القصف طال سيارة خليل المقدح في منطقة الفيلات بمدينة صيدا جنوبي لبنان
القصف طال سيارة خليل المقدح في منطقة الفيلات بمدينة صيدا جنوبي لبنان

شهد الأربعاء، استهدافا إسرائيليا جديدا في لبنان يطال أحد قادة الفصائل الفلسطينية المسلحة، أسفر هذه المرة عن مقتل القيادي العسكري في "كتائب شهداء الأقصى"، الجناح العسكري لحركة فتح، خليل المقدح.. فمن هو؟.

حسب بيان الكتائب الذي أعلن مقتل المقدح، فقد كان الأخير "يقوم بواجبه" أثناء اغتياله، لافتا إلى أنه لعب دورا مركزيا في "إسناد الشعب الفلسطيني ومقاومته" و"دعم خلايا المقاومة" على مدار سنوات طويلة في الضفة الغربية.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه استهدف المقدح، الأربعاء، حيث قصفت طائرة مسيرة سيارة رباعية الدفع في منطقة الفيلات بمدينة صيدا جنوبي لبنان.

والمستهدف هو شقيق القيادي الفلسطيني في حركة فتح، منير المقدح، قائد "كتائب شهداء الأقصى"، التي تصنفها الولايات المتحدة منظمة إرهابية، وكانت قد اتهمته إسرائيل بتهريب السلاح إلى الضفة الغربية.

وقالت ناطقة باسم الجيش الإسرائيلي، في تدوينة لها على منصة "إكس"، إنه "وبالتنسيق المشترك بين (جهاز الأمن العام )الشاباك والاستخبارات العسكرية، نفذت طائرة تابعة لسلاح الجو  هجومًا في منطقة صيدا بجنوب لبنان، مستهدفة الإرهابي خليل حسين خليل المقداح".

وتابعت: "خليل هو شقيق منير المقداح، وهو مواطن لبناني يعمل لصالح حزب الله والحرس الثوري الإيراني، ويواصل محاولاته لتنفيذ هجمات في الوقت الراهن. 

وزادت: "يعمل الإثنان معًا لصالح الحرس الثوري الإيراني، حيث يشاركان في توجيه الهجمات ونقل الأموال والأسلحة لتعزيز بنى الإرهاب في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)".

وكانت الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام، قد أفادت في وقت سابق أن سيارات الإسعاف والدفاع المدني والقوى الأمنية هرعت إلى مكان القصف الواقع بالقرب من مسجد الإمام علي في صيدا، حيث شوهدت أعمدة الدخان تغطي سماء المنطقة، فيما تم انتشال جثة من السيارة وسط حشد من الناس.

توعد بالرد

وأعلن منير المقدح، في تصريحات إعلامية، مقتل شقيقه في الغارة الإسرائيلية على صيدا، وأضاف أن خليل "عميد في حركة فتح، وكان مسؤولاً عن إمداد المقاومة في الداخل الفلسطيني"، مهدداً بالرد على مقتله "في الداخل الإسرائيلي".

ووفقاً لتصريحات المقدح، فإن شقيقه، خليل، كان شخصية عسكرية منذ ستينيات القرن الماضي، ومن أبرز القيادات العسكرية في "كتائب شهداء الأقصى". وأضاف أنه كان "مسؤولاً عن التجهيز اللوجستي لكتائب شهداء الأقصى في الضفة الغربية".

يذكر أن منير المقدح، وهو "لواء في حركة فتح" له حضور كبير في مخيم عين الحلوة بصيدا، أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. وكان يجاهر خلال فترات سابقة بدعمه لمقاتلي "كتائب شهداء الأقصى في الضفة الغربية"، وبأنه يمدهم بالأموال، وأحيانا بتهريب السلاح.

وسابقاً، أعلنت إسرائيل عن توقيف خليّة تابعة للمقدح خلال تسللها إلى الداخل، وضبطت معها كمية من الأسلحة.

