Israeli Iron Dome air defense system fires to intercept rockets that were launched from Lebanon, as seen from Haifa, northern…
القبة الحديدية الإسرائيلية تعترض صواريخ أطلقت من لبنان وشوهدت من حيفا.

لليوم الرابع على التوالي، يستمر التصعيد العسكري بين حزب الله وإسرائيل، حيث تبادل الطرفان، الخميس، الهجمات الصاروخية التي أدت إلى سقوط قتلى وجرحى، إضافة إلى تدمير مبان ومنشآت عسكرية ومدنية، في حين تتواصل الجهود الأميركية من أجل التوصل إلى هدنة مؤقتة. 

وعقب غارات كثيفة في الجنوب اللبناني وفي الضاحية الجنوبية بالعاصمة، بيروت، قال الجيش الإسرائيلي إن "صفارات الإنذار دوت بكثافة في منطقة تل أبيب الكبرى".

واستهدفت الطائرات الحربية الإسرائيلية مواقع في جنوب لبنان والبقاع، كما نفّذت غارة جوية على الضاحية الجنوبية لبيروت، واستهدفت شقة في حي القائم بمنطقة الجاموس. 

وأعلن الجيش الإسرائيلي في بيان لاحق أنه نجح في قتل محمد حسين سرور، قائد الوحدة الجوية في حزب الله، عبر عملية استخباراتية دقيقة.

مشهد يظهر موقع استهداف سرور

كما استهدفت طائرة مسيّرة إسرائيلية سيارة على طريق عام الكحالة، ما أسفر عن إصابة أحد عناصر حزب الله بجروح خطيرة.

ونقلت مراسلة الحرة عن مصدر أمني أن الطيران الحربي الإسرائيلي يشن موجة من الغارات الكثيفة مستهدفا عدة قرى في قضاء النبطية لاسيما كفرمان، النبطية الفوقا ، زوطر الشرقية وأطراف بلدات الشرقية ، شوكين وميفدون، وأن دوي الانفجارات سمع في مناطق عدة من الجنوب اللبناني.

وذكر الجيش الإسرائيلي في بيان أن مقاتلاته هاجمت "حوالي 220 هدفا إرهابيا تابعا لمنظمة حزب الله الإرهابية في لبنان. ومن بين الأهداف التي تم مهاجمتها: مبانٍ عسكرية، منصات إطلاق قامت بإطلاق الصواريخ باتجاه الأراضي الإسرائيلية، مخربين ومستودعات ذخيرة تابعة للتنظيم في عمق وجنوب لبنان".

من جهة أخرى، قال قائد سلاح الجو الإسرائيلي، الميجر جنرال تومر بار، من قاعدة تل نوف الجوية: "نحن نعمل في لبنان على منع أي محاولات لنقل الأسلحة من إيران لتعويض ما دمرناه من مخزون حزب الله. قدرة نصر الله وحزب الله على التعافي تعتمد بشكل كبير على قناة الدعم المفتوحة القادمة من إيران".

وأضاف "نستعد بالتنسيق مع قيادة المنطقة الشمالية لإطلاق مناورة برية، ولكن تفعيل هذه الخطوة يعتمد على قرار القيادة العليا. التصعيد سيستمر ويتوسع كلما دعت الحاجة، دون اقتصار العمليات على مناطق محددة، سواء تحت الأرض أو فوقها، في جنوب لبنان أو حتى في بيروت، طالما بقي حزب الله يشكل تهديداً لسكان إسرائيل".

وخلال جلسة لتقييم الوضع الأمني، أكد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، أفيف كوخافي، على ضرورة مواصلة الهجمات ضد حزب الله، مشيراً إلى أن هذه اللحظة كانت منتظرة منذ سنوات. وأضاف "نعمل على مدار الساعة لتحقيق إنجازات، وتصفية قيادات حزب الله، وإحباط عمليات نقل الوسائل القتالية، وتجريده من قدرات نيرانه ومهاجمته في جميع أنحاء لبنان".

من جانب آخر، نشر حزب الله مشاهد مصوّرة زعم فيها استهدافه لمطار مجيدو وقاعدة عاموس ومصنع زخرون، إضافة إلى إعلانه عن قصف كريات آتا ومدينة صفد، وشن هجوم جوي على قاعدة شمشون.

