على مدى أشهر الحرب التسعة الماضية، لم يسلم لبناني تقريباً من التأثر بالتشويش الجاري على نظام تحديد المواقع GPS، في لبنان.
على مدى أشهر الحرب التسعة الماضية، لم يسلم لبناني تقريباً من التأثر بالتشويش الجاري على نظام تحديد المواقع GPS، في لبنان.

في وقت تتقدم الأولويات والاعتبارات العسكرية على كل ما سواها بين لبنان وإسرائيل، إثر تصاعد المواجهة بين حزب الله والجيش الإسرائيلي، يضيق هامش الأنشطة المدنية أكثر فأكثر، في السماء والبحار وعلى الأرض، فتحجب الأجواء عن الطائرات المدنية لصالح الطيران الحربي والمسيرات والصواريخ، وتقيد الملاحة البحرية لصالح البوارج العسكرية، وتخلى البلدات والمدن على جانبي الحدود من سكانها لتصبح ميدانا للجنود والمقاتلين وهدفاً للقصف المتبادل.

الأمر نفسه ينسحب على المجالات الأخرى، مثل التكنولوجيا والتقنيات، التي باتت معسكرة هي الأخرى، في خدمة المعركة الدائرة.  وعلى مدى أشهر الحرب التسعة الماضية، لم يسلم لبناني تقريباً من التأثر بالتشويش الجاري على نظام تحديد المواقع GPS، في لبنان.

كلٌّ بحسب مجاله واستخداماته، نال نصيبه من تداعيات غياب خدمة باتت تمثل اليوم ضرورة من ضرورات الحياة، ويشكل حجبها انتهاكاً لحقوق المدنيين في الاستفادة منها، وفق الخبراء، بعدما بات الاعتماد عليها يدخل في أبسط وأدق تفاصيل الحياة، فيما غيابها يترك تداعيات اجتماعية اقتصادية وأمنية كبيرة، وينذر بكوارث تصل إلى حد تهديد السلامة العامة والأرواح.

من الجو إلى البحر

مطلع شهر أغسطس الجاري، أعلنت الخارجية اللبنانية، عن تقديم شكوى إلى مجلس الأمن الدولي وأمام الأمين العام للأمم المتحدة عبر بعثتها الدائمة في نيويورك، اتهمت إسرائيل بممارسة هذا التشويش، وطالبت بإدانة "الاعتداءات الإسرائيلية السيبرانية على لبنان."

وأضافت أنّ "هذه الاعتداءات تشكل خطرا جديا على خدمات الطيران المدني فيه، وتهدّد أمن شبكات الاتصال والأجهزة والتطبيقات والبيانات الإلكترونية وسلامتها في المنشآت والمرافق الحيوية اللبنانية."

وهي الشكوى الثانية من نوعها بعد الأولى في مارس الماضي، حيث يعبر لبنان الرسمي بصورة مستمرة عن قلقه من تأثير التشويش على الملاحة الجوية بشكل خاص، حتى أن المديرية العامة للطيران المدني أوعزت إلى الطيارين المتجهين من وإلى مطار بيروت، "بضرورة الاعتماد على التجهيزات الملاحية الأرضية، وعدم الاعتماد على الإشارة التي يلتقطونها عبر GPS نتيجة التشويش القائم في المنطقة، وحفاظا على السلامة."

وكانت وكالة السلامة الجوية الأوروبية EASA قد أبرزت المخاطر الجسيمة الناجمة عن التشويش والتزييف لإشارات GPS في نشرتها المعلوماتية الأمنية بتاريخ 6 نوفمبر 2023، التي تؤثر على كل شركات الطيران في شرق البحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك حركة الإقلاع والهبوط وتحديد الموقع خلال الملاحة وارتفاع مخاطر الاصطدام، فضلاً عن تعطيل العديد من طبقات الحماية المرتبطة بالصدمات، والتي تعتمد على تحديد الموقع الجغرافي والارتفاع، إضافة إلى قياس حالة الطقس والرياح وغيرها.

وكان لطائرات "الدرون" الخاصة بالتصوير الجوي، والمستخدمة لأغراض مدنية، نصيب كبير من آثار التشويش على حركة طيرانها، حيث سلط تقرير لموقع "الحرة" الضوء على حجم الخسائر التي تعرض لها أصحاب هذه الطائرات وشركات تصوير الأعراس والحفلات بسبب غياب خدمة GPS، ما أدى إلى تحطم واختفاء أعداد كبيرة منها، وقدم النصائح اللازمة لتفادي تداعيات المشكلة.

