فارون من الجنوب اللبناني مع الغارات الإسرائيلية
فارون من الجنوب اللبناني مع الغارات الإسرائيلية

"أشعر أنني أختنق، لا أستطيع تجاوز ما حدث لي ولأولادي"، بهذه الكلمات بدأت الناشطة الاجتماعية، الخبيرة بالحماية الأسرية، رنا غنوي، رواية تجربتها المرعبة عقب الغارات الإسرائيلية، التي استهدفت بلدتها كفر رمان الجنوبية.

ومع بدء القصف صباح أمس الاثنين، قررت عائلة غنوي الاحتماء في غرفة الرياضة داخل المنزل، باعتبارها الغرفة الأكثر تحصيناً، وتقول غنوي لموقع "الحرة" "أدخلت أولادي إليها، لكن شعوراً داخلياً دفعني إلى تغيير رأيي، فانتقلت وإياهم إلى غرفتهم".

طلبت غنوي من زوجها التوجه إلى الدكان لشراء الطعام، لكن "قبل أن يغادر المنزل، سمعنا صوت طائرة تحوم فوقنا، فعرفنا أن الصاروخ في طريقه إلينا".

لم تتردد غنوي لحظة، ركضت نحو أولادها واحتضنتهم بجسدها لحمايتهم، وتشرح "أدرت ظهري للنافذة حتى أتلقى الشظايا، ليبقوا هم على قيد الحياة، وعقب الانفجار، اكتشفت أن غرفة الرياضة قد دمرت بالكامل، والشظايا والزجاج منتشرين في كل مكان. أصيب ابني بحالة انهيار وبدأ بالصراخ: أريد المغادرة، أريد المغادرة".

لم يكن أمام أفراد العائلة سوى الهروب فوراً من المنزل، فصعدوا إلى السيارة وبدأوا رحلة البحث عن الأمان، ليكتشفوا أن الحي تعرض لتدمير واسع. علقت العائلة لساعات في زحمة السير، وفجأة سمعوا صوت صاروخ آخر، وتقول غنوي "نزل الصاروخ على بعد 8 أمتار فقط من الطريق، اشتعلت سيارتان، ورأيت شيئا يتدحرج، اعتقدت بداية أنها مركبة وإذ يظهر أنه صاروخ لم ينفجر".

ترجلت العائلة من السيارة وبدأ أفرادها بالركض والصراخ، وتقول غنوي "لأول مرة أعلم أن الصاروخ أكبر من السيارة، أحمد الله أنه لم ينفجر، بعد أربع ساعات من الهروب، بدأ أولادي يشعرون بالجوع ويحتاجون إلى استخدام دورة المياه، عندها قصدت منزلاً على جانب الطريق، وطلبت من صاحبته بعض الطعام".

استغرقت رحلة عائلة غنوي 14 ساعة للوصول إلى برّ الأمان "بسبب الازدحام المروري الخانق على الطرقات وغياب العناصر الأمنية المكلّفة بتنظيم حركة السير"، كما تقول، مضيفة "وصلنا حوالي الساعة الرابعة صباحاً إلى منزل صديقتي في بلدة المغيرية بإقليم الخروب، في قضاء الشوف، وما زلت أشعر بصدمة مما حدث، فكلما نظرت حولي، أجد صعوبة في تصديق ما مررنا به".

ويشهد جنوب لبنان، منذ صباح أمس، موجة نزوح جماعي لآلاف العائلات بسبب الغارات العنيفة التي يشنها الطيران الإسرائيلي، حيث سارع العديد من سكان القرى المستهدفة إلى مغادرة منازلهم، حاملين ما تمكنوا من متاع، بحثاً عن مأوى بعيداً عن مواقع القصف. ونتيجة لذلك، غصّت الطرقات بالسيارات، لا سيما على الطريق البحري المؤدي من الجنوب نحو بيروت، ما تسبب بازدحام مروري خانق.

غارات إسرائيلية مستمرة على لبنان
يوم لبنان الدامي.. ضربات متجددة على البقاع واستهداف "الرجل الثالث"
تعرضت مناطق عدة في جنوب لبنان وشرقه، الاثنين، لسلسلة غارات إسرائيلية كثيفة منذ ساعات الصباح، بلغت حصيلتها وفق آخر تحديثات وزارة الصحة نحو 274 قتيلا في حصيلة غير مسبوقة منذ نحو عام، بينما أفادت تقارير عن استهداف إسرائيل لقيادي بارز في حزب الله.