كما أعلن الحزب عن قصفه لمقر قيادة المنطقة الشمالية في قاعدة دادو، إلى جانب قصف المقر الاحتياطي للفيلق الشمالي، واستهداف قاعدة تمركز احتياط فرقة الجليل ومخازنها اللوجستية في عميعاد، وكذلك قصف كريات شمونة، ومجمعات الصناعات العسكرية التابعة لشركة رفائيل في منطقة زوفولون شمال حيفا، إضافة إلى استهداف كريات موتسكين. 

واشنطن.. جهود مكثفة لاحتواءالتصعيد

في إطار السعي لوقف التصعيد بين حزب الله وإسرائيل، أكد البيت الأبيض، الخميس، أن لقاءات مع مسؤولين إسرائيليين وأميركيين تجري على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في نيويورك، من أجل التوصل لوقف إطلاق للنار لمدة 21 يوما، كانت قد دعت إليه الولايات المتحدة وحلفاؤها الأربعاء. 

وأكد المبعوث الأميركي الخاص إلى لبنان، عاموس هوكستين،  ومستشار البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط، بريت ماكغورك، الخميس، أن المحادثات تتواصل مع الإسرائيليين "وهناك شعور بأن إسرائيل ترغب في مناقشة خطة لوقف إطلاق النار في لبنان".  

وقال المسؤولان الأميركيان: "لم نكن لنصدر  بيانا بشأن مقترح وقف إطلاق النار في لبنان، ولم نكن لنعمل عليه لو لم يكن لدينا سبب للاعتقاد بأن المحادثات التي أجريناها مع الإسرائيليين على وجه الخصوص كانت مؤيدة  لذلك الهدف".

وكانت الولايات المتحدة وفرنسا وعدد من الدول الأوروبية والعربية، دعت إلى وقف إطلاق النار على طول الحدود بين إسرائيل ولبنان لمدة 21 يوما، الأربعاء. 

وجاء في البيان المشترك للولايات المتحدة وأستراليا وكندا والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والسعودية والإمارات وقطر "إن الوضع بين لبنان وإسرائيل منذ الثامن من أكتوبر 2023 لا يحتمل ويشكل خطرا غير مقبول لتصعيد إقليمي أوسع نطاقا وهذا لا يصب في مصلحة أحد، لا شعب إسرائيل ولا شعب لبنان".

People check the destruction in a neighbourhood targeted overnight by Israeli airstrikes in the eastern Lebanese village of…
بلينكن: العالم يرغب في وقف إطلاق النار على الحدود بين إسرائيل ولبنان
قال وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، الخميس، إن دول العالم بما في ذلك كبرى الدول العربية ومجموعة الدول السبع والاتحاد الأوروبي ترغب في وقف الأعمال القتالية بين إسرائيل وجماعة حزب الله على الحدود الشمالية لإسرائيل مع لبنان.

وأكد البيان ضرورة "إبرام تسوية دبلوماسية تمكن المدنيين على جانبي الحدود من العودة إلى ديارهم بأمان. ولكن الدبلوماسية لا يمكن أن تنجح في ظل تصعيد هذا الصراع".

والخميس، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، إنه لم يقدم بعد رده على مقترح وقف إطلاق النار مع جماعة حزب الله في لبنان.

وأشار نتانياهو في بيان، إلى أنه "أصدر تعليماته للجيش بمواصلة القتال بكامل قوته"، مضيفاً أن "الخبر المتعلق بوقف إطلاق النار غير صحيح".

وتابع "الخبر الذي يدور حول ما يسمى بالتوجيه لتهدئة القتال في الشمال هو أيضاً عكس الحقيقة. كما أن القتال في غزة سيستمر حتى تحقيق كافة أهداف الحرب".

كذلك رفض وزير الخارجية الإسرائيلي، يسرائيل كاتس أي تهدئة مع حزب الله اللبناني قبل تحقيق "النصر"، حيث كتب عبر منصة "إكس" "لن يكون هناك وقف لإطلاق النار في الشمال. سنواصل القتال ضد منظمة حزب الله الإرهابية بكل قوتنا حتى النصر والعودة".

وواصل رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لقاءاته الدبلوماسية في نيويورك.

وخلال اجتماعه بميقاتي أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن قلقه البالغ إزاء التطورات الأمنية الأخيرة في لبنان، واستمرار تبادل إطلاق النار عبر الخط الأزرق، وخطر اندلاع حرب إقليمية. 

وناقش  الطرفان أهمية تنفيذ القرار  1701 الصادر عن مجلس الأمن عام 2006، وسلطا الضوء على مساهمة اليونيفيل في الحفاظ على الاستقرار. كما ناقشا الوضع الإنساني في لبنان.