التشويش على GPS تأثر به عدد كبير من اللبنانيين الذين يستخدمون طائرات "الدرون" لأغراض مدنية متنوعة.
طائرات التصوير تتساقط في لبنان والخسائر كبيرة.. ما السبب وكيف يمكن تفاديه؟
لم يكن يعلم حسين بزوني، صاحب شركة تصوير مناسبات وحفلات، عندما أطلق طائرة التصوير المسيرة (كوادكوبتر) ليلة الثاني من يونيو الماضي، خلال تصويره لحفل على شاطئ الرميلة قرب مدينة صيدا، جنوب لبنان، أنه سيفقدها للأبد، "كانت إشارة الإرسال للأقمار الاصطناعية ممتازة على الأرض، ولكن حين ارتفعت في الجو انعدمت الإشارة وبلغت صفر، وبغياب الـ GPS فقدتُ السيطرة عليها تماماً، ثم اتجهَت في رحلة أخيرة فوق البحر إلى أن اختفت."

آثار التشويش نفسها، تنعكس على الملاحة البحرية أيضاً حيث تأثرت بدورها حركة الملاحة البحرية، وواجهت سفن عدة خلال الأشهر الماضية صعوبات في تحديد مواقعها على السواحل اللبناني، وضمن نطاقات في المياه الدولية يصلها التشويش أيضاً.

وباتت بعض السفن تفضل أن ترسو نهاراً في الموانئ اللبنانية بالاعتماد على العين المجردة بدلاً من الليل حيث يتم الاعتماد بصورة أساسية على GPS.

حتى صيادو الأسماك باتوا يواجهون صعوبات أضعفت إنتاجيتهم نتيجة التشويش، وذلك نتيجة اعتمادهم الكبير في عملية إبحارهم وتحديد مواقع الصيد التي يتجهون إليها ويعودون لها بعد اكتشافها، على خدمات GPS، وفق ما يؤكد محمد سليم، رئيس تعاونية الصيادين في منطقة الصرفند، جنوب لبنان.

ويتحدث سليم لموقع "الحرة" عن خسائر كبيرة في الإنتاج حيث انخفضت كمية صيد للأسماك نتيجة عدم التمكن من تحديد أماكنها، "الآن الصيد عشوائي بطريقة غير مدروسة، فقط كي لا يبقى الصيادون دون طعام."

يقول مدير برنامج الإعلام في منظمة سميكس المعنية بالحقوق الرقمية، عبد قطايا، إن نظم الملاحة الجوية والبحرية، في نهاية الأمر لديها أنظمة تحديد مواقع رديفة وبديلة عن GPS عبر الرادارات الأرضية والبحرية وموجات لتحديد المواقع وغيرها وعلى الرغم من أن عدم استفادتها من GPS قد لا يعرقل عملها نهائياً إلا أنه يزيل من طبقات الحماية التي يمثلها نظام تحديد المواقع.

لكن هذه البدائل غير متوفرة للناس العاديين الذين يعتمدون على GPS في أعمالهم وحياتهم اليومية، حيث يتم عرقلتها بصورة شبه نهائية ما يجبرهم على اللجوء إلى أساليب تقليدية في تحديد المواقع تتطلب جهداً أكبر، وأقل دقة، وفي كثير من الأحيان يفرض تكاليف إضافية.

على الأرض.. الوضع أصعب

يمكن فهم حجم تأثير التشويش على حياة الناس وتصورها، من خلال مراجعة لحجم التقنيات والأعمال والخدمات التي تعتمد على GPS في تحديدها للمواقع.

سائقو سيارات الأجرة، لاسيما العاملين على تطبيقات المواصلات، مثل "أوبر"، أو حتى الذين يعملون لحسابهم الخاص، كانوا من أبرز المتضررين، إلى جانب عمال التوصيل إلى المنازل، حيث تسبب التشويش بعرقلة واسعة لأعمالهم.

يروي حسن سعيد (٤٢ عاماً)، سائق سيارة أجرة، كيف تحولت أولى أيام التشويش إلى كابوس في عمله، حيث تفاجأ بعد رحلة طويلة إلى بيروت أن الموقع المحدد له عبر "غوغل مابس" كان يشير إلى مطار بيروت وليس إلى وجهته، وفي مرة أخرى قاده إلى عنوان عشوائي، بينما الركاب ينتظرونه في الجانب الآخر من ضواحي المدينة.

