تفجيرات استهدفت أجهزة اتصال "البيجر" التابعة لعناصر حزب الله
تفجيرات استهدفت أجهزة اتصال "البيجر" التابعة لعناصر حزب الله (أرشيف)

طالبت جهات حقوقية دولية، بإجراء تحقيقات مستقلة في واقعة تفجير أجهزة النداء واللاسلكي في لبنان وسوريا، معتبرين أن تلك الهجمات "ربما انتهكت القانون الدولي"، وفقا لتقرير نشرته شبكة "إيه بي سي نيوز" الأميركية.

وكانت تلك الهجمات التي هزت لبنان يومي الثلاثاء والأربعاء، قد نجم عنها مقتل 37 شخصًا على الأقل، وإصابة نحو 3000 آخرين، بما في ذلك العديد من أعضاء حزب الله المدعوم من إيران، والمصنف على لوائح الإرهاب في أميركا ودول أخرى.

وفي هذ الصدد، رأى مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وبعض المنظمات الحقوقية، أن تلك الهجمات كانت "عشوائية"، لأنه "يكاد يكون من المستحيل معرفة من كان يحمل الأجهزة أو أين كانت عندما انفجرت". 

من جانبها، رأت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أن تلك الهجمات كانت "فريدة من نوعها، وسيستغرق الأمر بعض الوقت للحصول على جميع الحقائق لتكوين رأي قانوني".

ورفضت اللجنة الدولية للصليب الأحمر التعليق على ما إذا كانت العملية "تنتهك القانون الإنساني الدولي"، حسب الشبكة الأميركية.

بوحبيب أكد أن "لبنان لا يسعى للانتقام ولا يريد سوى العدالة"
وزير الخارجية اللبناني أمام مجلس الأمن: لم يعد أحد آمنا بعد الآن
قال وزير الخارجية اللبناني، عبدالله بوحبيب، لمجلس الأمن الدولي، في اجتماع الجمعة، إنه بعد الهجوم على أجهزة الاتصالات "لم يعد أحد في هذا العالم آمنا بعد اليوم"، في حين أكد المبعوث الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة أن بلاده لن تسمح لحزب الله أن يواصل هجماته.

أما مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، فطالب في بيان بـ" إجراء تحقيق مستقل وشامل وشفاف بشأن ظروف هذه الانفجارات الجماعية"، مضيفا: "يجب محاسبة أولئك الذين أمروا ونفذوا مثل هذا الهجوم".

وفي نفس السياق، أوضحت مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة "هيومن رايتس ووتش"، لمى فقيه، أن ثمة قواعد إنسانية وضعت لحماية المدنيين وتجنب "المشاهد المدمرة التي لا تزال تتكشف في جميع أنحاء لبنان".

ودعت فقيه أيضا إلى إجراء تحقيق "محايد" بشأن تلك الهجمات، التي لم تعلن إسرائيل مسؤوليتها عنها حتى الآن.

من جانبه، قال المحامي البريطاني جيفري نايس، الذي حاكم الرئيس الصربي السابق، سلوبودان ميلوسيفيتش: "من الواضح تماماً أن هذه جريمة حرب.. ويجب علينا أن نقوم بتسميتها كما هي".

وبدورها، اعتبرت مي السعدني، التي ترأس معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن، أن ما حدث كان "هجوما عشوائيا محظورا بموجب القانون الدولي".

وقالت في تصريحات لوكالة أسوشيتد برس: "كان حاملو أجهزة النداء منتشرون في مراكز التسوق والشوارع المزدحمة والمباني السكنية والمستشفيات والمدارس".

وزادت : "ذلك الهجوم لم يكن بالإمكان توقعه من المارة الأبرياء في منطقة التأثير.. وربما يلتقط أطفال جهاز البيجر عندما يصدر صوتا".

في المقابل، أصر بعض الأكاديميين على أن الانفجارات كانت "محددة بدقة"، لأن الأجهزة "تم توزيعها على أعضاء حزب الله"، إذ أكدت لوري بلانك، الأستاذة في كلية إيموري للقانون في أتلانتا، والمتخصصة في القانون الإنساني الدولي وقانون الصراع المسلح، أن قوانين الحرب "لا تحظر استخدام الفخاخ المتفجرة بشكل مباشر، لكنها تفرض قيوداً عليها". 