وقالت في بيان صادر في مارس الماضي، إن "جهاز الأمن العام وجيش الدفاع أحبطا تهريب وسائل قتالية متطورة يعود مصدرها إلى إيران، والتي كانت مخصصة لمناطق يهودا والسامرة (الضفة الغربية)، بغية ارتكاب عمليات إرهابية ضد الأهداف الإسرائيلية".


وأفضت التحقيقات، حسب البيان، إلى "الكشف عن معلومات حول نشاطات منير المقدح، المعروف منذ سنين طويلة باعتباره جهة تعمل لصالح حزب الله والحرس الثوري الإيراني، ويواصل محاولة الترويج لعمليات إرهابية".

وصنفت إسرائيل نشاطات منير المقدح على أنها "في غاية الخطورة"، متوعدة بملاحقته والخلايا التي يجندها في الداخل الإسرائيلي والضفة الغربية.

كما نشرت لائحة بالأسلحة المهربة والمضبوطة، شملت عبوات ناسفة وقنابل يدوية ومواد متفجرة، إضافة إلى مسدسات وقذائف صاروخية مضادة للدروع.

ويعتبر هذا الاستهداف الأول من نوعه الذي يطال قيادات في حركة فتح و"كتائب شهداء الأقصى" في لبنان، حيث كان يتركز الاستهداف الإسرائيلي في الفترة الماضية على قيادات حركة حماس (المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى) في لبنان، والجماعة الإسلامية المرتبطة بها.

كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟
كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟

طائرة تحلّق في الأجواء. صاروخ لا تراه لكن تشاهد أثره: سيارة تتحول في ثوان إلى حطام، أو شقة سكنية تتحول إلى كتلة لهب.

الهدف كادر أو قيادي في حزب الله.

والمشهد يتكرر.

في لبنان، تهدئة معلنة.. هذا على الأرض.

لكن في السماء، تواصل الطائرات الإسرائيلية المسيّرة التحليق وتنفيذ ضربات دقيقة تخلّف آثاراً جسيمة، ليس في ترسانة الحزب العسكرية فقط، بل في البنية القيادية كذلك.

وفيما يحاول الحزب امتصاص الضربات، تتوالى الأسئلة: كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ أهو التقدّم التكنولوجي المحض، من ذكاء اصطناعي وطائرات بدون طيار؟ أم أن هناك ما هو أخطر؟ اختراقات بشرية داخل صفوف الحزب تُستغلّ لتسهيل تنفيذ الضربات؟ وما هي الاستراتيجية الإسرائيلية هنا والأهداف؟

"اختراق بشري"

استهداف تلو الآخر، والرسالة واضحة: اليد الإسرائيلية طويلة بما يكفي لتصل إلى أي نقطة في لبنان، والعين الإسرائيلية ترى ما لا يُفترض أن يُرى.

يصف القائد السابق للفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر العمليات الإسرائيلية الأخيرة بأنها "بالغة التعقيد، تعتمد على تناغم نادر بين التكنولوجيا المتقدّمة والاختراق الاستخباراتي البشري"، مشيراً إلى أن "تحديد هوية القادة الجدد الذين حلّوا مكان المُغتالين يتم عبر تقنيات متطوّرة تشمل بصمات العين والصوت والوجه"، متسائلاً "من أين حصلت إسرائيل على أسماء القادة والكوادر الجدد؟ الجواب ببساطة: عبر اختراق بشري فعّال".

ويتابع نادر "حتى الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، المعروف بتشدده الأمني وإقامته في مواقع محصّنة، لم يكن بمنأى عن محاولات التتبّع، إذ تحدّثت تقارير استخباراتية دولية عن اختراق بشري ساعد في تحديد موقعه".

ويرى أن "ما نشهده هو منظومة اغتيال متطوّرة ومتعددة الأبعاد، تمزج بين الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والعمل البشري الدقيق. هذه الثلاثية تفسّر نجاح العمليات الأخيرة، والأثر العميق الذي تتركه في هيكلية حزب الله، سواء على المستوى العملياتي أو المعنوي".

