التشويش على GPS تأثر به عدد كبير من اللبنانيين الذين يستخدمون طائرات "الدرون" لأغراض مدنية متنوعة.
التشويش على GPS تأثر به عدد كبير من اللبنانيين الذين يستخدمون طائرات "الدرون" لأغراض مدنية متنوعة.

لم يكن حسين بزوني، صاحب شركة تصوير مناسبات وحفلات، يعلم عندما أطلق طائرة التصوير المسيرة (كوادكوبتر) ليلة الثاني من يونيو الماضي، خلال تصويره لحفل على شاطئ الرميلة قرب مدينة صيدا، جنوب لبنان، أنه سيفقدها للأبد، "كانت إشارة الإرسال للأقمار الاصطناعية ممتازة على الأرض، ولكن حين ارتفعت في الجو انعدمت الإشارة وبلغت صفر، وبغياب الـ GPS فقدتُ السيطرة عليها تماماً، ثم اتجهَت في رحلة أخيرة فوق البحر إلى أن اختفت."

وتتعرض خدمة الـ GPS فوق الأجواء والأراضي اللبنانية لعمليات تشويش وتزييف للمواقع، تحرم نسبة كبيرة من السكان والقطاعات الحيوية من هذه الخدمة، التي باتت ضرورة يعتمدون عليها في أعمالهم وتسيير حياتهم اليومية.

التشويش على GPS تأثر به عدد كبير من اللبنانيين الذين يستخدمون طائرات "الدرون" لأغراض مدنية متنوعة.

وبينما تتهم الدولة اللبنانية الجانب الإسرائيلي بهذا التشويش، وتقدم شكاوى لمجلس الأمن الدولي في هذا الشأن، لم يصدر أي نفي أو تأكيد من إسرائيل بشأن التشويش في لبنان تحديداً، وانما أكد الجيش الإسرائيلي استخدامه لهذا التشويش بشكل عام كإجراء عسكري دفاعي، في وجه الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي ترسلها إيران والميليشيات المتحالفة معها في المنطقة.

إسرائيل تشوش على إشارات نظام تحديد المواقع استعدادا لهجوم إيراني محتمل
من تل أبيب إلى بيروت أو القاهرة.. كيف تشوش إسرائيل على أنظمة "جي بي إس"؟
استيقظ الإسرائيليون، الخميس، في تل أبيب ليجدوا أن تطبيقات الخرائط على هواتفهم تشير إلى أنهم في العاصمة اللبنانية بيروت، على بعد حوالي 200 كيلومتر شمالا، مما أدى إلى عرقلة عمل سائقي سيارات الأجرى وأخرجت تطبيقات توصيل الطعام عن الخدمة بشكل مؤقت.

في لبنان كان لبعض القطاعات خسائر فادحة، وحملت بعض الحوادث قصصاً أشبه بأفلام الخيال العلمي، عن طائرات مسيرة تفقد السيطرة، تتساقط من الجو، ترحل عن أصحابها، أو تتجه جميعها نحو نقطة واحدة بتوجيه جماعي. 

وهذه النقطة، كانت مطار بيروت الذي تعرض موقعه الجغرافي لتشويش على الـ GPS، جعله بالنسبة لكل الطائرات "الكوادكوبتر" بمثابة المهبط الخاص بها.

ما جرى مع بزوني تكرر مع زملاء له في المهنة بأكثر من منطقة لبنانية، بعضهم في اليوم نفسه حتى، وفق ما يروي لموقع "الحرة". 

وعلى مدى أشهر المواجهات بين حزب الله واسرائيل، منذ السابع من أكتوبر، تأثر بهذا التشويش عدد كبير من اللبنانيين الذين يستخدمون طائرات "الدرون" لأغراض مدنية متنوعة، مما باتت يؤثر على أعمال وأرزاق الكثير من العاملين في تصوير الحفلات والأعراس، خاصة في موسم الصيف الذي ينتظرونه، ما يلحق بهم خسائر كبيرة.

بحسب محمد شهاب، صاحب شركة متخصصة في التشغيل والصيانة والتدريب على هذا النوع من الطائرات المسيرة للتصوير، منذ بداية الحرب، يكاد لا يمضي يوم دون إبلاغه عن فقدان أو تحطم "درون" بسبب التشويش القائم على خدمة الـ GPS.