ونبهت إلى أنها تعتقد أن الهجوم "كان قانونياً على الأرجح بموجب القانون الدولي"، موضحة أن الفخاخ المتفجرة "يمكن استخدامها لاستهداف قوات العدو أو استخدامها بالقرب من هدف عسكري".

وفي ذات المنحى، رأى الأستاذ في كلية "إس جيه كويني" للقانون بجامعة يوتا، آموس جيورا، أن الضربات "مبررة في سياق الدفاع عن النفس"، لكنه أقر بـ"مخاطر الأضرار الجانبية" التي تطال مدنيين.

وقال: "لا يحدد القانون الدولي رقمًا لما هو مشروع أو غير مشروع للأضرار الجانبية"، مردفا: "إن الواقع المأساوي للأضرار الجانبية هو أن الأبرياء سيتعرضون للأذى ويقتلون".

وتابع جيورا الذي خدم في الجيش الإسرائيلي لمدة 20 عاما: "ذلك الهجوم أياً كان من قام به، فهو محدد بدقة قدر الإمكان".

حزب الله والسلاح الفلسطيني

لبنان يتغير.

سقط النظام السوري. خسر حزب الله حربا جديدة مع إسرائيل. والدولة تبدو جادة في سحب سلاح الحزب.

لكن يظل سلاح آخر، سلاح التنظيمات الفلسطينية في لبنان، وهو أقدم من سلاح حزب الله، وربما يكون ورقة يستخدمها الحزب في مستقبل صراعاته داخل الحدود، وخارجها، وفق محللين.

نظام سقط وجيش تحرك

بعد سقوط نظام بشار الأسد وراء الحدود، في سوريا الجارة، شن الجيش اللبناني ما سماها عملية "إجهاز" على كل المراكز المسلحة خارج المخيمات الفلسطينية، في قوسايا والسلطان يعقوب وحشمش في البقاع شرق لبنان، وهي مراكز كان يدعمها نظام الأسد.

وأعلن الرئيس اللبناني جوزاف عون أن الجيش تسلم ستة مواقع فلسطينية وضبط ما فيها من أسلحة ومعدات.

لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني أعلنت، من جانبها، خلو لبنان من أي سلاح فلسطيني خارج المخيمات.

لكن، ماذا عن السلاح داخل المخيمات؟

موقف الحكومة واضح. البيان الوزاري الصادر في السابع عشر من أبريل أكد التزامها ببسط سيادة الدولة على جميع أراضيها "بقواها الذاتية حصراً".

لكن المحلل السياسي اللبناني علي الأمين يقول لـ"الحرة" إن السلاح وإن كان سحب بالفعل من قوات فلسطينية في المناطق اللبنانية كلها، لكن تظل هناك أسلحة في مراكز لحركتي حماس والجهاد الإسلامي في مناطق تابعة لنفوذ حزب الله خصوصاً في ضاحية بيروت الجنوبية.

ويتحدث الأمين عن خلايا لحماس والجهاد الإسلامي "تحت حصانة وإدارة حزب الله ولا تزال موجودة حتى اليوم وتعمل بغطاء من الحزب وتحت إدراته". لكن الأسلحة الموجودة في هذه المراكز من النوعية المتوسطة مثل صواريخ 107 وصواريخ كاتيوشا وبعض المسيرات.

تاريخ إشكالي

منذ عقود، وملف السلاح الفلسطيني له دور محوري في توازنات لبنان، داخليا بين أقطابه السياسية، وخارجيا في علاقاته مع الإقليم.

اتفاق القاهرة الموقع عام 1969 سمح للفلسطينين بالتسلح ضمن المخيمات، والعمل عسكريا ضد إسرائيل انطلاقاً من الأراضي اللبنانية.

بعد سنوات قليلة، عام 1975، كان الاتفاق فتيلة أخرى أدت لانفجار الحرب الأهلية.

وفي يونيو 1987، وقع الرئيس اللبناني أمين الجميل، قانوناً يلغي اتفاق القاهرة مع منظمة التحرير، بعدما صوت البرلمان اللبناني على إلغائه.

