الجيش الإسرائيلي يواصل شن غارات مكثفة على معقل حزب الله
الجيش الإسرائيلي يواصل شن غارات مكثفة على معقل حزب الله

كشف مسؤول إسرائيلي كبير، الجمعة، أن إسرائيل تأمل باستهداف قيادة حزب الله في غارات جوية كبيرة على بيروت، في تجنب شن غزو بري على لبنان، حسبما نقلته صحيفة "تايمز أوف إسرائيل".

ويواصل الجيش الإسرائيلي، السبت، شن غارات مكثفة على ضاحية بيروت الجنوبية، معقل حزب الله، حيث نفذ الجمعة ضربة عنيفة على "مربع أمني" للحزب استهدفت بحسب وسائل الإعلام الإسرائيلية، أمينه العام، حسن نصرالله.

ووفقا للمسؤول الذي لم تسمه الصحيفة، كانت الغارة التي استهدفت نصر الله  ومسؤولين آخرين كبار في الجماعة، خلال اجتماع في مركز قيادة رئيسي في جنوب بيروت "تهدف إلى كسر حزب الله".

وكشف المسؤول الكبير خلال إحاطة مع الصحفيين على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك بعد خطاب رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو،  أن "المخابرات الإسرائيلية كشفت عن خطة إيرانية لتطويق إسرائيل والقضاء على الدولة اليهودية بحلول عام 2040".

ويضيف أنه مع ذلك، فإن "زعيم حماس يحيى السنوار استبق الأمور بأمره بشن الهجوم الإرهابي في 7 أكتوبر، قبل أن يكون الوكلاء الآخرون لإيران مستعدين".

ووفقا للمصدر ذاته، فقد "كانت إسرائيل تعمل على صد هذه المؤامرة الإيرانية، منذ 7 أكتوبر، لكنها أدركت أن نصر الله كان "المحور الرئيسي" الذي لا يمكن تجاهله.

وقاد نصر الله حزب الله لمدة 32 عاما، ومنذ 7 أكتوبر وجّه الجماعة المصنفة إرهابية بالولايات المتحدة ودول أخرى، لتنفيذ هجمات شبه يومية عبر الحدود ضد إسرائيل ما  أجبر آلاف الإسرائيليين على إخلاء البلدات الحدودية.

قال المسؤول، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته: "لا يمكننا أن نبقى إذا لم نوقف هذا ونعكسه"، مشيرا إلى التهديد الذي تشكله الميليشيات المدعومة من إيران في المنطقة على بلاده.

وأضاف: "من المستحيل عكسه دون حرب شاملة. كان هذا هو الافتراض - حرب شاملة مع حزب الله، والتي تنطوي على إمكانية نشوب حرب أوسع مع إيران".

وأضاف: "الطريقة الأخرى للقيام بذلك هي القضاء عليه (نصر الله)، إذا قضيت عليه، فأنت لا تحيد تلك الجبهة فحسب - لأن لا شيء آخر سيفعل ذلك - بل تكسر أيضا محورا رئيسيا ومركزيا للمحور"، كما ادعى المسؤول الإسرائيلي الكبير.

وأصبح نصر الله الأمين العام لحزب الله في عام 1992 عن عمر يناهز 35 عاما، وكان الوجه العام للمجموعة، أسسها الحرس الثوري الإسلامي الإيراني في عام 1982 لمواجهة القوات الإسرائيلية التي كانت تحتل جنوب لبنان آنذاك.

وسبق أن اغتالت إسرائيل سلف نصر الله، عباس الموسوي، في هجوم بطائرة هليكوبتر.

ودافع المسؤول عن تصرف إسرائيل، عندما سُئل عن كيف سيغير مقتل نصر الله التهديد الذي يشكله من حزب الله بينما لم توقف ذلك عمليات اغتيال سابقة بحق قادة منظمات أخرى، قائلا: ""أعتقد أنه مختلف..بعض الناس لا يمكن استبدالهم وليس لديهم بديل. هذه إحدى الحالات، لا شك في ذلك"، قال المسؤول.

