Lebanese soldiers cordon off the area at the site of an Israeli airstrike in Beirut's southern suburbs, Thursday, Sept. 26,…
جنود لبنانيون يغلقون المنطقة في موقع غارة جوية إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت

مع رفض إسرائيل لمقترح الهدنة مع حزب الله، وتلويحها بهجوم بري داخل الأراضي اللبنانية، تتزايد المخاوف من "حرب شاملة" تجر المنطقة إلى صراع إقليمي مدمر. وربما تحدث "مفاجآت".

ويواصل الجيش الإسرائيلي شن غارات جوية مكثفة في لبنان، يرد عليها حزب الله بإطلاق صواريخ نحو شمال إسرائيل.

في ظل التصعيد الذي يهدد بإغراق الشرق الأوسط في الحرب، دعت الولايات المتحدة وفرنسا في بيان وقعت عليه أيضا اليابان وقطر والسعودية والإمارات، إلى "وقف فوري لإطلاق النار لمدة 21 يوما عبر الحدود اللبنانية-الإسرائيلية لإفساح المجال أمام الدبلوماسية".

لكن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو قال الخميس إن الأخير "لم يرد حتى" على "المقترح الأميركي الفرنسي"، مؤكدا أنه أمر الجيش "بمواصلة الضرب بكل قوة".

وأعلنت إسرائيل التي تخوض حربا مع حركة حماس الفلسطينية في قطاع غزة منذ قرابة عام، في منتصف سبتمبر أنها تنقل "مركز ثقل" عملياتها شمالا نحو الحدود اللبنانية، للسماح بعودة عشرات الآلاف من النازحين إلى المنطقة التي يهاجمها حزب الله بشكل يومي منذ بدء النزاع في غزة.

هل تتحمل إسرائيل حربا شاملة أخرى؟

إسرائيل نشرت جنودها وتوقعات بشن هجوم بري. أرشيفية

الدبلوماسي الإسرائيلي السابق، مائير كوهين كوهين، يقول إن "الحرب الإسرائيلية ضد حزب الله تصعيدية بإيقاع ضربات، وفي كل مرحلة يتم استخلاص العبر للمرحلة الأخرى، والمرحلة التي تتعلق بالاجتياح البري، ستكون لحسم المعركة".

وأضاف في مقابلة مع قناة "الحرة" من تل أبيب أن "إسرائيل تتهيأ وتستعد (للاجتياح البري)، وهناك تدريبات كشف عنها الجيش الإسرائيلي"، مضيفا أن هذا الأمر "قد يكون وشيكا".

وزير الخارجية، يسرائيل كاتس، قال عبر منصة إكس "لن يكون هناك وقف لإطلاق النار في الشمال. سنواصل القتال ضد منظمة حزب الله الإرهابية بكل قوتنا حتى النصر والعودة الآمنة لسكان الشمال إلى ديارهم".

كذلك، رفض وزير المال اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريش وقف النار، قائلا إن الهدف يظل "سحق" حزب الله.

وهدد وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير المنتمي الى اليمين المتطرف، بمقاطعة أعمال الحكومة الإسرائيلية في حال إبرام اتفاق على وقف لإطلاق النار مع حزب الله.

الكاتب والباحث في الشؤون الاستراتيجية، علي حميه، أكد في حديث لقناة "الحرة" من بيروت إن ما يحدث الآن بين إسرائيل وحزب الله "بداية لمواجهة شاملة"، وأن "أي دخول بري إسرائيلي إلى لبنان، قد يضع هذه المواجهة في مستوياتها القصوى".

وتزايدت كثافة القصف المتبادل بين إسرائيل وحزب الله عبر الحدود منذ تفجيرات دامية لأجهزة اتصال كان يستعملها عناصره في 17 و18 سبتمبر، في عملية خلفت 39 قتيلا ونحو 3000 مصاب، وحمل الحزب إسرائيل مسؤولياتها.

وتلت التفجيرات غارة إسرائيلية في 20 من الشهر الجاري على ضاحية بيروت الجنوبية أدت إلى مقتل 16 عنصرا من حزب الله من بينهم قائد قوة الرضوان إبراهيم عقيل.

مستوى أعلى من التصعيد

واشنطن تضغط من أجل وقف إطلاق النار لمدة 21 يوما على الحدود الإسرائيلية اللبنانية

الكاتب حميه قال إن احتمالية "توسع دائرة الحرب أصبحت على الطاولة، بعد قيام إسرائيل" بغارات واسعة في جنوب لبنان، وهو ما دفع إلى حالة واسعة من النزوح من تلك المناطق، ناهيك عن "الاغتيالات" التي تم تنفيذها خلال الأيام الماضية.

وأوضح أن "حزب الله أيضا قادر على توسيع الحرب، إذ يمكنه القيام بضربات أكبر ودقيقة في الداخل الإسرائيلي"، مشيرا إلى أنه حتى الآن الحزب "لم يقم باستهداف المدنيين وضرب البنية التحتية وهو قادر على ذلك".

