إسرائيل ستواجه تحديات كبيرة في لبنان
إسرائيل ستواجه تحديات كبيرة في لبنان | Source: افيخاي ادرعي

تنذر الحرب المستعرة بين إسرائيل وحزب الله باستمرار المعارك بين الجانبين لفترة طويلة، وذلك رغم التأكيدات الرسمية في إسرائيل على أنها ترغب فقط في شن عملية "محدودة"، تستهدف البنية التحتية للتنظيم.

وجاء في تحليل لصحيفة نيويورك تايمز أن إسرائيل استعدت منذ حرب عام 2006 لخوض معركة جديدة ضد حزب الله، لكن المشكلة تكمن في أن إنهاء هذه الحرب قد يكون صعبا.

واستخلصت إسرائيل الدروس من حربها "الفاشلة" في 2006، وبعد نحو 20 عاما شنت هجوما جديدا محققة "سلسة من النجاحات"، أهمها قتل قادة الحزب، وشل شبكة اتصالاته، واستهداف مخابئ أسلحته.

وجاء ذلك نتيجة مباشرة لاستعدادات إسرائيل لمعركة مستقبلية مع حزب الله بعد "الأداء المتعثر عام 2006"، وفق خبراء أمن إسرائيليين.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، الذي التقى جنودا الأحد: "أنا هنا مع جنود الجيش على الحدود الشمالية، وعلى بعد أمتار قليلة من هنا يوجد أصدقاؤهم عبر الحدود، يقومون بتفكيك البنية التحتية التي أعدها حزب الله لمهاجمة بلداتنا".

وأضاف نتانياهو، عشية الذكرى الأولى لهجوم السابع من أكتوبر: "قبل عام، تعرضنا لضربة رهيبة. في الأشهر الـ 12 الماضية، قمنا بتغيير الواقع. العالم كله يندهش من الضربات التي توجهونها لأعدائنا وأنا أحييكم وأقول لكم: أنتم جيل النصر".

ورغم هذا التفاؤل، تشير صحيفة نيويورك تايمز إلى أنه مع توغل القوات الإسرائيلية في عمق لبنان برا، ستواجه هذه القوات مخاطر كبيرة من أهمها مواجهة الأسلحة المتطورة التي يستخدمها حزب الله.

وإذا فشلت الحكومة الإسرائيلية في وضع استراتيجية خروج واضحة، مثلما حدث في غزة، فقد يضطر الجيش الإسرائيلي إلى خوض حرب مطولة، تستنزف موارده إلى أقصى حد، وفق الصحيفة.

وتقول نيويورك تايمز إن الاحتفالات في إسرائيل "بنجاحاتها الأخيرة قد تكون سابقة لأوانها"، وقد دفعت إسرائيل "ثمنًا باهظا بالفعل" لتوغلها الأخير في لبنان.

والأربعاء، قتل حزب الله تسعة جنود إسرائيليين خلال المعارك الأولى بين الجانبين منذ بدء التوغل. وقال الجيش إن جنديين آخرين قُتلا، الجمعة، في مرتفعات الجولان، التي تسيطر عليها إسرائيل.

وقال الجنرال يعقوب عميدرور، الذي شغل من قبل منصب مستشار الأمن القومي "إن الغزو البري سيكون أكثر صعوبة بكثير. نحن نتحدث عن منظمة أكثر خطورة واستعدادا وتسليحا من حماس".

وتقول شبكة "سي أن أن" إن حزب الله هو الأكثر تسليحا في العالم بين التنظيمات المماثلة، فهو يمتلك من الصواريخ والقذائف ما يصل عدده إلى ما بين 120و200 ألفا، واستمر في تخزين الصواريخ والقذائف منذ صراعه الأخير مع إسرائيل في عام 2006.

ورغم الانتكاسات الأخيرة، أصبح حزب الله أيضا أكثر استعدادا لخوض حرب مع إسرائيل مقارنة بالمرة السابقة، بعد أن بنى ترسانة من الصواريخ، ودرب عشرات الآلاف من المسلحين، ودرس قادته إسرائيل بعناية، وفق نيويورك تايمز.

ويمتك مسلحو التنظيم أيضا خبرة عملية اكتسبوها خلال الحرب الأهلية في سوريا. ولدى التنظيم صواريخ موجهة مضادة للدبابات، مما يشكل تحديا آخر للجنود الإسرائيليين.

