وقف إطلاق النار في غزة سيدفع بالتهدئة في المنطقة
وقف إطلاق النار في غزة سيدفع بالتهدئة في المنطقة

وسط مخاوف من التصعيد في الشرق الأوسط، يتخوف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن يفتح النزاع بين إسرائيل وحزب الله "أبواب الجحيم في لبنان"، في حين يرى مراقبون أن تلك المخاوف ستظل متواجدة حتى التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة تحديدا.

وبعد أن كانت أنظار العالم تتجه لحرب إسرائيل في غزة، يتخوف الجميع من تصدير الصراع ليصبح حربا "شاملة" في الشرق الأوسط، فيما تبذل واشنطن وشركاء جهودا لتوصل إلى "تسوية يمكن أن تغير المنطقة بأكملها تغييرا جذريا" بحسب ما قال الرئيس الأميركي، جو بايدن، الأربعاء، في مقابلة مع شبكة "إيه بي سي".

ويرجح محللون تحدثوا لموقع "الحرة" أن وقف إطلاق النار في غزة سيهدئ من التصعيد بين إسرائيل وحزب الله أيضا، فيما تحتاج جهود التهدئة، تعاونا من دول المنطقة، ومنظمات غير حكومية.

وتقود الولايات المتحدة جهودا دبلوماسية جديدة لإنهاء الأعمال القتالية بين إسرائيل وحزب الله في لبنان على أمل أن يساعد إحراز تقدم على تلك الجبهة في إحياء محادثات السلام المتوقفة بشأن غزة بحسب رويترز.

وقالت إسرائيل إنها قد تشن توغلا بريا إضافة إلى حملتها الموسعة من الضربات الجوية على جماعة حزب الله اللبنانية، فيما تراجع عدد الغارات الجوية الإسرائيلية في غزة، إلا أن الأزمة الإنسانية ما زالت قائمة.

أصدرت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الغربية والعربية الأربعاء نداء مشتركا لإرساء "وقف مؤقت لإطلاق النار" في لبنان.

وقال الرئيسان الأميركي، جو بايدن، والفرنسي، إيمانويل ماكرون، في بيان مشترك "لقد عملنا معا في الأيام الأخيرة على دعوة مشتركة لوقف مؤقت لإطلاق النار لمنح الدبلوماسية فرصة للنجاح وتجنب مزيد من التصعيد عبر الحدود". 

وأشارا إلى أن "البيان الذي تفاوضنا عليه بات الآن يحظى بتأييد كل من الولايات المتحدة وأستراليا وكندا والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والسعودية والإمارات وقطر".

نقطة البداية

يتصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية الخيام في جنوب لبنان في 25 سبتمبر 2024.

"كل شيء يبدأ من وقف إطلاق النار في غزة، من شأنه أن يؤدي إلى وقف إطلاق النار في لبنان"، بحسب ما يرجح المحلل السياسي العسكري الأميركي في معهد هدسون، ريتشارد وايتز.

وأضاف في حديث لموقع "الحرة" أن سيناريو التسوية الذي تطمح إليه واشنطن يتضمن "وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح الرهائن، وانسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة، والمضي في مسار حل الدولتين".

ويرى أن هذا السيناريو المتفائل "سيؤدي بالضرورة إلى إضعاف النفوذ الإيراني، ويقلل من التوترات في جميع أنحاء المنطقة"، وقال هذا السيناريو الذي "تطمح إليه واشنطن، ولكن هل سيحصل؟ هذه مسألة أخرى".

وكشف وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو خلال جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي الأربعاء عن اقتراح مشترك مع الولايات المتحدة لإرساء وقف لإطلاق النار لمدة 21 يوما في لبنان لمنع تطور النزاع الراهن بين إسرائيل وحزب الله إلى حرب شاملة، بحسب وكالة فرانس برس.

وقال بارو خلال الجلسة التي عقدت بطلب من بلاده إنه "في الأيام الأخيرة، عملنا مع شركائنا الأميركيين على وقف مؤقت لإطلاق النار لمدة 21 يوما لإفساح المجال أمام المفاوضات".