وفي نفس السياق، حذر وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن من "خطر اندلاع حرب شاملة في الشرق الأوسط قد تكون مدمرة لإسرائيل ولبنان"، مؤكدا أنه على "الطرفين استغلال فرصة الحل الدبلوماسي".

وقال أوستن في مؤتمر صحفي ثلاثي عقب محادثات مع نظيريه الأسترالي والبريطاني في لندن "يمكن لإسرائيل ولبنان اختيار مسار مختلف على الرغم من التصعيد الحاد في الأيام الأخيرة".

تداعيات كارثية

وأسفرت الغارات الإسرائيلية، الخميس، عن مقتل 26 شخصا وإصابة 42 آخرين في محافظة النبطية، بالإضافة إلى مقتل 14 شخصا وجرح 38 آخرين في محافظة الجنوب.

وفي محافظة البقاع، أدت الغارات إلى مقتل 48 قتيلا و44 جريحا في الغارات الجوية اليوم على البقاع.، بينما بلغت الحصيلة في محافظة بعلبك الهرمل 25 قتيلا و14 جريحا. كما أسفرت الغارات عن 4 قتلى و29 جريحا في محافظة جبل لبنان.

وأدى التصعيد العسكري بين حزب الله وإسرائيل كذلك، إلى نزوح كبير في صفوف اللبنانيين، حيث أعلن وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال، بسام مولوي، أن "عدد المواطنين النازحين المسجلين رسمياً بلغ 70,100 نازح، موزعين على 533 مركز إيواء" في مختلف المناطق اللبنانية.

الضربة وقعت في النبطية جنوبي لبنان

وفي مؤتمر صحفي عقده في الوزارة، أشار مولوي إلى أن "وزارة الداخلية والجهات المعنية في لبنان تسعى لتأمين الرعاية الصحية للمرضى وذوي الحاجات الخاصة من النازحين، وتوفير أماكن لهم في مراكز الإيواء"، وأكد أن "الاستجابة تركز بشكل أساسي على النازحين اللبنانيين، لكن من منطلق إنساني ووطني، نقف إلى جانب كل محتاج، وهناك مراكز إيواء في البقاع مخصصة للنازحين السوريين".

من جانبه أصدر منسق لجنة الطوارئ الحكومية، وزير البيئة في حكومة تصريف الأعمال الدكتور ناصر ياسين، تقريرا جديدا عند حوالي الساعة السابعة والنصف من مساء الخميس، حول الغارات الإسرائيلية على لبنان.

وأشار التقرير إلى ارتفاع عدد مراكز الإيواء في المرافق العامة إلى 565 مركزاً، تتضمن مدارس رسمية، مجمعات تربوية، معاهد مهنية، مراكز زراعية وغيرها، موزعة في مختلف المحافظات، ولفت إلى أن الأمن العام سجل خلال اليومين الأخيرين عبور 15,600 سوري و16,130 لبناني إلى الأراضي السورية.

وكان مصدران أمنيان سوريان أفادا وكالة "فرانس برس" بأن أكثر من 22 ألف شخص، معظمهم سوريون، عبروا الحدود من لبنان منذ بداية الأسبوع، نتيجة الغارات الإسرائيلية المكثفة. وأوضح أحد المصادر أن "أكثر من ستة آلاف لبناني ونحو 15 ألف سوري عبروا معبر جديدة يابوس بشكل طارئ خلال الأيام الثلاثة الماضية حتى صباح اليوم".

وفي سياق متصل، أفاد مصدر أمني آخر بأن "نحو ألف لبناني وحوالي 500 سوري آخرين دخلوا عبر معبر جوسيه" منذ يوم الاثنين.

مسيرة إسرائيلية استهدفت سيارة في منطقة الحوش شرق مدينة صور جنوبي لبنان

من ناحية أخرى، أعلن وزير الصحة اللبناني، فراس الأبيض، عن خطة الطوارئ التي أعدتها الوزارة، مشيداً بالجهود التي يبذلها القطاع الصحي بشكل عام، خاصة خلال الأزمات. وأكد الأبيض أن "هذه الخطة جاءت نتيجة تعاون وثيق مع جميع الشركاء، بما في ذلك النقابات، وعلى رأسهم نقابة الممرضات والممرضين، الذين وصفهم بالجندي المجهول لدورهم الكبير في العمل بصمت وفعالية، خصوصاً في الأوقات الحرجة".