"أهوال يوم القيامة"

غادرت العديد من العائلات منازلها في جنوب لبنان دون أن تتمكن من جلب أي أغراض، إذ كان هدفهم الوحيد النجاة من القصف العنيف. ومن بين هؤلاء، سارة، ابنة بلدة معركة الجنوبية، التي وصفت تجربتها بأنها "كأهوال يوم القيامة".

وتقول سارة لموقع "الحرة" "بدأ القصف في الساعات الأولى من الصباح بشكل جنوني، ومع مرور الوقت تفاقم الوضع أكثر، حينها أدركنا أن التصعيد هذه المرة مختلف وأن علينا المغادرة فوراً".

وتضيف: "تهجرنا وواجهنا الموت، فقد كان القصف يحيط بنا من كل جانب. قضينا 12 ساعة في السيارة للوصول إلى منزل أقاربي في قضاء الشوف، في حين تستغرق هذه الرحلة في العادة ساعة واحدة فقط".

وأظهرت مقاطع فيديو زحاماً خانقاً على الأوتوستراد المؤدي إلى بيروت، بينما تصاعد الدخان من الغارات الجوية في المحيط.

وتشدد سارة على أنه "اكتفينا من الحروب والدمار. نريد أن نعيش بسلام وهذا من أبسط حقوق الإنسان. لكن للأسف، في لبنان ننتقل من أزمة إلى أخرى ومن معركة إلى أخرى، وكأنّه كتب علينا كشباب وشابات ألا نفكر في بناء مستقبلنا. فمنذ أشهر وأنا أعمل على مشروعي الخاص، ولكن كل ما خططت له وبدأت بتنفيذه توقف بعد دخول لبنان في حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، فهل المطلوب من كل لبناني يحلم بمستقبل أفضل أن يهاجر؟".

وخلّفت سلسلة الغارات الإسرائيلية التي طالت مناطق عدة في لبنان، 558 قتيلاً و1853جريحاً، وفق وزارة الصحة اللبنانية.

وبدأ الجيش الإسرائيلي، الاثنين، تكثيف غاراته وتوسيع نطاقها الجغرافي، بعد الهجوم الأعمق الذي نفذه حزب الله منذ الثامن من أكتوبر، حيث استهدف قاعدة "رامات دافيد" الجوية ومجمعا تابعا لشركة "رافائيل" للصناعات العسكرية، مستخدما في هجومه نوعا جديدا من الصواريخ يطلق عليها "فادي 1" و"فادي2 ".

معاناة وقلق

في بلدة عين بعال الجنوبية، عاش هادي مع عائلته لحظات من الرعب مع بدء الغارات الإسرائيلية بشكل مكثف، أصوات الانفجارات كانت تهز الأرجاء، ويقول "كان بقاؤنا في البلدة مستحيلاً، حيث بدا الموت وشيكاً مع استمرار القصف".

لم يجد هادي خياراً سوى الفرار، وفي حديثه لموقع "الحرة" يقول إنه جمع بعض الأمتعة الضرورية بسرعة وانطلق مع أسرته عبر طرق مدمرة وأخرى تعاني من ازدحام شديد "كانت أصوات الانفجارات تلاحقنا في كل خطوة"، يروي هادي بصوت مرتعش، ويضيف "قلبي كان ينبض بقوة من شدة الخوف. كنت أفكر فقط في عائلتي، ماذا لو فقدتهم؟ زاد من كابوسي زحمة السير وأصوات الصراخ من حولي. لم أكن أعلم وجهتنا بالضبط، لكن هدفي كان الوصول إلى بيروت. هناك، سأبحث عن مأوى، سواء كان مدرسة، خيمة، أو حتى الرصيف، المهم أن ننجو بأرواحنا".

وبعد رحلة استمرت حوالي العشر ساعات من المعاناة والقلق، وصل هادي أخيراً إلى بيروت، حيث لجأ إلى منزل أحد معارفه في منطقة رأس النبع، منتظراً أن يستأجر شقة لعائلته في جبل لبنان.