تكرر الأمر في أكثر من رحلة حتى توقف اعتماد حسن على GPS، لكنه بات مضطرا للاتصال بكل زبون للاستفسار عن موقعه بدقة، ثم البحث عن العنوان عند الوصول وسؤال الناس في المحيط، فضلاً عن عدم قدرته على تفادي زحمة السير التي كان يوفرها الاعتماد على "غووغل مابس". ما يعني تكاليف أعلى ووقت أطول وعمل أقل، مع مجهود أكبر.

حال حسن تنعكس على معظم سائقي سيارات الأجرة في بيروت، كما تتكرر في أكثر من قطاع من بينها توصيل الطلبات إلى العناوين (الديلفري)، والتي تشمل قطاعات واسعة مثل المحال التجارية والمتاجر الالكترونية ومحال الزهور والمطاعم وأصحاب المهن الحرة ومخلصي المعاملات، وكل ما يتطلب توصيلاً إلى العناوين، الذي بات يتطلب مجهوداً وتكاليف أكبر.

وصحيح أن جميع السكان يعانون من صعوبات التنقل بسبب غياب الـ GPS، إلا أن الصعوبات تستحيل أخطارا حين تعاني فرق الإنقاذ والإسعاف وإطفاء الحرائق من هذه المشكلة، حيث أفيد في أكثر من واقعة عن صعوبات واجهت هذه الفرق خلال توجهها إلى أماكن مهماتها الإنسانية، خاصة جنوب لبنان، بفعل التشويش الذي تتعرض له شبكة تحديد المواقع، وهو ما يزيد من صعوبات المهمات في زمن الحرب.

وتعتمد الكثير من معدات وتقنيات رصد الأحوال الجوية والتغيرات المناخية وتحديد مواقع الحرائق، على نظام GPS في عملها، وتتأثر بدورها بعمليات التشويش.

كذلك، وبحسب قطايا، تتأثر جودة الاتصالات في البلاد على المستوي التشغيلي، خاصة فيما يخص تواصل أعمدة بث الارسال بين بعضها البعض، والذي يعتمد على GPS لتحديد مكان كل عامود إرسال، من أجل تحويل الإشارة إليه عند تعطل أو توقف واحد منها.

حتى التطبيقات ومنصات التواصل الاجتماعي لم تسلم من التشويش وانعكاساته، حيث أفاد لبنانيون عن ظهور إعلانات عبر مواقع التواصل الاجتماعي غير مخصصة للبلاد، بعضها يستهدف السوق الإسرائيلية، أو مخصصة لمدن ودول عربية، فضلاً عن تغييرات في خوارزميات ظهور المحتوى في المناطق الواقعة ضمن نطاق التشويش.

كذلك بالنسبة إلي تطبيقات المواعدة مثل "تندر" أو "غرايندر" التي باتت وبسبب الخلل في تحديد المواقع، تظهر في لبنان أشخاصاً بعيدين من دول أخرى. والأمر نفسه بالنسبة للألعاب الالكترونية التي تعتمد تحديد مواقع اللاعبين وتنظيمهم ضمن نطاقات جغرافية محددة.

قطاع الهندسة أيضاً سجل تأثره، خاصة في الشق الطبوغرافي، الذي يعتمد معدات تعمل بتقنية الـ GPS، والتي باتت بسبب التشويش غير صالحة للقياس، مما اضطر الكثير من مهندسي المساحة ومسّاحي العقارات إلى العودة لاستخدام أدوات أقدم مثل المناظير الخاصة بالمساحة، والتي توقف استخدامها منذ سنوات.

ما هو التشويش وبماذا يختلف عن التزييف؟

ويعمل نظام GPS بالاعتماد على الأقمار الاصطناعيّة (عددها 30 قمراً حالياً)، التي تساعد من خلال بثها لإشارات مستمرة تحمل موقعها الحالي من الأرض، في تحديد موقع أي متلق لتلك الإشارات من خلال قياس مسافة بعده عنها من خلال الوقت الذي تتطلبه الإشارة للوصول.

وهو نظامٌ تملكه حكومة الولايات المتّحدة، وتشغّله القوّة الفضائيّة الأميركية. بدأت هذه التكنولوجيا لأغراض عسكرية خاصة، قبل أن تتاح للمدنيين بصورة مجانية في جميع أنحاء العالم في وقت لاحق، بسبب دورها المحوري في النهضة التكنولوجية وحركة النقل والملاحة العالمية.