وأوضح الوزير أن الخطة تهدف إلى التعامل مع تداعيات الغارات الإسرائيلية، بما في ذلك معالجة الجرحى والاستجابة للاحتياجات الصحية للنازحين".

سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز
سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز

بعد أن زج حزب الله بلبنان في حرب مدمرة مع إسرائيل، أوقعت ضحايا وخلّفت خراباً واسعاً وفاقمت الانهيار الاقتصادي، برز ملف الاستراتيجية الدفاعية في صدارة المشهد السياسي اللبناني.

وتزامن ذلك مع تصاعد المطالبات الداخلية والدولية بنزع سلاح الحزب وحصر القرار العسكري بيد الدولة اللبنانية، تنفيذاً للقرارات الدولية، وفي مقدمتها القرار 1701.

في هذا السياق، أكد الرئيس اللبناني، جوزاف عون، في خطاب القسم، عزمه وضع "استراتيجية دفاعية متكاملة على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية". 

أما البيان الوزاري للحكومة، فشدد على ضرورة "حصر السلاح بيد الدولة"، ما يعني إنهاء مظاهر الازدواجية العسكرية التي تعيق قيام الدولة بمسؤولياتها السيادية.

ورغم أن الدعوة إلى وضع استراتيجية دفاعية تحظى بتأييد واسع، فإن التصورات حول مضمونها تبقى متباعدة إلى حد التناقض. 

فبينما يرى البعض أن إشراك سلاح حزب الله في هذه الاستراتيجية يقوض سيادة الدولة ويكرّس واقعاً ميليشيوياً، يشير آخرون إلى تجارب دولية احتوت جماعات مسلّحة ضمن منظومات دفاعية وطنية، غير أن موقف الحزب نفسه لا يزال ثابتاً في رفضه تسليم سلاحه.

فالحزب الذي وافق، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، على سحب سلاحه من جنوب الليطاني، يرفض تسليم ترسانته شمال النهر، ما يثير تساؤلات حول وجهة هذا السلاح وهدفه، خصوصاً في ظل سجل سابق من استخدامه داخلياً، كما حدث في أحداث 7 مايو 2008.

وأعلن النائب عن الحزب حسن فضل الله استعداد حزب الله للدخول في حوار حول الاستراتيجية الدفاعية، لكن هذا الموقف لم يترافق مع أي إشارات إلى نية التخلي عن السلاح.

وهو ما أكده عضو المجلس السياسي للحزب، غالب أبو زينب، بقوله إن "السلاح ليس مطروحاً للنقاش". 

أما الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، فذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن "أي حديث عن حصر السلاح بيد الجيش اللبناني لا يعني سلاح حزب الله"، وذلك في تحدٍّ مباشر لموقف السلطة اللبنانية.

ويبقى السؤال: هل ستكون الاستراتيجية الدفاعية مدخلاً جدياً لسحب سلاح حزب الله، أم ستستخدم كغطاء جديد لتكريس ازدواجية السلاح وتثبيت هيمنة حزب الله داخل مؤسسات الدولة وتحت غطائها؟

نهاية حقبة

وانتهى الدور الذي لعبه سلاح حزب الله في السابق، كما شدد الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد ناجي ملاعب.

وأكد أن "المرحلة الحالية تتطلب منح الدولة وقتاً كافياً لترسيخ هذه القناعة داخل البيئة الحاضنة للحزب، تمهيداً لترجمتها عملياً على أرض الواقع".

وقال ملاعب، لموقع "الحرة": "أعتقد أننا بدأنا نلمس هذا التحول في المزاج العام لدى بيئة حزب الله، حيث تنمو القناعة تدريجياً بأن هذا السلاح لم يؤد الدور الذي رُوّج له في السابق".

واعتبر أن هذا التحول يشكل فرصة جدية أمام رئيس الجمهورية والسلطات الرسمية للانتقال من مرحلة التفاهمات الضمنية إلى خطوات عملية واضحة، تستند إلى رؤية وطنية جامعة.

وأضاف "نحن اليوم أمام رئيس جمهورية سبق أن تولى قيادة الجيش لمدة خمس سنوات، وهو يمتلك خبرة عسكرية وأمنية واسعة، داخلياً وخارجياً. وقد أبدى في مختلف تصريحاته تمسكه بالسلم الأهلي، وهو معروف بقدرته على إدارة الأزمات بتوازن، دون أن يترك تداعيات سلبية معقدة، وبالتالي هو يتمتع بالحكمة والخبرة الكافيتين لقيادة البلاد في هذه المرحلة الدقيقة، والتعامل مع الملفات الأمنية الحساسة بمسؤولية عالية".