وتقول صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" إن العديد من قدامي المحاربين الإسرائيليين يعلمون أن "لبنان أرض لا ترحم فهي منطقة جبلية، وقد تحصن حزب الله هناك منذ فترة طويلة. وجنوب لبنان أكبر كثيراً من غزة، حيث تخوض إسرائيل حربا صعبة منذ عام".

وتشير فورين بوليسي إلى أن "حزب الله أكثر قوة اليوم، حتى لو تكبد خسائر أكبر مما يعتقد أنه قادر على تحمله، فإن الجزء الأكبر من قواته قد ينسحب من منطقة الحدود ويعود ببساطة عندما تنسحب إسرائيل، أو يشن هجمات حرب عصابات منتظمة في الوقت الذي يختاره إذا بقيت القوات الإسرائيلية".

وتشير "تايمز أوف إسرائيل" إلى احتمالات الاستياء داخل المجتمع الإسرائيلي من خوض حرب جديدة في لبنان، بعد إرسال مئات الآلاف من الجنود إلى قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر. وهؤلاء الجنود قضوا بالفعل شهورا بعيدا عن عائلاتهم وأعمالهم.

وما يقلق معظم خبراء الأمن الإسرائيليين، وفق نيويورك تايمز، أنه ليس واضحا ما إذا كانت إسرائيل لديها استراتيجية خروج واضحة من لبنان، مما يثير مخاوف من أن الجيش الإسرائيلي قد يتورط في حرب استنزاف.

وقال هؤلاء الخبراء إن الحكومة الإسرائيلية بحاجة إلى ترجمة الإنجازات العسكرية للجيش إلى نجاح سياسي من خلال إبرام اتفاق دبلوماسي يعيد الأمن إلى شمال إسرائيل.

وقالوا إنه في غياب مثل هذه الصفقة، فمن غير الواضح متى سيتمكن نحو 60 ألف نازح من العودة إلى ديارهم.

وكان عضو في المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر لم يرد على سؤال بمقابلة إذاعية عما إذا كانت إسرائيل ستحتل أراضي لبنانية بعد العملية الأخيرة، وهو ما يجعل الاحتمالات مفتوحة إزاء إمكانية بقاء عدد من الجنود ربما داخل الأراضي اللبنانية.

لبنان وحماس

في حدث معبر وغير مسبوق، أظهرت الدولة اللبنانية صلابة في موقفها، وأجبرت حركة حماس، التي طالما استخفت بالسيادة اللبنانية، على الانصياع.

بعد تحذير حازم، من مجلس الدفاع الوطني اللبناني، سلمت حماس عددا من المطلوبين بتهمة إطلاق صواريخ من جنوب لبنان نحو إسرائيل، وهو تصعيد لم تكن الدولة اللبنانية لتواجهه بردع مباشر في السابق، إذ غالبا ما كانت تتم معالجة خروقات كهذه ضمن تفاهمات خلف الكواليس، خصوصا بوجود غطاء سياسي لحماس في لبنان من حزب الله. 

لكن هذه المرة، بدا الأمر مختلفا تماما.

الرسالة كانت واضحة: لم يعد بإمكان أي جهة أن تتصرف خارج سلطة الدولة اللبنانية.

استعادة السيادة

في أبريل الماضي، أعلن الجيش اللبناني ضبط عدة صواريخ ومنصات إطلاق واعتقل عددا من الأشخاص في جنوب لبنان، وقال إن التحقيقات جارية تحت إشراف القضاء.

حماس، التي اعتادت التلاعب بالسيادة اللبنانية مسنودة بتحالفاتها الإقليمية وصلاتها بحزب الله، وجدت نفسها الآن مجبرة على تسليم المطلوبين، في خطوة تعكس هشاشة موقفها وانحسار الدعم الذي طالما استفادت منه.

هذه الاستجابة السريعة تأتي بعد الهزيمة العسكرية التي تعرضت لها الحركة في غزة خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل. فبينما تكبدت حماس خسائر فادحة، أظهرت التطورات الميدانية في لبنان تراجعا واضحا في تأثيرها ونفوذها.

