وقف إطلاق النار في غزة سيدفع بالتهدئة في المنطقة
وقف إطلاق النار في غزة سيدفع بالتهدئة في المنطقة

وسط مخاوف من التصعيد في الشرق الأوسط، يتخوف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن يفتح النزاع بين إسرائيل وحزب الله "أبواب الجحيم في لبنان"، في حين يرى مراقبون أن تلك المخاوف ستظل متواجدة حتى التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة تحديدا.

وبعد أن كانت أنظار العالم تتجه لحرب إسرائيل في غزة، يتخوف الجميع من تصدير الصراع ليصبح حربا "شاملة" في الشرق الأوسط، فيما تبذل واشنطن وشركاء جهودا لتوصل إلى "تسوية يمكن أن تغير المنطقة بأكملها تغييرا جذريا" بحسب ما قال الرئيس الأميركي، جو بايدن، الأربعاء، في مقابلة مع شبكة "إيه بي سي".

ويرجح محللون تحدثوا لموقع "الحرة" أن وقف إطلاق النار في غزة سيهدئ من التصعيد بين إسرائيل وحزب الله أيضا، فيما تحتاج جهود التهدئة، تعاونا من دول المنطقة، ومنظمات غير حكومية.

وتقود الولايات المتحدة جهودا دبلوماسية جديدة لإنهاء الأعمال القتالية بين إسرائيل وحزب الله في لبنان على أمل أن يساعد إحراز تقدم على تلك الجبهة في إحياء محادثات السلام المتوقفة بشأن غزة بحسب رويترز.

وقالت إسرائيل إنها قد تشن توغلا بريا إضافة إلى حملتها الموسعة من الضربات الجوية على جماعة حزب الله اللبنانية، فيما تراجع عدد الغارات الجوية الإسرائيلية في غزة، إلا أن الأزمة الإنسانية ما زالت قائمة.

أصدرت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الغربية والعربية الأربعاء نداء مشتركا لإرساء "وقف مؤقت لإطلاق النار" في لبنان.

وقال الرئيسان الأميركي، جو بايدن، والفرنسي، إيمانويل ماكرون، في بيان مشترك "لقد عملنا معا في الأيام الأخيرة على دعوة مشتركة لوقف مؤقت لإطلاق النار لمنح الدبلوماسية فرصة للنجاح وتجنب مزيد من التصعيد عبر الحدود". 

وأشارا إلى أن "البيان الذي تفاوضنا عليه بات الآن يحظى بتأييد كل من الولايات المتحدة وأستراليا وكندا والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والسعودية والإمارات وقطر".

نقطة البداية

يتصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية الخيام في جنوب لبنان في 25 سبتمبر 2024.

"كل شيء يبدأ من وقف إطلاق النار في غزة، من شأنه أن يؤدي إلى وقف إطلاق النار في لبنان"، بحسب ما يرجح المحلل السياسي العسكري الأميركي في معهد هدسون، ريتشارد وايتز.

وأضاف في حديث لموقع "الحرة" أن سيناريو التسوية الذي تطمح إليه واشنطن يتضمن "وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح الرهائن، وانسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة، والمضي في مسار حل الدولتين".

ويرى أن هذا السيناريو المتفائل "سيؤدي بالضرورة إلى إضعاف النفوذ الإيراني، ويقلل من التوترات في جميع أنحاء المنطقة"، وقال هذا السيناريو الذي "تطمح إليه واشنطن، ولكن هل سيحصل؟ هذه مسألة أخرى".

وكشف وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو خلال جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي الأربعاء عن اقتراح مشترك مع الولايات المتحدة لإرساء وقف لإطلاق النار لمدة 21 يوما في لبنان لمنع تطور النزاع الراهن بين إسرائيل وحزب الله إلى حرب شاملة، بحسب وكالة فرانس برس.

وقال بارو خلال الجلسة التي عقدت بطلب من بلاده إنه "في الأيام الأخيرة، عملنا مع شركائنا الأميركيين على وقف مؤقت لإطلاق النار لمدة 21 يوما لإفساح المجال أمام المفاوضات".

وأضاف أن هذا المقترح "سيتم الإعلان عنه سريعا ونحن نعول على قبول الطرفين به".

