من آثار الضربات على لبنان
من آثار الضربات على لبنان

أصدرت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الغربية والعربية، الأربعاء، بيانا مشتركا دعا إلى وقف مؤقت لإطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله اللبناني، في محاولة لمنع توسع الصراع إلى حرب واسعة.

وقال البيان: "حان الوقت لإبرام تسوية دبلوماسية، تمكّن المدنيين على جانبي الحدود من العودة إلى ديارهم بأمان".

وحذرت الدول الموقعة من أن "الوضع بين لبنان وإسرائيل منذ الثامن من أكتوبر 2023، لا يُحتمل، ويشكل خطراً غير مقبول لتصعيد إقليمي أوسع نطاقاً. هذا ليس من مصلحة أحد، لا شعب إسرائيل ولا شعب لبنان".

ويمثل تأمين الحدود الشمالية والسماح بعودة نحو 70 ألفا من السكان النازحين بسبب تبادل إطلاق النار شبه اليومي منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر، أولوية بالنسبة لإسرائيل.

وتعج المستشفيات في لبنان بالجرحى منذ الإثنين، حينما قتل القصف الإسرائيلي أكثر من 550 شخصا في أعنف يوم تشهده البلاد منذ انتهاء الحرب الأهلية عام 1990.

تصاعد الدخان جراء غارة جوية إسرائيلية شمال بيروت، في قرية راس أوستا، قضاء جبيل، كما شوهدت من المعيصرة، لبنان، الأربعاء 25 سبتمبر 2024
مسؤول في البيت الأبيض: نتوقع ردا من لبنان وإسرائيل "خلال ساعات"
وفي وقت سابق من الأربعاء، قال وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، إن فرنسا والولايات المتحدة تعملان على التوصل إلى وقف مؤقت لإطلاق النار لمدة 21 يوما بين حزب الله اللبناني وإسرائيل، لإتاحة الوقت لمفاوضات أوسع نطاقا.

21 يوما

جاء في البيان أن "الدبلوماسية لا يمكن أن تنجح وسط تصعيد النزاع، وبالتالي فإننا ندعو إلى وقف فوري لإطلاق النار لمدة 21 يوما عبر الحدود اللبنانية الإسرائيلية، لإفساح المجال أمام الدبلوماسية لإبرام تسوية".

كما دعا "جميع الأطراف، بمن فيهم حكومتا إسرائيل ولبنان، إلى تأييد وقف إطلاق النار المؤقت على الفور بما يتفق مع قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1701 وتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 2735 المتعلق بوقف لإطلاق النار في غزة".

وأصدر أيضا الرئيسان الأميركي جو بايدن، والفرنسي إيمانويل ماكرون، بيانا مشتركا قالا فيه: "لقد عملنا معا في الأيام الأخيرة على دعوة مشتركة لوقف مؤقت لإطلاق النار لمنح الدبلوماسية فرصة للنجاح، وتجنب مزيد من التصعيد عبر الحدود".

وأضاف بايدن وماكرون أن "البيان الذي تفاوضنا عليه يحظى الآن بتأييد كل من الولايات المتّحدة وأستراليا وكندا والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والسعودية والإمارات وقطر".

من جانبه، نقل موقع أكسيوس الأميركي، الأربعاء، عن مسؤول في البيت الأبيض، أن واشنطن تتوقع أن يقرر لبنان وإسرائيل "في غضون ساعات" ما إذا كانا يقبلان بالاستجابة لهذا النداء.

وأضاف أن "دعوة الدول الـ10، لم تشمل غزة، لكننا نأمل في أن يوفر وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، المجال والمساحة لاستئناف مفاوضات" تبادل الرهائن لدى حماس بسجناء فلسطينيين لدى إسرائيل.

كواليس المقترح

كشفت صحيفة "وول ستريت جونال" الأميركية، أن وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، ناقش لأول مرة هذا المقترح مع نظيره الفرنسي، الإثنين.

وقال مسؤول أميركي للصحيفة، إنه أمضى اليومين التاليين على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، في "التنقل بين الشركاء الأوروبيين والعرب بشأن النص، بما في ذلك الحصول على موافقات من قطر والسعودية".

يتصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية الخيام في جنوب لبنان في 25 سبتمبر 2024.