يشرح شهاب لموقع "الحرة" ما يجري تقنياً، فضمن برمجة الطائرة، انها حين تفقد الإرسال أو عند اقتراب نفاذ بطاريتها، فإنها تتخذ خيار return home حيث تعود إلى المكان الذي انطلقت منه.

لكن وبسبب التشويش القائم فإن الطائرات المسيرة عن بعد في هذه الحالة، تتخذ اتجاهات عودة مختلفة عن مكان انطلاقها، وتتجه في معظم الحالات نحو مطار بيروت بكونه وجهة التزييف الحاصل على  خدمة الـ GPS، رغم انها تكون بعيدة عشرات الكيلومترات عنه، فتفقد طاقتها او تتحطم خلال الرحلة وتسقط في طريقها، في حين أن مطار بيروت هو no fly zone area وبالتالي لا يمكن للطائرة أن تصله أصلاً، فتسقط قبله إن وصلت.

ويعمل نظام GPS بالاعتماد على الأقمار الصناعيّة التابعة له، والتي تساعد من خلال بثها لإشارات راديو نحو الأرض، في تحديد موقع أي متلق لتلك الإشارات من خلال قياس مسافة بعده عنها من خلال الوقت الذي تتطلبه الإشارة للوصول.

ويميز المتخصصون في شرحهم لمشكلة الـ GPS بين ما يسمى التشويش (jamming) على النظام وبين التزييف أو التلاعب بالنظام (spoofing). 

التشويش على GPS تأثر به عدد كبير من اللبنانيين الذين يستخدمون طائرات "الدرون" لأغراض مدنية متنوعة.

التشويش يحجب الخدمة نهائيا، من خلال بث موجات راديو أقوى تطغى على إشارات الأقمار الصناعية وتحجبها، ما يؤدي إلى عدم قدرة جهاز استقبال GPS على تحديد الموقع الجغرافي، وبالتالي التشويش يطال الأجهزة الأرضية.

أما التلاعب من خلال إظهار موقع مختلف عن الموقع الحقيقي، فيتم باستخدام موجات "جي بي اس" معدّلة كتزييف لموجات الأقمار، حيث يتم إرسال نقطة موقع مختلفة عن قصد إلى الأجهزة المتلقية على الأرض أيضاً.

نصائح للمصورين.. و"القرار للعروسين"

وباتت صالات الأعراس وشركات تصوير الحفلات تضع الزبائن أمام احتمالية تحميلهم جزء من الكلفة في حال إصرارهم على التصوير بطائرات مسيرة.

يقول بزوني "بات حتى العرسان متأثرون بالتشويش الذي يحدد شكل تصوير يوم زفافهم، أصبحوا يختارون معنا إما المخاطرة بإطلاق طائرات، أو خصم تكاليف التصوير الجوي، من ضمن باقة التصوير، هناك خسارة واقعة لا محالة على أحد الأطراف."

يحتفظ بزوني بمقاطع فيديو من تقارير إخبارية تشرح المشكلة ليعرضها على الزبائن خاصة ممن ليسوا على دراية بالتفاصيل التقنية، فيما بات الأمر يتسبب بوقوع مشاكل وسوء فهم مع الكثير من الزبائن، "خاصة اننا في اليوم نفسه قد نتمكن من إطلاق طائرة في النهار أو قبل ساعة مثلاً، ثم يشتد التشويش بعدها او خلال المساء فلا نستطيع خلال الحفل، وهكذا..."

أما الخبير في تشغيل وصيانة هذه الطائرات، فقد نشر عبر صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي، سلسلة فيديوهات تشرح كيفية تعامل مشغلي الطائرات مع مشكلة التشويش.

فبحسب شهاب هناك إجراءات واعدادات يمكن اتخاذها في الطائرة لمنع فقدانها أو تأثرها بالتشويش حالياً، في سبيل تقليل الخسائر قدر الإمكان على المتضررين.