ومن المرجح أن يستغرق التوصل إلى اتفاق أوسع نطاقا يشمل الحرب في غزة وقتا أطول. وقال مسؤول لبناني كبير ومصدر مطلع على تفكير حزب الله وآخر مطلع على المحادثات لوكالة رويترز إن الاتفاق ربما يؤدي في نهاية المطاف إلى إطلاق سراح الرهائن المحتجزين لدى حركة حماس منذ هجوم السابع من أكتوبر على إسرائيل.

وشدد الوزير الفرنسي على أن اندلاع حرب شاملة بين إسرائيل وحزب الله "ليس حتميا" بشرط أن تنخرط كل الأطراف "بحزم" في إيجاد حل سلمي للنزاع.

وحذر بارو من أن "الوضع في لبنان اليوم يهدد بالوصول إلى نقطة اللاعودة".

جهد متعدد الأطراف

اجتماع لمجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة (أرشيف)

أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن، ريتشارد تشازدي، يقول لموقع "الحرة" إن "التسوية التي قد تغير شكل المنطقة جذريا التي يتحدث عنها الرئيس الأميركي، بايدن تفاصيلها غير واضحة إلى الآن".

وأضاف تشازدي أن هذا التعاون يحتاج إلى جهود فاعلة في المنطقة مثل "جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، ودول مجلس التعاون الاقتصادي"، فيما قد تتضمن خطط التهدئة "حوافز اقتصادية وسياسية للحكومة اللبنانية لزيادة الضغط على حزب الله للقبل بوقف إطلاق النار، وانسحابه من مناطق انتشاره على الحدود".

وأشار إلى أن هذه الخطوات "ستعزز من تدابير بناء الثقة الإيجابية بين جميع الأطراف".

وقال وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، خلال اجتماع مع ممثلي دول مجلس التعاون الخليجي الأربعاء "نحن نعمل بلا كلل مع شركائنا لتجنّب حرب شاملة والتحرك نحو عملية دبلوماسية تسمح للإسرائيليين واللبنانيين بالعودة إلى ديارهم".

ويعترف الدبلوماسيون سرا بأن هذه المناقشات صعبة للغاية، ونتائجها غير مؤكدة بتاتا، وفقا لفرانس برس.

واشتعلت أحدث حرب في غزة عقب هجوم حماس في السابع من أكتوبر على جنوب إسرائيل وهو ما أدى إلى مقتل 1200 شخص واحتجاز 250 رهينة، بحسب الإحصاءات الإسرائيلية.

وشنت إسرائيل حملتها العسكرية على القطاع بعد ذلك مما أسفر عن مقتل أكثر من 41 ألف شخص، وفقا للسلطات في غزة.

وأطلق حزب الله المتحالف مع إيران صواريخ على مواقع للجيش الإسرائيلي عبر حدود جنوب لبنان غداة هجوم حماس، قائلا إنه يشن هجماته تضامنا مع غزة.

وقالت جماعة حزب الله إنها لن تتوقف عن إطلاق النار على إسرائيل حتى توقف إسرائيل هجومها على قطاع غزة. وفشلت جهود متكررة بذلتها واشنطن للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة وإطلاق سراح الرهائن.

طريق مسدود وأيادي إيرانية

عناصر من حزب الله خلال تشييع أحد ضحاياه

ويبدو الوضع الحالي بين حزب الله وإسرائيل وكأنه وصل إلى طريق مسدود، إذ يشترط الحزب المسلح المدعوم من إيران وقف الحرب بين إسرائيل وحماس في غزة لكي يوقف هجماته على إسرائيل التي تشترط من جهتها انسحابه بعيدا عن حدودها لكي توقف هجماتها ضده.

الباحث السياسي اللبناني، مكرم رباح لا يرى أن أي "تسوية" قد تحل الأزمة الحاصلة حاليا في الشرق الأوسط، معتبرا أن "الإيرانيين يستخدمون القضايا العربية لمصلحتهم بالنهاية".

وأوضح في رد على استفسارات موقع "الحرة" أنه حتى "وقف إطلاق النار المعنوي بين دول الخليج وإيران، لن يصمد خلال الفترة المقبلة، خاصة بسبب ما فعله حزب الله، والحرب التي أدخل فيها لبنان".

ويستبعد أن "تتدخل إيران عسكريا بشكل مباشر في أي صراع مع إسرائيل، فهي لا تكترث بدماء العرب" على حد تعبيره، مضيفا أن "طهران تستخدم (الأيادي الأدي الإيرانية) وكلائها والميليشيات التي تدعمها في عدة دول، من أجل تنفيذ أهدافها، ولا تدخل في صراعات مباشرة".

