التفجيرات تسببت بمقتل 37 شخصا فيما أصيب نحو ثلاثة آلاف آخرين
التفجيرات تسببت بمقتل 37 شخصا فيما أصيب نحو ثلاثة آلاف آخرين

لا يزال الغموض يحيط بالكيفية التي تمكنت بها إسرائيل من دس المتفجرات في آلاف أجهزة الاستدعاء (البيجر) ووضعها في أيدي عناصر حزب الله، ولكن الأمر الواضح للغاية هو أن العملية الاستخباراتية ستذكر باعتبارها واحدة من أكثر العمليات جرأة في التاريخ الحديث، وفقا لصحيفة "واشنطن بوست".

وهذه ليست المرة الأولى التي تحول فيها إسرائيل أجهزة اتصال لأسلحة، فقد كانت تمكنت من قتل صانع القنابل البارز في حركة حماس يحيى عياش عام 1996 بعد تفخيخ هاتفه المحمول.

ومع ذلك يرى خبراء أن عملية تفجير أجهزة الاتصال هذا الأسبوع في جميع أنحاء لبنان كانت أكثر تعقيدا بمراحل، لأنها استدعت إقناع حزب الله بشراء الأجهزة وتوزيعها على عناصره من دون أن يعلم أنها كانت مفخخة.

ووفقا لمسؤولين أميركيين مطلعين على الأمر فإن إسرائيل، التي لم تعلن مسؤوليتها عن الهجمات وكذلك لم تنكرها، لم تُبلغ أهم حلفائها في واشنطن مسبقا بطبيعة الهجوم.

وتشير الصحيفة إلى أن عددا من هؤلاء المسؤولين أعربوا في أحاديث خاصة عن إعجابهم الكبير بقدرة إسرائيل على تنفيذ خطة بهذه الدهاء، وفي الوقت ذاته عن القلق من أن هذه العملية الجريئة قد تثير حربا إقليمية أوسع.

يقول الضابط السابق بالمخابرات الأميركية مارك بوليمروبولوس إن "هذه هي العملية الحركية الأكثر إثارة للإعجاب التي يمكنني تذكرها في مسيرتي المهنية.. لقد كان نطاقها مذهلا." 

ويضيف بوليمروبولوس: "ربما لم تكن كبيرة من ناحية الابتكار في التكنولوجيا، لكنها كانت بالفعل إنجازا لوجستيا وإبداعيا".

وبحسب الصحيفة فإن العملية تشير إلى أن أي دولة أو مجموعة تمتلك الموارد والصبر المناسبين يمكنها تكرار ما فعلته إسرائيل وتحويل الأجهزة العادية إلى أسلحة.

وتلفت الصحيفة إلى أن انتشار مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي للحظة تفجير أجهزة البيجر، شكّل إذلالا علنيا لحزب الله، خصم إسرائيل اللدود.

لإسرائيل تاريخ طويل في تنفيذ هجمات معقدة على أراض أجنبية
نجاحات استخباراتية إسرائيلية في الخارج.. فلماذا فشلت في أكتوبر؟
تسلط سلسلة الانفجارات التي طالت أجهزة اتصال يستخدمها عناصر في حزب الله في لبنان خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، الضوء على القدرات الاستخباراتية والتكنولوجية والعسكرية المتطورة التي تمتلكها إسرائيل في مواجهة خصومها في الخارج، لكنها تطرح في الوقت ذاته أسئلة عدة حول الكيفية التي فشلت فيها في تفادي هجوم حماس في السابع من أكتوبر.

وأعرب مسؤولون في البيت الأبيض عن إعجابهم بالعملية، وفقا لمسؤول كبير في الإدارة الأميركية تحدث للصحيفة بشرط عدم الكشف عن هويته أثناء الحديث عن مناقشات خاصة.

ومع ذلك لا يزال بعض كبار المساعدين في البيت الأبيض يرون أنه من غير الواضح ما هي استراتيجية إسرائيل الأوسع في لبنان، وعبر بعضهم عن إحباطهم من أن العملية جاءت وسط جهود حثيثة تبذلها واشنطن لمنع التصعيد في المنطقة.

وتساءل بعض المسؤولين إلى أي مدى يجب على الولايات المتحدة دعم إسرائيل إذا تحول هذا الصراع إلى حرب أوسع قد تؤدي بالنهاية لانخراط الولايات المتحدة فيه بشكل أكبر.