ودعا رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال، هرتسي هاليفي، الأربعاء، جنوده للاستعداد لهجوم بري محتمل في لبنان، ما أعاد ذكريات الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله عام 2006.

وخاض حزب الله وإسرائيل حربا مدمرة استمرت 34 يوما في صيف عام 2006، وأسفرت عن مقتل أكثر من 1200 شخص في لبنان معظمهم مدنيون، ونحو 160 إسرائيليا معظمهم جنود.

وتابع أن الضربات الجوية الإسرائيلية يبدو أنها "لا تحقق أهدافها" بإضعاف حزب الله، ولذلك يسعى إلى الدخول البري، وهو ما قد يسفر عن "حرب مجازر، ستكون إسرائيل الخاسر الأكبر فيها".

وحذر حميه أن "الدخول البري إلى لبنان ستكون" عواقبه وخيمة، وإذا "دخل الجيش الإسرائيلي لقرية لبنانية ستدخل عناصر حزب الله إلى مستوطنة إسرائيلية".

وأكد كوهين أن إسرائيل تتعامل بجدية مع قدرات حزب الله، وهي تعلم أنه يستعد منذ 20 عاما للمواجهة، مشيرا إلى وجود "اختراق كبير جدا في داخل حزب الله، ناهيك عن تدمير نحو 50 في المئة من قدراته القتالية".

البيت الأبيض أكد الخميس أن النداء لوقف إطلاق النار أطلق بـ "التنسيق" مع إسرائيل مضيفا أن المحادثات تتواصل خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وحذر وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن الخميس من أن حربا شاملة بين إسرائيل وحزب الله ستكون مدمرة لإسرائيل ولبنان على السواء، مشيرا الى أن وقف إطلاق النار بينهما "قد يمكن الافادة منه لإنجاز وتطبيق اتفاق لضمان وقف إطلاق النار في غزة".

تحضيرات ومفاجأت

تصاعد الدخان جراء غارة جوية إسرائيلية شمال بيروت، في قرية راس أوستا، قضاء جبيل، كما شوهدت من المعيصرة، لبنان، الأربعاء 25 سبتمبر 2024

وأشار المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية ديفيد مينسر إلى "هجوم محسوب بعناية" ضد حزب الله الذي "يجب الا يكون متواجدا عند الحدود".

ويقول كوهين لقناة "الحرة" إن المرحلة المقبلة، تحمل الكثير من "الاستعدادات والتحضيرات والمفاجأت"، فيما تواجه إسرائيل "تحديات وحربا مفتوحة على سبع جبهات، فتحت عليها من قبل إيران".

ويرى أن إسرائيل جاهزة لمثل هذه المواجهة مع أذرع إيران، وقال إلى جانب الخطط ستكون "سوريا ضمن دائرة الاستهداف، باعتبارها بوابة إيرانية لنقل العتاد لحزب الله، لمنع وصول الأسلحة للحزب".

في الأثناء، قالت وزارة الدفاع الإسرائيلية إنها ستحصل على حزمة مساعدات أميركية بقيمة 8.7 مليارات دولار لدعم البلاد في عملياتها العسكرية الحالية، تشمل تحديث أنظمة الدفاع الجوي.

وأعلن الجيش الإسرائيلي الخميس تنفيذ ضربات جديدة ضد أهداف للحزب في مناطق لبنانية متفرقة، شملت بنى تحتية عند الحدود اللبنانية السورية.

كذلك، أعلن شن "ضربات دقيقة" على ضاحية بيروت الجنوبية ومقتل قائد وحدة المسيرات في حزب الله محمد سرور الملقب "أبو صالح". وأكد مصدر مقرب من الحزب استهداف القيادي.

وأفادت وزارة الصحة اللبنانية بأن الغارة خلفت قتيلين و15 جريحا.

وهذا الهجوم الإسرائيلي الرابع من نوعه خلال أسبوع على هذه المنطقة التي تعد معقلا للحزب المدعوم من إيران.

وأفادت الوزارة الخميس بمقتل عشرين شخصا بينهم 19 سوريا جراء غارة طالت ليلا بلدة يونين الواقعة في محافظة البقاع الحدودية مع سوريا.

وتعرضت هذه المنطقة لضربات جوية مكثفة ليل الأربعاء الخميس.

وفي بيانات متلاحقة، أعلن حزب الله الخميس شن ثماني هجمات بالصواريخ والمسيرات على مواقع في شمال إسرائيل بينها مدينة صفد ومجمعات للصناعات العسكرية قرب مدينة حيفا.

إلى جانب الغارات الإسرائيلية على مناطق عدة في جنوب لبنان وشرقه، استهدفت مسيرات إسرائيلية أشخاصا في مناطق مختلفة داخل سياراتهم أو على دراجاتهم.

منذ الاثنين، خلفت الغارات الإسرائيلية أكثر من 600 قتيل في لبنان بينهم الكثير من المدنيين، بحسب أرقام وزارة الصحة اللبنانية.

أدى القصف الإسرائيلي إلى نزوح أكثر من 90 ألف شخص في لبنان بحسب الأمم المتحدة، توجهوا خصوصا إلى بيروت ومناطق في شمال البلاد، وسوريا.