أبرز نصيحة هي "عدم الضغط على خيار return home". وبدلا من ذلك وعبر الإعدادات يمكن تعديل الخطوات المتخذة عند فقدان الإشرارة. وبدلا من return home يمكن اعتماد خيار hover وهو ما سيجعل الطائرة تقف في الجو ثم تهبط في مكانها بعد نفاذ بطاريتها، بدلا من العودة إلى مكان انطلاقها (الذي يشير بسبب التشويش إلى مطار بيروت)، وهو ما يجنب خسارة الطائرة نهائيا.

 نصيحة أخرى يقدمها شهاب عند تعرض الطائرة للتشويش قبل فقدان السيطرة عليها نهائيا، حيث يمكن القيام بعكس الخيارات المتخذة للخروج مما يعرف "كوريدور التشويش" أي النطاق المشوش عليه.

وبالتالي إن كانت الطائرة تتجه إلى الأمام وتعرضت للتشويش يجب فورا إعادتها إلى الوراء، أو إن كانت تتجه إلى الأعلى يجب خفض ارتفاعها وهكذا حتى تخرج الطائرة من نطاق التشويش بعكس الاتجاه الذي دخلته.

 من جهته يعمد بزوني قبل إطلاق طائرته إلى اختبار الإشارة بشكل دقيق وضمن نطاقات مختلفة من مكان التصوير، خاصة وان التشويش يختلف بين منطقة وأخرى واحيانا بالأمتار، فإن كانت الظروف سانحة يطلق الطائرة وإلا فلا يخاطر خاصة وان كلفة الطائرة تصل إلى نحو 3000 دولار، "ليس مبلغاً صغيراً يمكن خسارته بشكل مستمر"، على حد قوله.

ووفقاً لشهاب، فإن التشويش لا يكون مستمراً ولا يتخذ نطاقات محددة أو ثابتة جغرافياً، انما يتنقل بين المناطق والارتفاعات، ويختلف في قوته أيضاً بين منطقة وأخرى، حيث يزداد مع الارتفاعات وفي المناطق المفتوحة.

 الطائرات الكبيرة مهددة أيضاً

 ومن الطائرات الصغيرة المتساقطة، إلى الطائرات الكبيرة المهددة بكوارث، نتيجة التشويش نفسه أيضاً، حيث رصدت تقارير عدة رسمية وغير رسمية، لبنانية ودولية، خلال الأشهر الماضية، تأثيراً كبيراً للتشويش القائم على نظام تحديد المواقع، على حركة الملاحة الجوية، كما البحرية.

 وفي أكثر من مناسبة عبر لبنان الرسمي عن قلقه من تأثير التشويش على الملاحة الجوية بشكل خاص، ما دفعه إلى رفع شكوى إلى مجلس الأمن الدولي في 22 مارس الماضي، ندّد فيها بـ"اعتداءات إسرائيل على السيادة اللبنانية"، عبر التشويش على أنظمة الملاحة وسلامة الطيران المدني في أجواء مطار رفيق الحريري الدولي، منذ بدء الحرب في غزة.

 وفي الأول من أغسطس الجاري، أعلنت وزارة الخارجية اللبنانية، عن تقديم شكوى إلى مجلس الأمن الدولي وأمام الأمين العام للأمم المتحدة عبر بعثتها الدائمة في نيويورك، طالبت بموجبها بإدانة "الاعتداءات الإسرائيلية السيبرانية على لبنان."

 وأفادت الخارجية اللبنانية، أنّ "هذه الاعتداءات تشكل خطرا جديا على خدمات الطيران المدني فيه، وتهدّد أمن شبكات الاتصال والأجهزة والتطبيقات والبيانات الإلكترونية وسلامتها في المنشآت والمرافق الحيوية اللبنانية."

 كما طلبت من بعثتها الدائمة في جنيف تقديم شكوى إلى مقر الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) باتخاذ الإجراءات التقنية اللازمة "لوقف هذه الاعتداءات"، ومساعدة لبنان على ضمان حسن سير شبكات الاتصالات.

 وأشارت الخارجية إلى أن تقديمها الشكاوى، جاء بناءً على تقرير وردها من وزارة الاتصالات اللبنانية كشفت بموجبه أن "مصدر تشويش في شمال إسرائيل أدّى إلى تراجع دقة نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) في لبنان"، ما أثر في خدمات النقل والتواصل، كما تبيّن وجود إنذارات متكررة تُظهر الفقدان المتكرر لإشارة (GPS)، وتراجع جودة الخدمة لمشغلي شبكات الهاتف المحمول.