وأضاف أن هذا المقترح "سيتم الإعلان عنه سريعا ونحن نعول على قبول الطرفين به".

ومن المرجح أن يستغرق التوصل إلى اتفاق أوسع نطاقا يشمل الحرب في غزة وقتا أطول. وقال مسؤول لبناني كبير ومصدر مطلع على تفكير حزب الله وآخر مطلع على المحادثات لوكالة رويترز إن الاتفاق ربما يؤدي في نهاية المطاف إلى إطلاق سراح الرهائن المحتجزين لدى حركة حماس منذ هجوم السابع من أكتوبر على إسرائيل.

وشدد الوزير الفرنسي على أن اندلاع حرب شاملة بين إسرائيل وحزب الله "ليس حتميا" بشرط أن تنخرط كل الأطراف "بحزم" في إيجاد حل سلمي للنزاع.

وحذر بارو من أن "الوضع في لبنان اليوم يهدد بالوصول إلى نقطة اللاعودة".

جهد متعدد الأطراف

اجتماع لمجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة (أرشيف)

أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن، ريتشارد تشازدي، يقول لموقع "الحرة" إن "التسوية التي قد تغير شكل المنطقة جذريا التي يتحدث عنها الرئيس الأميركي، بايدن تفاصيلها غير واضحة إلى الآن".

وأضاف تشازدي أن هذا التعاون يحتاج إلى جهود فاعلة في المنطقة مثل "جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، ودول مجلس التعاون الاقتصادي"، فيما قد تتضمن خطط التهدئة "حوافز اقتصادية وسياسية للحكومة اللبنانية لزيادة الضغط على حزب الله للقبل بوقف إطلاق النار، وانسحابه من مناطق انتشاره على الحدود".

وأشار إلى أن هذه الخطوات "ستعزز من تدابير بناء الثقة الإيجابية بين جميع الأطراف".

وقال وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، خلال اجتماع مع ممثلي دول مجلس التعاون الخليجي الأربعاء "نحن نعمل بلا كلل مع شركائنا لتجنّب حرب شاملة والتحرك نحو عملية دبلوماسية تسمح للإسرائيليين واللبنانيين بالعودة إلى ديارهم".

ويعترف الدبلوماسيون سرا بأن هذه المناقشات صعبة للغاية، ونتائجها غير مؤكدة بتاتا، وفقا لفرانس برس.

واشتعلت أحدث حرب في غزة عقب هجوم حماس في السابع من أكتوبر على جنوب إسرائيل وهو ما أدى إلى مقتل 1200 شخص واحتجاز 250 رهينة، بحسب الإحصاءات الإسرائيلية.

وشنت إسرائيل حملتها العسكرية على القطاع بعد ذلك مما أسفر عن مقتل أكثر من 41 ألف شخص، وفقا للسلطات في غزة.

وأطلق حزب الله المتحالف مع إيران صواريخ على مواقع للجيش الإسرائيلي عبر حدود جنوب لبنان غداة هجوم حماس، قائلا إنه يشن هجماته تضامنا مع غزة.

وقالت جماعة حزب الله إنها لن تتوقف عن إطلاق النار على إسرائيل حتى توقف إسرائيل هجومها على قطاع غزة. وفشلت جهود متكررة بذلتها واشنطن للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة وإطلاق سراح الرهائن.

طريق مسدود وأيادي إيرانية

عناصر من حزب الله خلال تشييع أحد ضحاياه

ويبدو الوضع الحالي بين حزب الله وإسرائيل وكأنه وصل إلى طريق مسدود، إذ يشترط الحزب المسلح المدعوم من إيران وقف الحرب بين إسرائيل وحماس في غزة لكي يوقف هجماته على إسرائيل التي تشترط من جهتها انسحابه بعيدا عن حدودها لكي توقف هجماتها ضده.

الباحث السياسي اللبناني، مكرم رباح لا يرى أن أي "تسوية" قد تحل الأزمة الحاصلة حاليا في الشرق الأوسط، معتبرا أن "الإيرانيين يستخدمون القضايا العربية لمصلحتهم بالنهاية".

