمل الحزب على تعزيز حضوره داخل الطائفة الشيعية، معتمداً على خطاب سياسي تعبوي، خاصة في عهد أمينه العام السابق حسن نصر الله، إلى جانب الدعم المالي والعسكري المباشر من إيران.

هذا الدعم مكّن حزب الله من ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعميق الانقسام السياسي والطائفي، وصولاً إلى السيطرة على قرار الحرب والسلم. وقد أدّى ذلك إلى توريط لبنان في صراعات إقليمية متشابكة، خلّفت تداعيات أمنية وسياسية خطيرة على البلاد.

وعلى مدى سنوات، لم يتوانَ حزب الله عن الترويج لقدراته العسكرية، متحدثاً عن استعداده لاجتياح الجليل، واستهداف حيفا وما بعدها، في إطار معادلة ردع رسمها لنفسه. لكن الحرب الأخيرة كشفت حدود هذه المزاعم، وأظهرت عجز الحزب عن تنفيذ تهديداته.

فقد تمكّنت القوات الإسرائيلية من التوغل في الجنوب اللبناني وصولاً إلى نهر الليطاني، وانتهت المواجهة بتوقيع اتفاق وُصف من قبل مراقبين بأنه "مُذل"، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتفظ بوجودها في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية.

القرار في طهران

رغم التصدعات التي أصابت صورة حزب الله، يرى ملاعب أن "العقيدة التنظيمية للحزب لا تزال متماسكة، إذ لا يزال عدد كبير من مقاتليه يلتزمون بقيادة مركزية صلبة". لكنه يلفت إلى أن قرار إشعال الجبهة اللبنانية "لا يُتخذ في بيروت، بل في طهران".

فإيران، بحسب ملاعب، "استثمرت في حزب الله كأداة استراتيجية للضغط الإقليمي والدولي، وتستخدمه كورقة تفاوض مع الغرب، لا سيما في سياق المحادثات المرتبطة بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية، ومن هذا المنظور، فإن موافقة الحزب مؤخراً على وقف إطلاق النار لا يمكن فصلها عن الحسابات الإيرانية الأوسع، التي تهدف إلى تحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات".

وعن مدى نجاح إسرائيل في تدمير ترسانة الحزب، يؤكد ملاعب أن "إسرائيل ألحقت ضرراً بالغاً بالبنية التحتية العسكرية لحزب الله، لكنها لم تنجح في تدمير أصوله الحيوية، كشبكات الأنفاق ومنظومات الصواريخ الدقيقة". ويضيف أن "الأسلحة الاستراتيجية، بما فيها الصواريخ بعيدة المدى، لا تزال خارج المعركة، لأنها تخضع لسيطرة القرار الإيراني المباشر".

من جانبه، يرى الأمين أن "المنطقة، وليس لبنان وحده، تمرّ اليوم بمرحلة تحوّل بنيوي عميق، ينعكس بشكل مباشر على علاقة حزب الله بمحيطه، وخصوصاً بجمهوره".

ويشير الأمين إلى أن الحزب "لم يعد يُنظر إليه كقوة قادرة على توفير الحماية والأمان، وتراجعت الثقة بإمكانية استعادته لهذا الدور في المستقبل، خاصة بعد تهاوي وهم ردع إسرائيل، وسقوط النظام السوري، الذي شكّل ضربة قاصمة لحزب الله، أطاحت بمقومات استعادته لنفوذه وقدراته الأمنية والعسكرية".