من جانبه، يرى الباحث في الشأن السياسي نضال السبع أن هذه الاستهدافات "تعكس مزيجاً من التفوق التقني الإسرائيلي والاختراق الأمني الداخلي في بنية الحزب، وكما هو واضح فإن إسرائيل تمتلك قائمة أهداف تتعامل معها تباعاً، وفقاً لمعلومات دقيقة يتم تحديثها باستمرار، ما يتيح لها تنفيذ عمليات مدروسة بعناية شديدة، ويحدّ من قدرة حزب الله على المناورة أو استعادة توازنه سريعاً".

صمت وعجز

على الرغم من الضربات المتتالية التي تلقاها الحزب منذ 27نوفمبر الماضي، والتي أودت بحياة عدد كبير من كوادره، لم يقم بالرد، ويُفسّر نادر ذلك بـ"ضعف فعلي في القدرة على الرد، أكثر من كونه خياراً استراتيجياً".

ويقول نادر "ليس بالضرورة أن الحزب لا يريد الرد، بل الحقيقة أنه لم يعد يمتلك القدرة. هو يعاني من تراجع عملياتي ملحوظ، وتصدّع في هيكليته القيادية، يرافقه حصار سياسي داخلي وخارجي يزداد ضيقاً".

ويضيف "حتى لو قرّر الرد، فما الذي يمكنه فعله فعلاً؟ هل يملك القدرة على تنفيذ عملية نوعية تترك أثراً؟ المعطيات الحالية تشير إلى أن هذه القدرة باتت شبه معدومة، لا سيما بعد خسارته الغطاء السياسي الذي كان يوفره له بعض الحلفاء، ومع تزايد عزلته على الصعيدين العربي والدولي".

ويختم نادر بالقول "تصريحات الحزب تعكس حالة من التردد والارتباك. فتارةً يتحدّث عن التزامه بقرارات الدولة، وتارةً يلوّح بحق الرد. لكن الواقع على الأرض يقول إنه في وضع حرج: محاصر سياسياً، وعاجز عسكرياً، وأي مغامرة جديدة قد تكلّفه الكثير... وهو يعلم ذلك جيداً".

من جانبه، يرى السبع أن حزب الله لا يسعى حالياً إلى الرد، بل يركّز على "مرحلة إعادة التقييم والاستعداد"، مشيراً إلى أن الحزب "رغم الخسائر، لا يزال يحتفظ ببنية عسكرية كبيرة، تفوق في بعض جوانبها إمكانيات الجيش اللبناني نفسه، لكنه في المقابل، يقرأ المشهد اللبناني الداخلي بدقة، ويدرك حساسية التزامات الدولة تجاه المجتمع الدولي، ولا سيما مع توقف خطوط إمداده من سوريا، ما يدفعه إلى التريّث في اتخاذ قرار المواجهة".

خريطة استراتيجية تغيرت

يرى الباحث نضال السبع أن الإسرائيليين يشعرون بالتفوق. يضيف "عزز هذا الانطباع عدد من العوامل، أبرزها سقوط النظام السوري كحليف استراتيجي، والتقدم الميداني في غزة، وعجز الحزب عن تنفيذ ضربات نوعية، فضلاً عن ازدياد عزلته السياسية في الداخل اللبناني، لا سيما بعد انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية وتشكيل نواف سلام للحكومة".

يشبّه السبع ما يجري اليوم في لبنان بالمشهد الذي أعقب حرب يوليو 2006، "حيث توقفت العمليات العسكرية رسمياً، فيما بدأت إسرائيل التحضير لما وصفته آنذاك بـ(المعركة الأخيرة)، مستغلة فترة الهدوء الطويل لإعادة التموضع وتكثيف الجهوزية".