وأوضح في رد على استفسارات موقع "الحرة" أنه حتى "وقف إطلاق النار المعنوي بين دول الخليج وإيران، لن يصمد خلال الفترة المقبلة، خاصة بسبب ما فعله حزب الله، والحرب التي أدخل فيها لبنان".

ويستبعد أن "تتدخل إيران عسكريا بشكل مباشر في أي صراع مع إسرائيل، فهي لا تكترث بدماء العرب" على حد تعبيره، مضيفا أن "طهران تستخدم (الأيادي الأدي الإيرانية) وكلائها والميليشيات التي تدعمها في عدة دول، من أجل تنفيذ أهدافها، ولا تدخل في صراعات مباشرة".

من ناحيته، حذر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قبيل اجتماع مجلس الأمن من أن الشرق الأوسط "على شفير كارثة شاملة"، مؤكدا أن بلاده ستدعم لبنان "بكل الوسائل".

ويرجح الأكاديمي تشازدي أن "إسرائيل وإيران يريدان تجنب المواجهة العسكرية المباشرة، والمشكلة قد تكون في التواصل المشوه بينهما"، مشيرا إلى أن الخبير في شؤون الإرهاب، ماغنوس رانستورب أكد في تحليلات سابقة أن حزب الله كان يتمتع في بعض الآحيان "باستقلالية أكبر في اتخاذ القرار عن طهران مما كان يعتقد في السابق".

ويرى المحلل الأميركي وايتز أن المخاوف من حرب أوسع في المنطقة "ستكون مشروعة"، إذ "ستستمر إيران في تزويد حزب الله بالأسلحة والصواريخ، وإذ حصل دخول إسرائيلي بري إلى لبنان، قد نرى تدخلا أكبر من طهران، بشن هجمات تشابه تلك التي وقعت في أبريل، الماضي".

وأشار إلى أن واشنطن بالنهاية ستلتزم بالدفاع عن إسرائيل، إذا وجدت إسرائيل غير قادرة على القيام بذلك بنفسها، وتابع أن الولايات المتحدة قد تتدخل "عسكريا بشكل مباشر في حالتين: الأولى، إذا ما تدخلت إيران أيضا بشكل مباشر، والثانية، إذا ما تسببت صواريخ الضربات الصاروخية في أضرار في إسرائيل بشكل كبير".

والأربعاء اعترضت الدفاعات الجوية الإسرائيلية صاروخا بالستيا أطلقه حزب الله باتجاه تل أبيب، في سابقة من نوعها منذ بدء النزاع بين الطرفين قبل حوالي عام، إذ لم يسبق للحزب المدعوم من إيران أن قصف إسرائيل بصاروخ بالستي كما أنها المرة الأولى التي يوجه فيها نيرانه إلى تل أبيب.

الضغط على نتانياهو

الأكاديمي والدبلوماسي السابق، وليام لورانس من المجلس الوطني للعلاقات الأميركية العربية ذكر أنه لن تكون "هناك أي تسوية أو اتفاق من دون ضغط أميركي حقيقي على حكومة نتانياهو".

وأضاف في رد على استفسارات موقع "الحرة" أنه إذا ما سمعنا بموافقة إسرائيل على أي هدنة أو اتفاق لوقف إطلاق النار، والتي قد تكون مقدمة "لتسوية شاملة تطمح لها واشنطن، لن تكون قد حصلت من دون ضغوط من واشنطن، إذ يجري خلف الكواليس بالتأكيد الكثير مما لا نسمعه أو نراه".

وعزى الخبير وايتز فشل جهود الولايات المتحدة منذ أشهر في دفع الأطراف للتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، إلى أن "حماس وحزب الله غير مهتمين بتنفيذ أجندة واشنطن، فيما تتجاهل الحكومة الإسرائيلية دعوات إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن".

ويرى أن "إدارة بايدن غير قادرة على الضغط والتأثير في الحكومة الإسرائيلي، ونفوذها ليس قويا بما يكفي لإملاء الشروط ودفع الأطراف لوقف القتال، وهي ملتزمة بتزويد إسرائيل بالأسلحة".

