لقطة عامة لمطار بيروت
لقطة عامة لمطار بيروت

يتأهب اللبنانيون لاحتمال ضربة عسكرية إسرائيلية كبيرة رداً على الهجوم الصاروخي الذي استهدف ملعباً لكرة القدم في بلدة مجدل شمس بالجولان، السبت، الذي أسفر عن مقتل 12 فتى وفتاة وإصابة آخرين.

واتهمت إسرائيل حزب الله، المدعوم من إيران، بالمسؤولية عن الهجوم، متوعدة إياه بـ "ثمن باهظ"، فيما نفى الحزب مسؤوليته عن ذلك مهدداً برد قوي على الضربة الإسرائيلية المرتقبة.

التهديدات المتبادلة بين حزب الله وإسرائيل رفعت مستوى الخوف لدى اللبنانيين من انزلاق البلاد نحو حرب واسعة، بعد انخراط حزب الله في حرب غزة، مع إعلانه جنوب لبنان جبهة دعم وإسناد لحركة حماس بعد الهجوم الدموي الذي نفذته الأخيرة على إسرائيل في السابع من أكتوبر.

ورغم نفي حزب الله مسؤوليته عن الهجوم، واستنكار الحكومة اللبنانية استهداف المدنيين، وبذل العديد من المسؤولين الدوليين جهوداً دبلوماسية لإقناع إسرائيل بعدم التصعيد مع حزب الله، خوفاً من اندلاع حرب إقليمية واسعة النطاق، فإن المخاوف من ضربة إسرائيلية كبيرة لم تتراجع.

ورفع الجيش الإسرائيلي جاهزيته إلى "المرحلة التالية" من القتال في شمال البلاد، كما تعهد رئيس أركانه، هرتسي هاليفي، خلال جولة تفقدية في مجدل شمس، بضرب حزب الله "بصورة قاسية"، وتحقيق الأمن وإعادة السكان في الشمال إلى ديارهم.

وفوض مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي، الحكومة برئاسة بنيامين نتانياهو، بتحديد "طريقة وتوقيت" الرد على الهجوم الصاروخي على هضبة الجولان.

واليوم، الاثنين، أكد نتانياهو من موقع سقوط الصاروخ أن الرد الإسرائيلي "سيأتي وسيكون قاسيا"، على ما نقلت "فرانس برس".

بدء العد العكسي

تعيش ريان في حالة من القلق والترقب والحذر الشديد بسبب الأخبار المتداولة على وسائل الإعلام اللبنانية والإسرائيلية من هجوم إسرائيلي كبير ووشيك، قائلة "أتابع التطورات على مدار الساعة عبر مجموعات الواتساب، للأسف اختلطت الأخبار الحقيقية بالشائعات، ولم نعد نستطيع التمييز بينها، لكن ما بات مؤكداً أن العد العكسي لضربة إسرائيلية كبيرة قد بدأ".

وتخشى ريان أن يطال القصف العاصمة بيروت، حيث تعيش، وما يزيد من مخاوفها كما تقول لموقع "الحرة" " وجود مركز للجماعة الإسلامية بالقرب من منزلي، التي تشارك إلى جانب حزب الله في العمليات العسكرية على الجبهة الجنوبية"، مشددة "ما الذنب الذي ارتكبناه لكي نعيش كل هذه المخاوف، من فوّض حزب الله على زج بلدنا في حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، وإلى متى سنبقى رهن ميليشيا عسكرية تحرّك وطننا ومستقبلنا كيفما تشاء".

وتضيف "كنا نتوقع أن تحصل الضربة في الساعات الماضية، لذلك لم أتمكن من النوم الليلة الفائتة، خاصة بعد أن ألغت بعض شركات الطيران رحلاتها، وطلبت بعض الدول من رعاياها مغادرة لبنان فوراً، فهذا كان مؤشراً كبيراً على إمكانية وقوع هجوم وشيك".

وفي ظل الظروف الصعبة والخطيرة التي يمر بها لبنان، حزمت ريان حقائبها، واضعة فيها أوراق عائلتها الثبوتية وبعضاً من ملابسها وملابس والدها وشقيقتها، وتقول "لا أعرف الوجهة التي قد نضطر للذهاب إليها، لكن بالحد الأدنى أفعل ما يفترض بأي لبناني القيام به في هذه الأوقات العصيبة".