يتكون نظام التموضع العالمي من ثلاث أجزاء: الأقمار الصناعية التي تدور حول الأرض، ومحطات السيطرة والرصد القائمة على الأرض، وأجهزة استقبال يملكها مستخدمو نظام التموضع العالمي، وهي الأجهزة التي تتلقى الإشارات التي تبثها من الفضاء الأقمار الصناعية التابعة للنظام وتتعرف عليها (مثل الهواتف أو الطائرات أو السيارات)، ومن ثم تعرضها على المستخدم في صورة مجسمة تقدم له معلومات ثلاثية الأبعاد (خط العرض وخط الطول والارتفاع) عن الموقع وعن الوقت.

يميز المتخصصون في شرحهم لمشكلة الـ GPS بين ما يسمى التشويش (Jamming) وبين التزييف أو التلاعب (spoofing)، ووفقاً لقطايا فإن التشويش يحجب الخدمة نهائيا، من خلال بث موجات راديو أقوى تطغى على إشارات الأقمار الصناعية وتحجبها، ما يؤدي إلى عدم قدرة جهاز استقبال GPS على تحديد الموقع الجغرافي، وبالتالي التشويش يطال الأجهزة الأرضية وليس الأقمار الأميركية.

أما التلاعب من خلال إظهار موقع مختلف عن الموقع الحقيقي، فيتم باستخدام موجات "جي بي اس" معدّلة، حيث يتم إرسال نقطة موقع مختلفة عن قصد.

ويمكن للتشويش أن ينطلق من محطات أرضية، قواعد عسكرية، مطارات، ويمكن لمعدات التشويش أن تكون محمولة جواً عبر مناطيد أو طائرات مسيرة أو مرفوعة على عواميد عالية.

ويلفت قطايا إلى أن نطاق التشويش على GPS حول العالم بات واسعاً، وكثير من الدول تستخدم هذا التشويش لأسباب مختلفة مثل روسيا وأوكرانيا وإسرائيل، وايران مؤخراً أيضاً حيث أصدرت تحذيرات للطيارين بشأن انقطاع نظام GPS في أجوائها.

إسرائيل مسؤولة.. ومتأثرة أيضاً

وكانت صحيفة نيويورك تايمز، قد نقلت في يوليو الماضي عن باحثين في جامعة تكساس في أوستن، تحديدهم لقاعدة جوية إسرائيلية كمصدر رئيسي لهجمات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) التي عطلت الملاحة الجوية المدنية في الشرق الأوسط.

وقال الباحثان تود همفريز وزاك كليمنتس إنهما "واثقان للغاية" من أن هجمات الانتحال انطلقت من مطار عين شيمر في شمال إسرائيل، في حين رفض الجيش الإسرائيلي التعليق على استفسار الصحيفة.

واستخدم الباحثون البيانات التي أطلقها المضخم والتقطتها الأقمار الصناعية في مدار أرضي منخفض لتحديد موقعه. ثم أكدوا حساباتهم باستخدام البيانات التي جمعوها على الأرض في إسرائيل.

وقد برز الشرق الأوسط كنقطة ساخنة للتلاعب (spoofing). ولم يذكر باحثو جامعة تكساس عدد هجمات التلاعب التي ربطوها بالقاعدة العسكرية، لكن تحليلًا منفصلاً قدر أنها أثرت على أكثر من 50 ألف رحلة جوية في المنطقة هذا العام بحسب نيويورك تايمز.

 وارتفعت معدلات الانتحال، إلى جانب التشويش على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، بشكل حاد خلال السنوات الثلاث الماضية، خاصة بالقرب من مناطق النزاع مثل أوكرانيا وغزة، حيث تتداخل الجيوش مع إشارات الملاحة لإحباط الهجمات الصاروخية والطائرات بدون طيار.

وتقول الصحيفة أن الهجمات جعلت الطيارين يعتقدون أنهم كانوا فوق المطارات في بيروت أو القاهرة عندما لم يكونوا كذلك، وفقًا للباحثين في SkAI Data Services وجامعة زيورخ للعلوم التطبيقية، الذين قاموا بتحليل البيانات من شبكة OpenSky.

وكان الجيش الإسرائيلي قد أقر في وقت سابق إنه يشوش على إشارات نظام تحديد المواقع العالمي وسط الحرب المستمرة على قطاع غزة، والاشتباكات مع حزب الله اللبناني، وعقب الهجوم الإيراني على إسرائيل في أبريل الماضي.

إسرائيل تشوش على إشارات نظام تحديد المواقع استعدادا لهجوم إيراني محتمل
من تل أبيب إلى بيروت أو القاهرة.. كيف تشوش إسرائيل على أنظمة "جي بي إس"؟
استيقظ الإسرائيليون، الخميس، في تل أبيب ليجدوا أن تطبيقات الخرائط على هواتفهم تشير إلى أنهم في العاصمة اللبنانية بيروت، على بعد حوالي 200 كيلومتر شمالا، مما أدى إلى عرقلة عمل سائقي سيارات الأجرى وأخرجت تطبيقات توصيل الطعام عن الخدمة بشكل مؤقت.

 وبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، عمد الجيش الإسرائيلي إلى تشويش إشارات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) والتلاعب بها، حينما كانت تستعد اسرائيل لرد محتمل من قبل إيران أو إحدى الميليشيات المتحالفة معها بسبب الغارة الجوية التي استهدفت، مبنى دبلوماسي إيراني في سوريا.

وقال الجيش الإسرائيلي حينها إن تشويش نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، الذي يمكن استخدامه لإرباك أنظمة الاستهداف في الأسلحة، "كان جزءا من جهد لحماية البلاد".

وأضاف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي دانيال هاغاري: "بدأنا تشويش نظام تحديد المواقع العالمي من أجل تحييد التهديدات، نحن ندرك أن هذا التشويش يسبب إزعاجا، لكنه أداة أساسية وضرورية في قدراتنا الدفاعية".

وبحسب التقرير، ليست هذه المرة التي تشوش فيها إسرائيل على إشارات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، منذ اندلاع حربها مع حماس في السابع من أكتوبر، مشيرا إلى أنها لجأت إلى العملية بشكل رئيسي في شمال البلاد، حيث تتبادل الضربات مع جماعة حزب الله المدعومة من إيران.

كما قامت أيضا بالتشويش على النظام في جنوب إسرائيل، خاصة حول مدينة إيلات، التي كانت هدفا الهجمات الصاروخية والطائرات بدون طيار من قبل الميليشيات اليمنية والعراقية المدعومة من إيران.

وتضرر الإسرائيليون من هذا التشويش أيضاً، حيث رصدت تقارير عدة من بينها تقرير "وول ستريت جورنال" حالة الارتباك التي أدى إليها التشويش، والتي امتدت إلى وسط إسرائيل، بما في ذلك تل أبيب، حيث قال سائق سيارة أجرة إن تطبيق الخرائط الخاص به حدد موقعه في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت. 

وفي جنوب البلاد، وفي القدس والضفة الغربية، قامت أجهزة تحديد المواقع، بوضع المستخدمين في القاهرة.

ويبدو أن التشويش قد عاد ليبلغ مستويات مرتفعة، بالتزامن مع توقع رد من إيران وحزب الله وجماعة الحوثي، على عمليات قصف واغتيال أودت بحياة رئيس المكتب السياسي لحماس اسماعيل هنية في طهران، والقيادي العسكري لحزب الله فؤاد شكر في ضاحية بيروت الجنوبية الأسبوع الماضي.

حيث قالت القناة الإسرائيلية 12، الأحد، إنه تم الإبلاغ عن تشويش في نظام تحديد المواقع العالمي GPS في منطقة تل أبيب.

وأوردت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، أيضاً أن مجموعة من سكان وسط إسرائيل أبلغوا عن اضطرابات في تطبيقات الملاحة مثل خرائط Google و Waze وأنظمة أخرى تستخدم نظام تحديد المواقع العالمي GPS، مشيرة إلى أن هذه التطبيقات أظهرت لبعض سائقي السيارات في تل أبيب أنهم في العاصمة اللبنانية بيروت.

وأضافت الصحيفة أنه تم الإبلاغ عن التشويش في نظام GPS على نطاق واسع في شمال إسرائيل أو مناطق قريبة من غزة، لكنه كان أقل شيوعاً في وسط إسرائيل.

انتهاك لحقوق المدنيين

يؤكد قطايا أن إسرائيل بهذا التشويش وبكونها عضو في الاتحاد الدولي للاتصالات، فإنها تنتهك المادّة 45 من دستور الاتّحاد التي تنص أنّه على الدول الأعضاء “اتّخاذ الخطوات اللازمة لمنع إرسال أو تداول إشارات الاستغاثة أو الطوارئ أو السلامة أو تحديد الهوية، الكاذبة أو الخادعة، والتعاون في تحديد المحطّات التي تبثّ هذه الإشارات الخاضعة لولايتها وموقعها."

 كما أن الاتحاد كان قد أصدر في أغسطس من العام 2022 تحذيرا للدول الأعضاء بشأن التدخّلات المتعمّدة في نظام التموضع العالمي وكافّة إشارات الاتّصال الأخرى.