فهل نحن أمام إعادة صياغة لدور حماس في لبنان؟ أم أن الحركة تسعى لتجنب مواجهة جديدة قد تكون مكلفة في ظل تغير الموازين السياسية والأمنية في المنطقة؟

نقطة التحول المفصلية

أصبحت بيروت منذ عام 2019 حاضنة رئيسية لقيادات حماس ومحطة مهمة لوجودها السياسي والأمني، كما ذكر مركز "كارنيغي".

ولا شك أن اللحظة التي أُعلنت فيها استراتيجية "وحدة الساحات" 

وقبل هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023 وتشكيل غرفة عمليات مشتركة في الضاحية الجنوبية لـ"محور الساحات،" أعلنت حماس وحزب الله استراتيجية "وحدة الساحات".

وبدت تلك اللحظة وكأنها "تمهيد لانقلاب شامل على الوضع اللبناني ومحاولة لفرض سيطرة محور الممانعة على كامل الأراضي اللبنانية وعلى جميع القوى السياسية دون استثناء مع بروز دور حركة حماس كعامل فلسطيني رديف لحزب الله في لبنان".

نشاط حماس في لبنان "يتعارض مع السياسة الرسمية الفلسطينية في التعاطي مع الشأن اللبناني"، يقول مدير مركز تطوير للدراسات الاستراتيجية والتنمية البشرية الباحث الفلسطيني، هشام دبسي لموقع "الحرة".

وتبنت حماس إطلاق صواريخ من لبنان خلال المواجهة التي بدأها حزب الله ضد إسرائيل عام 2023 على خلفية الحرب في قطاع غزة، لكن التطورات الميدانية وعمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل قلبت المشهد رأساً على عقب".

وجاءت "تداعيات الضربات الإسرائيلية على حزب الله ومحور الممانعة في لبنان قاسية ليس فقط على حركة حماس بل على حزب الله ذاته"، يقول دبسي لموقع "الحرة".

وشكّلت عملية اغتيال نائب رئيس مكتب حماس السياسي، صالح العاروري في لبنان في يناير 2024، وفق ما يقوله دبسي "نقطة تحول رئيسية في مسار حركة حماس التي كانت تعيش حالة من الصعود على المستويين الفلسطيني واللبناني".

ويتابع "لكن نتائج الحرب الأخيرة وضعت الحركة في مأزق تحالفها مع حزب الله إذ لم تعد قادرة على فك ارتباطها بهذا التحالف كما لا تستطيع اتخاذ خطوة تراجع منهجية تقتضي بتسليم سلاحها للدولة اللبنانية والالتزام بالشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير وسفارة فلسطين في لبنان".

يذكر أن العاروري، قتل مع اثنين من قادة الجناح العسكري للحركة، في ضربة إسرائيلية استهدفت مكتبا للحركة في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، أحد معاقل جماعة حزب الله اللبنانية.

رسالة واضحة

حذّر مجلس الدفاع الوطني اللبناني حماس من استخدام الأراضي اللبنانية للقيام بأي أعمال تمس بالأمن القومي اللبناني تحت طائلة اتخاذ أقصى التدابير والإجراءات اللازمة لوضع حد نهائي لأي عمل ينتهك السيادة اللبنانية.

يتجلى في خطوة المجلس هذه بعدان أساسيان، يشرحهما دبسي "الأول هو انقلاب موازين القوى الداخلية لصالح الدولة اللبنانية في مواجهة سلاح الميليشيات حيث يعكس هذا التحرك تحولاً نوعياً نحو تعزيز سيطرة الدولة على السلاح وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة".

الثاني "هو ترجمة خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري إلى خطوات عملية تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وفي هذا الإطار جاء إطلاق مجموعة من حركة حماس صواريخ من الأراضي اللبنانية نحو إسرائيل ليشكل اختباراً لمدى جدية العهد الجديد في فرض سيادة الدولة وقد كان الرد الإسرائيلي العنيف بمثابة إنذار لما قد تترتب عليه مثل هذه العمليات من تداعيات خطيرة".

وبالتالي فإن الدولة اللبنانية بسياساتها الجديدة لا يمكنها وفق ما يشدد دبسي "التغاضي عن هذه التطورات أو التعامل معها كما كان يحدث في السابق، بل على العكس جاء توجيه الإنذار لحركة حماس كرسالة واضحة بأن قرار السلاح والسيادة بات في يد الدولة اللبنانية ولن يُسمح لأي طرف بتجاوزه".