في ظل موجة النزوح الجماعي التي اجتاحت جنوب لبنان، واجهت العديد من العائلات صعوبة في العثور على مأوى، ما اضطر بعضها لافتراش الأرصفة، فيما أطلق ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي نداءات عاجلة لتأمين أماكن إيواء.

وسارع عدد من المواطنين إلى عرض منازلهم لإيواء النازحين، حيث بدأت حملات على وسائل التواصل الاجتماعي تهدف إلى نشر أرقام أصحاب المنازل المتاحة لاستقبالهم.

غارات متجددة على لبنان
التصعيد في لبنان.. موقف أميركي حذر وجهود لمنع حرب شاملة
تدعم الإدارة الأميركية الهجمات الجوية التي تشنها إسرائيل على حزب الله في لبنان، لكنها تعارض حاليا احتمال غزو بري، وفقا لما صرح به مسؤولون أميركيون كبار لصحيفة "هآرتس" في أعقاب التصعيد المستمر على الحدود الشمالية لإسرائيل والمخاوف من أن تتطور جبهة لبنان إلى حرب شاملة.

تحرّك رسمي

أعربت الأمم المتحدة عن قلقها الشديد إزاء التصعيد العسكري المتزايد بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، وفي تصريح صحفي من جنيف، أشار المتحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ماثيو سالتمارش، الثلاثاء، إلى أن "عشرات الآلاف أجبروا على مغادرة منازلهم خلال الساعات الماضية، وما زال العدد يتزايد بشكل مستمر".

وأصدر وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال، القاضي بسام مولوي، الاثنين، توجيهات إلى المحافظين للتعاون بشكل كبير مع عملية النزوح الكثيفة من المناطق الجنوبية.

وفي اجتماع عقده مولوي مع خلية الأزمة في الوزارة، بحضور مديرة الإرشاد والتوجيه في وزارة التربية والتعليم العالي، الدكتورة هيلدا خوري، تقرر فتح المدارس والمعاهد الرسمية في عدد من المناطق اللبنانية لاستخدامها كمراكز إيواء للعائلات النازحة.

والثلاثاء، عقد رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية، نجيب ميقاتي، سلسلة اجتماعات في السرايا الحكومية لبحث الأوضاع الراهنة والجهود الحكومية لمعالجة التداعيات الإنسانية الناجمة عن الغارات الإسرائيلية على لبنان.

واجتمع ميقاتي مع المنسق المقيم للأمم المتحدة، منسق الشؤون الإنسانية في لبنان، عمران ريزا، حيث تناول اللقاء موضوع المساعدات الإنسانية التي تقدمها الأمم المتحدة للبنان في هذه الظروف الحرجة.

كما التقى رئيس الحكومة مع وزير البيئة ناصر ياسين، منسق "لجنة تنسيق عمليات مواجهة الكوارث والأزمات الوطنية"، الذي أطلعه على الجهود المبذولة لإيواء النازحين وتوفير المستلزمات الضرورية لهم. وأوضح ياسين أن "عدد أماكن الإيواء في المدارس بلغ حوالي 150 مدرسة، في حين تزايد عدد النازحين ليصل ليلاً إلى 16,500 نازح".

وأشار ياسين إلى أن "ميقاتي أوعز إلى الهيئة العليا للإغاثة بمواصلة تأمين الاحتياجات اللازمة لإغاثة النازحين".

وبعد أن واجه النازحون من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية، في فترات سابقة من التصعيد بين لبنان وإسرائيل، مشكلة ارتفاع بدلات إيجار الشقق، ظهرت أزمة جديدة اليوم، تتمثل كما ذكر ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، بارتفاع أسعار الفرش التي شهدت زيادة ملحوظة، حيث رفع بعض التجار سعر الواحدة منها من 15 دولاراً إلى 40 دولاراً.

وشهدت مدن لبنانية عدة ازدحاماً كبيراً على محطات الوقود والأفران، فيما أغلق البعض منها أبوابه، ولمنع أي احتكار أو استغلال للمواطنين في ظل الظروف الصعبة، تحركت المديرية العامة لأمن الدولة في الجنوب، حيث أرسلت دوريات إلى المحطات والأفران للتحقق من مخزونها، وقامت بتسطير محاضر ضبط بحق المخالفين.

سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز
سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز

بعد أن زج حزب الله بلبنان في حرب مدمرة مع إسرائيل، أوقعت ضحايا وخلّفت خراباً واسعاً وفاقمت الانهيار الاقتصادي، برز ملف الاستراتيجية الدفاعية في صدارة المشهد السياسي اللبناني.