وبعيداً عن المتطلبات العسكرية والأسباب الحربية لهذا التشويش، يقول قطايا "في النتيجة هناك بلد كامل وشعب كامل يعاني منذ قرابة سنة من حرمان لخدمة باتت اليوم من ضروريات الحياة وتقوم عليها قطاعات اقتصادية كاملة، وتتأثر بها عمليات الملاحة الجوية والبحرية والأرضية، المتضرر الأكبر هم الناس، ما يجري هو استخدام الخدمات المدنية وحجبها في سبيل أغراض عسكرية، وهذا بحد ذاته انتهاك لحقوق السكان المدنيين. 

سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز
سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز

بعد أن زج حزب الله بلبنان في حرب مدمرة مع إسرائيل، أوقعت ضحايا وخلّفت خراباً واسعاً وفاقمت الانهيار الاقتصادي، برز ملف الاستراتيجية الدفاعية في صدارة المشهد السياسي اللبناني.

وتزامن ذلك مع تصاعد المطالبات الداخلية والدولية بنزع سلاح الحزب وحصر القرار العسكري بيد الدولة اللبنانية، تنفيذاً للقرارات الدولية، وفي مقدمتها القرار 1701.

في هذا السياق، أكد الرئيس اللبناني، جوزاف عون، في خطاب القسم، عزمه وضع "استراتيجية دفاعية متكاملة على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية". 

أما البيان الوزاري للحكومة، فشدد على ضرورة "حصر السلاح بيد الدولة"، ما يعني إنهاء مظاهر الازدواجية العسكرية التي تعيق قيام الدولة بمسؤولياتها السيادية.

ورغم أن الدعوة إلى وضع استراتيجية دفاعية تحظى بتأييد واسع، فإن التصورات حول مضمونها تبقى متباعدة إلى حد التناقض. 

فبينما يرى البعض أن إشراك سلاح حزب الله في هذه الاستراتيجية يقوض سيادة الدولة ويكرّس واقعاً ميليشيوياً، يشير آخرون إلى تجارب دولية احتوت جماعات مسلّحة ضمن منظومات دفاعية وطنية، غير أن موقف الحزب نفسه لا يزال ثابتاً في رفضه تسليم سلاحه.

فالحزب الذي وافق، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، على سحب سلاحه من جنوب الليطاني، يرفض تسليم ترسانته شمال النهر، ما يثير تساؤلات حول وجهة هذا السلاح وهدفه، خصوصاً في ظل سجل سابق من استخدامه داخلياً، كما حدث في أحداث 7 مايو 2008.

وأعلن النائب عن الحزب حسن فضل الله استعداد حزب الله للدخول في حوار حول الاستراتيجية الدفاعية، لكن هذا الموقف لم يترافق مع أي إشارات إلى نية التخلي عن السلاح.

وهو ما أكده عضو المجلس السياسي للحزب، غالب أبو زينب، بقوله إن "السلاح ليس مطروحاً للنقاش". 

أما الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، فذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن "أي حديث عن حصر السلاح بيد الجيش اللبناني لا يعني سلاح حزب الله"، وذلك في تحدٍّ مباشر لموقف السلطة اللبنانية.

ويبقى السؤال: هل ستكون الاستراتيجية الدفاعية مدخلاً جدياً لسحب سلاح حزب الله، أم ستستخدم كغطاء جديد لتكريس ازدواجية السلاح وتثبيت هيمنة حزب الله داخل مؤسسات الدولة وتحت غطائها؟

نهاية حقبة

وانتهى الدور الذي لعبه سلاح حزب الله في السابق، كما شدد الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد ناجي ملاعب.

وأكد أن "المرحلة الحالية تتطلب منح الدولة وقتاً كافياً لترسيخ هذه القناعة داخل البيئة الحاضنة للحزب، تمهيداً لترجمتها عملياً على أرض الواقع".

وقال ملاعب، لموقع "الحرة": "أعتقد أننا بدأنا نلمس هذا التحول في المزاج العام لدى بيئة حزب الله، حيث تنمو القناعة تدريجياً بأن هذا السلاح لم يؤد الدور الذي رُوّج له في السابق".

واعتبر أن هذا التحول يشكل فرصة جدية أمام رئيس الجمهورية والسلطات الرسمية للانتقال من مرحلة التفاهمات الضمنية إلى خطوات عملية واضحة، تستند إلى رؤية وطنية جامعة.

