لبنان
الجيش الإسرائيلي استهدف نحو 280 هدفاً لحزب الله

تسارعت الأحداث، الأربعاء، في الصراع الدائر بين حزب الله اللبناني وإسرائيل، على هامش الحرب في غزة، ما جعل مراقبين يشددون على ضرورة الاحتكام إلى الحل الدبلوماسي عوض التصعيد.

والأربعاء، قال حزب الله، إنه أطلق صاروخاً وصل منطقة بتل أبيب في إسرائيل، بينما توسعت الغارات الإسرائيلية لتصل العمق اللبناني على مدى نحو 120 كلم، وذلك لأول مرة بالحالتين في تاريخ الصراع الممتد بينهما.

كما يأتي هذا على هامش حديث في إسرائيل عن اجتياح بري محتمل لجنوب لبنان. 

تعليقاً على ذلك، قال وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، إن خطر التصعيد في الشرق الأوسط "شديد"، وإن واشنطن وحلفاءها يعملون دون كلل لتجنب اندلاع حرب شاملة بين إسرائيل وجماعة حزب الله اللبنانية.

"درجة حدة متوسطة"

رغم هذه التطورات، إلا أن المحلل السياسي الإسرائيلي، أمير أورن، قال إن حزب الله وإسرائيل "تمكنا نسبياً" حتى الآن "من الاحتفاظ بدرجة حدّة متوسطة وليس عالية"، مشيراً إلى تمسك كل طرف بقواعد الاشتباك.

وأكد أورن في حديث لقناة الحرة "حتى الآن تم احترام قواعد الاشتباك"، مؤكداً أن إسرائيل استهدفت ما وصفه بـ"فئة معينة فقط من الأهداف".

وفي إجابته حول تعقيب يتعلق بفكرة يطرحها بعض المراقبين بأن حزب الله "هو فقط من احترم قواعد الاشتباك"، وإمكانية تغيّر ذلك ليستهدف المدنيين في إسرائيل، لفت أورن إلى أن الجماعة اللبنانية هي من بدأت الحرب في الثامن من أكتوبر الماضي "دون أي استفزاز"، وقال: "إسرائيل لم تبدأ الحرب، وعلى مدى 11 شهراً كانت هناك ضربة مقابل ضربة عبر الحدود".

وأضاف خلال استضافته في برنامج "الحرة الليلة"  أن "رئيس حزب الله أوقف هذا التبادل أحادياً، لكنه لو فعل ذلك قبل أسبوعين لما حدثت هجمات البيجر، ولا الاستهداف".

وقال إن حزب الله استهدف مدنيين، بما في ذلك، مدنيون عرب في البلدات الحدودية، مضيفاً أنه "لا يوجد احترام من قبل حزب الله لقواعد الاشتباك".

وفي نظره، "ليس حتمياً أن يتوسع الصراع إقليمياً"، على أساس التصعيد بين حزب الله وإسرائيل.

إلى ذلك، يؤكد أورن أنه حتى ولو تراجع حزب الله جغرافياً إلى ما وراء نهر الليطاني، يمكن أن يطلق الصواريخ باتجاه إسرائيل من هناك. متسائلاً "حرب الاستنزاف إلى متى ستستمر؟ الحل هو الدبلوماسية".

وقال أيضا: "إذا استطعنا تحقيق ذلك إلى جانب وقف إطلاق النار في غزة بدون سفك الدماء، فهذا أفضل".

هجوم بري؟

يشدد أورن أيضا على أن إسرائيل لا تريد أن تدخل لبنان لأنها تعرف جيداً أن وجودها كقوة احتلال سيعرضها للهجوم ولن تحقق أهداف الحملة، وفق تعبيره. 

في المقابل، يشير إلى أنه في حال قرر حزب الله ومعه حركة حماس خوض الحرب "إسرائيل لا تستطيع أن تنهي هذه الحرب"، مضيفاً "لذلك على كل الأطراف أن تصل إلى معادلة لوقف إطلاق النار في غزة وفي جنوب لبنان".

وفي سياق حديثه عن إمكانية عودة سكان شمال إسرائيل إلى بيوتهم، قال أورن إن "إعادة تأهيل المنازل التي دمرت تتطلب نحو عام أو أكثر"، وأشار إلى أنهم لن يعودوا إذا دخل الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان "هم يريدون رؤية قرار لمجلس الأمن يتم تنفيذه بما لا يدع أي احتمال لهجوم من حزب الله"، وقال: "طالما الحرب مستمرة هم لن يعودوا".

