نصر الله تولى قيادة حزب الله منذ عام 1992
نصر الله تولى قيادة حزب الله منذ عام 1992

بات العديد من اللبنانيين يتساءلون عن مستقبل بلادهم بعد الضربات الموجعة التي تعرض لها حزب الله، واغتيال زعيمه التاريخي، حسن نصرالله.

وبعد مقتل القيادي البارز، وقبل تأكيد التنظيم ذلك، احتفل خصومه في الشوارع بهذه الأنباء. يقول رامي (28 عاما)، وهو من بلدة الناقورة في جنوب لبنان، الذي انتقلت عائلته إلى بيروت في بداية الحرب إن "المشاعر مختلطة".

ويضيف رامي في تصريحات لصحيفة هآرتس: "لقد طوي الفصل الذي يسمى حزب الله. لكننا قلقون بشأن ما سيأتي بعد ذلك. هل سيتم استبداله؟ ماذا ستفعل المنظمة، وكيف سترد؟".

ومخاوف رامي مبررة لأن التنظيم ومسلحيه هيمنوا على سكان البلاد لعقود.

ويقول رامي: "لن أنسى أبدا خطاب نصرالله، العام الماضي، الذي حرض فيه ضد مجتمع المثليين في البلاد، وضد الآباء الذين أرادوا تضمين قضايا النوع الاجتماعي في التعليم".

ويقول عصام، وهو مواطن سوري كان يعيش في دمشق، قبل أن يفر مع عائلته إلى باريس أثناء الحرب الأهلية السورية: "أعتقد أن السوريين سيصابون بالسكري بعد تناولهم كميات كبيرة من الحلويات في الاحتفالات، التي أقيمت خلال الأسبوع الماضي".

وتشير مجلة إيكونوميست إلى أن "عديدين سوف يشعرون بقدر من السعادة" بعد مقتله، مشيرة إلى "بلطجية الحزب ساهموا في قمع انتفاضة شعبية مؤيدة للإصلاح عام 2019، وبعد عامين أرغم الدولة على وقف التحقيق في انفجار بيروت".

وتولى نصرالله (64 عاما) الأمانة العامة لحزب الله في 1992، بعد اغتيال إسرائيل لسلفه، عباس الموسوي، وطوّر نصر الله قدراته العسكرية، بدعم رئيسي من طهران التي تمده بالمال والسلاح، وزاد عدد أعضائه ليبلغ وفقا له نحو 100 ألف مسلح.

لكن عمليات الاغتيال المتتالية لقادة التنظيم كانت نوعية وغير مسبوقة.

وفي إشارة إلى حالة الضعف التي أصبت التنظيم الذي قتل زعيمه في معقله، الضاحية الجنوبية لبيروت، أطلق التنظيم عشرات الصواريخ على شمال إسرائيل في الصباح التالي لمقتله، ولكن هذا لم يكن مختلفا عما كان يحدث في الأيام السابقة.

وتصف إيكونوميست الوضع قائلة: "الجماعة في حالة من الفوضى".

هايكو ويمن، مدير مشروع العراق وسوريا ولبنان في مجموعة الأزمات الدولية، قال في تعليق شاركته المؤسسة مع موقع الحرة: "التنظيم يتمتع بمؤسسات قوية للغاية بحيث لا يمكن أن ينهار بقطع رأسه، لكن الخسارة المذهلة لقدراته البشرية سوف يكون لها حتما تأثير مهين عاجلا وليس آجلا".

ويشير كذلك إلى أن اختراقه استخباراتيا بهذه القوة سيضعف قدرة حزب الله على الرد "استراتيجيا أو مواصلة الهجمات الصاروخية على شمال إسرائيل لفترة أطول".

وتقول إيراف زونسزين، محللة شؤون إسرائيل في مجموعة الأزمات الدولية في تعليق تم مشاركته مع موقع الحرة إن" اغتيال إسرائيل لنصرالله والضربة التي وجهتها إلى عدد كبير من كبار قادة حزب الله يعتبر انتصارا كبيرا في الساحة السياسية الإسرائيلية بمختلف أطيافها".

"ولكن في ظل غياب نهاية واضحة سواء للبنان أو غزة، ومع إرهاق الجيش الإسرائيلي، واستمرار إطلاق الصواريخ، واستمرار أسر الرهائن، ووجود عشرات الآلاف من النازحين، وتدهور اقتصاد إسرائيل، فإن السؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت إسرائيل ستحول المكاسب العسكرية إلى مكاسب دبلوماسية وأمنية".