وأضاف "نحن اليوم أمام رئيس جمهورية سبق أن تولى قيادة الجيش لمدة خمس سنوات، وهو يمتلك خبرة عسكرية وأمنية واسعة، داخلياً وخارجياً. وقد أبدى في مختلف تصريحاته تمسكه بالسلم الأهلي، وهو معروف بقدرته على إدارة الأزمات بتوازن، دون أن يترك تداعيات سلبية معقدة، وبالتالي هو يتمتع بالحكمة والخبرة الكافيتين لقيادة البلاد في هذه المرحلة الدقيقة، والتعامل مع الملفات الأمنية الحساسة بمسؤولية عالية".

من جهته، أكد رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة، العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر، أن إعداد استراتيجية دفاعية وطنية شاملة لم يعد ترفاً. 

وقال لموقع "الحرة": "منذ سنوات نطالب بوضع استراتيجية دفاعية، ومن غير المفهوم أن الدولة لم تبادر حتى اليوم إلى تشكيل لجنة متخصصة لهذا الغرض، علماً أن إعداد هذه الاستراتيجية لا يحتاج لأكثر من شهر، قبل عرضها على الحكومة ثم مجلس النواب لإقرارها بقانون".

أما القائد السابق لفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر، فرأى في حديث لموقع "الحرة" أن تصريحات رئيس الجمهورية عن "استراتيجية الأمن الوطني" تشير إلى مقاربة أشمل من مجرد استراتيجية دفاعية. 

إذ تشمل وفق نادر "الأمن الداخلي والخارجي، الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، إلى جانب الأمن العسكري. وبالتالي فإن الاستراتيجية الدفاعية ليست سوى جزء من منظومة الأمن الوطني الشاملة".

بدوره، شدد ملاعب على أن "استراتيجية الأمن الوطني لا يمكن اختزالها بالبعد العسكري، بل تشمل مختلف الأبعاد: الاقتصادية، المالية، الجغرافية، التربوية، وكل ما يشكل مكونات القوة الوطنية. ومن هذه الركائز تُبنى الاستراتيجية الدفاعية لتكون إطاراً شاملاً يحفظ أمن الدولة واستقرارها".

الدمج غير وارد؟

"أي استراتيجية دفاعية لا يمكن أن تستوعب سلاحاً خارج إطار الدولة"، كما رأى نادر، مؤكداً أن "القرار الرسمي اللبناني واضح في هذا السياق، ويقضي بحصر السلاح بيد الجيش اللبناني".

لذلك لا يمكن على الإطلاق كما أكد نادر "إدماج الحزب في استراتيجية الدفاع الوطني، لأن السلاح يجب أن يكون فقط بيد الجيش".

وأردف قائلا: "لا يمكن لمجموعة مسلّحة، ولو كانت مؤلفة على سبيل المثال من خمسة آلاف عنصر، أن تشكّل لواءً خاصاً بها داخل المؤسسة العسكرية وتحتفظ بسلاحها".

واستعاد نادر تجربة توحيد المؤسسة العسكرية بعد الحرب الأهلية، مشيراً إلى أن "الجيش خضع عام 1990 لعملية دمج شاملة، أنهت الانقسامات الطائفية والمناطقية، وأرست أسس مؤسسة وطنية موحدة. اليوم، لم يعد هناك مكان لألوية مذهبية أو فئوية، وأي عودة إلى الوراء ستُقوّض ما تحقق".

لذلك "من يرغب من عناصر الحزب في الدفاع عن لبنان فالباب مفتوح أمامه" كما قال نادر "للتطوع في صفوف القوات المسلحة اللبنانية، وفق الشروط المعتمدة، كما هو الحال مع أي مواطن لبناني آخر".

وأكد نادر أن "الاستراتيجية الدفاعية هي مسؤولية وطنية سيادية، تحدّد من هو العدو، وكيف تتم مواجهته، وبأي وسائل، ولماذا"، مشدداً على أنه "لا يمكن أن تترك هذه المهمة لأي فصيل مسلّح خارج سلطة الدولة".

مقاربة مختلفة

على خلاف نادر، رأى جابر أن الاستراتيجية الدفاعية "يجب أن تقوم على مبدأ أن مسؤولية الدفاع عن الوطن تقع أولاً على عاتق القوى النظامية، أي الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بالإضافة إلى قوات احتياط تنظّم ضمن إطار الدولة" وتشمل ما يعرف بـ"القوى شبه النظامية" أو Para-Military Forces.

وأوضح جابر أن "الأحزاب التي تمتلك سلاحاً، ومنها حزب الله، تخضع أسلحتها الثقيلة لإشراف الجيش اللبناني، بحيث تُخزَّن في مستودعات عسكرية، فيما يعود عناصر هذه القوى إلى حياتهم المدنية في الظروف العادية. ويتم تنظيم هذه العملية بشكل لوجستي دقيق، يسمح باستدعاء العناصر خلال 72 ساعة في حال إعلان الطوارئ أو تعرّض البلاد لخطر داهم".