من ناحيته، حذر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قبيل اجتماع مجلس الأمن من أن الشرق الأوسط "على شفير كارثة شاملة"، مؤكدا أن بلاده ستدعم لبنان "بكل الوسائل".

ويرجح الأكاديمي تشازدي أن "إسرائيل وإيران يريدان تجنب المواجهة العسكرية المباشرة، والمشكلة قد تكون في التواصل المشوه بينهما"، مشيرا إلى أن الخبير في شؤون الإرهاب، ماغنوس رانستورب أكد في تحليلات سابقة أن حزب الله كان يتمتع في بعض الآحيان "باستقلالية أكبر في اتخاذ القرار عن طهران مما كان يعتقد في السابق".

ويرى المحلل الأميركي وايتز أن المخاوف من حرب أوسع في المنطقة "ستكون مشروعة"، إذ "ستستمر إيران في تزويد حزب الله بالأسلحة والصواريخ، وإذ حصل دخول إسرائيلي بري إلى لبنان، قد نرى تدخلا أكبر من طهران، بشن هجمات تشابه تلك التي وقعت في أبريل، الماضي".

وأشار إلى أن واشنطن بالنهاية ستلتزم بالدفاع عن إسرائيل، إذا وجدت إسرائيل غير قادرة على القيام بذلك بنفسها، وتابع أن الولايات المتحدة قد تتدخل "عسكريا بشكل مباشر في حالتين: الأولى، إذا ما تدخلت إيران أيضا بشكل مباشر، والثانية، إذا ما تسببت صواريخ الضربات الصاروخية في أضرار في إسرائيل بشكل كبير".

والأربعاء اعترضت الدفاعات الجوية الإسرائيلية صاروخا بالستيا أطلقه حزب الله باتجاه تل أبيب، في سابقة من نوعها منذ بدء النزاع بين الطرفين قبل حوالي عام، إذ لم يسبق للحزب المدعوم من إيران أن قصف إسرائيل بصاروخ بالستي كما أنها المرة الأولى التي يوجه فيها نيرانه إلى تل أبيب.

الضغط على نتانياهو

الأكاديمي والدبلوماسي السابق، وليام لورانس من المجلس الوطني للعلاقات الأميركية العربية ذكر أنه لن تكون "هناك أي تسوية أو اتفاق من دون ضغط أميركي حقيقي على حكومة نتانياهو".

وأضاف في رد على استفسارات موقع "الحرة" أنه إذا ما سمعنا بموافقة إسرائيل على أي هدنة أو اتفاق لوقف إطلاق النار، والتي قد تكون مقدمة "لتسوية شاملة تطمح لها واشنطن، لن تكون قد حصلت من دون ضغوط من واشنطن، إذ يجري خلف الكواليس بالتأكيد الكثير مما لا نسمعه أو نراه".

وعزى الخبير وايتز فشل جهود الولايات المتحدة منذ أشهر في دفع الأطراف للتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، إلى أن "حماس وحزب الله غير مهتمين بتنفيذ أجندة واشنطن، فيما تتجاهل الحكومة الإسرائيلية دعوات إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن".

ويرى أن "إدارة بايدن غير قادرة على الضغط والتأثير في الحكومة الإسرائيلي، ونفوذها ليس قويا بما يكفي لإملاء الشروط ودفع الأطراف لوقف القتال، وهي ملتزمة بتزويد إسرائيل بالأسلحة".

ويؤكد الأكاديمي تشازدي أن الولايات المتحدة "ستستمر في توفير رادع سياسي وعسكري للأعمال العسكرية الإيرانية ضد إسرائيل، ولكن هذا قد يعني في مرحلة ما إحياء عقيدة الردع الاستراتيجي النووي"، وهذا ما يتطلب "من إسرائيل أن تتوافق بشكل أكبر مع توجهات الإدارة الأميركية".

وقال السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة، داني دانون، إن إسرائيل تفضل استخدام القنوات الدبلوماسية لتأمين حدودها الشمالية مع لبنان، لكنها ستستخدم "كل الوسائل المتاحة" إذا فشلت الدبلوماسية في التوصل إلى اتفاق مع حزب الله.

وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، الأربعاء، أن بلاده ستستخدم "القوة الكاملة" ضد حزب الله حتى ضمان عودة سكان الشمال إلى منازلهم.