"الاجتياح .. فرصة"

من جانبه، يرى العميد اللبناني المتقاعد، يوسف الجدم، أن حزب الله، ووفق آخر خطاب لأمينه العام، حسن نصر الله، يقول لإسرائيل بخصوص إمكانية هجوم بري "أهلاً وسهلاً بكم.. الاجتياح البري سيكون فرصة تاريخية بالنسبة لنا". 

وفي حديث هاتفي مع البرنامج، رجّح الجدم أن يكون الاجتياح، إذا حصل بالفعل، محدوداً "وعلى أرض محروقة لا يتواجد فيها سكان"، مشككاً في "الفائدة" التي يمكن أن تجنيها إسرائيل من أي هجوم بري.

وأكد على ذلك "حتى لو تمكنوا فعلاً من دفع حزب الله 7 أو 8 كيلومترات إلى وراء الليطاني".

وأعطى الجدم مثالاً بالصاروخ الذي قال حزب الله إنه وصل إلى تل أبيب، مشيراً إلى أن صواريخ حزب الله التي يمكن أن تحدث خراباً كبيراً في إسرائيل لا يزال استخدامها مقيداً، مشيراً إلى أن الجماعة اللبنانية لم تكشف بعد عن كل ترسانتها من الصواريخ.

والأربعاء، قال رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، هرتسي هاليفي، إن الغارات الجوية في لبنان تمهد الطريق لعملية برية محتملة للقوات الإسرائيلية.

وخلال حديثه عن الاجتياح البري المحتمل للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، قال الجدم إنه "لن يكون سهلاً" على إسرائيل، مشيراً إلى رد حزب الله. 

وقال: "حزب الله وضع تحصينات وأنفاق للدفاع"، مؤكداً أنه حتى وإن دمرت إسرائيل كل ما هو فوق الأرض "هي لا تعرف ما عند حزب الله من إمكانيات دفاعية تحت الأرض". 

ترسانة حزب الله "مجهولة"

في السياق، أشار الخبير العسكري إلى أن إسرائيل تخشى الصواريخ بعيدة المدى والدقيقة التي يمتلكها حزب الله ولم يستعملها حتى الآن، وفقه.

وأكد الجدم أن ترسانة حزب الله مجهولة، لكنه عاد ليقول "كل شيء موجود في إيران ممكن أن يكون بحوزة حزب الله"، رغم أن استخدامها "مقيد" بأوامر من إيران.

إلى ذلك، شدد الجدم على أن الحل الدبلوماسي هو الذي يمكن أن يريح إسرائيل وحزب الله على حد سواء، لكنه أوضح أنه "لا حل دائم للصراع طالما أن هناك قوة نظامية مسلحة في لبنان خارج سلطة الدولة، تشكل خطراً على إسرائيل، خصوصاً وأن امتدادهم وأوامرهم تأتي من دول خارجية"، في إشارة إلى إيران.

وكان حزب الله قال في بيان إنه أطلق صاروخاً استهدف منطقة قرب تل أبيب، وكشف أن الصاروخ الباليستي من نوع "قادر 1" وقد استهدف مقر قيادة الموساد في ضواحي تل أبيب "وهو المقر المسؤول عن اغتيال القادة وعن تفجير البيجرز وأجهزة اللاسلكي"، وفق تعبير البيان. ودوت صافرات الإنذار فجراً في تل أبيب.

من جانبه، قال الجيش الإسرائيلي إن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت الصاروخ بعد رصده، مضيفاً أنه كان متوجهاً صوب مناطق مدنية، وأن مقر الموساد لا يقع في تلك المنطقة.

وأضاف أن نحو 40 قذيفة أطلقت من لبنان باتجاه شمال إسرائيل، وأنه تم اعتراض عدد كبير منها.

إلى ذلك، قال الجيش الإسرائيلي إن طائراته نفذت غارات كثيفة في جنوب لبنان وشرقه، شملت، وفقه، 60 هدفاً لأجهزة استخبارات حزب الله، لافتاً إلى أنه دمر خصوصاً أدوات لجمع المعلومات ومراكز قيادة وبنى تحتية أخرى "يستخدمها العدو"، وفق قوله.

كما استهدف الجيش الإسرائيلي، نحو 280 هدفاً لحزب الله، الأربعاء، كما أن طائراته أغارت على قرى في جنوب لبنان وبعلبك شرقي البلاد، وفق الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية في لبنان، ما تسبب في سقوط العشرات بين قتيل وجريح.

وشمل القصف قرية المعيصرة الجبلية شمال بيروت، والتي تبعد عن الحدود بنحو 220 كلم. 