وأضاف "قبل نحو 10 أيام أو أسبوعين، اتخذ مجلس الوزراء قرارا بأننا لا يمكن أن يكون لدينا، بعد عام، إسرائيليون هم في الأساس نازحون في أرضهم".

لذلك، يتابع " أضفنا هدفا حربيا رسميا بإعادة شعبنا وإضعاف قوة حزب الله، والتمكن من دفعهم بعيدا عن الحدود، وتدمير البنية التحتية على طول الحدود، وتغيير توازن القوى".

وأورد أن "أهم شيء فعلناه هو محاولة القضاء على حوالي نصف قدرات الصواريخ والقذائف التي بناها على مدى الـ 30 عامًا الماضية مع إيران والقضاء عليها في بضع ساعات. وفعلنا ذلك".

وذكرت "تايمز أوف إسرائيل"، أنه بينما أشارت التقييمات الأمنية الإسرائيلية الأولية إلى أن نصر الله لم ينج من ضربة الجمعة، قال المسؤول  "إنه قد يستغرق الأمر أسابيع حتى تؤكد إسرائيل وفاته".

وقال مصدر مقرب من حزب الله لوكالة فرانس برس بعد الغارات الأولى التي وقعت بعيد السادسة مساء، إن نصرالله "بخير"، لكن بعد مضي ساعات طويلة على الضربة لم يصدر أي إعلان رسمي عن الحزب.

وأعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، دانيال هاغاري، خلال مؤتمر صحفي، مساء الجمعة "إننا بصدد التثبت من نتائج الهجوم على المقر العام المركزي لحزب الله" مؤكدا "إننا نعلم أن هجومنا كان دقيقا جدا".

وأحدثت الغارة على "المقر العام" لحزب الله دويا هائلا تردّد صداه في بيروت ومحيطها، وأثار حالة من الرعب والهلع لدى السكان.

سلاح حزب الله

في مقابلة أجراها غسان شربل ونشرها في كتابه "لعنة القصر،" يقول رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق، رفيق الحريري، الذي اغتيل في العام ٢٠٠٥ في تفجير ضخم، إن إنهاء الميليشيات بعد اتفاق الطائف شهد محاولتين:

الأولى اعتمدها ميشال عون (قائد الجيش حينذاك)، عبر محاولة إنهاء القوات اللبنانية بالقوة، "استخدم المدفع فماذا كانت النتيجة؟"، يسأل الحريري، ثم يجيب: "دُمرت المنطقة الشرقية ودُمّر الجيش وبقيت الميليشيات". 

والطريقة الثانية التي يتحدث عنها الحريري كانت تلك التي اعتمدها رئيس الجمهورية في تلك الفترة، الياس الهراوي، الذي قال للميليشيات (بحسب الحريري): "الدولة تتسع للجميع. سلموا أسلحتكم للدولة وشاركوا". يتابع الحريري: "أسألك أين هي الميليشيات اليوم؟ ذابت الميليشيات".

ما يحكي عنه الحريري حدث في العام 1990 بعد شهور على توقيع اتفاق الطائف في أكتوبر ١٩٨٩، الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية. 

نص الاتفاق آنذاك بوضوح على أن الحكومة الأولى بعد الطائف تضع خطة هدفها "بسط سلطة الدول اللبنانية تدریجیاً علـى كامل الأراضي اللبنانیة بواسطة قواتها الذاتیة". ل

يس ذلك فقط، بل وضع الاتفاق جدولاً زمنياً لهذا الانتقال من عهد الميليشيات إلى عهد الدولة: 

"الإعلان عن حل جمیع المیلیشیات اللبنانية وغیـر اللبنانية وتسليم أسـلحتها إلـى الدولـة اللبنانية خـلال سـتة أشـهر تبـدأ بعـد التصديق علـى وثیقـة الوفـاق الـوطني وانتخـاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومـة الوفـاق الـوطني وإقـرار الإصـلاحات السياسية بصورة دستورية".