وتزامن ذلك مع تصاعد المطالبات الداخلية والدولية بنزع سلاح الحزب وحصر القرار العسكري بيد الدولة اللبنانية، تنفيذاً للقرارات الدولية، وفي مقدمتها القرار 1701.

في هذا السياق، أكد الرئيس اللبناني، جوزاف عون، في خطاب القسم، عزمه وضع "استراتيجية دفاعية متكاملة على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية". 

أما البيان الوزاري للحكومة، فشدد على ضرورة "حصر السلاح بيد الدولة"، ما يعني إنهاء مظاهر الازدواجية العسكرية التي تعيق قيام الدولة بمسؤولياتها السيادية.

ورغم أن الدعوة إلى وضع استراتيجية دفاعية تحظى بتأييد واسع، فإن التصورات حول مضمونها تبقى متباعدة إلى حد التناقض. 

فبينما يرى البعض أن إشراك سلاح حزب الله في هذه الاستراتيجية يقوض سيادة الدولة ويكرّس واقعاً ميليشيوياً، يشير آخرون إلى تجارب دولية احتوت جماعات مسلّحة ضمن منظومات دفاعية وطنية، غير أن موقف الحزب نفسه لا يزال ثابتاً في رفضه تسليم سلاحه.

فالحزب الذي وافق، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، على سحب سلاحه من جنوب الليطاني، يرفض تسليم ترسانته شمال النهر، ما يثير تساؤلات حول وجهة هذا السلاح وهدفه، خصوصاً في ظل سجل سابق من استخدامه داخلياً، كما حدث في أحداث 7 مايو 2008.

وأعلن النائب عن الحزب حسن فضل الله استعداد حزب الله للدخول في حوار حول الاستراتيجية الدفاعية، لكن هذا الموقف لم يترافق مع أي إشارات إلى نية التخلي عن السلاح.

وهو ما أكده عضو المجلس السياسي للحزب، غالب أبو زينب، بقوله إن "السلاح ليس مطروحاً للنقاش". 

أما الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، فذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن "أي حديث عن حصر السلاح بيد الجيش اللبناني لا يعني سلاح حزب الله"، وذلك في تحدٍّ مباشر لموقف السلطة اللبنانية.

ويبقى السؤال: هل ستكون الاستراتيجية الدفاعية مدخلاً جدياً لسحب سلاح حزب الله، أم ستستخدم كغطاء جديد لتكريس ازدواجية السلاح وتثبيت هيمنة حزب الله داخل مؤسسات الدولة وتحت غطائها؟

نهاية حقبة

وانتهى الدور الذي لعبه سلاح حزب الله في السابق، كما شدد الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد ناجي ملاعب.

وأكد أن "المرحلة الحالية تتطلب منح الدولة وقتاً كافياً لترسيخ هذه القناعة داخل البيئة الحاضنة للحزب، تمهيداً لترجمتها عملياً على أرض الواقع".

وقال ملاعب، لموقع "الحرة": "أعتقد أننا بدأنا نلمس هذا التحول في المزاج العام لدى بيئة حزب الله، حيث تنمو القناعة تدريجياً بأن هذا السلاح لم يؤد الدور الذي رُوّج له في السابق".

واعتبر أن هذا التحول يشكل فرصة جدية أمام رئيس الجمهورية والسلطات الرسمية للانتقال من مرحلة التفاهمات الضمنية إلى خطوات عملية واضحة، تستند إلى رؤية وطنية جامعة.

وأضاف "نحن اليوم أمام رئيس جمهورية سبق أن تولى قيادة الجيش لمدة خمس سنوات، وهو يمتلك خبرة عسكرية وأمنية واسعة، داخلياً وخارجياً. وقد أبدى في مختلف تصريحاته تمسكه بالسلم الأهلي، وهو معروف بقدرته على إدارة الأزمات بتوازن، دون أن يترك تداعيات سلبية معقدة، وبالتالي هو يتمتع بالحكمة والخبرة الكافيتين لقيادة البلاد في هذه المرحلة الدقيقة، والتعامل مع الملفات الأمنية الحساسة بمسؤولية عالية".

