التقرير يؤكد أن حزب الله وقع ضحية خطأين استراتيجيين مع إيران وإسرائيل
التقرير يؤكد أن حزب الله وقع ضحية خطأين استراتيجيين مع إيران وإسرائيل

بعد هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر، ألقى حسن نصر الله، زعيم حزب الله، خطابا ناريا، وصف فيه إسرائيل بأنها "ضعيفة وأوهن من بيت العنكبوت"، معتبرا الحرب الحالية "حاسمة في التاريخ".

غير أن الأحداث تطورت بشكل دراماتيكي، وفقا لصحيفة "وول ستريت جورنال"، إذ أشهرا بعد ذلك، لقي نصر الله حتفه مع معظم قيادات حزبه الذي تعرض لضربات قاصمة كشفت عن اختراق استخباراتي إسرائيلي عميق لصفوفه.

واعتبرت الصحيفة الأميركية، أنه بأثر رجعي، تبيّن أن نصر الله وقع في خطأين استراتيجيين: أولهما الاستهانة الفادحة بإسرائيل، عدوته، وثانيهما المبالغة في تقدير قوة إيران وحلفائها في المنطقة.

وأوضحت الصحيفة، أن إيران أظهرت أن مفهوم "وحدة الجبهات" لديها هو طريق ذو اتجاه واحد، حيث تتوقع من حلفائها في المنطقة سفك دمائهم من أجل نظامها، ولكن دون أي مقابل منها.

وأشارت إلى أن الضربات القوية التي تلقاها حزب الله تشكل "تحديا استراتيجيا كبيرا لإيران"، موضحة أن طهران كانت تعتمد على الترسانة الصاروخية للحزب كورقة رادعة ضد أي هجوم إسرائيلي محتمل على منشآتها النووية.

وفي هذا السياق، يقول مايكل هوروفيتز، الخبير الاستخباراتي في شركة "لي بيك" الدولية للاستشارات: "إن إضعاف حزب الله يحدث تحولا جذريا في المنطقة. فالحزب ليس مجرد وكيل إيراني عادي، بل هو عنصر جوهري في استراتيجية إيران الدفاعية وأداتها الرئيسية لردع إسرائيل". 

ويضيف هوروفيتز: "هذا الوضع يضع إيران في مأزق حقيقي. فبينما أنشئ حزب الله أصلا لحماية إيران، تجد طهران نفسها الآن أمام معضلة الدفاع عن الحزب نفسه".

"نقطة تحول منتظرة"

وفي حين أفادت الصحيفة بأن حزب الله كان "ضحية لغروره"، تشير إلى أن إسرائيل تخاطر الآن بالوقوع في فخ مماثل، خاصة إذا شنت غزوا بريا للبنان وحاولت إعادة رسم التركيبة السياسية اللبنانية، مشيرة إلى أن  غزوها للبنان عام 1982 أدى إلى ولادة حزب الله واحتلال طويل انتهى بالانسحاب.

وعلى الرغم من وفاة نصر الله والعديد من القادة الكبار، تقول الصحيفة إن  حزب الله لا يزال يحتفظ بآلاف المقاتلين المتمرسين وترسانة كبيرة يمكن استخدامها لإلحاق خسائر كبيرة على أرض معدة في معاقله في جنوب لبنان.

وحذرت كسينيا سفيتلوفا، وهي عضو سابق في الكنيست الإسرائيلي وزميلة أولى غير مقيمة في المجلس الأطلسي، قائلة: "حزب الله لا يستطيع الانتظار حتى تبدأ إسرائيل العمل على الأرض في جنوب لبنان لأن تلك اللحظة قد تصبح نقطة تحول  تتيح لهم النهوض من الرماد، واستعادة الدعم مرة أخرى من المجتمع اللبناني الأوسع".

وفي حين أن القادة الإسرائيليين يدركون مخاطر القتال البري، ويتذكرون خسائر حملة عام 2006، تبقى المشكلة الرئيسية، صعوبة تحقيق هدف الحكومة المعلن بإعادة نحو 60 ألف نازح إسرائيلي إلى بيوتهم،  بالقوة الجوية وحدها.

وعلى الرغم من الضربات الأخيرة، يرفض حزب الله وقف إطلاق النار عبر الحدود دون موافقة إسرائيل أيضا على وقف إطلاق النار مع حماس في غزة. 

وتشير "وول ستريت جورنال" إلى أن الخسارة الأكبر للحزب، تتمثل في فقدانه "هالة عدم القابلية للهزيمة التي سمحت له بالسيطرة على الدولة اللبنانية".

كما يخاطر حزب الله الآن بمكانته مع قاعدته داخل الطائفة الشيعية اللبنانية، خاصة مع فرار سكان المناطق ذات الأغلبية الشيعية في الجنوب ووادي البقاع من منازلهم بسبب الغارات الجوية الإسرائيلية.