وقال مستشار أميركي، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة محادثات حساسة إن "على الولايات المتحدة أن تقرر مقدار ما تريد فعله لمساعدة إسرائيل، ولا أعرف ما هو الجواب على ذلك".

وأضاف: "من المرجح أن تستمر في تزويد إسرائيل بما تحتاجه للدفاع عن نفسها، لكن هناك أصوات جادة داخل الإدارة تقول إن إسرائيل فعلت ذلك لوحدها، فلماذا يجب علينا مساعدتها؟".

وأقر الأمين العام لميليشيا حزب الله، حسن نصر الله في كلمة متلفزة، الخميس، بتلقي حزبه ضربة "أمنية وعسكرية وإنسانية كبيرة وغير مسبوقة"، غداة سلسلة تفجيرات غير عادية نسبت إلى إسرائيل واستهدفت أجهزة اتصال تابعة للحزب.

وقتل في هذه التفجيرات التي وقعت يومي الثلاثاء والأربعاء، 37 شخصا وأصيب نحو ثلاثة آلاف آخرين، ونعى حزب الله عددا من مسلحيه في هذه الهجمات.

وأثار تفجير الآلاف من أجهزة الاتصال اللاسلكي (البيجر) التي يحملها مقاتلو حزب الله ومسعفون وآخرون حالة من الارتباك والذعر في صفوف الجماعة، فألقى البعض أجهزته في الوقت الذي تردد فيه دوي الانفجارات في المناطق الخاضعة لسيطرته في بيروت ومناطق أخرى من لبنان فيما دفنها آخرون.

والجمعة، واصلت إسرائيل توجيه ضرباتها لحزب الله عندما قتلت مجموعة من قادته العسكريين، وعلى رأسهم قائد وحدة الرضوان إبراهيم عقيل، في غارة استهدفت اجتماعا للوحدة في طابق تحت الأرض في حي الجاموس في منطقة حارة حريك بالضاحية الجنوبية ببيروت.

وبلغت آخر حصيلة للغارة 37 قتيلا على الأقل، بينهم ثلاثة أطفال وسبع نساء وفق وزارة الصحة اللبنانية. وقالت الوزارة إن "أعمال رفع الانقاض مستمرة وبشكل متواصل حتى الساعة". 

وإبراهيم عقيل هو ثاني قائد عسكري بارز في حزب الله تقتله إسرائيل في بيروت، بعد فؤاد شكر، منذ أن فتح الحزب جبهة في جنوب لبنان ضد الجيش الإسرائيلي قبل عام تقريبا.

وكانت الولايات المتحدة عرضت مكافأة مقدارها سبعة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن إبراهيم عقيل الذي كانت تلاحقه لتورطه المفترض في تفجيرين في بيروت استهدفا مقر السفارة الأميركية والمارينز عام 1983 وأسفرا عن مقتل مئات الأميركيين.

والسبت، أعلن الجيش الإسرائيلي شن ضربات جوية جديدة على مواقع لحزب الله في جنوب لبنان، فيما قال الحزب إنه قصف ثكنتين إسرائيليتين بصواريخ كاتيوشا.
 

سلاح حزب  الله

"أي يد تمتد إلى سلاحنا هي يد إسرائيلية وسنقطعها".

تبدلت الأمور كثيرا بين أكتوبر 2005، عندما أطلق أمين عام "حزب الله" السابق حسن نصرالله تلك العبارة، وبين أبريل 2025.

ما يقارب عقدين بين هذين التاريخين، انقلبت فيهما الأحوال في جنوب لبنان رأسا على عقب. فـ"حزب الله" تكبّد، نتيجة حربه لإسناد حركة حماس في قطاع غزة، خسائر عسكرية وأمنية فادحة، على رأسها اغتيال نصرالله نفسه، صاحب هذا الكلام عالي النبرة الذي كان موجها للداخل اللبناني.

مع نهاية العام 2024، بدأ نفوذ "حزب الله" ينحدر بسرعة كبيرة مع الخسائر الأمنية الجسيمة التي مُني بها، وخصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا. وخفتت مع هذا الانحدار، تدريجيا نبرة الخطاب التهديدي الموجه إلى الداخل، وما كان "محرما" في السابق النقاش فيه من منظور الحزب المدعوم من إيران، بات اليوم أمرا لا يمكن تجنّبه.

كل المعطيات والمعلومات تشير إلى أن القرار اتخذ بشكل حاسم لسحب سلاح "حزب الله" من جنوب نهر الليطاني في مرحلة أولى، ثم من الأراضي اللبنانية كافة في مراحل لاحقة.