من جهته، أكد رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة، العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر، أن إعداد استراتيجية دفاعية وطنية شاملة لم يعد ترفاً. 

وقال لموقع "الحرة": "منذ سنوات نطالب بوضع استراتيجية دفاعية، ومن غير المفهوم أن الدولة لم تبادر حتى اليوم إلى تشكيل لجنة متخصصة لهذا الغرض، علماً أن إعداد هذه الاستراتيجية لا يحتاج لأكثر من شهر، قبل عرضها على الحكومة ثم مجلس النواب لإقرارها بقانون".

أما القائد السابق لفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر، فرأى في حديث لموقع "الحرة" أن تصريحات رئيس الجمهورية عن "استراتيجية الأمن الوطني" تشير إلى مقاربة أشمل من مجرد استراتيجية دفاعية. 

إذ تشمل وفق نادر "الأمن الداخلي والخارجي، الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، إلى جانب الأمن العسكري. وبالتالي فإن الاستراتيجية الدفاعية ليست سوى جزء من منظومة الأمن الوطني الشاملة".

بدوره، شدد ملاعب على أن "استراتيجية الأمن الوطني لا يمكن اختزالها بالبعد العسكري، بل تشمل مختلف الأبعاد: الاقتصادية، المالية، الجغرافية، التربوية، وكل ما يشكل مكونات القوة الوطنية. ومن هذه الركائز تُبنى الاستراتيجية الدفاعية لتكون إطاراً شاملاً يحفظ أمن الدولة واستقرارها".

الدمج غير وارد؟

"أي استراتيجية دفاعية لا يمكن أن تستوعب سلاحاً خارج إطار الدولة"، كما رأى نادر، مؤكداً أن "القرار الرسمي اللبناني واضح في هذا السياق، ويقضي بحصر السلاح بيد الجيش اللبناني".

لذلك لا يمكن على الإطلاق كما أكد نادر "إدماج الحزب في استراتيجية الدفاع الوطني، لأن السلاح يجب أن يكون فقط بيد الجيش".

وأردف قائلا: "لا يمكن لمجموعة مسلّحة، ولو كانت مؤلفة على سبيل المثال من خمسة آلاف عنصر، أن تشكّل لواءً خاصاً بها داخل المؤسسة العسكرية وتحتفظ بسلاحها".

واستعاد نادر تجربة توحيد المؤسسة العسكرية بعد الحرب الأهلية، مشيراً إلى أن "الجيش خضع عام 1990 لعملية دمج شاملة، أنهت الانقسامات الطائفية والمناطقية، وأرست أسس مؤسسة وطنية موحدة. اليوم، لم يعد هناك مكان لألوية مذهبية أو فئوية، وأي عودة إلى الوراء ستُقوّض ما تحقق".

لذلك "من يرغب من عناصر الحزب في الدفاع عن لبنان فالباب مفتوح أمامه" كما قال نادر "للتطوع في صفوف القوات المسلحة اللبنانية، وفق الشروط المعتمدة، كما هو الحال مع أي مواطن لبناني آخر".

وأكد نادر أن "الاستراتيجية الدفاعية هي مسؤولية وطنية سيادية، تحدّد من هو العدو، وكيف تتم مواجهته، وبأي وسائل، ولماذا"، مشدداً على أنه "لا يمكن أن تترك هذه المهمة لأي فصيل مسلّح خارج سلطة الدولة".

مقاربة مختلفة

على خلاف نادر، رأى جابر أن الاستراتيجية الدفاعية "يجب أن تقوم على مبدأ أن مسؤولية الدفاع عن الوطن تقع أولاً على عاتق القوى النظامية، أي الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بالإضافة إلى قوات احتياط تنظّم ضمن إطار الدولة" وتشمل ما يعرف بـ"القوى شبه النظامية" أو Para-Military Forces.

وأوضح جابر أن "الأحزاب التي تمتلك سلاحاً، ومنها حزب الله، تخضع أسلحتها الثقيلة لإشراف الجيش اللبناني، بحيث تُخزَّن في مستودعات عسكرية، فيما يعود عناصر هذه القوى إلى حياتهم المدنية في الظروف العادية. ويتم تنظيم هذه العملية بشكل لوجستي دقيق، يسمح باستدعاء العناصر خلال 72 ساعة في حال إعلان الطوارئ أو تعرّض البلاد لخطر داهم".