ويؤكد الأكاديمي تشازدي أن الولايات المتحدة "ستستمر في توفير رادع سياسي وعسكري للأعمال العسكرية الإيرانية ضد إسرائيل، ولكن هذا قد يعني في مرحلة ما إحياء عقيدة الردع الاستراتيجي النووي"، وهذا ما يتطلب "من إسرائيل أن تتوافق بشكل أكبر مع توجهات الإدارة الأميركية".

وقال السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة، داني دانون، إن إسرائيل تفضل استخدام القنوات الدبلوماسية لتأمين حدودها الشمالية مع لبنان، لكنها ستستخدم "كل الوسائل المتاحة" إذا فشلت الدبلوماسية في التوصل إلى اتفاق مع حزب الله.

وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، الأربعاء، أن بلاده ستستخدم "القوة الكاملة" ضد حزب الله حتى ضمان عودة سكان الشمال إلى منازلهم.

ويشرح لورانس أن "التسوية الشاملة التي تريدها الولايات المتحدة، من المرجح أنها ستتضمن وقفا جزئيا أو كليا لإطلاق النار، وإيجاد مسار لحل الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين بشكل أساسي، والانتهاء من ملف ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل، ووقف التصعيد".

ولا يرجح أن أيا من هذه التسويات قد تحصل "إذ لا تريد الأطراف السلام بشكل حقيقي، أكانت حماس أو حزب الله أو حتى إسرائيل، وهو ما تأكد خلال الأشهر الماضية، وعلى سبيل المثال، تريد حماس وقفا دائما لإطلاق النار، وتريد أن تحتفظ بحقها في المقاومة، والكل يريد التهدئة، ولكن بشرط أن يكون هو الرابح".

ويرى المحلل السياسي، لورانس أن ما سيحصل "التوصل إلى تسويات وصفقات جزئية، بصرف النظر عن طموحات واشنطن بتسوية شاملة للصراعات في الشرق الأوسط، رغم جهودها في محاولة تحقيق اتفاقات سلام وتطبيع تشمل السعودية، التي قد تعني مسار أكبر للتطبيع مع الدول الإسلامية، ولكن بالنهاية الرياض لن تسير في هذا الأمر من دون الاعتراف بدولة فلسطينية".

وتأتي هذه الجهود الدبلوماسية في وقت واصل فيه الجيش الإسرائيلي الأربعاء قصفه "الواسع النطاق" للبنان ولا سيما لجنوب هذا البلد وشرقه، معقلي حزب الله، في اليوم الثالث من الضربات الجوية المكثفة التي دفعت أكثر من 90 ألف لبناني على النزوح، وفق الأمم المتحدة.

وأعلن الجيش الاسرائيلي أنه قصف أكثر من ألفي هدف لحزب الله في لبنان في الأيام الثلاثة الاخيرة، من ضمنها مئات الأهداف الأربعاء.

وخلفت الضربات الإسرائيلية الأولى في لبنان الاثنين 558 قتيلا وأكثر من 1800 جريح، بحسب السلطات اللبنانية، وهي أكبر حصيلة تسجل في يوم واحد منذ انتهاء الحرب الأهلية (1975 - 1990).

والأربعاء، قتل 72 شخصا وأصيب حوالي 400 آخرين بجروح في أنحاء لبنان وفق السلطات، فيما طاولت الغارات أيضا بلدتين تقعان خارج معاقل حزب الله، إحداهما هي المعيصرة في كسروان شمال بيروت.

وفي المجموع أوقعت الضربات الإسرائيلية 1247 قتيلا في لبنان منذ أكتوبر، غالبيتهم من المدنيين، وفق السلطات اللبنانية.

تصدع صورة حزب الله
تصدع صورة حزب الله

تصدّعت الصورة التي سعى حزب الله طويلاً إلى ترسيخها بوصفه تنظيماً قوياً، منضبطاً، عصياً على الاختراق، وذلك عقب حربه الأخيرة مع إسرائيل وسلسلة الاغتيالات التي طالت صفوفه القيادية، ولا تزال تستهدف كوادره، وسط عجزه عن الرد.