وفي ما يتعلق بتقييم استجابة حركة حماس لطلب تسليم المطلوبين، يرى دبسي أن الحركة "في البداية كانت مترددة وحاولت الاعتماد على علاقاتها التقليدية مع حزب الله وباقي قوى محور الممانعة في لبنان لكن مع إدراكها أن حزب الله لن يقدم لها الدعم ولن تستطيع الاحتماء بمظلته أو بمظلة أي من القوى اللبنانية الأخرى لم يبق أمامها سوى خيارين إما تسليم العناصر المطلوبة للدولة اللبنانية أو مواجهة الدولة دون أي غطاء لبناني داخلي ودون أي غطاء فلسطيني أيضاً".

ويشير دبسي إلى "أن منظمة التحرير الفلسطينية طالبت حماس مرارا بتسليم المطلوبين وعدم استخدام الأراضي اللبنانية لإطلاق الصواريخ حتى لا تعرض مجتمع اللاجئين الفلسطينيين لردود الفعل الإسرائيلية".

وبناء على ذلك اضطرت حركة حماس "في نهاية المطاف للاستجابة لمطلب الدولة اللبنانية كخيار إجباري لا مفر منه".

تصدّع التحالف

كشفت التطورات الأخيرة عمق الخلافات والتباينات الميدانية بين حماس وحزب الله، إذ لم يعد أي منهما قادراً على مساندة الآخر في ظل الظروف الراهنة، بحسب ما يرى دبسي.

ويشرح أن "حزب الله الذي أعلن التزامه بموقف الدولة اللبنانية لم يعد قادراً على تقديم الغطاء لحماس أو حمايتها، ما يعكس حالة من التباعد بين الطرفين، خاصة وأن حزب الله يشعر بأن حماس قد خدعته بعملية 'طوفان الأقصى'، إذ لم تنسق العملية معه ولم تُعلمه بموعدها مسبقاً".

في المقابل، "تشعر حماس بأن حزب الله لم يكن وفياً بما يكفي في دعمه للحالة الفلسطينية ولم يلتزم بتعهداته كما تتصور الحركة. وهكذا، باتت العلاقة بين الطرفين أقرب إلى تبادل الاتهامات وتحميل المسؤولية؛ فحزب الله يلقي اللوم على حماس بسبب التصعيد الميداني غير المنسق، بينما ترى حماس أن حزب الله استخدم إطلاق النار من لبنان كغطاء دون التشاور معها".

في ظل هذه التوترات، عادت قضية سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات إلى الواجهة، وسط توقعات بإعلان الدولة اللبنانية عن خريطة طريق واضحة لتنفيذ هذه الخطوة، وفقاً لدبسي.

يُذكر أن ملف السلاح الفلسطيني في لبنان ينقسم إلى محورين: السلاح داخل المخيمات وخارجها. وقد أنجز ملف السلاح خارج المخيمات بالكامل، بينما يجري العمل حالياً لضبط السلاح داخل المخيمات.

وتندرج هذه القضية ضمن إطار القرار 1559 الصادر عام 2003، والذي ينص على نزع سلاح الميليشيات والقوى الأجنبية غير اللبنانية، بما فيها السلاح الفلسطيني.

يشير دبسي إلى أن "الشرعية الفلسطينية سبق أن أعلنت دعمها لتطبيق القرارين 1559 و1701، وأبدت استعدادها للتعاون الكامل مع الدولة اللبنانية لتنظيم الوجود المسلح داخل المخيمات وخارجها".

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أكد خلال زيارته السابقة إلى قصر بعبدا في عهد الرئيس ميشال سليمان على تسهيل عمل الحكومة اللبنانية في إنهاء هذا الملف، لكن التطبيق تعثر بفعل هيمنة "محور الممانعة".

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى زيارة عباس المرتقبة إلى لبنان في 21 مايو، "حيث يتوقع أن تحمل مؤشرات حول كيفية تنفيذ المبادرة السياسية والأمنية المتعلقة بسحب السلاح من المخيمات بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية"، وفقاً لدبسي.