وتضيف "لا نعلم متى سندخل إلى المجهول، كما أن أحداً لا يمكنه توقع المناطق التي ستطالها الضربات الإسرائيلية، وما إذا كان الرد سيكون محدوداً أو سيدفع إلى توسّع الحرب بين حزب الله وإسرائيل. لا نعرف ما الذي ينتظرنا. حقاً إنه شعور لا يمكن وصفه، فنحن نترقب مستقبلنا دون أن نستطيع التحكم به".

وبعد تزايد التوقعات بضربة إسرائيلية انتقامية، أعلنت شركة طيران الشرق الأوسط اللبنانية، عن تأجيل العديد من رحلاتها من وإلى لبنان، الإثنين، لأسباب قالت إنها تتعلق بتوزيع "المخاطر التأمينية على الطائرات".

واليوم الاثنين، أعلنت مجموعة الطيران الألمانية "لوفتهانزا" تعليق خدماتها إلى بيروت حتى الخامس من أغسطس.

وأفاد ناطق باسم "لوفتهانزا" وكالة "فرانس برس" بأنه تم إلغاء رحلات المجموعة إلى لبنان، نتيجة "التطوّرات الجارية في الشرق الأوسط".

كما علقت شركتا" إير فرانس" و"ترانسافيا" رحلاتهما إلى بيروت، الإثنين والثلاثاء "بسبب الوضع الأمني" في البلد، على ما نقلت" فرانس برس" عن متحدث باسم مجموعة إير فرانس-كاي إل إم.

من ناحية أخرى، نشرت السفارة الأميركية في لبنان على منصة "إكس" مقطع فيديو لمساعدة وزير الخارجية الأميركية للشؤون القنصلية رينا بيتر، ذكّرت خلاله المواطنين الأميركيين في لبنان ببعض النقاط الأساسية المتعلقة بالاستعداد للأزمة، داعية الرعايا الأميركيين ممن لا يريدون مغادرة لبنان للاستعداد للبقاء في أماكنهم لفترة طويلة.

ترقب وقلق

الحياة في البلدات الجنوبية البعيدة عن الحدود "شبه طبيعية، رغم الحذر وتراجع حركة تجول المواطنين"، كما تصف ريم، وتقول "مع كل تصعيد عسكري أو تهديد، يلتزم الناس منازلهم بعد تأمين حاجياتهم من طعام وشراب. يحاولون التكيف مع الظروف الصعبة، لكن يبقى القلق والترقب جزءاً لا يتجزأ من حياتهم اليومية، ومنذ التوعّد الإسرائيلي بالرد على هجوم الجولان لم نتمكن وأفراد عائلتي من النوم كالمعتاد، إذ نترقب اللحظة التي ستنفذ فيها إسرائيل تهديداتها".

تواصل ريم، وهي ابنة بلدة معركة الجنوبية، حديثها قائلة لموقع "الحرة" "هذه المرة إذا وقعت الحرب ستكون ضروساً. كلنا كلبنانيين تعبنا جداً ولم يعد بإمكاننا تحمّل المزيد".

وتشير إلى أن "التداعيات المتزايدة للحرب المحتملة تأتي في وقت يعاني فيه لبنان أزمة اقتصادية خانقة"، لافتة إلى أن "القطاع الصحي ليس في أفضل حالاته، لاسيما مع هجرة عدد كبير من الأطباء".

وكان تسجيل صوتي لنقيب المستشفيات الخاصة في لبنان، سليمان هارون، جرى تداوله أمس عبر "واتساب"، رفع منسوب خوف اللبنانيين، إذ طلب خلاله من المستشفيات أن تكون على جاهزية تامة، وفق خطة الطوارئ الموضوعة بالاتفاق مع وزارة الصحة.