فـ"الهالة" التي أحاط بها الحزب نفسه بدأت بالتشقّق منذ قراره فتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى "إسناد غزة"، إذ بدا حينها واثقاً من قدرته على التحكم بقواعد الاشتباك وحصر المواجهة ضمن نطاق محسوب. غير أن توسّع العمليات، والخسائر الكبيرة التي تكبّدها، وصولاً إلى قبوله اتفاق وقف إطلاق نار وصفه كثيرون بأنه أقرب إلى "الاستسلام"، ساهمت جميعها في قلب المعادلة.

بعد هذه الحرب، تحوّل "الردع" لدى حزب الله إلى مجرّد شعار، وباتت مكانته السياسية والعسكرية والمعنوية موضع شكّ، حتى في أوساطه الشعبية. وازدادت الدعوات، داخلياً وخارجياً، إلى نزع سلاحه، استناداً إلى القرارات الدولية، وإلى ضرورة استعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي.

فمع كل عملية اغتيال أو غارة إسرائيلية تستهدف موقعاً أو ترسانة عسكرية، تتصاعد الأسئلة: أي جدوى بعد اليوم من استمرار امتلاك السلاح؟ أسئلة كانت تهمس همساً في السابق، لكنها تطرح اليوم علناً.

صورة وهمية؟

على مدى العقدين الماضيين، "بنى حزب الله هالة القوة العسكرية والأمنية القادرة على مواجهة إسرائيل، منذ انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، واستثمر نتائج حرب يوليو 2006، لترسيخ صورة التنظيم الذي لم يُهزم، بل القادر على إلحاق الأذى بالجيش الإسرائيلي"، بحسب ما يوضح رئيس تحرير موقع "جنوبية"، الصحفي علي الأمين.

ويضيف الأمين في حديث لموقع "الحرة" أن الحزب لم يكتف بهذا الرصيد، "بل وسّع نفوذه في الداخل اللبناني، مقدماً نفسه على أنه الطرف القادر على فرض السياسات ومواجهة خصومه السياسيين، بوصفه القوة العسكرية والأمنية الأقوى في البلاد".

ويشير إلى أن هذه الصورة تعززت في وعي مناصري الحزب، وحتى بعض خصومه، لا سيما مع اندلاع الثورة السورية، "حيث لعب الحزب دوراً محورياً في دعم نظام الأسد ومنع سقوطه. كما أن دعمه للحوثيين في اليمن، وتدريبه للفصائل المسلحة في العراق، ساهم في ترسيخ صورة "القوة التي لا تُقهر".

لكن الأمين يلفت إلى أن هذا المشهد لم يُبْنَ فقط على وقائع عسكرية، بل تعزّز بعوامل إضافية، أبرزها "التدفق المالي المستمر من طهران، والمراعاة الدولية النسبية التي تظهر أي رفض لتمدد الحزب في الاقليم، مقابل تراجع مؤسسات الدولة اللبنانية وانكفائها لصالح نفوذ الحزب".

من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن "التهديد الحقيقي في الحسابات الإسرائيلية لم يكن في غزة، بل في المحور الإقليمي الممتد من لبنان إلى إيران، مروراً بسوريا والعراق، حيث يتصدر حزب الله المشهد بوصفه "الخطر الاستراتيجي الأكبر، نظراً لامتلاكه ترسانة من أكثر من مئة ألف صاروخ، وقوة بشرية مدرّبة بعشرات الآلاف، واستعداده الدائم لأي مواجهة. هذا التهديد لم يكن مجرد دعاية إعلامية، بل جزء من استراتيجية ردع مدروسة".

ويضيف ملاعب في حديث لموقع "الحرة" أن "إسرائيل كثّفت في السنوات الأخيرة من جهودها في تتبّع حزب الله، سواء عبر الوسائل البشرية أو التكنولوجية. ولم تغفل عن استثمار التطور التكنولوجي في هذا المجال، وقد أسهم تعاونها مع شركات تكنولوجية كبرى، وما توفره من بيانات رقمية ضخمة، في تعزيز قدراتها الاستخبارية لرصد وتتبع نشاطات الحزب. كما كثّفت من ضرباتها الجوية في سوريا، مستهدفة شحنات أسلحة مخصصة له".