"ذابت الميليشيات" في الدولة، بحسب المصطلح الذي استخدمه الحريري، وهذا الذوبان تمّ، على ما يشرح غسان شربل، عبر "رشوة الميليشيات بحصة من الدولة". دخل كثير من عناصر هذه الميليشيات إلى القوى العسكرية والأمنية الرسمية، وتسلّم الجيش اللبناني منها السلاح الثقيل والمتوسط، فيما بقي كثير من السلاح الخفيف (رشاشات ومسدسات) في بيوت عديد من اللبنانيين حتى يومنا هذا.

ما كان لافتاً لدى تطبيق هذا الاتفاق، أن "حزب الله" وحده لم "يذب" في الدولة، وجرى الإبقاء على سلاحه، بحجة "مقاومة إسرائيل"، بتواطؤ من أطراف محلية واقليمية، وبغض نظر من الأطراف الدوليين. 

بقي "حزب الله" الميليشيا المسلحة الوحيدة بعد الطائف. وراح يكبر في منظومته العسكرية حتى بات جيشاً رديفاً، يغرّد وحيداً بأجندة إيرانية- سورية، في مخالفة واضحة لنص اتفاق الطائف، وفي تحايل على أحد بنوده الذي ينص على "اتخـاذ كافـة الإجراءات اللازمة لتحرير جمیع الأراضـي اللبنانية مـن الاحتلال الإسرائيلي وبسط سـیادة الدولـة علـى جمیع أراضيها ونشر الجیش اللبناني في منطقة الحـدود اللبنانیة المعتـرف بهـا دولیاً والعمـل علـى تـدعیم وجـود قـوات الطوارئ الدولية فـي الجنـوب اللبنـاني لتأمين الانسحاب الإسرائيلي ولإتاحـة الفرصـة لعـودة الأمـن والاسـتقرار إلـى منطقـة الحدود". 

هذه الفقرة تبدو مطابقة إلى حد كبير لنص القرار 1701، موضع التنفيذ حاليا في جنوب لبنان.

اليوم، بعد حرب طاحنة مع إسرائيل أفقدته قوته العسكرية، يعود الحديث عن تسليم سلاح "حزب الله" للدولة على غرار ما حدث مع باقي الميليشيات في العام ١٩٩٠، وقد تحدث رئيس الجمهورية، جوزاف عون، في مقابلة تلفزيونية عن حوار ثنائي مع الحزب لتسليم سلاحه. وفي تصريح آخر- أثار بلبلة ديبلوماسية مع العراق- أكد عون أنه من غير الوارد تكرار تجربة الحشد الشعبي في لبنان.

الخبير الأمني والعسكري الجنرال المتقاعد خليل الحلو، يرى في مقابلة مع موقع "الحرة" أن تجربة الحشد الشعبي في العراق غير مقبولة في لبنان، "ويجب أن تمر عبر مجلس الوزراء ولا أعتقد أن أي مجلس وزراء يستطيع تمرير هكذا قرار كما تحتاج إلى قانون من مجلس النواب، من أجل التمويل، وهذا غير وارد".

يشرح الحلو أن "ميليشيات الحشد الشعبي تستحصل على رواتبها من الحكومة العراقية، وهي تأتمر نظرياً من الحكومة، لكن عملياً هناك فصائل عدة تأتمر بشكل مباشر أو غير مباشر من إيران ولديها أيديولوجيتها الخاصة. وهذه التجربة دلت على أن الحكومة العراقية لا تسيطر على الحشد الشعبي".

وهذا، برأي الحلو، هو بيت القصيد في مسألة استيعاب عناصر "حزب الله" داخل الجيش اللبناني. 

بالنسبة إلى الحلو فإن المسألة سياسية وعسكرية: "لا يمكن أن يكون هناك أمرة عسكرية على حشد شعبي-نسخة لبنانية، وهذا الحشد الشعبي يفعل كما يحلو له ويجر لبنان إلى حروب لا يريدها".

معضلة أخرى تبرز في الحالة اللبنانية ترتبط بحساسية التوازن الطائفي القائم على قاعدة يطلق عليها اللبنانيون تسمية "ستة وستة مكرر". وهي تعود إلى فترة الانتداب الفرنسي، ومرتبطة بمراسلات بين رئيس الجمهورية آنذاك والمفوض السامي الفرنسي تتعلق بالمساواة في الحقوق السياسية والمدنية بين اللبنانيين.