ويعتبر هذا الاستهداف الإسرائيلي الأكثر عمقاً في الأراضي اللبنانية منذ بدء المواجهة مع حزب الله.

جهود أميركية

في غمرة ذلك، نقل بيانٌ للجيش الإسرائيلي عن قائد القيادة الشمالية قوله إن إسرائيل دخلت مرحلة جديدة من حملتها، وأضاف أنه يجب أن تكون إسرائيل مستعدة للمناورة والتحرك. 

واستدعى الجيش الإسرائيلي لواءين إضافيين من قوات الاحتياط لمواصلة الجهود القتالية ضد حزب الله، وتمكين سكان الشمال من العودة إلى منازلهم، وفق بيان للجيش الإسرائيلي.

في غضون ذلك، يلتئم مجلس الأمن المصغر في تل أبيب قبيل سفر رئيس الحكومة، بنيامين نتانياهو، إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.

في غمرة تسارع هذه الأحداث، قال بلينكن، الأربعاء، في بداية اجتماع مع مسؤولين كبار ووزراء من دول مجلس التعاون الخليجي في نيويورك: "فيما يتعلق بلبنان، نعمل دون كلل مع الشركاء لتجنب حرب شاملة والانتقال إلى عملية دبلوماسية تسمح للإسرائيليين واللبنانيين على السواء بالعودة إلى ديارهم".

مصارف لبنان

في تحول تاريخي لعمل القطاع المصرفي اللبناني، أقرّ مجلس النواب الخميس تعديلات على قانون السرية المصرفية تسهّل للهيئات الناظمة الحصول على كامل المعلومات المتعلّقة بالحسابات.

جاءت الخطوة تلبية لمطلب رئيسي من مطالب صندوق النقد الدولي.

واعتبر رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، القرار "خطوة ضرورية نحو الإصلاح المالي المنشود وركيزة أساسية لأي خطة تعافٍ، ولكشف الحقائق" بشأن الأزمة المالية التي بدأت عام 2019.

والجمعة، نُشر في الجريدة الرسمية اللبنانية قانون تعديل بعض المواد المتعلقة بسرية المصارف في لبنان، بما في ذلك تعديل المادة 7 (هـ) و (و) من القانون المتعلق بسرية المصارف الذي أقرّ عام 1956، وكذلك تعديل المادة 150 من قانون النقد والتسليف الصادر في عام 1963، بموجب القانون رقم 306 الصادر في 28 تشرين الأول 2022.

وينص التعديل الجديد على تعديل المادة 7 (هـ) من القانون المتعلق بسرية المصارف بما يسمح بمشاركة معلومات مصرفية بين مصرف لبنان، ولجنة الرقابة على المصارف، والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، في إطار تعزيز مراقبة القطاع المصرفي وحماية النظام المالي. 

ويشمل التعديل أيضا صلاحيات تعديل وإنشاء مؤسسة مختلطة لضمان الودائع المصرفية.

أما المادة 7 (و) فتتيح للجهات المعنية، مثل مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، طلب معلومات مصرفية محمية بالسرية دون تحديد حساب أو عميل معين. ويتيح التعديل إصدار طلبات عامة للحصول على معلومات عن جميع الحسابات والعملاء، إلا أن هذه الطلبات يمكن أن تكون قابلة للاعتراض أمام قاضي الأمور المستعجلة، ويخضع الاعتراض للأصول القانونية المتعلقة بالاعتراض على العرائض.

وفي ما يتعلق بالمادة 150 من قانون النقد والتسليف، تضمن التعديل رفع السرية المصرفية بشكل كامل وغير مقيد أمام مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، بالإضافة إلى المدققين والمقيمين المعينين من قبل مصرف لبنان أو اللجنة.

وتشمل التعديلات الحسابات الدائنة والمدينة، سواء كانت ضمن أو خارج الميزانية، كما تتيح رفع السرية المصرفية عن سجلات ومستندات ومعلومات تعود إلى أشخاص معنويين أو حقيقيين يتعاملون مع المصارف أو المؤسسات المالية الخاضعة للرقابة. ويشمل تطبيق هذا التعديل بأثر رجعي لمدة عشر سنوات من تاريخ صدور القانون.

وقد شهد لبنان خلال الأسابيع الماضية نقاشات حادة، رأى فيها معارضون للخطوة أن هذا القانون ورفع السرية المصرفية طي لصفحة من تاريخ لبنان المالي العريق من خلال "إلغاء ميزة تفاضلية،" وبأن كشف الفساد ليس معطلاً بسبب السرية المصرفية.