تهشّم وعجز

"ساهمت نتائج الحرب الأخيرة وما خلّفته من خسائر فادحة على حزب الله وبيئته ولبنان عموماً، في تآكل الصورة التي عمل الحزب طويلاً على ترسيخها في الوعي العام"، بحسب ما يرى الأمين "إذ أظهرت العمليات الإسرائيلية قدرة غير مسبوقة على اختراق ما كان يُعتبر قلعة أمنية محصّنة، وتمكّنت من تصفية معظم قيادات الحزب الميدانية، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وقبول الحزب باتفاق وقف إطلاق نار مذل للبنان".

ويضيف الأمين أن هذا التحوّل لم يقتصر على الخسائر الميدانية، بل تفاقم مع العجز المتواصل للحزب عن الردّ على سلسلة الاغتيالات التي طالت عناصره وكوادره بعد سريان وقف إطلاق النار.

ويرى أن هذا العجز فرض معادلة جديدة في الداخل اللبناني "لم يعد أحد يطالب حزب الله بالرد العسكري على الاعتداءات الإسرائيلية. فصورة العجز باتت راسخة، إلى حد أن أي تحرّك عسكري من الحزب قد يُواجَه أولاً برفض من بيئته نفسها، قبل رفض سائر اللبنانيين، هذا التراجع في صورة الحزب أفقده جزءاً كبيراً من هيبته، وإن كان يحاول تعويض ذلك عبر ترويج قدرته على مواجهة ما يسميه خونة الداخل'".

من جانبه، يرى ملاعب أن "الصورة التي بناها حزب الله لنفسه كقوة عسكرية منضبطة بدأت تتشقق، خصوصاً بعد انخراطه في الحرب السورية، وما رافق ذلك من تسريبات أمنية واختراقات داخلية، كما أن تمدد الحزب في الملفات اللبنانية الداخلية انعكس سلباً على صورته أمام جمهوره، الذي بات يحمّله جزء من تبعات الأزمات والانهيارات المتتالية وصولاً إلى حربه الأخيرة مع إسرائيل التي هشّمت صورته بشكل كبير، فبعد أن تباهى طويلاً بقدرته على كشف الجواسيس في صفوفه، يواجه اليوم ثغرات أمنية غير مسبوقة".

تماه هش؟

"انتقل حزب على المستوى الوطني من قوة مقرِّرة ومهيمنة على مجمل الشؤون السياسية، إلى طرف تتراجع حدود تأثيره تدريجياً، في ظل عودة تدريجية للدور المؤسساتي الدستوري والقانوني والعسكري الرسمي"، وفق ما يقوله الأمين.

أما في ما يخص بيئته الشيعية، فيشير الأمين إلى أن "تراجع صورة الحزب يبقى نسبياً، طالما أنه لا يزال يحتفظ بمقوّمات القوة من مال وسلاح وقدرة على القمع". لكنه يلفت إلى أن هذه السيطرة بدأت تتآكل بدورها، "مع تنامي صرخة النازحين والمتضررين من الحرب، وتراجع الثقة بقدرة الحزب على تأمين شروط العودة إلى القرى، وإعادة الإعمار، وتوفير الأمن والأمان".

من جهته، يسجّل ملاعب نقطة لافتة تتعلّق بعلاقة الحزب مع بيئته، إذ يرى أن "التماهي شبه الكامل بين حزب الله وسكان جنوب لبنان بات هشّاً. فالمواطن الجنوبي غير المنتمي للحزب عاد إلى بلدته بإحساس نسبي بالأمان، بعدما لمس أن الضربات الإسرائيلية تركّز على مواقع محدّدة تابعة للحزب ".