 وأوعزت المديرية العامة للطيران المدني بدورها في تعميم إلى الطيارين الذين يسيّرون طائرات من وإلى مطار بيروت منذ مارس، "بضرورة الاعتماد على التجهيزات الملاحية الأرضية، وعدم الاعتماد على الإشارة التي يلتقطونها عبر GPS نتيجة التشويش القائم في المنطقة، وحفاظا على السلامة."

 وكالة السلامة الجوية الأوروبية EASA كانت أبرزت المخاطر الجسيمة الناجمة عن التشويش والتزييف لإشارات GPS في نشرتها المعلوماتية الأمنية بتاريخ 6 نوفمبر 2023، التي تؤثر على كل شركات الطيران في شرق البحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك حركة الإقلاع والهبوط وتحديد الموقع خلال الملاحة وارتفاع مخاطر الاصطدام، فضلاً عن تعطيل العديد من طبقات الحماية المرتبطة بالصدمات، والتي تعتمد على تحديد الموقع الجغرافي والارتفاع، إضافة إلى قياس حالة الطقس والرياح وغيرها.

 وكانت صحيفة نيويورك تايمز، قد نقلت في يوليو الماضي عن باحثين في جامعة تكساس في أوستن، تحديدهم لقاعدة جوية إسرائيلية كمصدر رئيسي لهجمات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) التي عطلت الملاحة الجوية المدنية في الشرق الأوسط.

وقال الباحثان تود همفريز وزاك كليمنتس إنهما "واثقان للغاية" من أن هجمات الانتحال انطلقت من مطار عين شيمر في شمال إسرائيل، في حين رفض الجيش الإسرائيلي التعليق على استفسار الصحيفة.

 وقد برز الشرق الأوسط كنقطة ساخنة للتزييف (spoofing). ولم يذكر باحثو جامعة تكساس عدد هجمات التلاعب التي ربطوها بالقاعدة العسكرية، لكن تحليلًا منفصلاً قدّر أنها أثرت على أكثر من 50 ألف رحلة جوية في المنطقة هذا العام بحسب نيويورك تايمز.

كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟
كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟

طائرة تحلّق في الأجواء. صاروخ لا تراه لكن تشاهد أثره: سيارة تتحول في ثوان إلى حطام، أو شقة سكنية تتحول إلى كتلة لهب.

الهدف كادر أو قيادي في حزب الله.

والمشهد يتكرر.

في لبنان، تهدئة معلنة.. هذا على الأرض.

لكن في السماء، تواصل الطائرات الإسرائيلية المسيّرة التحليق وتنفيذ ضربات دقيقة تخلّف آثاراً جسيمة، ليس في ترسانة الحزب العسكرية فقط، بل في البنية القيادية كذلك.

وفيما يحاول الحزب امتصاص الضربات، تتوالى الأسئلة: كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ أهو التقدّم التكنولوجي المحض، من ذكاء اصطناعي وطائرات بدون طيار؟ أم أن هناك ما هو أخطر؟ اختراقات بشرية داخل صفوف الحزب تُستغلّ لتسهيل تنفيذ الضربات؟ وما هي الاستراتيجية الإسرائيلية هنا والأهداف؟

"اختراق بشري"

استهداف تلو الآخر، والرسالة واضحة: اليد الإسرائيلية طويلة بما يكفي لتصل إلى أي نقطة في لبنان، والعين الإسرائيلية ترى ما لا يُفترض أن يُرى.

يصف القائد السابق للفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر العمليات الإسرائيلية الأخيرة بأنها "بالغة التعقيد، تعتمد على تناغم نادر بين التكنولوجيا المتقدّمة والاختراق الاستخباراتي البشري"، مشيراً إلى أن "تحديد هوية القادة الجدد الذين حلّوا مكان المُغتالين يتم عبر تقنيات متطوّرة تشمل بصمات العين والصوت والوجه"، متسائلاً "من أين حصلت إسرائيل على أسماء القادة والكوادر الجدد؟ الجواب ببساطة: عبر اختراق بشري فعّال".