ويرى المتحمسون للقانون أن من شأن التعديلات الجديدة تعزيز الشفافية في القطاع المصرفي في لبنان وتحسين مراقبة ومراجعة العمليات المصرفية، في وقت يشهد فيه القطاع المصرفي تحديات كبيرة في ظل الأزمة المالية المستمرة.

وأوضحت "المفكرة القانونية" وهي منظمة حقوقية غير حكومية، في بيان أصدرته أن التعديل يخوّل "الهيئات الرقابيّة والهيئات النّاظمة للمصارف، وتحديدًا مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، طلب الحصول على جميع المعلومات المصرفية، من دون أن يربط طلب المعلومات بأيّ هدف معيّن، وإمكانية التدقيق في الحسابات بالأسماء، تصحيحا لقانون 2022" والذي تضمن بعض التعديلات.

يعتمد لبنان السرية المصرفية منذ عام 1956، وكان لذلك أثر كبير في جذب رؤوس الأموال والودائع وتوفير مناخ الاستقرار الاقتصادي. وبموجب هذا القانون تلتزم المصارف الخاضعة لأحكامه السرية المطلقة، إذ لا يجوز كشف السر المصرفي سواء في مواجهة الجهات الخاصة أو السلطات العامة، وسواء كانت قضائية أو إدارية أو مالية، إلا في حالات معينة في القانون وردت على سبيل الحصر، وهي:

1- إذن العميل او ورثته خطيًا.
2- صدور حكم بإشهار افلاس العميل.
3- وجود نزاع قضائي بينه وبين البنك بمناسبة الروابط المصرفية. 
4- وجود دعاوى تتعلق بجريمة الكسب غير المشروع. 
5- توقف المصرف عن الدفع، إذ ترفع في هذه الحالة السرية المصرفية عن حسابات أعضاء مجلس الإدارة والمفوضين بالتوقيع ومراقبي الحسابات. 
6- الاشتباه في استخدام الأموال لغاية تبييضها، وعندها ترفع السرية المصرفية بقرار من هيئة التحقيق الخاصة لمصلحة المراجع القضائية المختصة والهيئة المصرفية العليا، وذلك عن الحسابات المفتوحة لدى المصارف أو المؤسسات المالية.

وبالفعل ومنذ إقرار هذا القانون ازدهر القطاع المصرفي اللبناني واستطاع جذب رؤوس أموال، لكن كل ذلك تغير مع اندلاع الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات، وبدأت الليرة اللبنانية رحلة الانهيار. خمسة عشر عاما من الاقتتال، انتهت بتسويات سياسية، تبعها نظام اقتصادي جديد، قاده منذ عام 1993 الراحل رفيق الحريري رئيسا للحكومة، ورياض سلامة حاكما لمصرف لبنان المركزي، سعيا وراء الاستقرار. 

وبعد أربع سنوات من استلام منصبه، نجح سلامة في تثبيت سعر العملة اللبنانية، عند 1500 مقابل الدولار الأميركي.

استمرت تلك المعادلة أكثر من عقدين، لكنها كانت تحتاج إمدادات لا تنقطع من العملة الصعبة للمحافظة على استمرارها. وفي محاولة لسد العجز، سعت المصارف اللبنانية لجذب حصيلة كبيرة من العملة الخضراء عبر تقديم فوائد مرتفعة على الودائع الدولارية، فوائد تراوحت بين 15 و 16 في المئة.

نتيجة للفوائد البنكية المرتفعة، شهدت ودائع القطاع المصرفي اللبناني نمواً سنوياً وصل ذروته بقرابة 12 مليار دولار خلال عام 2009.

أغرت الفوائد العالية المقيمين والمغتربين، ليصل إجمالي الودائع في المصارف اللبنانية إلى أكثر من 177 مليار دولار في نهاية نوفمبر عام 2018. 

منذ عام 2017، تراجع الاحتياطي في خزينة مصرف لبنان، رغم محاولات جذب الدولار. وفي صيف عام 2019، لاحت بوادر صعوبة في توافر الدولار في الأسواق اللبنانية، فارتفع سعر صرفه مقابل الليرة للمرة الأولى منذ أكثر من 20 عاما، ما دفع الحكومة لاتخاذ إجراءات استثنائية. لكن البعض يرى أن تلك القرارات جاءت متأخرة.

في أكتوبر 2019، انفجر الشارع اللبناني مطالبا بإسقاط السلطة السياسية، وأغلقت المصارف أبوابها، لكن تقارير صحفية تحدثت عن عمليات تحويل لأرصدة ضخمة الى خارج البلاد.

في تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، نُشر في صيف 2020، فإنه، وفقا لكبير موظفي الخدمة المدنية المالية السابق في لبنان ومدير عام وزارة المالية السابق ألان بيفاني، قام مصرفيون بتهريب ما يصل إلى 6 مليارات دولار من لبنان منذ  أكتوبر 2019، في تحايل على الضوابط التي تم إدخالها لوقف هروب رأس المال، مع غرق البلاد في أسوأ أزمة مالية منذ ثلاثين 30 عاما، بينما بات مصير مليارات الدولارات مجهولًا. 

بدأت الأزمة المالية بالظهور تدريجيا، لكنها انفجرت حرفيا منذ اندلاع الاحتجاجات في شهر أكتوبر عام 2019. وتشير تقارير رسمية إلى أن أموالا طائلة تصل إلى مليارات الدولارات تم تحويلها إلى الخارج، بينما تم حجز ودائع صغار زبائن البنوك، من دون ضمانات لحماية ودائع المواطنين، ولا سيولة نقدية.

وتقدر تقارير دولية والمصرف المركزي اللبناني أن ودائع صغار زبائن البنوك بحوالي 121 مليار دولار منها ودائع لغير المقيمين تُقدّر بـ20 مليار دولار، وأصحابها لبنانيون وعراقيون ويمنيون وليبيون ومصريون ومن دول الخليج، إضافة لودائع للسوريين، يقدر المصرفيون بأنها أكثر من 3 مليارات دولار.

وفيما تجري التحقيقات حول آلية تهريب الأموال، لم يصل المحققون المحليون ولا حتى الدوليون إلى جواب شاف، لكن كانت دائما "المصالح المتشابكة داخل النظام اللبناني" جزءا من الجواب.

وتعتبر البنوك اللبنانية مرآة للنظام من حيث التقسيم الطائفي، فغالبيتها تابعة لجهات سياسية ومقربين منها، الأمر الذيث كان واضحا في انعدام الرقابة على عمليات إدخال أموال حزب الله المهربة أو غير الشرعية إلى هذه البنوك، مما يعني عمليات تبييض وشرعنة لهذه الأموال.

منذ منذ عام 2001، وضعت الولايات المتحدة حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية، وفرضت عليه عقوبات ضمن خطة لمكافحة تمويل الإرهاب. وفي هذا الإطار صدر قانون مكافحة تبييض الأموال رقم 44، عام 2015، والذي لم يتم تعطبيقه، واكتفى مصرف لبنان بتعاميم، لم تغير واقع الحال.

بدأ لبنان في يناير 2022 مفاوضات رسمية مع صندوق النقد الذي طالما شدد على أنه لن يقدم أي دعم طالما لم تقرّ الحكومة إصلاحات على رأسها تصحيح الموازنة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وإصلاح المؤسسات العامة والتصدي للفساد المستشري.

وأعلن الصندوق في أبريل من العام ذاته اتفاقا مبدئيا على خطة مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار على أربع سنوات، لكنّ تطبيقها كان مشروطا بإصلاحات لم يتم تنفيذ معظمها.

في سبتمبر عام 2024، أوقف الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، وهو حتى اليوم قيد التحقيق في اتهامات بغسيل الأموال وشراء وبيع سندات خزينة الحكومة اللبنانية. ومنذ انهيار حزب الله اللبناني، في حربه مع إسرائيل، وصعود ما سمي بالعهد الجديد، أقرت حكومة نواف سلام مشروع قانون لإعادة هيكلة المصارف، استجابةً لمطالب صندوق النقد الدولي، الذي اشترط تنفيذ إصلاحات جذرية، بينها رفع السرية المصرفية، كشرط أساسي لأي دعم مالي للبنان، كما تأتي في ظل إدراج مجموعة العمل المالي (FATF) لبنان على اللائحة الرمادية بسبب ثغرات خطيرة في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

من المتوقع أن تسهم هذه التعديلات في تعزيز الشفافية المالية، ومكافحة الفساد وتبييض الأموال والتهرب الضريبي، كما يُتوقع أن تفتح الباب أمام إعادة هيكلة النظام المالي اللبناني بالكامل، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، وتأمين الدعم المالي اللازم من الجهات المانحة.

إلا أن نجاح هذه الخطوة لا يقاس فقط بالكشف عن الحسابات، بل العبرة في التنفيذ في ظل نظام قضائي شبه مهترئ وتورط بعض من أصحاب النفوذ السياسي والمالي أنفسهم.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن يسلك طريق العهد الجديد الذي وعد به اللبنانيون، أو يظل الفساد العنوان الأبرز في سياسات لبنان المالية المقبلة.