ويضيف ملاعب أن هذا التحوّل في الوعي الشعبي أصبح أكثر وضوحاً، كما ظهر في جولة ميدانية له في الضاحية الجنوبية لبيروت، "حيث بات السكان يفرّقون بوضوح بين مبنى تابع للحزب وبقية المباني في الحيّ الذي يقطنونه". ويعتبر أن هذا المزاج الجديد يعكس إرهاقاً عاماً من الحروب المتكررة، ورغبة متزايدة في حياة أكثر استقراراً وأقل مخاطرة.

يذكر أن الحرس الثوري الإيراني أسّس حزب الله عام 1982، عقب انشقاق مجموعة من حركة "أمل"، ليشكّل نقطة تحول في المشهد السياسي والأمني اللبناني. وسرعان ما عمل الحزب على تعزيز حضوره داخل الطائفة الشيعية، معتمداً على خطاب سياسي تعبوي، خاصة في عهد أمينه العام السابق حسن نصر الله، إلى جانب الدعم المالي والعسكري المباشر من إيران.

هذا الدعم مكّن حزب الله من ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعميق الانقسام السياسي والطائفي، وصولاً إلى السيطرة على قرار الحرب والسلم. وقد أدّى ذلك إلى توريط لبنان في صراعات إقليمية متشابكة، خلّفت تداعيات أمنية وسياسية خطيرة على البلاد.

وعلى مدى سنوات، لم يتوانَ حزب الله عن الترويج لقدراته العسكرية، متحدثاً عن استعداده لاجتياح الجليل، واستهداف حيفا وما بعدها، في إطار معادلة ردع رسمها لنفسه. لكن الحرب الأخيرة كشفت حدود هذه المزاعم، وأظهرت عجز الحزب عن تنفيذ تهديداته.

فقد تمكّنت القوات الإسرائيلية من التوغل في الجنوب اللبناني وصولاً إلى نهر الليطاني، وانتهت المواجهة بتوقيع اتفاق وُصف من قبل مراقبين بأنه "مُذل"، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتفظ بوجودها في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية.

القرار في طهران

رغم التصدعات التي أصابت صورة حزب الله، يرى ملاعب أن "العقيدة التنظيمية للحزب لا تزال متماسكة، إذ لا يزال عدد كبير من مقاتليه يلتزمون بقيادة مركزية صلبة". لكنه يلفت إلى أن قرار إشعال الجبهة اللبنانية "لا يُتخذ في بيروت، بل في طهران".

فإيران، بحسب ملاعب، "استثمرت في حزب الله كأداة استراتيجية للضغط الإقليمي والدولي، وتستخدمه كورقة تفاوض مع الغرب، لا سيما في سياق المحادثات المرتبطة بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية، ومن هذا المنظور، فإن موافقة الحزب مؤخراً على وقف إطلاق النار لا يمكن فصلها عن الحسابات الإيرانية الأوسع، التي تهدف إلى تحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات".

وعن مدى نجاح إسرائيل في تدمير ترسانة الحزب، يؤكد ملاعب أن "إسرائيل ألحقت ضرراً بالغاً بالبنية التحتية العسكرية لحزب الله، لكنها لم تنجح في تدمير أصوله الحيوية، كشبكات الأنفاق ومنظومات الصواريخ الدقيقة". ويضيف أن "الأسلحة الاستراتيجية، بما فيها الصواريخ بعيدة المدى، لا تزال خارج المعركة، لأنها تخضع لسيطرة القرار الإيراني المباشر".

من جانبه، يرى الأمين أن "المنطقة، وليس لبنان وحده، تمرّ اليوم بمرحلة تحوّل بنيوي عميق، ينعكس بشكل مباشر على علاقة حزب الله بمحيطه، وخصوصاً بجمهوره".

ويشير الأمين إلى أن الحزب "لم يعد يُنظر إليه كقوة قادرة على توفير الحماية والأمان، وتراجعت الثقة بإمكانية استعادته لهذا الدور في المستقبل، خاصة بعد تهاوي وهم ردع إسرائيل، وسقوط النظام السوري، الذي شكّل ضربة قاصمة لحزب الله، أطاحت بمقومات استعادته لنفوذه وقدراته الأمنية والعسكرية".