وفي حديث صحفي، أكد هارون أنه أرسل التسجيل إلى مجموعة واتساب تضم أصحاب المستشفيات. وعن مدى قدرة المستشفيات على الصمود، أوضح نقيب المستشفيات الخاصة: "إذا كانت الضربات شبيهة بما يحصل في غزة من حيث استهداف المستشفيات باعتبارها أهدافاً عسكرية، فلا حول لنا ولا قوة. أما إذا كانت شبيهة بحرب يوليو 2006، فالمستشفيات قادرة على استيعاب الجرحى والتعامل مع الحالات الصحية الطارئة".

تفاؤل حذر

وبعد ما يزيد عن عشرة أشهر من التهديدات المتبادلة بين حزب الله وإسرائيل، تقول منال إنها اعتادت الوضع الحالي، شارحة "وصلت الأمور مرات عدة خلال هذه الأشهر إلى حافة الهاوية، وفي كل مرة شهدنا تدخلاً من أطراف دولية لتهدئة الأمور. نأمل أن يحدث الشيء نفسه هذه المرة، فجميع الأطراف لا تريد حرباً واسعة لأنها مكلفة على الجميع واستنزافية وطويلة المدى".

لكن الإرادة الدولية الواضحة في تجنب الوصول إلى حرب واسعة لا يمنع، بحسب ما تقوله منال لموقع "الحرة" من أن "خطأ واحداً كبيراً قد يؤدي إلى الانزلاق إلى حرب واسعة".

ورغم ذلك، لم تستعد منال للسيناريو الأسوأ وهي التي تسكن في الضاحية الجنوبية، وتقول "لا أتوقع أن نشهد أحداثاً مماثلة لحرب يوليو 2006".

وتضيف: "حتى في الجنوب، حيث الخطر أكبر، يمضي الناس حياتهم بشكل شبه طبيعي، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بسكان الضاحية الجنوبية وبيروت؟ استبعد أن تطالهما الضربة الإسرائيلية المرتقبة، كونها ستكون إعلان حرب صريح، لا أعتقد أن إسرائيل في وارد شنها".

واليوم الاثنين، أجرى وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، لبحث الهجوم الصاروخي في مجدل شمش، وبحسب ما نقلت وكالة "رويترز"، شدد بلينكن على "أهمية تجنب تصعيد الصراع".

وبحث الجانبان "جهود التوصل إلى حل ديبلوماسي للسماح للمواطنين على جانبي الحدود بين إسرائيل ولبنان بالعودة إلى منازلهم، بالإضافة إلى الجهود الجارية للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة والإفراج عن الرهائن المحتجزين هناك".

وفي ظل تصاعد التوتر بين حزب الله وإسرائيل، كشف وزير الخارجية اللبناني عبد الله بو حبيب، الأحد، أن الحكومة اللبنانية "طلبت من الولايات المتحدة حث إسرائيل على ضبط النفس".

وقال بو حبيب إن الولايات المتحدة "طلبت من الحكومة اللبنانية نقل رسالة إلى حزب الله، تطالبه بالتحلي بضبط النفس أيضا".

وفي إطار متابعة الأوضاع الطارئة المستجدة، أجرى رئيس الحكومة اللبناني، نجيب ميقاتي، اتصالات ديلوماسية مكثفة شدد خلالها على أن "الحل يبقى في التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار والتطبيق الكامل للقرار الدولي الرقم 1701، للتخلص من دورة العنف التي لا جدوى منها، وعدم الانجرار إلى التصعيد الذي يزيد الأوضاع تعقيداً ويؤدي إلى ما لا تحمد عقباه".

كما جدد رئيس الحكومة خلال هذه الاتصالات التشديد على موقف الحكومة "بإدانة كل أشكال العنف ضد المدنيين"، وأن "وقف إطلاق النار بشكل مستدام على كل الجبهات هو الحل الوحيد الممكن لمنع حدوث مزيد من الخسائر البشرية، ولتجنب المزيد من تفاقم الأوضاع ميدانيا".

وقد تلقى ميقاتي اتصالاً من وزير خارجية بريطانيا، ديفيد لامي، الذي "جدد دعوة جميع الأطراف إلى ضبط النفس منعاً للتصعيد"، كما دعا "إلى حل النزاعات سلمياً وعبر تطبيق القرارات الدولية ذات الصلة".