كما نقلت عن مسؤولين كبيرين في الإدارة الأميركية، أن وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله "يمكن أن يوفر مساحة دبلوماسية ضرورية لإسرائيل وحماس للموافقة على هدنة خاصة بهما".

فيما قال مسؤولون عرب للصحيفة، إن الخطة الأميركية "تتوقع أن وقف الهجمات من قبل حزب الله وإسرائيل، ستتبعه جهود دبلوماسية بقيادة الولايات المتحدة للتوصل إلى تسوية دائمة، التي من شأنها معالجة النزاعات على الأراضي على طول الحدود الإسرائيلية اللبنانية، وإعادة بناء المناطق في جنوبي لبنان المتضررة من الغارات الجوية".

كما أشاروا إلى أن المفاوضين سيستأنفون المحادثات بشأن وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس في غزة، على أمل أن يؤدي وقف القتال هناك إلى تخفيف الضغوط على حزب الله لمواصلة هجماته الصاروخية على شمالي إسرائيل.

لكن المسؤولين الأميركيين اعترفوا بأن فرص منع اشتعال حرب "تتقلص".

وكان حزب الله قد قال في أكثر مناسبة، إنه سيوقف هجماته على إسرائيل، في حال التوصل لوقف لإطلاق النار بقطاع غزة.

وذكرت الصحيفة الأميركية أيضًا أن المسؤولين العرب وبعض المسؤولين الأميركيين "ليسوا متفائلين"، في إشارة إلى فشل الجهود المماثلة التي كانت تهدف إلى وقف إطلاق النار في غزة.

وقال مفاوضون عرب إن الولايات المتحدة، التي لا تتواصل مباشرة مع حزب الله كونها تصنفه منظمة إرهابية، "استعانت بمصر وقطر وآخرين للمساعدة في التوسط للتوصل إلى اتفاق".

وكان رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، هرتسي هاليفي، قد قال، الأربعاء، في حديث مع جنوده، إن الغارات الجوية في لبنان "تمهد الطريق" لعملية برية محتملة ضد حزب الله، وفق رويترز.

واستهدف الجيش الإسرائيلي بضرباته هذا الأسبوع، قيادات لحزب الله ومئات المواقع في عمق لبنان، فر منها مئات الآلاف، فيما أطلق الحزب (المصنف إرهابيا في الولايات المتحدة ودول أخرى) وابلا من الصواريخ صوب إسرائيل.

وقالت إسرائيل إن طائراتها المقاتلة استهدفت جنوبي لبنان وسهل البقاع، كما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه سيستدعي لواءين من قوة الاحتياط لتنفيذ مهام عملياتية على الجبهة الشمالية، حسب رويترز.

سلاح حزب  الله

"أي يد تمتد إلى سلاحنا هي يد إسرائيلية وسنقطعها".

تبدلت الأمور كثيرا بين أكتوبر 2005، عندما أطلق أمين عام "حزب الله" السابق حسن نصرالله تلك العبارة، وبين أبريل 2025.

ما يقارب عقدين بين هذين التاريخين، انقلبت فيهما الأحوال في جنوب لبنان رأسا على عقب. فـ"حزب الله" تكبّد، نتيجة حربه لإسناد حركة حماس في قطاع غزة، خسائر عسكرية وأمنية فادحة، على رأسها اغتيال نصرالله نفسه، صاحب هذا الكلام عالي النبرة الذي كان موجها للداخل اللبناني.

مع نهاية العام 2024، بدأ نفوذ "حزب الله" ينحدر بسرعة كبيرة مع الخسائر الأمنية الجسيمة التي مُني بها، وخصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا. وخفتت مع هذا الانحدار، تدريجيا نبرة الخطاب التهديدي الموجه إلى الداخل، وما كان "محرما" في السابق النقاش فيه من منظور الحزب المدعوم من إيران، بات اليوم أمرا لا يمكن تجنّبه.

كل المعطيات والمعلومات تشير إلى أن القرار اتخذ بشكل حاسم لسحب سلاح "حزب الله" من جنوب نهر الليطاني في مرحلة أولى، ثم من الأراضي اللبنانية كافة في مراحل لاحقة.

ويمارس الجيش اللبناني، بدعم من رئاسة الجمهورية وبتنسيق مع لجنة مراقبة تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، ضغوطا على "حزب الله" لتسليم سلاحه تماما في منطقة جنوب نهر الليطاني.