ويمارس الجيش اللبناني، بدعم من رئاسة الجمهورية وبتنسيق مع لجنة مراقبة تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، ضغوطا على "حزب الله" لتسليم سلاحه تماما في منطقة جنوب نهر الليطاني.

وبحسب ما تؤكده الصحفية اللبنانية المتابعة لهذا الملف، جوزيفين ديب، لموقع "الحرة"، فإن "الجيش اللبناني وصل إلى الانتشار بنسبة تسعين في المئة جنوبي نهر الليطاني".

وتشير ديب إلى أن الجيش "عمل على تفكيك مواقع عسكرية تقع على الضفة الشمالية للنهر".

لكن ديب تشير إلى أن الجانب اللبناني يطلب أن تلتزم إسرائيل بالجانب المتعلق بها من الاتفاق وتنسحب من النقاط الخمس التي احتلتها في عمق الأراضي اللبنانية للسماح للجيش بالانتشار الكامل على الحدود الجنوبية.

الرئيس اللبناني جوزف عون بدا حاسما في مقابلة مع قناة "الجزيرة" في التأكيد على أن القرار اتخذ بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية فقط. وكشف عون عن عثور الجيش على أنفاق ومخازن ذخيرة في جنوب الليطاني وشماله أيضاً، واصفا إنجازات الجيش في هذا الإطار بالكبيرة.

عون أكد أيضاً بأن عملية تسليم السلاح تتم ضمن مفاوضات ثنائية بين رئاسة الجمهورية و"حزب الله"، وهو ما رد عليه مسؤول كبير في "حزب الله" في تصريحات لوكالة رويترز بأن الجماعة مستعدة لإجراء محادثات مع الرئيس اللبناني بشأن أسلحتها إذا انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان وأوقفت هجماتها.

وفيما تتضارب المعلومات حول عدد المواقع ومخازن السلاح التي صادرها الجيش اللبناني، رد رئيس الجمهورية على تصريحات مصدر مقرب من "حزب الله" لوكالة فرانس برس بأن الحزب تخلى للجيش اللبناني عن نحو 190 من مواقعه العسكرية الـ265 المحددة جنوب الليطاني.

وقال عون إن الرقم الذي أورده المصدر المقرب من الحزب ليس دقيقاً وأن الجيش يمتلك العدد الدقيق والموثق للمراكز التي دخلها و"نظفها" من السلاح.

وفي مقابلة سابقة مع "الحرة" قالت الباحثة في معهد واشنطن حنين غدار إن القرار 1701واضح في نصه على منع تسلح "حزب الله"، وأن الجيش يقوم بتطبيقه، وقد صادر بالفعل عشرات مخازن الأسلحة التابعة للحزب وقام بتدميرها. كما اكدت غدار ان آلية تطبيق القرار تعمل على منع تمويل "حزب الله" وتهريب السلاح اليه براً وبحراً وجواً.

لكن بحسب صحيفة "جيروزاليم بوست"، فإن إيران لا تزال تحاول تهريب السلاح عبر مرفأ بيروت، ونقلت الصحيفة عن مصدر استخباراتي غربي أن طهران قامت بعدة محاولات لتهريب أسلحة من إيران إلى "حزب الله" بحرًا عبر ميناء بيروت.

وأشارت الصحيفة إلى أن إيران تحاول عبر البحر بعد ان واجهت صعوبة كبيرة في تهريب الأسلحة الى "حزب الله" عبر طرقها البرية بعد سقوط نظام بشار الأسد.

كما أن مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، بحسب الصحيفة، "لم يعد يستقبل رحلات شحن متكررة من إيران، مما يزيد من أهمية الطريق البحري لمحاولات التهريب".

وفي وقت تحاول فيه إيران لملمة أوراقها المبعثرة في المنطقة لاستخدامها على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة، تعمل أجهزة استخبارات غربية على تقويض هذه المحاولات وإحباطها.

ونشرت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية تقريراً تناول عملية أمنية شاركت فيها أجهزة استخبارات وشرطة من فرنسا وإسبانيا وألمانيا والمملكة المتحدة، أدت إلى تفكيك شبكة دعم لوجستي تابعة لـ"حزب الله".

واستمرت هذه العملية منذ صيف عام 2024 وحتى أبريل 2025. وكشفت التحقيقات أن الشبكة كانت تعمل على شراء معدات تُستخدم في تصنيع الطائرات المسيّرة، لإرسالها إلى لبنان.