من جهته، أكد رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة، العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر، أن إعداد استراتيجية دفاعية وطنية شاملة لم يعد ترفاً. 

وقال لموقع "الحرة": "منذ سنوات نطالب بوضع استراتيجية دفاعية، ومن غير المفهوم أن الدولة لم تبادر حتى اليوم إلى تشكيل لجنة متخصصة لهذا الغرض، علماً أن إعداد هذه الاستراتيجية لا يحتاج لأكثر من شهر، قبل عرضها على الحكومة ثم مجلس النواب لإقرارها بقانون".

أما القائد السابق لفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر، فرأى في حديث لموقع "الحرة" أن تصريحات رئيس الجمهورية عن "استراتيجية الأمن الوطني" تشير إلى مقاربة أشمل من مجرد استراتيجية دفاعية. 

إذ تشمل وفق نادر "الأمن الداخلي والخارجي، الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، إلى جانب الأمن العسكري. وبالتالي فإن الاستراتيجية الدفاعية ليست سوى جزء من منظومة الأمن الوطني الشاملة".

بدوره، شدد ملاعب على أن "استراتيجية الأمن الوطني لا يمكن اختزالها بالبعد العسكري، بل تشمل مختلف الأبعاد: الاقتصادية، المالية، الجغرافية، التربوية، وكل ما يشكل مكونات القوة الوطنية. ومن هذه الركائز تُبنى الاستراتيجية الدفاعية لتكون إطاراً شاملاً يحفظ أمن الدولة واستقرارها".

الدمج غير وارد؟

"أي استراتيجية دفاعية لا يمكن أن تستوعب سلاحاً خارج إطار الدولة"، كما رأى نادر، مؤكداً أن "القرار الرسمي اللبناني واضح في هذا السياق، ويقضي بحصر السلاح بيد الجيش اللبناني".

لذلك لا يمكن على الإطلاق كما أكد نادر "إدماج الحزب في استراتيجية الدفاع الوطني، لأن السلاح يجب أن يكون فقط بيد الجيش".

وأردف قائلا: "لا يمكن لمجموعة مسلّحة، ولو كانت مؤلفة على سبيل المثال من خمسة آلاف عنصر، أن تشكّل لواءً خاصاً بها داخل المؤسسة العسكرية وتحتفظ بسلاحها".

واستعاد نادر تجربة توحيد المؤسسة العسكرية بعد الحرب الأهلية، مشيراً إلى أن "الجيش خضع عام 1990 لعملية دمج شاملة، أنهت الانقسامات الطائفية والمناطقية، وأرست أسس مؤسسة وطنية موحدة. اليوم، لم يعد هناك مكان لألوية مذهبية أو فئوية، وأي عودة إلى الوراء ستُقوّض ما تحقق".

لذلك "من يرغب من عناصر الحزب في الدفاع عن لبنان فالباب مفتوح أمامه" كما قال نادر "للتطوع في صفوف القوات المسلحة اللبنانية، وفق الشروط المعتمدة، كما هو الحال مع أي مواطن لبناني آخر".

وأكد نادر أن "الاستراتيجية الدفاعية هي مسؤولية وطنية سيادية، تحدّد من هو العدو، وكيف تتم مواجهته، وبأي وسائل، ولماذا"، مشدداً على أنه "لا يمكن أن تترك هذه المهمة لأي فصيل مسلّح خارج سلطة الدولة".

مقاربة مختلفة

على خلاف نادر، رأى جابر أن الاستراتيجية الدفاعية "يجب أن تقوم على مبدأ أن مسؤولية الدفاع عن الوطن تقع أولاً على عاتق القوى النظامية، أي الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بالإضافة إلى قوات احتياط تنظّم ضمن إطار الدولة" وتشمل ما يعرف بـ"القوى شبه النظامية" أو Para-Military Forces.

وأوضح جابر أن "الأحزاب التي تمتلك سلاحاً، ومنها حزب الله، تخضع أسلحتها الثقيلة لإشراف الجيش اللبناني، بحيث تُخزَّن في مستودعات عسكرية، فيما يعود عناصر هذه القوى إلى حياتهم المدنية في الظروف العادية. ويتم تنظيم هذه العملية بشكل لوجستي دقيق، يسمح باستدعاء العناصر خلال 72 ساعة في حال إعلان الطوارئ أو تعرّض البلاد لخطر داهم".