وترى مجلة إيكونوميست أن وفاة نصرالله "سوف تعيد تشكيل لبنان والمنطقة بطرق لم تكن لتخطر على بال أحد قبل عام.. ومن سيتولى زمام الأمور سيواجه اللحظة الأكثر خطورة في تاريخ حزب الله الممتد لأربعة عقود".

ولا يتعلق الأمر فقط بأن إسرائيل "قضت على قيادته العسكرية بالكامل تقريبا، ومحت عقودا من الخبرة في غضون شهرين، بل لأن التنظيم تعرض للمهانة أمام الجمهور اللبناني الذي أصبح بالفعل مستاء من حزب الله بسبب هيمنته المفرطة على السياسة الداخلية".

مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية، والاستراتيجية، عمرو الشوبكي، قال لموقع الحرة إن نصر الله شخصية غير عادية فقد تولى قيادة التنظيم لمدة 32 عاما، وهي مدة غير معتادة، مما يعني أن غيابه سيكون له تأثير على حزب الله ولبنان والمنطقة.

ويضيف الشوبكي في تصريحاته لموقع الحرة أنه لم يكن مجرد رئيس حزب سياسي أو زعيم دولة جاء في انتخابات، لكنه كان زعيم حزب عقائدي بقي على رأسه لعقود لذلك سيترك فراغا في القيادة.

والتنظيم "بلا شك سوف سيتأثر بغيابه في منطقة مضطربة بها الشكل"، وفق الشوبكي.

مرحلة "فارقة"

عماد جاد، وهو أيضا خبير في مركز الأهرام، وكان في السابق عضوا في لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان المصري، قال لموقع الحرة إن نصرالله ليس فقط قياديا تاريخيا، لكنه شخصية كاريزمية سيؤثر غيابه على التنظيم.

ويتفق جاد على أن اغتياله جاء في "لحظة حاسمة: العدوان على لبنان، والقضاء على عدد كبير من القيادات، ما يعني أنه اختفى في ظروف غير عادية، وبالتالي، لن يتم نقل القيادة بسلاسة. من سيتولى القيادة بعد قيادة كاريزمية بالتأكيد سيعاني".

واغتياله جاء أيضا، وفق جاد، في وقت لم يصدر من إيران ما يشير إلى تضامنها مع حزب الله سوى بالكلمات، كما أن "بيئة حزب الله تآكلت، وهناك دمار ضخم في الضاحية الجنوبية، وهناك دعوات" لتطبيق القرار 1701الخاصة بانسحاب حزب الله إلى شمال الليطاني.

ويقول جاد إنه إذا "طبق القرار مع أي عمية تسوية حقيقة سواء في المستقل المنظور أو المتوسط، سيكون سلاحه محل تفاوض لنزعه، ما يعني أن بقاء قواته، مع نشر جنود من الجيش في المنطقة، سيعني أن هذا السلاح سيكون بلا جدوى، وستطرح تساؤلات عن شرعيته".

ويضيف جاد: "نحن في مرحلة فارقة"، وهي مختلفة عما حدث من قبل من جولات قتالية بين حزب الله وإسرائيل.

ويعتقد الشوبكي أن حزب الله سوف يواجه خيارين، هما إما الاستمرار في نفس السياسات السابقة، وهي التحالف مع إيران والتمسك بمحور "الممانعة"، أو إبداء مرونة أكبر تدفعه للقبول بالقرار 1701.

وبناء على الوضع الحالي، يتوقع الشوبكي أن يدير علاقته بإيران بشكل مختلف، لأنه سيضع في عين الاعتبار البيئة اللبنانية، خاصة أن غالبية اللبنانيين لا يؤيدون حربا مع إسرائيل، وحتى مؤيدي القضية الفلسطينية يؤيدون تقديم الدعم المدني والشعبي وليس الدخول في حرب.

ويتوقع أن حزب الله سوف يستمر في تحالفه مع إيران، لكنه سيحاول أن يكون أكثر اعتدالا وسيجمد الجبهة القتالية الشمالية بعد الضربات "القاسية" التي تعرض لها.