ويشرح لورانس أن "التسوية الشاملة التي تريدها الولايات المتحدة، من المرجح أنها ستتضمن وقفا جزئيا أو كليا لإطلاق النار، وإيجاد مسار لحل الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين بشكل أساسي، والانتهاء من ملف ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل، ووقف التصعيد".

ولا يرجح أن أيا من هذه التسويات قد تحصل "إذ لا تريد الأطراف السلام بشكل حقيقي، أكانت حماس أو حزب الله أو حتى إسرائيل، وهو ما تأكد خلال الأشهر الماضية، وعلى سبيل المثال، تريد حماس وقفا دائما لإطلاق النار، وتريد أن تحتفظ بحقها في المقاومة، والكل يريد التهدئة، ولكن بشرط أن يكون هو الرابح".

ويرى المحلل السياسي، لورانس أن ما سيحصل "التوصل إلى تسويات وصفقات جزئية، بصرف النظر عن طموحات واشنطن بتسوية شاملة للصراعات في الشرق الأوسط، رغم جهودها في محاولة تحقيق اتفاقات سلام وتطبيع تشمل السعودية، التي قد تعني مسار أكبر للتطبيع مع الدول الإسلامية، ولكن بالنهاية الرياض لن تسير في هذا الأمر من دون الاعتراف بدولة فلسطينية".

وتأتي هذه الجهود الدبلوماسية في وقت واصل فيه الجيش الإسرائيلي الأربعاء قصفه "الواسع النطاق" للبنان ولا سيما لجنوب هذا البلد وشرقه، معقلي حزب الله، في اليوم الثالث من الضربات الجوية المكثفة التي دفعت أكثر من 90 ألف لبناني على النزوح، وفق الأمم المتحدة.

وأعلن الجيش الاسرائيلي أنه قصف أكثر من ألفي هدف لحزب الله في لبنان في الأيام الثلاثة الاخيرة، من ضمنها مئات الأهداف الأربعاء.

وخلفت الضربات الإسرائيلية الأولى في لبنان الاثنين 558 قتيلا وأكثر من 1800 جريح، بحسب السلطات اللبنانية، وهي أكبر حصيلة تسجل في يوم واحد منذ انتهاء الحرب الأهلية (1975 - 1990).

والأربعاء، قتل 72 شخصا وأصيب حوالي 400 آخرين بجروح في أنحاء لبنان وفق السلطات، فيما طاولت الغارات أيضا بلدتين تقعان خارج معاقل حزب الله، إحداهما هي المعيصرة في كسروان شمال بيروت.

وفي المجموع أوقعت الضربات الإسرائيلية 1247 قتيلا في لبنان منذ أكتوبر، غالبيتهم من المدنيين، وفق السلطات اللبنانية.

سلاح حزب الله

الحوار، والاستراتيجية الدفاعية، مفردات خطاب لطالما استخدمته السياسة اللبنانية في نقاش ملف سلاح حزب الله، لكن هل تملك الدولة رفاهية الوقت لإدارة حوار ونقاش استراتيجيات، أم أن الخيارات تصبح أكثر كلفة وتداعياتها أقل قابلية للتحكّم؟

المجتمع الدولي يشترط بسط السيادة الكاملة للدولة اللبنانية على كامل أراضيها كمدخل أساسي لأي دعم سياسي أو اقتصادي، فيما تحذر إسرائيل من أنها "ستنفذ المهمة" بنفسها، في حال استمر "تقاعس الدولة".

فهل لا يزال الانتظار خياراً قابلاً للصرف في ميزان التطورات الإقليمية والدولية؟ وهل يُمكن للتعويل على عامل الوقت أن يصمد طويلاً في وجه التحوّلات المتسارعة؟

مصادر تتحدث للحرة عن مؤشرات على نهج جديد.

قنبلة موقوتة

الوقت يداهم لبنان، تؤكد عضو كتلة "الجمهورية القوية" النائب غادة أيوب.

وتشرح "لبنان يعيش تحت وطأة سلاح غير شرعي منذ سنوات، وهذا السلاح جرّ علينا الويلات، من عزلة عربية ودولية، إلى انهيار اقتصادي، إلى تهديد دائم للسلم الأهلي".

ومن يظن "أن ملف السلاح غير الشرعي هو بلا مهلة، واهم أو متواطئ"، تؤكد أيوب. "لأن استمرار سلاح حزب الله هو قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت بوجه مشروع بناء الدولة وبوجه العهد، ولا يجوز لأي مسؤول في الدولة اللبنانية أن يدفن رأسه في الرمال".