كانت هناك مراسلة رقمها ٦، أرسلها الرئيس إلى المفوض أكد فيها على التزام المساواة في التعيينات والوظائف الرسمية، وبعد رد المفوض أرسل الرئيس رسالة ثانية حملت عنوان "٦ مكرر"، جدد فيها الرئيس التزامه السابق، وتحول الأمر مع الوقت إلى عرف لبناني، نص عليه اتفاق الطائف عبر المناصفة في مجلس النواب بين المسلمين والمسيحيين.

مراعاة "الستة وستة مكرر" ستكون صعباً في حالة ضم آلاف العناصر من "حزب الله" إلى الجيش اللبناني. الحلو يذكر أنه "عندما جرى استيعاب الميلشيات في العام ١٩٩٠ داخل الجيش اللبناني، كان الأمر مقبولاً لأن العدد لم يكن كبيراً، وأكثرية الميليشياويين في ذلك الوقت اختاروا الذهاب إلى الحياة المدنية وليس إلى الجيش".

إذا حصل الأمر كما يتم تداوله، أي ضم مقاتلي "حزب الله" إلى الجيش دفعة واحدة، فإنه بلا شك سيكسر التوازن الطائفي داخل المؤسسة العسكرية، كما يؤكد الحلو، "وقيادة الجيش حريصة على الحفاظ ليس فقط على التوازن الطائفي (إسلامي – مسيحي) بل أيضاً التوازن المذهبي (سني-شيعي مثلاً)". 

ولهذا يرى حلو أن "هناك استحالة في ضم عناصر حزب الله بالآلاف إلى الجيش، لأن المسألة لا تتعلق فقط بالأعداد، بل العقيدة القتالية وبالموازنة والتسليح وهي مسألة متكاملة".

هل حزب الله مستعد للتخلي عن ثلاثين ألف مقاتل؟ يسأل الحلو. ثم يجيب: "واقعياً المعضلة موجودة ولا حل عملياً لها، إلا بفتح باب التطويع وتدريب المقاتلين وفق عقيدة الجيش اللبناني واستيعابهم داخل المؤسسة إذا كانوا مقتنعين، رغم انتمائهم لحزب الله، بالالتزام بعقيدة الجيش والالتزام بالأوامر على المستويين العسكري والسياسي". 

الحلو يقول إن هناك ضباطاً شيعة في الجيش اليوم من الجو السياسي لـ"حزب الله"، و"هؤلاء مندمجون في الجيش في تجربة تعتبر إلى حد كبير ناجحة، وإذا كان حزب الله لا يثق بهؤلاء الضباط فإنه لن يثق بالدولة اللبنانية".

لماذا يقوم الجيش اللبناني بإتلاف السلاح الذي يصادره من "حزب الله" ولا يحتفظ به؟

هذا السؤال، الذي يترافق غالباً مع قضية ضم مقاتلي "حزب الله" يطرحه كثيرون، ويرى البعض أن الأمر يعود لأسباب سياسية. لكن الحلو يقول إن الأمر تقني بحت، "في ألف-باء الأمور العسكرية، عندما يكون هناك ذخائر لا يمكن استخدامها أو صيانتها، تصبح خطرة، وتخزينها خطر، وأكبر دليل على ذلك ذخائر لحزب الله انفجرت بعناصر من الجيش اللبناني وهم ينقلونها وقتلت ٣ عسكريين".

في السابق كانت تقع حوادث يصادر على إثرها الجيش ذخائر وأسلحة لـ"حزب الله" وكانت تعاد هذه الأسلحة للحزب بقرار من السلطة السياسية، استنادا إلى البيانات الوزارية السابقة التي كانت تغطي تسليح الحزب وعمله العسكري. اليوم اختلف الأمر تماماً، كما يقول الحلو، "البيان الوزاري يلتزم بتطبيق القرار ١٧٠١ والسلطة السياسية كلها ملتزمة بهذا الأمر تحت رقابة دولية".