يقول إن "حزب الله دخل مرحلة إعادة تقييم وتجهيز بعد سلسلة الضربات التي تلقاها في الأشهر الماضية، في حين تسعى إسرائيل إلى منعه من التقاط الأنفاس، عبر استمرارها في تنفيذ عمليات نوعية ودقيقة، تشبه إلى حدّ بعيد تلك التي نفذتها في الساحة السورية بعد العام 2011، عندما استباحت الأجواء السورية".

ويضيف أن "المشهد ذاته يتكرر اليوم في لبنان، حيث باتت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية جزءاً من المشهد اليومي، تنفّذ عمليات اغتيال متتالية".

كسر البنية القيادية

لكن هل تؤثر هذه العمليات على بنية الحزب؟

يوضح السبع أن "الاستهدافات الأخيرة تطال كوادر داخل حزب الله، لكن الضربة الكبرى وقعت خلال حرب الشهرين، حين تعرّضت قيادات الصف الأول والثاني للاغتيال، أما اغتيال كوادر من الصف الثالث، فله تأثير محدود ولا يحدث خللاً جذرياً في الهيكل التنظيمي للحزب".

من جهته، يرى العميد المتقاعد جورج نادر أن أهداف إسرائيل من تصفية الكوادر العسكرية تلامس عمقاً استراتيجياً أكبر، موضحاً: "الرسالة الأساسية التي تبعث بها إسرائيل من خلال هذه العمليات هي التأكيد على قدرتها على استهداف أي عنصر أو قائد في حزب الله، وفي أي موقع داخل الأراضي اللبنانية، ما يكرّس واقعاً أمنياً جديداً تتحكم فيه بالمجال الجوي للبنان".

ويؤكد نادر أن وراء هذا الاستهداف "رسالة مباشرة مفادها أن لا أحد بمنأى، ما يترك أثراً نفسياً بالغاً على العناصر، ويقوّض شعورهم بالأمان".

خريطة استهدافات

رسمت إسرائيل، خلال السنوات الماضية، خريطة دقيقة لاستهداف قيادات حزب الله، عبر عمليات اغتيال شكّلت ضربة قاسية للحزب. ومن بين أبرز هذه العمليات، اغتيال ثلاثة من أمنائه العامين.

ففي 16 فبراير 1992، اغتيل عباس الموسوي، الأمين العام الأسبق لحزب الله، في غارة جوية استهدفت موكبه في جنوب لبنان.

وفي سبتمبر 2024، قتل حسن نصر الله، بصواريخ خارقة للتحصينات، في الضاحية الجنوبية لبيروت، وبعد أسابيع، في أكتوبر 2024، اغتيل هاشم صفي الدين، خلفية نصر الله، في عملية مماثلة.

وطالت الاغتيالات شخصيات بارزة في الجناح العسكري للحزب، أبرزهم عماد مغنية، الذي قُتل في فبراير 2008، إثر تفجير سيارة مفخخة في أحد أحياء دمشق، وفي مايو 2016، لقي مصطفى بدر الدين، خليفة مغنية مصرعه في تفجير استهدفه قرب مطار دمشق.

واغتيل فؤاد شكر، القائد البارز في وحدة "الرضوان"، في يوليو 2024، بواسطة طائرة استهدفته داخل مبنى سكني في الضاحية الجنوبية.

وفي سبتمبر 2024، لقي إبراهيم عقيل، عضو مجلس الجهاد والرجل الثاني في قيادة الحزب بعد مقتل شكر، المصير ذاته، إثر ضربة بطائرة استهدفته في الضاحية.

ويرى نادر أن "هذه الاغتيالات لا تكتفي بالتأثير الرمزي، بل تُحدث خللاً فعلياً في التراتبية القيادية داخل الحزب، إذ يصعب تعويض القادة المستهدفين بسرعة أو بكفاءة مماثلة، ما يربك الأداء الميداني والتنظيمي، ويجعل من عمليات الاغتيال أداة استراتيجية تستخدم لإضعاف حزب الله من الداخل".