وتشدد أيوب في حديث لموقع "الحرة" على أنه "لا مجال بعد الآن للتسويات ولا للتنازلات ولا يمكن أن يبقى هذا الموضوع موضوعًا مؤجّلًا أو قابلًا للمراوغة".

فالبلاد "أمام خطر دائم، ليس فقط على المستوى الأمني، بل على مستوى الاستقرار السياسي والاقتصادي والعلاقات الدولية".

حان "وقت التنفيذ"، تقول، لأنه "لا يمكن أن يُبنى وطن أو يُستعاد الاقتصاد في ظل دويلة ضمن الدولة".
والوقت "ليس مفتوحًا، وكل تأخير هو تراكم إضافي للأزمات".

تفكيك المخازن

من جانبه، يرى المحلل السياسي، المحامي أمين بشير، أن مقاربة الدولة اللبنانية لملف سلاح حزب الله تشهد تحوّلاً جذرياً، "فبعد أن كان هذا الملف يطرح في إطار الاستراتيجية الدفاعية والحوار الوطني، جاءت زيارة المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس إلى بيروت لتحدث نقطة تحوّل مفصلية في مسار التعاطي مع هذا الملف".

الزيارة الأميركية الأخيرة حملت رسالة واضحة، كما يقول بشير لموقع "الحرة"، "مفادها أن أي خطوة تتعلق بتفكيك أو تسليم سلاح حزب الله يجب أن تكون معلنة للرأي العام، لا أن تبقى طي الكتمان. هذا الطرح، لم يكن تفصيلاً، بل كان بمثابة فرض واقع جديد على الدولة اللبنانية، سرعان ما تجلّى بالإعلان عن تفكيك 193 مخزناً من أصل 260 تابعاً لحزب الله، وفق ما كشفه مصدر عسكري لأحد الصحفيين".

ويضيف بشير "هذا التطوّر شكّل صدمة للرأي العام، الذي اعتاد سماع وعود مكرّرة بالحوار دون نتائج ملموسة، وسط نفي دائم من حزب الله لأي نية لتسليم السلاح. لكن ما كان يدار في الغرف المغلقة خرج فجأة إلى العلن، وأصبح تفكيك المخازن مسألة لا تحتمل التعتيم".

حلقة مفرغة؟

سياسة كسب الوقت، أو ما يسمى بسياسة "النعامة"، وفق ما تصف أيوب لا تحمي لبنان، بل تعرّضه كما تقول "أكثر فأكثر للخطر. حزب الله لا ينتظر الدولة ليقرر خطواته، بل يورّط لبنان بقرارات لصالح إيران ومن إيران من دون الرجوع إلى المؤسسات الدستورية". 

"هذا الواقع،" يضيف، "يفتح الباب على مصير مجهول، وربما مواجهة عسكرية تُفرض على اللبنانيين جميعاً من دون رأيهم أو موافقتهم. وحدها الدولة، من خلال قرارها السيادي، تستطيع أن تحمي لبنان، لا الميليشيات".

وتشدد أيوب "نحن مع الحوار، لكن ليس الحوار الذي يطالبون به حول موضوع السلاح لأن الحوار لا يمكن أن يكون غطاءً للشلل أو للاستمرار في الأمر الواقع. إن تجربة السنوات الماضية أثبتت أن طاولات الحوار و'الاستراتيجية الدفاعية' تحوّلت إلى عنوان للاستهلاك الداخلي من دون أي تقدّم فعلي، بل أتت بمفاعيل عكسية وكارثية على البلد ولم تكن سوى وسائل استفاد منها حزب الله لكسب الوقت وللانقضاض على ما تبقى من هيبة الدولة".

"كل طاولات الحوار التي شارك فيها حزب الله انقلب عليها مباشرة"، تقول أيوب. وتوضح "أسقط حوار 2006 عبر حرب يوليو، وأسقط حوار سان كلو 2007 عبر اجتياح بيروت في العام التالي، وأسقط حوار الدوحة 2008 عبر تعطيل الحكومة والسلطة التنفيذية، وأسقط حوار بعبدا 2012 عبر مشاركته في الحرب السورية، وأسقط حوار بعبدا 2017 عبر تمسّكه بالسلاح، وأسقط حوار بعبدا 2019 عبر ضرب النظام المالي، وهذه بعض الأمثلة". 