ويتابع نادر "حتى الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، المعروف بتشدده الأمني وإقامته في مواقع محصّنة، لم يكن بمنأى عن محاولات التتبّع، إذ تحدّثت تقارير استخباراتية دولية عن اختراق بشري ساعد في تحديد موقعه".

ويرى أن "ما نشهده هو منظومة اغتيال متطوّرة ومتعددة الأبعاد، تمزج بين الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والعمل البشري الدقيق. هذه الثلاثية تفسّر نجاح العمليات الأخيرة، والأثر العميق الذي تتركه في هيكلية حزب الله، سواء على المستوى العملياتي أو المعنوي".

من جانبه، يرى الباحث في الشأن السياسي نضال السبع أن هذه الاستهدافات "تعكس مزيجاً من التفوق التقني الإسرائيلي والاختراق الأمني الداخلي في بنية الحزب، وكما هو واضح فإن إسرائيل تمتلك قائمة أهداف تتعامل معها تباعاً، وفقاً لمعلومات دقيقة يتم تحديثها باستمرار، ما يتيح لها تنفيذ عمليات مدروسة بعناية شديدة، ويحدّ من قدرة حزب الله على المناورة أو استعادة توازنه سريعاً".

صمت وعجز

على الرغم من الضربات المتتالية التي تلقاها الحزب منذ 27نوفمبر الماضي، والتي أودت بحياة عدد كبير من كوادره، لم يقم بالرد، ويُفسّر نادر ذلك بـ"ضعف فعلي في القدرة على الرد، أكثر من كونه خياراً استراتيجياً".

ويقول نادر "ليس بالضرورة أن الحزب لا يريد الرد، بل الحقيقة أنه لم يعد يمتلك القدرة. هو يعاني من تراجع عملياتي ملحوظ، وتصدّع في هيكليته القيادية، يرافقه حصار سياسي داخلي وخارجي يزداد ضيقاً".

ويضيف "حتى لو قرّر الرد، فما الذي يمكنه فعله فعلاً؟ هل يملك القدرة على تنفيذ عملية نوعية تترك أثراً؟ المعطيات الحالية تشير إلى أن هذه القدرة باتت شبه معدومة، لا سيما بعد خسارته الغطاء السياسي الذي كان يوفره له بعض الحلفاء، ومع تزايد عزلته على الصعيدين العربي والدولي".

ويختم نادر بالقول "تصريحات الحزب تعكس حالة من التردد والارتباك. فتارةً يتحدّث عن التزامه بقرارات الدولة، وتارةً يلوّح بحق الرد. لكن الواقع على الأرض يقول إنه في وضع حرج: محاصر سياسياً، وعاجز عسكرياً، وأي مغامرة جديدة قد تكلّفه الكثير... وهو يعلم ذلك جيداً".

من جانبه، يرى السبع أن حزب الله لا يسعى حالياً إلى الرد، بل يركّز على "مرحلة إعادة التقييم والاستعداد"، مشيراً إلى أن الحزب "رغم الخسائر، لا يزال يحتفظ ببنية عسكرية كبيرة، تفوق في بعض جوانبها إمكانيات الجيش اللبناني نفسه، لكنه في المقابل، يقرأ المشهد اللبناني الداخلي بدقة، ويدرك حساسية التزامات الدولة تجاه المجتمع الدولي، ولا سيما مع توقف خطوط إمداده من سوريا، ما يدفعه إلى التريّث في اتخاذ قرار المواجهة".

خريطة استراتيجية تغيرت

يرى الباحث نضال السبع أن الإسرائيليين يشعرون بالتفوق. يضيف "عزز هذا الانطباع عدد من العوامل، أبرزها سقوط النظام السوري كحليف استراتيجي، والتقدم الميداني في غزة، وعجز الحزب عن تنفيذ ضربات نوعية، فضلاً عن ازدياد عزلته السياسية في الداخل اللبناني، لا سيما بعد انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية وتشكيل نواف سلام للحكومة".

يشبّه السبع ما يجري اليوم في لبنان بالمشهد الذي أعقب حرب يوليو 2006، "حيث توقفت العمليات العسكرية رسمياً، فيما بدأت إسرائيل التحضير لما وصفته آنذاك بـ(المعركة الأخيرة)، مستغلة فترة الهدوء الطويل لإعادة التموضع وتكثيف الجهوزية".