وتتبادل إسرائيل وجماعة حزب الله، المصنفة ارهابية، القصف بشكل شبه يومي عبر الحدود منذ الهجوم الذي شنته حماس في 7 أكتوبر على إسرائيل، وأدى إلى اندلاع الحرب في قطاع غزة.

ومنذ بدء التصعيد، على خليفة الحرب في غزة، استهدف حزب الله شمال إسرائيل، بأكثر من 6000 صاروخ و300 طائرة مسيرة، فيما ردت إسرائيل بشن هجمات، أغلبها على جنوب لبنان، وفقا لوكالة "بلومبيرغ" الأميركية.

حزب الله

عادت "جمعية القرض الحسن"، الذراع المالي لحزب الله، إلى الواجهة مجددا مع تداول تقارير إعلامية تشير إلى جهود أميركية لإضعاف الحزب ماليا.

الجمعية، التي كانت تدير أكثر من 30 فرعا في مختلف المناطق اللبنانية قبل آخر حرب مع إسرائيل، تثير جدلا واسعا بشأن دورها في تمويل الحزب. 

وتحاصر الجمعية التي تقدم نفسها كمؤسسة خدمات مالية تشمل قروضا دون فوائد مقابل رهونات، اتهامات بتبييض الأموال لتمويل أنشطة حزب الله.

ويزداد الجدل تعقيدا في ظل غياب الرقابة الرسمية التي يفترض أن يقوم بها مصرف لبنان على أنشط "القرض الحسن" المالية.

ومع تصاعد الضغوط الدولية على لبنان لسحب سلاح حزب الله وإغلاق قنوات تمويله، ومع ربط المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية، يتساءل كثير من اللبنانيين حول تأثير استمرار عمل "القرض الحسن" على مسار التعافي الاقتصادي في البلاد. 

فهل تستطيع الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات حاسمة لإغلاق هذه "المؤسسة المالية" المخالفة لقانون النقد والتسليف؟

تجاوز الترخيص

تأسست جمعية "القرض الحسن" عام 1982 بموجب ترخيص "علم وخبر" صادر عن وزارة الداخلية اللبنانية، وفقاً للخبير الاستراتيجي في المخاطر المصرفية والاقتصادية، الدكتور محمد فحيلي. 

يوضح فحيلي أن "هذا الترخيص يتيح للجمعية تقديم قروض ذات طابع اجتماعي. وفي البداية، افتتحت الجمعية مكاتبها داخل عدد من المصارف اللبنانية في مناطق نفوذ حزب الله، حيث بدأت بمنح قروض صغيرة جداً تتراوح قيمتها بين 100 و3000 دولار".

ومع مرور الوقت، وسّعت الجمعية نطاق خدماتها لتتجاوز حدود الترخيص الممنوح لها، كما يقول فحيلي لموقع "الحرة".

"أصبحت تقدم خدمات مالية مشابهة للخدمات المصرفية، مثل استقبال الودائع ومنح القروض وإصدار بطاقات الدفع البلاستيكية، إضافة إلى توفير الصرافات الآلية. هذه التجاوزات تمت نتيجة غياب الرقابة من قبل السلطة المعنية، وهي وزارة الداخلية التي منحتها الترخيص".

بدوره، يؤكد الصحفي الاقتصادي، خالد أبو شقرا، أن الجمعية تحولت تدريجياً إلى ما يشبه المصرف غير المرخص، لا سيما بعد تركيب أجهزة الصراف الآلي وتقديم قروض بمبالغ كبيرة سنوياً، بالإضافة إلى استقبال الودائع النقدية والذهبية ودفع أرباح عليها.

ويشدد أبو شقرا في حديث لموقع "الحرة" على أن نشاط "القرض الحسن يمثل مخالفة واضحة لقانون النقد والتسليف اللبناني". ويلفت إلى أن جميع المسؤولين في الجمعية منتمون إلى حزب الله ويخضعون لعقوبات أميركية مفروضة من وزارة الخزانة ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية".