وبحسب ما تؤكده الصحفية اللبنانية المتابعة لهذا الملف، جوزيفين ديب، لموقع "الحرة"، فإن "الجيش اللبناني وصل إلى الانتشار بنسبة تسعين في المئة جنوبي نهر الليطاني".

وتشير ديب إلى أن الجيش "عمل على تفكيك مواقع عسكرية تقع على الضفة الشمالية للنهر".

لكن ديب تشير إلى أن الجانب اللبناني يطلب أن تلتزم إسرائيل بالجانب المتعلق بها من الاتفاق وتنسحب من النقاط الخمس التي احتلتها في عمق الأراضي اللبنانية للسماح للجيش بالانتشار الكامل على الحدود الجنوبية.

الرئيس اللبناني جوزف عون بدا حاسما في مقابلة مع قناة "الجزيرة" في التأكيد على أن القرار اتخذ بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية فقط. وكشف عون عن عثور الجيش على أنفاق ومخازن ذخيرة في جنوب الليطاني وشماله أيضاً، واصفا إنجازات الجيش في هذا الإطار بالكبيرة.

عون أكد أيضاً بأن عملية تسليم السلاح تتم ضمن مفاوضات ثنائية بين رئاسة الجمهورية و"حزب الله"، وهو ما رد عليه مسؤول كبير في "حزب الله" في تصريحات لوكالة رويترز بأن الجماعة مستعدة لإجراء محادثات مع الرئيس اللبناني بشأن أسلحتها إذا انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان وأوقفت هجماتها.

وفيما تتضارب المعلومات حول عدد المواقع ومخازن السلاح التي صادرها الجيش اللبناني، رد رئيس الجمهورية على تصريحات مصدر مقرب من "حزب الله" لوكالة فرانس برس بأن الحزب تخلى للجيش اللبناني عن نحو 190 من مواقعه العسكرية الـ265 المحددة جنوب الليطاني.

وقال عون إن الرقم الذي أورده المصدر المقرب من الحزب ليس دقيقاً وأن الجيش يمتلك العدد الدقيق والموثق للمراكز التي دخلها و"نظفها" من السلاح.

وفي مقابلة سابقة مع "الحرة" قالت الباحثة في معهد واشنطن حنين غدار إن القرار 1701واضح في نصه على منع تسلح "حزب الله"، وأن الجيش يقوم بتطبيقه، وقد صادر بالفعل عشرات مخازن الأسلحة التابعة للحزب وقام بتدميرها. كما اكدت غدار ان آلية تطبيق القرار تعمل على منع تمويل "حزب الله" وتهريب السلاح اليه براً وبحراً وجواً.

لكن بحسب صحيفة "جيروزاليم بوست"، فإن إيران لا تزال تحاول تهريب السلاح عبر مرفأ بيروت، ونقلت الصحيفة عن مصدر استخباراتي غربي أن طهران قامت بعدة محاولات لتهريب أسلحة من إيران إلى "حزب الله" بحرًا عبر ميناء بيروت.

وأشارت الصحيفة إلى أن إيران تحاول عبر البحر بعد ان واجهت صعوبة كبيرة في تهريب الأسلحة الى "حزب الله" عبر طرقها البرية بعد سقوط نظام بشار الأسد.

كما أن مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، بحسب الصحيفة، "لم يعد يستقبل رحلات شحن متكررة من إيران، مما يزيد من أهمية الطريق البحري لمحاولات التهريب".

وفي وقت تحاول فيه إيران لملمة أوراقها المبعثرة في المنطقة لاستخدامها على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة، تعمل أجهزة استخبارات غربية على تقويض هذه المحاولات وإحباطها.

ونشرت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية تقريراً تناول عملية أمنية شاركت فيها أجهزة استخبارات وشرطة من فرنسا وإسبانيا وألمانيا والمملكة المتحدة، أدت إلى تفكيك شبكة دعم لوجستي تابعة لـ"حزب الله".

واستمرت هذه العملية منذ صيف عام 2024 وحتى أبريل 2025. وكشفت التحقيقات أن الشبكة كانت تعمل على شراء معدات تُستخدم في تصنيع الطائرات المسيّرة، لإرسالها إلى لبنان.