إلي فايز، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية قال في إشارة إلى خسارة التنظيم دعم إيران إن "النكسات التي عانت منها إيران وحلفاؤها تؤكد على ضعفها الاستخباراتي والعملياتي، ومع استعداد إسرائيل للتصعيد، وعم امتلاك طهران وسيلة حقيقية لمواجهة إسرائيل استخباراتيا، يبدو أنها مترددة، في مواجهتها عملياتيا".

وتشير إيكونوميست إلى أن نصرالله كان يتوقع أن تتدخل إيران لنجدته لكن هذا لم يحدث، ويرجع ذلك جزئيا إلى خوف قادة إيران من أن يكون قادتها أيضا قد تعرضوا لاختراق إسرائيلي.

وهم قلقون أيضا من تأثير إظهارهم الدعم العلني لجماعات مثل حزب الله على مكانتهم في الداخل.

لكن على المدى البعيد، قد تؤدي أحداث الأسبوعين الماضيين إلى "إعادة تشكيل سياسة الأمن الإيرانية"، وفق المجلة.

وعلى مدى عقود من الزمان، رأت إيران في ميليشياتها رادعا أساسيا لإسرائيل، "والآن تشاهدها وهي تتعرض لهجمات مميتة".

وتنقل مجلة إيكونوميست عن "مسؤول عربي" قوله إن ما تعرض له حزب الله يشبه ما حدث خلال حرب الأيام الستة في عام 1967.

وليس التشابه في أن إسرائيل وجهت ضربة سريعة وعنيفة لحزب الله فقط، بل لأن "الصراعين (1967والصراع الحالي بين إسرائيل وحزب الله) ظهرا وكأنهما يحطمان الأوهام التي حكمت المنطقة لفترة طويلة".

وتشير إلى أن نصرالله الذي أمضى سنوات في الحديث عن "محور المقاومة"، "قطعت إسرائيل رأس أقوى ميليشيا في غضون أسابيع، بينما جلست إيران مكتوفة الأيدي".

وتقول المجلة إن حزب الله لن يختفي من الوجود، فهو يمتلك آلافا من  المسلحين، وترسانة من الصواريخ بعيدة المدى، وقاعدة من الدعم الشعبي.

لكن الميليشيا التي ستخرج من هذه الحرب سوف تكون مختلفة تمام الاختلاف عن تلك التي دخلتها.

ويقول جاد لموقع الحرة إننا "في مرحلة فارقة، ليس في اغتيال حسن نصرالله لكن في الظروف المحيطة كلها. لو كان اغتياله تم في ظروف طبيعية، لما أحدث الأمر فرقا، لكن تدمير الجنوب واغتيال القيادات، وعمليات النزوح، والتململ في الداخل اللبناني، هذا كله يعني أن اغتياله هو "حلقة من حلقات غروب شمس حزب الله".

وهذا يعني أنه سوف يتعرض إلى تآكل تدريجي، وضعف في قدراته حتى يتم نزع سلاحه، ربما من خلال إدماجه في الجيش أو الامن الداخلي.

ويشير إلى تجربة مماثلة في العراق، وهي دمج قوات الحشد الشعبي في الحكومة، ورغم أنها لم تكن ناجحة تماما، فعلى الأقل بات الحشد يراعي حسابات الدولة العراقية.

وهذا يعني أنه يمكن السيطرة على القرارات الفردية لحزب الله الذي يمتلك شبكة اتصالات مستقلة، وجناحا خاصا في مطار بيروت لا يخضع للتفتيش، ولديه مناطق تحت سيطرته بالكامل في الجنوب، وعنده سلاح أقوى من الجيش، وفق جاد.

ويقول الشوبكي إن ما يساعد في غلبة احتمال أن يكون حزب الله أكثر اعتدالا هو "قدرة الولايات المتحدة في الضغط على إسرئيل ووقف إطلاق النار في غزة وإنهاء محنة المدنيين التي أثرت على الضمير العالمي".

ويرى الشوبكي أن إنهاء حرب غزة سيعزز فرص احتمال أن يكون أكثر اعتدالا مع تصاعد الضغوط الداخلية على الحزب.

وفي حال وجود مسار سلمي، سوف يساعد ذلك على سحب رصيد من الحاضنة الشعبية للفصائل المسلحة لدى الجمهور، "وبالتالي سوف تذهب طاقة الجمهور المؤيد لحماس أو حزب الله إلى التنمية الاقتصادية والسياسية ومشروع بناء الدولة الفلسطينية وليس دعم فصائل المقاومة المسلحة أو القيام بعمليات مسلحة".

سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز
سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز

بعد أن زج حزب الله بلبنان في حرب مدمرة مع إسرائيل، أوقعت ضحايا وخلّفت خراباً واسعاً وفاقمت الانهيار الاقتصادي، برز ملف الاستراتيجية الدفاعية في صدارة المشهد السياسي اللبناني.

وتزامن ذلك مع تصاعد المطالبات الداخلية والدولية بنزع سلاح الحزب وحصر القرار العسكري بيد الدولة اللبنانية، تنفيذاً للقرارات الدولية، وفي مقدمتها القرار 1701.

في هذا السياق، أكد الرئيس اللبناني، جوزاف عون، في خطاب القسم، عزمه وضع "استراتيجية دفاعية متكاملة على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية". 

أما البيان الوزاري للحكومة، فشدد على ضرورة "حصر السلاح بيد الدولة"، ما يعني إنهاء مظاهر الازدواجية العسكرية التي تعيق قيام الدولة بمسؤولياتها السيادية.

ورغم أن الدعوة إلى وضع استراتيجية دفاعية تحظى بتأييد واسع، فإن التصورات حول مضمونها تبقى متباعدة إلى حد التناقض. 

فبينما يرى البعض أن إشراك سلاح حزب الله في هذه الاستراتيجية يقوض سيادة الدولة ويكرّس واقعاً ميليشيوياً، يشير آخرون إلى تجارب دولية احتوت جماعات مسلّحة ضمن منظومات دفاعية وطنية، غير أن موقف الحزب نفسه لا يزال ثابتاً في رفضه تسليم سلاحه.

فالحزب الذي وافق، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، على سحب سلاحه من جنوب الليطاني، يرفض تسليم ترسانته شمال النهر، ما يثير تساؤلات حول وجهة هذا السلاح وهدفه، خصوصاً في ظل سجل سابق من استخدامه داخلياً، كما حدث في أحداث 7 مايو 2008.

وأعلن النائب عن الحزب حسن فضل الله استعداد حزب الله للدخول في حوار حول الاستراتيجية الدفاعية، لكن هذا الموقف لم يترافق مع أي إشارات إلى نية التخلي عن السلاح.

وهو ما أكده عضو المجلس السياسي للحزب، غالب أبو زينب، بقوله إن "السلاح ليس مطروحاً للنقاش". 

أما الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، فذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن "أي حديث عن حصر السلاح بيد الجيش اللبناني لا يعني سلاح حزب الله"، وذلك في تحدٍّ مباشر لموقف السلطة اللبنانية.

ويبقى السؤال: هل ستكون الاستراتيجية الدفاعية مدخلاً جدياً لسحب سلاح حزب الله، أم ستستخدم كغطاء جديد لتكريس ازدواجية السلاح وتثبيت هيمنة حزب الله داخل مؤسسات الدولة وتحت غطائها؟

نهاية حقبة

وانتهى الدور الذي لعبه سلاح حزب الله في السابق، كما شدد الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد ناجي ملاعب.

وأكد أن "المرحلة الحالية تتطلب منح الدولة وقتاً كافياً لترسيخ هذه القناعة داخل البيئة الحاضنة للحزب، تمهيداً لترجمتها عملياً على أرض الواقع".

وقال ملاعب، لموقع "الحرة": "أعتقد أننا بدأنا نلمس هذا التحول في المزاج العام لدى بيئة حزب الله، حيث تنمو القناعة تدريجياً بأن هذا السلاح لم يؤد الدور الذي رُوّج له في السابق".

واعتبر أن هذا التحول يشكل فرصة جدية أمام رئيس الجمهورية والسلطات الرسمية للانتقال من مرحلة التفاهمات الضمنية إلى خطوات عملية واضحة، تستند إلى رؤية وطنية جامعة.

وأضاف "نحن اليوم أمام رئيس جمهورية سبق أن تولى قيادة الجيش لمدة خمس سنوات، وهو يمتلك خبرة عسكرية وأمنية واسعة، داخلياً وخارجياً. وقد أبدى في مختلف تصريحاته تمسكه بالسلم الأهلي، وهو معروف بقدرته على إدارة الأزمات بتوازن، دون أن يترك تداعيات سلبية معقدة، وبالتالي هو يتمتع بالحكمة والخبرة الكافيتين لقيادة البلاد في هذه المرحلة الدقيقة، والتعامل مع الملفات الأمنية الحساسة بمسؤولية عالية".