وأضاف "في حالات الطوارئ، يستدعى هؤلاء إلى مراكز محددة من قبل قيادة الجيش، حيث يعاد توزيع السلاح عليهم وفق خطة مُسبقة، تحدد موقع كل عنصر ودوره ووقت تدخله، على أن تتم العملية تحت إشراف السلطة العسكرية العليا، أي قيادة الجيش والمجلس الأعلى للدفاع".

وعن مدى قدرة هذه المقاربة على إنهاء الازدواجية العسكرية، قال جابر "نعم، بالتأكيد. القيادة والقرار سيكونان بيد مؤسسة واحدة، ما يشكّل حلاً نهائياً وليس تسوية ظرفية أو مؤقتة".

واستشهد جابر بالنموذج السويسري، حيث يمكن للجيش رفع عديده من 50 ألفاً إلى نحو 370 ألفاً خلال 72 ساعة فقط عبر استدعاء الاحتياط، قائلاً "لا نسعى لأن نصبح سويسرا، لكن من خلال العمل الجاد والتنظيم، يمكننا بناء استراتيجية دفاعية تتيح لكل من يريد الدفاع عن الوطن أن يفعل ذلك ضمن كنف الدولة".

وشدد جابر على أن هذه الاستراتيجية لا تستهدف حزب الله وحده، بل تشمل جميع الأحزاب والقوى التي تمتلك سلاحاً.

وأوضح أن "من يرفض الانخراط في هذا الإطار تنزع منه الأسلحة. فهناك أيضاً عشائر وفصائل حزبية تمتلك سلاحاً ثقيلاً، ويجب أن يشملها الحل، سواء عبر الدمج ضمن الاستراتيجية الدفاعية أو من خلال نزع سلاحها".

وأشار إلى ضرورة شمول المخيمات الفلسطينية بهذا الإطار، مؤكداً أنه "لا يمكن المطالبة بنزع سلاح جهات لبنانية، مع الإبقاء على ترسانة قائمة داخل المخيمات".

أما فيما يخص السلاح الفردي، فكشف جابر عن وجود أكثر من ثلاثة ملايين قطعة سلاح خفيف في لبنان، كالمسدسات، مشيراً إلى إمكانية تنظيم هذا النوع من السلاح عبر آليات الترخيص لأغراض الحماية الشخصية.

خطوط حمراء.. ودعم

وتضع الولايات المتحدة الأميركية خطوط حمراء في مقاربتها للملف اللبناني، وفق ما يؤكده ملاعب، "أولهما ضمان أمن إسرائيل، وثانيهما الحفاظ على موقع رئاسة الجمهورية اللبنانية كمدخل لاستقرار النظام السياسي في لبنان".

وقال ملاعب "من رعا انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وإطلاق مسار إصلاحي هي واشنطن، وبالتالي فإن هذه السلطة باتت بالنسبة لها خطاً أحمر لا يُسمح بإفشاله".

وأضاف أن المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت مؤخراً، "لم تأتِ بسيف التهديد كما حاول البعض الترويج، بل حملت رؤية دعم واضحة، وعقدت لقاءات مع وزراء معنيين بملفات الاقتصاد، الإدارة، المالية والعدل، وناقشت معهم خطوات إصلاحية بدأت تترجم ميدانيًاً."

وأوضح ملاعب أن الموقف الأميركي لا يزال ثابتاً "الولايات المتحدة ستكون شريكاً للبنان فقط إذا مضى في طريق الإصلاح، ونجح في حصر السلاح بيد الدولة".

وأشار إلى أن اللقاءات اللبنانية–الأميركية الأخيرة عكست إجماعاً لبنانياً على ضرورة معالجة جذور الأزمة الأمنية، لا الاكتفاء بنتائجها. 

وقال "هناك موقف واضح من الدولة اللبنانية مفاده: إذا التزمت واشنطن بالضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة وتنفيذ القرار 1701 والاتفاقات الدولية ذات الصلة، فلن يبقى مبرر لأي سلاح خارج إطار الشرعية."

من جهته، شدد نادر على أن الحل الوحيد المقبول لقضية سلاح حزب الله يتمثل في "تسليم الحزب سلاحه للدولة، والانخراط في العمل السياسي كأي حزب لبناني آخر، ضمن القوانين والدستور".