وقال مصدران أمنيان سوريان لوكالة فرانس برس الخميس إن أكثر من 31 ألف شخص، الجزء الأكبر منهم سوريون، عبروا الحدود من لبنان منذ مطلع الأسبوع.

وبحسب السلطات اللبنانية، يستضيف لبنان نحو مليوني سوري، قدمت غالبيتهم بعد اندلاع النزاع في بلادهم في العام 2011.

وأعلنت السلطات اللبنانية الخميس أنها أحصت مقتل 1540 شخصا منذ بدء التصعيد بين حزب الله وإسرائيل قبل نحو عام على خلفية الحرب بين الدولة العبرية وحركة حماس في قطاع غزة.

وبحسب مستند نشرته وحدة إدارة مخاطر الكوارث التابعة للحكومة اللبنانية، فقد قُتل 1540 شخصا، 60 منهم خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، وأُصيب 5410 آخرين بجروح جراء "الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان" التي تكثفت اعتبارا من الاثنين.

علي

"أنا مين؟" سأل نفسه، عائدا، على حدود الوطن.

لم يجد جوابا.

منذ غادر لبنان، لم يكن الاسم وحده ما تغيّر.

علي، الشاب الشيعي المنتمي لحزب الله منذ الطفولة، لم يقرر أن يولد عليًّا، ولم يكن يتخيل يومًا أن يصير إيلي، يقول.

من الكشافة إلى القتال

في بيت فقير، في جنوب لبنان، وُلد علي يتيمًا بين عشرة.

أمه، بلا سند، لم تجد ملاذًا سوى في الحزب الذي يفرض حضوره على كل تفصيل في المجتمع: من المدرسة إلى المستشفى، من الطفولة إلى السلاح.

هناك، لم تكن الحياة مجرد حياة؛ بل عقيدة. "نحن على الحق"، يرددونها صباحًا ومساءً. ومنذ الطفولة، صارت البندقية جزءًا من المنهج.

في عمر العاشرة، انضم علي إلى "كشافة الإمام المهدي"، حيث يبدأ الغرس العقائدي والعسكري معًا. "دورة محو الأمية" لم تكن كما توحي تسميتها؛ بل تدريبًا أوليًا على حمل السلاح. في الثانية عشرة، كان الطفل الصغير يعرف كيف يفكك البندقية، وفي الثالثة عشرة، كان يفتخر باستشهاد أصدقاء في التدريبات.

يصف علي دورات القتال بأنها "مزج من العسكر والعقيدة"، لكن العقيدة كانت الغالبة دائمًا. يتعلم المنتسبون أنهم يدافعون عن "أمة، عن شرف، عن طائفة"، وأن كل ما هو خارج هذا المسار مشبوه، خطر، أو "كفر".

عالم بالألوان

لكن العالم ليس أبيض وأسود. في سن الثامنة عشرة، بدأت تظهر تصدعات الشك. تعرّف علي على أصدقاء خارج "الخط"، وبدأ يرى شيئًا مختلفًا: حياة أخرى، حوارات، ضحك، نساء، ملابس ملونة، وموسيقى. كلها ممنوعة.

في إحدى الليالي، عاد إلى البيت متأخرًا، فصفعته أمه بركوة قهوة. تلك الصفعة لم تكن مجرد غضب أم، بل لحظة صدع.

"هل هذا هو الحق؟"، تساءل لأول مرة.

ومن هذا السؤال، بدأ كل شيء يتغير.

الهروب من القدر

رفض علي دعوة الحزب للانضمام إلى دورة تؤهله ليصبح "متفرغًا". كان يعلم أن القبول بها يعني بلوغ نقطة اللاعودة. فقرر أن يغادر. هرب من عائلته، من أصدقائه، ومن اسمه.

سافر إلى تركيا، ومنها حاول عبور البحر إلى أوروبا على "قوارب الموت". غرق ثلاث مرات. في كل مرة، كان الموت قريبا وكان كأنه يولد من جديد. أعادته النجاة إلى السؤال الأصلي: من هو؟ وماذا يريد أن يكون؟

من علي إلى إيلي

بعد فشل محاولة اللجوء، عاد إلى لبنان. في مطار بيروت، وقف حائرًا: لا أهل، لا أصدقاء، ولا خط عودة إلى الحزب. دق باب صديق قديم، فأتاه الجواب:

"في عائلة بدها حدا يساعدها... بس في مشكلة: اسمك علي".

ضحك، وقال: "خليه إيلي".

هكذا بدأ فصلاً جديدًا من حياته، يعيش مع عائلة مسيحية، يذهب معهم إلى الكنيسة، يشاركهم التراتيل، ويشعر لأول مرة بأنه إنسان، فقط إنسان.

"أنا مين؟" يعيد السؤال، هذه المرة بثقة أكبر. لا يريد أن يكون تابعًا، ولا أن يُملى عليه ما هو الحق وما هو الباطل. "بدي أكون إنسان يقرر، يشوف، يعرف".

تغير الاسم، بقي السؤال، لكن صارت لديه حرية البحث عن إجابة.