من جهته، أكد رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة، العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر، أن إعداد استراتيجية دفاعية وطنية شاملة لم يعد ترفاً. 

وقال لموقع "الحرة": "منذ سنوات نطالب بوضع استراتيجية دفاعية، ومن غير المفهوم أن الدولة لم تبادر حتى اليوم إلى تشكيل لجنة متخصصة لهذا الغرض، علماً أن إعداد هذه الاستراتيجية لا يحتاج لأكثر من شهر، قبل عرضها على الحكومة ثم مجلس النواب لإقرارها بقانون".

أما القائد السابق لفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر، فرأى في حديث لموقع "الحرة" أن تصريحات رئيس الجمهورية عن "استراتيجية الأمن الوطني" تشير إلى مقاربة أشمل من مجرد استراتيجية دفاعية. 

إذ تشمل وفق نادر "الأمن الداخلي والخارجي، الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، إلى جانب الأمن العسكري. وبالتالي فإن الاستراتيجية الدفاعية ليست سوى جزء من منظومة الأمن الوطني الشاملة".

بدوره، شدد ملاعب على أن "استراتيجية الأمن الوطني لا يمكن اختزالها بالبعد العسكري، بل تشمل مختلف الأبعاد: الاقتصادية، المالية، الجغرافية، التربوية، وكل ما يشكل مكونات القوة الوطنية. ومن هذه الركائز تُبنى الاستراتيجية الدفاعية لتكون إطاراً شاملاً يحفظ أمن الدولة واستقرارها".

الدمج غير وارد؟

"أي استراتيجية دفاعية لا يمكن أن تستوعب سلاحاً خارج إطار الدولة"، كما رأى نادر، مؤكداً أن "القرار الرسمي اللبناني واضح في هذا السياق، ويقضي بحصر السلاح بيد الجيش اللبناني".

لذلك لا يمكن على الإطلاق كما أكد نادر "إدماج الحزب في استراتيجية الدفاع الوطني، لأن السلاح يجب أن يكون فقط بيد الجيش".

وأردف قائلا: "لا يمكن لمجموعة مسلّحة، ولو كانت مؤلفة على سبيل المثال من خمسة آلاف عنصر، أن تشكّل لواءً خاصاً بها داخل المؤسسة العسكرية وتحتفظ بسلاحها".

واستعاد نادر تجربة توحيد المؤسسة العسكرية بعد الحرب الأهلية، مشيراً إلى أن "الجيش خضع عام 1990 لعملية دمج شاملة، أنهت الانقسامات الطائفية والمناطقية، وأرست أسس مؤسسة وطنية موحدة. اليوم، لم يعد هناك مكان لألوية مذهبية أو فئوية، وأي عودة إلى الوراء ستُقوّض ما تحقق".

لذلك "من يرغب من عناصر الحزب في الدفاع عن لبنان فالباب مفتوح أمامه" كما قال نادر "للتطوع في صفوف القوات المسلحة اللبنانية، وفق الشروط المعتمدة، كما هو الحال مع أي مواطن لبناني آخر".

وأكد نادر أن "الاستراتيجية الدفاعية هي مسؤولية وطنية سيادية، تحدّد من هو العدو، وكيف تتم مواجهته، وبأي وسائل، ولماذا"، مشدداً على أنه "لا يمكن أن تترك هذه المهمة لأي فصيل مسلّح خارج سلطة الدولة".

مقاربة مختلفة

على خلاف نادر، رأى جابر أن الاستراتيجية الدفاعية "يجب أن تقوم على مبدأ أن مسؤولية الدفاع عن الوطن تقع أولاً على عاتق القوى النظامية، أي الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بالإضافة إلى قوات احتياط تنظّم ضمن إطار الدولة" وتشمل ما يعرف بـ"القوى شبه النظامية" أو Para-Military Forces.

وأوضح جابر أن "الأحزاب التي تمتلك سلاحاً، ومنها حزب الله، تخضع أسلحتها الثقيلة لإشراف الجيش اللبناني، بحيث تُخزَّن في مستودعات عسكرية، فيما يعود عناصر هذه القوى إلى حياتهم المدنية في الظروف العادية. ويتم تنظيم هذه العملية بشكل لوجستي دقيق، يسمح باستدعاء العناصر خلال 72 ساعة في حال إعلان الطوارئ أو تعرّض البلاد لخطر داهم".