وأضاف "في حالات الطوارئ، يستدعى هؤلاء إلى مراكز محددة من قبل قيادة الجيش، حيث يعاد توزيع السلاح عليهم وفق خطة مُسبقة، تحدد موقع كل عنصر ودوره ووقت تدخله، على أن تتم العملية تحت إشراف السلطة العسكرية العليا، أي قيادة الجيش والمجلس الأعلى للدفاع".

وعن مدى قدرة هذه المقاربة على إنهاء الازدواجية العسكرية، قال جابر "نعم، بالتأكيد. القيادة والقرار سيكونان بيد مؤسسة واحدة، ما يشكّل حلاً نهائياً وليس تسوية ظرفية أو مؤقتة".

واستشهد جابر بالنموذج السويسري، حيث يمكن للجيش رفع عديده من 50 ألفاً إلى نحو 370 ألفاً خلال 72 ساعة فقط عبر استدعاء الاحتياط، قائلاً "لا نسعى لأن نصبح سويسرا، لكن من خلال العمل الجاد والتنظيم، يمكننا بناء استراتيجية دفاعية تتيح لكل من يريد الدفاع عن الوطن أن يفعل ذلك ضمن كنف الدولة".

وشدد جابر على أن هذه الاستراتيجية لا تستهدف حزب الله وحده، بل تشمل جميع الأحزاب والقوى التي تمتلك سلاحاً.

وأوضح أن "من يرفض الانخراط في هذا الإطار تنزع منه الأسلحة. فهناك أيضاً عشائر وفصائل حزبية تمتلك سلاحاً ثقيلاً، ويجب أن يشملها الحل، سواء عبر الدمج ضمن الاستراتيجية الدفاعية أو من خلال نزع سلاحها".

وأشار إلى ضرورة شمول المخيمات الفلسطينية بهذا الإطار، مؤكداً أنه "لا يمكن المطالبة بنزع سلاح جهات لبنانية، مع الإبقاء على ترسانة قائمة داخل المخيمات".

أما فيما يخص السلاح الفردي، فكشف جابر عن وجود أكثر من ثلاثة ملايين قطعة سلاح خفيف في لبنان، كالمسدسات، مشيراً إلى إمكانية تنظيم هذا النوع من السلاح عبر آليات الترخيص لأغراض الحماية الشخصية.

خطوط حمراء.. ودعم

وتضع الولايات المتحدة الأميركية خطوط حمراء في مقاربتها للملف اللبناني، وفق ما يؤكده ملاعب، "أولهما ضمان أمن إسرائيل، وثانيهما الحفاظ على موقع رئاسة الجمهورية اللبنانية كمدخل لاستقرار النظام السياسي في لبنان".

وقال ملاعب "من رعا انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وإطلاق مسار إصلاحي هي واشنطن، وبالتالي فإن هذه السلطة باتت بالنسبة لها خطاً أحمر لا يُسمح بإفشاله".

وأضاف أن المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت مؤخراً، "لم تأتِ بسيف التهديد كما حاول البعض الترويج، بل حملت رؤية دعم واضحة، وعقدت لقاءات مع وزراء معنيين بملفات الاقتصاد، الإدارة، المالية والعدل، وناقشت معهم خطوات إصلاحية بدأت تترجم ميدانيًاً."

وأوضح ملاعب أن الموقف الأميركي لا يزال ثابتاً "الولايات المتحدة ستكون شريكاً للبنان فقط إذا مضى في طريق الإصلاح، ونجح في حصر السلاح بيد الدولة".

وأشار إلى أن اللقاءات اللبنانية–الأميركية الأخيرة عكست إجماعاً لبنانياً على ضرورة معالجة جذور الأزمة الأمنية، لا الاكتفاء بنتائجها. 

وقال "هناك موقف واضح من الدولة اللبنانية مفاده: إذا التزمت واشنطن بالضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة وتنفيذ القرار 1701 والاتفاقات الدولية ذات الصلة، فلن يبقى مبرر لأي سلاح خارج إطار الشرعية."

من جهته، شدد نادر على أن الحل الوحيد المقبول لقضية سلاح حزب الله يتمثل في "تسليم الحزب سلاحه للدولة، والانخراط في العمل السياسي كأي حزب لبناني آخر، ضمن القوانين والدستور".