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، الدكتور مكرم رباح، في حديث لموقع "الحرة" أن "القرض الحسن لا يُعد عقبة بحد ذاته أمام مسار الإصلاح، بل يمثل اختباراً لمدى جدية الدولة اللبنانية في التعامل مع ملف سلاح حزب الله". ويشير رباح إلى أن "القرض الحسن هو سلاح مالي يُدار خارج إطار الدولة".

وتنص المادة 200 من قانون النقد والتسليف على تجريم أي شخص أو مؤسسة تمارس عمليات التسليف دون ترخيص من مصرف لبنان، فيما تلزم المادة 206 بملاحقة المخالفين أمام المحاكم الجزائية.

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على "القرض الحسن" عام 2007، وأعقبتها بعقوبات إضافية في 2021 طالت ستة من موظفيه. وقد اتُهم هؤلاء باستخدام حسابات شخصية في مصارف لبنانية لتحويل أكثر من 500 مليون دولار إلى الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المالي الدولي.

وفي سياق متصل، سبق أن وصف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في تغريدة عبر منصة "إكس"، الجمعية بـ"المصرف الأسود لحزب الله"، مشيراً إلى أنها تُستخدم كقناة خلفية لتبييض الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات التي يديرها الحزب، ويمتد نشاطها إلى أميركا اللاتينية.

وفي حديث سابق لموقع "غلوبس" الإسرائيلي، أشار خبير الحرب المالية، عوزي شايع، إلى أن "القرض الحسن" يمثل الخزينة المالية لحزب الله، حيث تُدار من خلاله الحسابات المالية للمنظمة، فضلاً عن تمويل الأنشطة التجارية والخيرية.

خطر مزدوج

يشير تقرير لمنظمة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن "كبار ممولي حزب الله امتلكوا حسابات في القرض الحسن، واستخدم موظفو الجمعية حسابات شخصية في المصارف اللبنانية الكبرى لتنفيذ معاملات نيابة عن الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المصرفي اللبناني"، 

وأوضحت المنظمة، في التقرير الذي حمل عنوان "القرض الحسن التابع لحزب الله والقطاع المصرفي في لبنان،" أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عام 2019 عقوبات على "بنك جمال تراست" لتورطه في تسهيل وصول "القرض الحسن" إلى القطاع المصرفي، "وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء فرض تلك العقوبات"، وعقب ذلك تقدم المصرف بطلب إلى مصرف لبنان للحصول على الموافقة لتصفيته، وهو ما تم بالفعل.

وفي ديسمبر 2020، تمكنت مجموعة من القراصنة الإلكترونيين تدعى "Spiderz" من اختراق حسابات جمعية "القرض الحسن"، و"نشرت معلومات تتعلق بنحو 400 ألف حساب مرتبط بالجمعية، تضمّنت أسماء شخصيات بارزة في حزب الله. 

ومن بين تلك الشخصيات قائد قوة الرضوان الذي اغتالته إسرائيل وسام الطويل، وإبراهيم علي ضاهر، رئيس الوحدة المالية للحزب، وحتى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي" وفقا لما نشره موقع "غلوبس".

وعقب هذا الاختراق، أصدرت بعض المصارف اللبنانية بيانات نفت فيها وجود حسابات رسمية باسم "القرض الحسن"، بحسب ما أشارت إليه "منظمة الدفاع عن الديمقراطيات".

وأوضحت أنه "رغم صحة هذه البيانات من الناحية القانونية، إذ لا توجد حسابات مسجلة باسم الجمعية، إلا أن الوثائق المسربة كشفت أن مسؤولي الجمعية استخدموا حساباتهم الشخصية لإجراء معاملات نيابة عنها".

وفي إطار الجهود الأميركية لمساعدة لبنان على تجاوز أزمته الاقتصادية، حملت مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، خلال زيارتها إلى بيروت في أبريل الماضي، رسائل متعددة تضمنت التركيز على ملف الإصلاحات الاقتصادية والمالية إلى جانب الشق الأمني المتعلق بنزع سلاح حزب الله.

وفي هذا السياق، يقول فحيلي أن "الولايات المتحدة تعتبر جمعية القرض الحسن إحدى الأذرع المالية لحزب الله. لكن إذا طبّق لبنان القرار 1701 بشكل صارم، فإن الجمعية ستصبح مجرد تفصيل صغير، في حال فرضت وزارة الداخلية حدوداً واضحة على أنشطتها ضمن إطار الترخيص الممنوح لها، فلن تشكل خطراً على مستوى تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب".