"لذلك، لا يمكن أن نتوقع من حزب الله أن يتخلى عن سلاحه طوعاً، لكن لا يمكن أيضًا للدولة أن تستسلم لهذا الواقع. المطلوب ضغط سياسي وشعبي ودولي، وموقف وطني موحّد، لاكتساب السيادة كاملة. وهذه ليست مهمة مستحيلة، لكنها تتطلب قراراً".

الحوار حول التنفيذ فقط

أما بشير فيشير إلى تراجع بعض رؤساء الأحزاب عن تحفظاتهم حول الحوار، إثر اتصالات مباشرة مع رئيس الجمهورية "الأخير أوضح أن الحوار لا يعني العودة إلى طاولة وطنية جامعة، بل هو حوار مباشر بينه وبين حزب الله، لبحث آليات تسليم السلاح: هل يسلّم للجيش؟ هل يعاد إلى إيران؟ أم يفكك بطريقة أخرى؟

هذا التوضيح، وفق بشير، "أزال القلق من احتمال العودة إلى الحلقة المفرغة من الحوارات، وفتح الباب أمام نقاش جدي في تنفيذ القرار 1701 بشكل فعلي لا شكلي".

الموقف الدولي واضح وصارم تجاه لبنان كما يشدد بشير "لا مساعدات، لا إعادة إعمار، ولا دعم استثماري أو اقتصادي، من دون حل جذري لملف سلاح حزب الله. هذا ما عبّرت عنه بوضوح الدول الخليجية، والدول الأوروبية، والإدارة الأميركية، التي لم تعد تقبل بتسويف أو مماطلة".

كذلك تؤكد أيوب أن "المجتمع الدولي ينظر إلى هذا الملف كأحد الأسباب الأساسية لفشل الدولة اللبنانية في استعادة سيادتها واستقرارها". وتقول "هناك قناعة متزايدة لدى المجتمع الدولي أن غياب القرار الحاسم في هذا الملف ينعكس سلباً على كل مسار الدعم والمساعدة". 

"هذا التردّد قد لا يُفهم على أنه حكمة، بل على أنه عجز أو تواطؤ. وإذا لم تُظهر الدولة إرادة فعلية في معالجة السلاح غير الشرعي، فإن أي مساعدة دولية ستبقى مشروطة ومحدودة".

منظومة هيمنة

من جانبه، يرى بشير أن المشكلة لا تتعلق فقط بالسلاح كرمز للهيمنة، "بل بحزب الله كمنظومة متكاملة تهيمن على مفاصل الدولة، اقتصادياً وأمنياً وحتى قضائياً.

ويقول "نحن لا نتحدث فقط عن سلاح، بل عن شبكة مصالح موازية تنخر جسم الدولة من الداخل"، في إشارة إلى مؤسسات الحزب المالية، "كمؤسسة القرض الحسن، وشبكة المؤسسات الموازية التي أنشأها في قطاعات الكهرباء، والمرافئ، وحتى القضاء".

لبنان اليوم، كما يقول بشير، يقف بين خيارين "إما نجاح المفاوضات الأميركية–الإيرانية وانعكاساتها الإيجابية على الداخل اللبناني، وإما انفجار عسكري جديد في حال فشلها، فيما إسرائيل تترقب لاستغلال أي فراغ لتبرير تدخلها العسكري، تحت ذريعة بناء حزام أمني لسكان شمالها".

من هنا، يحذّر من الاكتفاء بدور المتفرّج على طاولة المفاوضات. ويشدد على ضرورة أن "تمتلك الدولة اللبنانية، ممثلة بالرئيس والحكومة، موقفاً وطنياً واضحاً حيال هذا الملف، لا يقتصر فقط على المهلة الزمنية، بل يتجاوزها إلى ما بعدها. يجب أن نكون جاهزين للاستفادة من الفرص أو مواجهة التحديات، لا أن نكون مجرد ضحايا على طاولة مفاوضات تدار من الخارج".

ويختم بشير بالتأكيد على أن تفكيك منظومة حزب الله ليس مجرد مطلب سياسي، "بل ضرورة لبناء دولة حديثة قادرة على استعادة سيادتها وثقة المجتمع الدولي بها، ويقول "لبنان لا يمكن أن ينهض طالما هناك مجموعة مذهبية تعمل وفق نظام مصالح خاص، وتخضع لسلطة خارجية. المطلوب ليس فقط نزع السلاح، بل تفكيك كامل للشبكات الرديفة التي أضعفت الدولة ودمّرت مؤسساتها".