في هذا الجانب، يقول  المحلل السياسي مايكل يونغ: "لقد ارتدت حرب حزب الله عليه، فقد دمرت أجزاء كبيرة من الجنوب، وأصبح مئات الآلاف من الشيعة على الطرقات أو في الأساس لاجئين في بلدهم. كيف يضمن حزب الله ولاء هؤلاء الناس بعد الآن؟".

وتابع أن "المشكلة الأخرى هي أنه محليا،  يبقى حزب الله معزولا عندما يتعلق الأمر بفتح جبهة ثانية مع إسرائيل"، موضحا أن "هناك الآن قدر معين من الشماتة فيما يحدث معه، لدى عدة أطراف بالمنطقة".

علي

"أنا مين؟" سأل نفسه، عائدا، على حدود الوطن.

لم يجد جوابا.

منذ غادر لبنان، لم يكن الاسم وحده ما تغيّر.

علي، الشاب الشيعي المنتمي لحزب الله منذ الطفولة، لم يقرر أن يولد عليًّا، ولم يكن يتخيل يومًا أن يصير إيلي، يقول.

من الكشافة إلى القتال

في بيت فقير، في جنوب لبنان، وُلد علي يتيمًا بين عشرة.

أمه، بلا سند، لم تجد ملاذًا سوى في الحزب الذي يفرض حضوره على كل تفصيل في المجتمع: من المدرسة إلى المستشفى، من الطفولة إلى السلاح.

هناك، لم تكن الحياة مجرد حياة؛ بل عقيدة. "نحن على الحق"، يرددونها صباحًا ومساءً. ومنذ الطفولة، صارت البندقية جزءًا من المنهج.

في عمر العاشرة، انضم علي إلى "كشافة الإمام المهدي"، حيث يبدأ الغرس العقائدي والعسكري معًا. "دورة محو الأمية" لم تكن كما توحي تسميتها؛ بل تدريبًا أوليًا على حمل السلاح. في الثانية عشرة، كان الطفل الصغير يعرف كيف يفكك البندقية، وفي الثالثة عشرة، كان يفتخر باستشهاد أصدقاء في التدريبات.

يصف علي دورات القتال بأنها "مزج من العسكر والعقيدة"، لكن العقيدة كانت الغالبة دائمًا. يتعلم المنتسبون أنهم يدافعون عن "أمة، عن شرف، عن طائفة"، وأن كل ما هو خارج هذا المسار مشبوه، خطر، أو "كفر".

عالم بالألوان

لكن العالم ليس أبيض وأسود. في سن الثامنة عشرة، بدأت تظهر تصدعات الشك. تعرّف علي على أصدقاء خارج "الخط"، وبدأ يرى شيئًا مختلفًا: حياة أخرى، حوارات، ضحك، نساء، ملابس ملونة، وموسيقى. كلها ممنوعة.

في إحدى الليالي، عاد إلى البيت متأخرًا، فصفعته أمه بركوة قهوة. تلك الصفعة لم تكن مجرد غضب أم، بل لحظة صدع.

"هل هذا هو الحق؟"، تساءل لأول مرة.

ومن هذا السؤال، بدأ كل شيء يتغير.

الهروب من القدر

رفض علي دعوة الحزب للانضمام إلى دورة تؤهله ليصبح "متفرغًا". كان يعلم أن القبول بها يعني بلوغ نقطة اللاعودة. فقرر أن يغادر. هرب من عائلته، من أصدقائه، ومن اسمه.

سافر إلى تركيا، ومنها حاول عبور البحر إلى أوروبا على "قوارب الموت". غرق ثلاث مرات. في كل مرة، كان الموت قريبا وكان كأنه يولد من جديد. أعادته النجاة إلى السؤال الأصلي: من هو؟ وماذا يريد أن يكون؟

من علي إلى إيلي

بعد فشل محاولة اللجوء، عاد إلى لبنان. في مطار بيروت، وقف حائرًا: لا أهل، لا أصدقاء، ولا خط عودة إلى الحزب. دق باب صديق قديم، فأتاه الجواب:

"في عائلة بدها حدا يساعدها... بس في مشكلة: اسمك علي".

ضحك، وقال: "خليه إيلي".

هكذا بدأ فصلاً جديدًا من حياته، يعيش مع عائلة مسيحية، يذهب معهم إلى الكنيسة، يشاركهم التراتيل، ويشعر لأول مرة بأنه إنسان، فقط إنسان.

"أنا مين؟" يعيد السؤال، هذه المرة بثقة أكبر. لا يريد أن يكون تابعًا، ولا أن يُملى عليه ما هو الحق وما هو الباطل. "بدي أكون إنسان يقرر، يشوف، يعرف".

تغير الاسم، بقي السؤال، لكن صارت لديه حرية البحث عن إجابة.