"سلاح" يجب ضبطه

خلال زيارة وفد مجموعة العمل المالي إلى لبنان، شدد الوفد، وفقاً لما يقول أبو شقرا، "على ضرورة تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المرخصة والتي لا تلتزم بالأنظمة والقوانين المعمول بها. هذه المؤسسات، سواء كانت القرض الحسن أو غيرها، قد تساهم بشكل أو بآخر في عمليات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة العسكرية، مما يستدعي فرض إجراءات رقابية صارمة للحد من هذه الأنشطة غير القانونية".

وفي ظل تجاوز الجمعية لحدود أنشطتها المسموح بها، يؤكد فحيلي أن المسؤولية تقع على عاتق السلطة اللبنانية التي تمتلك الصلاحيات لتطبيق القانون على المخالفين. ويشدد على ضرورة أن تقوم وزارة الداخلية بإبلاغ إدارة الجمعية بوضوح بحدود الترخيص وإلزامها بالالتزام به.

وبشأن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، نفى فحيلي وجود علاقة مباشرة بين القرار وأنشطة "القرض الحسن". 

وأوضح أن "المشكلة الأساسية تكمن في غياب الرقابة على المعاملات النقدية، خاصة بعد فقدان الثقة بالمنظومة المصرفية وابتعاد المواطنين عن استعمال وسائل الدفع المتاحة من خلال القطاع المصرفي والإفراط في استعمال الأوراق النقدية، وقرار مصرف لبنان بتجفيف السيولة بالليرة اللبنانية، والذي سمح باستبدال مبالغ نقدية كبيرة بالدولار الأميركي". 

ويضيف أن "هذا القرار، في ظل غياب الرقابة، أعطى مساحة إضافية لمن يريد تبييض الأموال. وزاد الأمور تعقيداً ظهور عدد كبير من الجمعيات المدنية، وكان معظمها غير مرخص، عقب انفجار مرفأ بيروت".

بالنسبة لمطالب صندوق النقد الدولي، يؤكد فحيلي "رغم أنه لا يتدخل في التفاصيل، فإنه بالتأكيد يهتم بأن تكون جميع المؤسسات التي تقدم خدمات مصرفية مرخصة رسميًا وتحت إشراف الجهات الرقابية الرسمية"، وأضاف قوله: "إذا كانت الحكومة اللبنانية تسعى إلى إعادة الانتظام المالي، فإن ذلك يستوجب وجود مؤسسات مرخصة من قبل مصرف لبنان وخاضعة لرقابته".

وفي السياق ذاته، يقول أبو شقرا إن "المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي يطالبان بمعالجة ملفات يعتبرانها أكثر إلحاحاً من ملف القرض الحسن، تشمل إصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلته، واستعادة الانتظام المالي، ومعالجة الفجوة المالية، وإصلاح قطاع الطاقة، وخاصة قطاع الكهرباء، فضلاً عن إصلاح السرية المصرفية والخروج من اللائحة الرمادية المرتبطة بتبييض الأموال".

ويشير أبو شقرا إلى أنه "رغم قدرة السلطات اللبنانية على وضع حد للنشاط المالي والمصرفي لجمعية القرض الحسن، إلا أن التوازنات السياسية التي شهدتها البلاد في الفترة الماضية حالت دون التعامل الجدي مع الجمعية".

ويعتبر أبو شقرا أن "معالجة ملف القرض الحسن ترتبط أساساً بالتسوية السياسية"، وقال إن القضية لا تقتصر على الإصلاحات المالية فقط، "بل تتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والأمنية والعسكرية".

من جانبه يدعو رباح إلى إغلاق الجمعية فوراً ومنعها من التظاهر بأي شرعية مالية، وأوضح أن "القرض الحسن، سواء كان له ارتباط مباشر بالحرس الثوري الإيراني أم لا، يظل مؤسسة غير حكومية تمارس أنشطة مالية خارج إطار القانون".