وأضاف "في حالات الطوارئ، يستدعى هؤلاء إلى مراكز محددة من قبل قيادة الجيش، حيث يعاد توزيع السلاح عليهم وفق خطة مُسبقة، تحدد موقع كل عنصر ودوره ووقت تدخله، على أن تتم العملية تحت إشراف السلطة العسكرية العليا، أي قيادة الجيش والمجلس الأعلى للدفاع".

وعن مدى قدرة هذه المقاربة على إنهاء الازدواجية العسكرية، قال جابر "نعم، بالتأكيد. القيادة والقرار سيكونان بيد مؤسسة واحدة، ما يشكّل حلاً نهائياً وليس تسوية ظرفية أو مؤقتة".

واستشهد جابر بالنموذج السويسري، حيث يمكن للجيش رفع عديده من 50 ألفاً إلى نحو 370 ألفاً خلال 72 ساعة فقط عبر استدعاء الاحتياط، قائلاً "لا نسعى لأن نصبح سويسرا، لكن من خلال العمل الجاد والتنظيم، يمكننا بناء استراتيجية دفاعية تتيح لكل من يريد الدفاع عن الوطن أن يفعل ذلك ضمن كنف الدولة".

وشدد جابر على أن هذه الاستراتيجية لا تستهدف حزب الله وحده، بل تشمل جميع الأحزاب والقوى التي تمتلك سلاحاً.

وأوضح أن "من يرفض الانخراط في هذا الإطار تنزع منه الأسلحة. فهناك أيضاً عشائر وفصائل حزبية تمتلك سلاحاً ثقيلاً، ويجب أن يشملها الحل، سواء عبر الدمج ضمن الاستراتيجية الدفاعية أو من خلال نزع سلاحها".

وأشار إلى ضرورة شمول المخيمات الفلسطينية بهذا الإطار، مؤكداً أنه "لا يمكن المطالبة بنزع سلاح جهات لبنانية، مع الإبقاء على ترسانة قائمة داخل المخيمات".

أما فيما يخص السلاح الفردي، فكشف جابر عن وجود أكثر من ثلاثة ملايين قطعة سلاح خفيف في لبنان، كالمسدسات، مشيراً إلى إمكانية تنظيم هذا النوع من السلاح عبر آليات الترخيص لأغراض الحماية الشخصية.

خطوط حمراء.. ودعم

وتضع الولايات المتحدة الأميركية خطوط حمراء في مقاربتها للملف اللبناني، وفق ما يؤكده ملاعب، "أولهما ضمان أمن إسرائيل، وثانيهما الحفاظ على موقع رئاسة الجمهورية اللبنانية كمدخل لاستقرار النظام السياسي في لبنان".

وقال ملاعب "من رعا انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وإطلاق مسار إصلاحي هي واشنطن، وبالتالي فإن هذه السلطة باتت بالنسبة لها خطاً أحمر لا يُسمح بإفشاله".

وأضاف أن المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت مؤخراً، "لم تأتِ بسيف التهديد كما حاول البعض الترويج، بل حملت رؤية دعم واضحة، وعقدت لقاءات مع وزراء معنيين بملفات الاقتصاد، الإدارة، المالية والعدل، وناقشت معهم خطوات إصلاحية بدأت تترجم ميدانيًاً."

وأوضح ملاعب أن الموقف الأميركي لا يزال ثابتاً "الولايات المتحدة ستكون شريكاً للبنان فقط إذا مضى في طريق الإصلاح، ونجح في حصر السلاح بيد الدولة".

وأشار إلى أن اللقاءات اللبنانية–الأميركية الأخيرة عكست إجماعاً لبنانياً على ضرورة معالجة جذور الأزمة الأمنية، لا الاكتفاء بنتائجها. 

وقال "هناك موقف واضح من الدولة اللبنانية مفاده: إذا التزمت واشنطن بالضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة وتنفيذ القرار 1701 والاتفاقات الدولية ذات الصلة، فلن يبقى مبرر لأي سلاح خارج إطار الشرعية."

من جهته، شدد نادر على أن الحل الوحيد المقبول لقضية سلاح حزب الله يتمثل في "تسليم الحزب سلاحه للدولة، والانخراط في العمل السياسي كأي حزب لبناني آخر، ضمن القوانين والدستور".