لكن ظل السلاح الفلسطيني موجوداً. وخاض فلسطينيون معارك ضد جهات لبنانية وغير لبنانية. لكن دوره في المعارك مع إسرائيل ظل محدودا بعد ما استأثر بها حزب الله منذ بداية الثمانينات.

يعيش في لبنان، حسب تقرير للدولية للمعلومات، حوالي 300 ألف لاجئ فلسطيني، يتوزعون على 12 مخيما، أكبرها مخيم عين الحلوة (50 ألف نسمة) قرب صيدا، جنوب لبنان.

وتنشط عسكريا في لبنان حركة "فتح"، أقدم الحركات الفلسطينية، ولرئيسها محمود عباس موقف معلن يؤيد تسليم السلاح الموجود داخل المخيمات للدولة اللبنانية ضمن خطة أمنية واضحة وضمانات لحماية المخيمات.

تنشط كذلك حركة "حماس"، وهي حليفة لحزب الله، وتعرض عدد من قياداتها لاستهداف إسرائيلي في لبنان منذ اندلاع حرب غزة، أبرزهم صالح العاروري، الذي اغتالته إسرائيل في ضربة بالضاحية الجنوبية لبيروت في الثاني من يناير عام 2024، وحسن فرحات الذي اغتيل في الرابع من أبريل 2025 في صيدا.

وفي لبنان أيضا، نشطت "الجبهة الشعبية– القيادة العامة"، وهو فصيل احتفظ بمواقع عسكرية في البقاع بدعم سوري.

وينشط أيضا تنظيمان سلفيان هما "عصبة الأنصار" و"جند الشام"، ويتركزان في مخيم عين الحلوة ويُعدان من بين الأكثر تطرفاً.

كذلك، في السنوات الأخيرة، ظهرت تنظيمات عصابية مسلحة في غير مخيم تنشط في تجارة المخدرات وغيرها من الأنشطة الإجرامية.

"خرطوشة أخيرة"

تقدر مصادر أن 90 في المئة من السلاح في المخيمات هو سلاح فردي، لكن بعض المخازن تحتوي على ذخيرة من الصواريخ.

وتتولى لجان فلسطينية أمن المخيمات.

وتؤكد مصادر فلسطينية أن الجيش يسيطر بشكل كامل على مداخل هذه المخيمات ومخارجها في المناطق اللبنانية كافة، لكن لا سيطرة فعلية له بعد داخل هذه المخيمات.

يقول المحلل السياسي علي الأمين إن السلاح الموجود داخل المخيمات أو المراكز الأمنية القليلة المتبقية خارجه مرتبط بشكل كبير بسلاح حزب الله.

يضيف "الفصائل الفلسطينية الأساسية والرئيس الفلسطيني محمود عباس لا مانع لديهم من تسليم السلاح الموجود داخل المخيمات"، لكن حزب الله والأحزاب الموالية له ترفض تسليم هذه الأسلحة للتمسك بورقة ضغط على الحكومة اللبنانية واستعمالها كـ"خرطوشة أخيرة قبل الاستسلام".

ويرى الأمين أن سحب السلاح من المخيمات مرتبط بشكل وثيق بسلاح حزب الله وأن الأخير يقوم بإدارة ومراقبة هذا السلاح خصوصاً التابع لحركتي حماس والجهاد الإسلامي الموجود داخل المخيمات وخارجها كون الحزب كان المصدر الأساسي لهذه الأسلحة في مرحلة سابقة.

شمال الليطاني

حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية لم يعد مطلبا دوليا فقط.

على وقع قرارات دولية (1701 و1559)، وبالتزامن مع إعادة طرح قانون بايجر 6 في الكونغرس مرة ثانية في مارس 2025، أعلن الجيش اللبناني أنه ضبط منطقة جنوب الليطاني، وسيطر على أكثر من 500 هدف ونقطة كانت تابعة لـ "حزب الله".

واليوم تتجه الأنظار إلى شمال الليطاني والخطوة التالية التي ستتخذ لضبط السلاح، كل السلاح، في لبنان.