وأضاف "في حالات الطوارئ، يستدعى هؤلاء إلى مراكز محددة من قبل قيادة الجيش، حيث يعاد توزيع السلاح عليهم وفق خطة مُسبقة، تحدد موقع كل عنصر ودوره ووقت تدخله، على أن تتم العملية تحت إشراف السلطة العسكرية العليا، أي قيادة الجيش والمجلس الأعلى للدفاع".

وعن مدى قدرة هذه المقاربة على إنهاء الازدواجية العسكرية، قال جابر "نعم، بالتأكيد. القيادة والقرار سيكونان بيد مؤسسة واحدة، ما يشكّل حلاً نهائياً وليس تسوية ظرفية أو مؤقتة".

واستشهد جابر بالنموذج السويسري، حيث يمكن للجيش رفع عديده من 50 ألفاً إلى نحو 370 ألفاً خلال 72 ساعة فقط عبر استدعاء الاحتياط، قائلاً "لا نسعى لأن نصبح سويسرا، لكن من خلال العمل الجاد والتنظيم، يمكننا بناء استراتيجية دفاعية تتيح لكل من يريد الدفاع عن الوطن أن يفعل ذلك ضمن كنف الدولة".

وشدد جابر على أن هذه الاستراتيجية لا تستهدف حزب الله وحده، بل تشمل جميع الأحزاب والقوى التي تمتلك سلاحاً.

وأوضح أن "من يرفض الانخراط في هذا الإطار تنزع منه الأسلحة. فهناك أيضاً عشائر وفصائل حزبية تمتلك سلاحاً ثقيلاً، ويجب أن يشملها الحل، سواء عبر الدمج ضمن الاستراتيجية الدفاعية أو من خلال نزع سلاحها".

وأشار إلى ضرورة شمول المخيمات الفلسطينية بهذا الإطار، مؤكداً أنه "لا يمكن المطالبة بنزع سلاح جهات لبنانية، مع الإبقاء على ترسانة قائمة داخل المخيمات".

أما فيما يخص السلاح الفردي، فكشف جابر عن وجود أكثر من ثلاثة ملايين قطعة سلاح خفيف في لبنان، كالمسدسات، مشيراً إلى إمكانية تنظيم هذا النوع من السلاح عبر آليات الترخيص لأغراض الحماية الشخصية.

خطوط حمراء.. ودعم

وتضع الولايات المتحدة الأميركية خطوط حمراء في مقاربتها للملف اللبناني، وفق ما يؤكده ملاعب، "أولهما ضمان أمن إسرائيل، وثانيهما الحفاظ على موقع رئاسة الجمهورية اللبنانية كمدخل لاستقرار النظام السياسي في لبنان".

وقال ملاعب "من رعا انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وإطلاق مسار إصلاحي هي واشنطن، وبالتالي فإن هذه السلطة باتت بالنسبة لها خطاً أحمر لا يُسمح بإفشاله".

وأضاف أن المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت مؤخراً، "لم تأتِ بسيف التهديد كما حاول البعض الترويج، بل حملت رؤية دعم واضحة، وعقدت لقاءات مع وزراء معنيين بملفات الاقتصاد، الإدارة، المالية والعدل، وناقشت معهم خطوات إصلاحية بدأت تترجم ميدانيًاً."

وأوضح ملاعب أن الموقف الأميركي لا يزال ثابتاً "الولايات المتحدة ستكون شريكاً للبنان فقط إذا مضى في طريق الإصلاح، ونجح في حصر السلاح بيد الدولة".

وأشار إلى أن اللقاءات اللبنانية–الأميركية الأخيرة عكست إجماعاً لبنانياً على ضرورة معالجة جذور الأزمة الأمنية، لا الاكتفاء بنتائجها. 

وقال "هناك موقف واضح من الدولة اللبنانية مفاده: إذا التزمت واشنطن بالضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة وتنفيذ القرار 1701 والاتفاقات الدولية ذات الصلة، فلن يبقى مبرر لأي سلاح خارج إطار الشرعية."

من جهته، شدد نادر على أن الحل الوحيد المقبول لقضية سلاح حزب الله يتمثل في "تسليم الحزب سلاحه للدولة، والانخراط في العمل السياسي كأي حزب لبناني آخر، ضمن القوانين والدستور".