يقول إن "حزب الله دخل مرحلة إعادة تقييم وتجهيز بعد سلسلة الضربات التي تلقاها في الأشهر الماضية، في حين تسعى إسرائيل إلى منعه من التقاط الأنفاس، عبر استمرارها في تنفيذ عمليات نوعية ودقيقة، تشبه إلى حدّ بعيد تلك التي نفذتها في الساحة السورية بعد العام 2011، عندما استباحت الأجواء السورية".

ويضيف أن "المشهد ذاته يتكرر اليوم في لبنان، حيث باتت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية جزءاً من المشهد اليومي، تنفّذ عمليات اغتيال متتالية".

كسر البنية القيادية

لكن هل تؤثر هذه العمليات على بنية الحزب؟

يوضح السبع أن "الاستهدافات الأخيرة تطال كوادر داخل حزب الله، لكن الضربة الكبرى وقعت خلال حرب الشهرين، حين تعرّضت قيادات الصف الأول والثاني للاغتيال، أما اغتيال كوادر من الصف الثالث، فله تأثير محدود ولا يحدث خللاً جذرياً في الهيكل التنظيمي للحزب".

من جهته، يرى العميد المتقاعد جورج نادر أن أهداف إسرائيل من تصفية الكوادر العسكرية تلامس عمقاً استراتيجياً أكبر، موضحاً: "الرسالة الأساسية التي تبعث بها إسرائيل من خلال هذه العمليات هي التأكيد على قدرتها على استهداف أي عنصر أو قائد في حزب الله، وفي أي موقع داخل الأراضي اللبنانية، ما يكرّس واقعاً أمنياً جديداً تتحكم فيه بالمجال الجوي للبنان".

ويؤكد نادر أن وراء هذا الاستهداف "رسالة مباشرة مفادها أن لا أحد بمنأى، ما يترك أثراً نفسياً بالغاً على العناصر، ويقوّض شعورهم بالأمان".

خريطة استهدافات

رسمت إسرائيل، خلال السنوات الماضية، خريطة دقيقة لاستهداف قيادات حزب الله، عبر عمليات اغتيال شكّلت ضربة قاسية للحزب. ومن بين أبرز هذه العمليات، اغتيال ثلاثة من أمنائه العامين.

ففي 16 فبراير 1992، اغتيل عباس الموسوي، الأمين العام الأسبق لحزب الله، في غارة جوية استهدفت موكبه في جنوب لبنان.

وفي سبتمبر 2024، قتل حسن نصر الله، بصواريخ خارقة للتحصينات، في الضاحية الجنوبية لبيروت، وبعد أسابيع، في أكتوبر 2024، اغتيل هاشم صفي الدين، خلفية نصر الله، في عملية مماثلة.

وطالت الاغتيالات شخصيات بارزة في الجناح العسكري للحزب، أبرزهم عماد مغنية، الذي قُتل في فبراير 2008، إثر تفجير سيارة مفخخة في أحد أحياء دمشق، وفي مايو 2016، لقي مصطفى بدر الدين، خليفة مغنية مصرعه في تفجير استهدفه قرب مطار دمشق.

واغتيل فؤاد شكر، القائد البارز في وحدة "الرضوان"، في يوليو 2024، بواسطة طائرة استهدفته داخل مبنى سكني في الضاحية الجنوبية.

وفي سبتمبر 2024، لقي إبراهيم عقيل، عضو مجلس الجهاد والرجل الثاني في قيادة الحزب بعد مقتل شكر، المصير ذاته، إثر ضربة بطائرة استهدفته في الضاحية.

ويرى نادر أن "هذه الاغتيالات لا تكتفي بالتأثير الرمزي، بل تُحدث خللاً فعلياً في التراتبية القيادية داخل الحزب، إذ يصعب تعويض القادة المستهدفين بسرعة أو بكفاءة مماثلة، ما يربك الأداء الميداني والتنظيمي، ويجعل من عمليات الاغتيال أداة استراتيجية تستخدم لإضعاف حزب الله من الداخل".