خيام نصبتها عائلات نازحة على أحد شواطئ بيروت
خيام نصبتها عائلات نازحة على أحد شواطئ بيروت

تعالت أصوات لبنانيين خلال الأيام الأخيرة، التي تنتقد التصعيد العنيف بين الجيش الإسرائيلي وجماعة حزب الله، معبرة عن شعور بالإحباط واليأس إزاء استمرار الحرب، وتأثيرها الكارثي على الشعب بمختلف طوائفه.

ويعكس التقاطع بين تقريرين نشرتهما صحيفتا "نيويورك تايمز" الأميركية و"التايمز" البريطانية، صورة معقدة لموقف اللبنانيين من الحرب الحالية، فهناك غضب واضح ومتزايد بين العديد منهم، ومن مختلف الطوائف، تجاه جماعة حزب الله وقرارها بالاستمرار في الصراع، الذي يرون أنه يؤدي إلى دمار البلاد.

وفي الوقت نفسه، تظل الجماعة المدعومة من إيران، المصنفة إرهابية في أميركا ودول أخرى، مدعومة في بعض الأوساط، خاصة في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، أي في معقلها.

"ليست حربنا"

في تقرير "نيويورك تايمز"، ركزت الصحيفة على الشهادات المتنوعة التي جاءت من مواطنين من مختلف أطياف المجتمع، حيث عبر العديد عن رفضهم للزج بلبنان في هذا الصراع، الذي يرون أنه "ليس حربهم".

وفي هذا الصدد، عبرت رنا خليل، التي تمتلك متجرا في بيروت، عن استيائها، قائلة: "نحن الذين نصاب، نحن الذين نقتل"، مشيرة إلى أن الحرب لا تجلب سوى الدمار للبنانيين. 

وهذه الشهادة تكررت في عدة مناطق من لبنان، خاصة في المناطق المسيحية مثل عنايا، حيث قال إبراهيم إبراهيم، الذي يملك أيضا متجر بقالة: "هذا  الصراع في الأساس بين الفلسطينيين والإسرائيليين. لماذا يتعين على اللبنانيين أن يدفعوا الثمن؟".

وفي حين يستمر حزب الله في الدفاع عن أفعاله بالقول إنه يقاتل من أجل "حماية البلاد"، يشعر كثير من اللبنانيين بأن الحزب يغرق البلاد في كارثة أخرى، بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية والسياسية المتتالية. 

وفي هذا الصدد، تساءل إبراهيم: "لماذا يجب على لبنان أن يكون ساحة حرب لكل صراع في المنطقة؟". 

وهنا يظهر بوضوح انفصال حزب الله عن الكثير من اللبنانيين، الذين يرون أن الجماعة المدعومة من إيران، لا تقودهم إلا إلى دمار جديد.

نزوح ومخاوف من "توتر طائفي"

التقارير لم تقتصر فقط على الغضب تجاه الحرب، بل سلطت الضوء أيضًا على "التوترات الطائفية"، بسبب تهجير مئات الآلاف من اللبنانيين. 

ففي المناطق ذات الأغلبية المسيحية، مثل بلدة مشمش بمحافظة جبل لبنان، بدأ الناس يتحدثون عن مخاوفهم من أن "يؤدي وجود النازحين الشيعة إلى زيادة التوترات الطائفية". 

وهنا يقول بسام صوما، الذي يبيع الخبز في بلدة مشمش، للصحيفة الأميركية: "لم نتعلم كيف نعيش مع بعضنا البعض".

وفي صيدا، التي تؤوي العديد من النازحين من الجنوب، يتصاعد القلق بين السكان المحليين من احتمالية وجود مقاتلين من حزب الله بين المدنيين. 

وأشار سهيل زنتوت في حديثه إلى "التايمز"، إلى أن "وجود عضو واحد من حزب الله يشكل تهديدًا للمبنى بأكمله"، مما يعكس مدى تعقيد الوضع الأمني والاجتماعي في المناطق المستضيفة للنازحين.

من ناحية أخرى، يظل حزب الله مدعومًا في بعض المناطق التي تعتبر معاقل تقليدية له، خاصة في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت.

وقد تناول تقرير "التايمز" البريطانية هذا الجانب، حيث نقلت الصحيفة عن علي زريق، وهو مقاتل فنون قتالية مختلطة، أن حزب الله "ليس مجرد جماعة أو حزب، إنه ثقافة". 

وهنا يُظهر التقرير كيف أن حزب الله يُنظر إليه في بعض الأوساط على أنه "الجهة الوحيدة التي تقاوم الاحتلال الإسرائيلي وتحمي لبنان". لكن حتى في معاقل الحزب، فقد بدأت بعض الأصوات تعبر عن إحباطها.

ففي جنوب لبنان، حيث تنتشر صور قتلى حزب الله في الشوارع، شهدت مراسلة صحيفة "التايمز" ، لويز كالاهان، حادثة واجهت فيها أم ثكلى مسؤولاً من حزب الله، رافضة تلقي تعازيه قائلة: "هذا كله خطؤكم". 

وحسب الصحيفة ، تعكس تلك اللحظة بوضوح "مدى التحول في بعض الأوساط اللبنانية"، التي كانت في السابق تتعاطف مع الحزب.

ومن أكثر الشهادات تأثيرًا في تقرير" التايمز" كانت تلك التي وثقت حجم الدمار الذي لحق بعائلات اللبنانية نتيجة استهداف مبنى في قرية عين الدلب، جنوبي البلاد، قبل نحو 7 أيام.

وحفرت المقابر الجماعية لعائلات بأكملها، مثل الأسرة التي فقدت أمًا وابنتها الصغيرة في تلك القرية، فالمشهد كما تصفه كالاهان، كان مأساويًا للغاية، حيث توفي 43 شخصًا في غارة واحدة، ودمرت مباني سكنية بأكملها.

 كما نقل التقرير عن رجل شاهد "أطفالاً لم يتبق لهم سوى نصف رؤوسهم"، وهي صورة مروعة تعكس بشاعة الدمار.

في المقابل، يشعر بعض النازحين باليأس من حرب يرون أنها "لا تخدم مصالحهم ولا مصالح الشعب الفلسطيني". وفي هذا المنحى تقول أم شيعية لثلاثة أطفال من الجنوب: "نحن لسنا بحاجة إلى هذه الحرب. إنها لا تساعد الناس في غزة. إنها لا تساعدنا".

ورغم الانتقادات المتزايدة، لا يبدو أن حزب الله يتراجع عن موقفه، فعضو البرلمان عن الحزب، حسن عز الدين، زعم في مقابلة مع "التايمز"، أن الحزب "ما زال يتمتع بدعم شعبي واسع"، مشيرًا إلى أن "الضربات الإسرائيلية لم تفعل سوى زيادة شعبيتنا". 

لكن هذا التقييم يبدو متناقضًا مع الشهادات التي نقلتها الصحيفتان، حيث أبدى العديد من اللبنانيين شعورًا بالإحباط والرفض لاستمرار الحرب.

كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟
كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟

طائرة تحلّق في الأجواء. صاروخ لا تراه لكن تشاهد أثره: سيارة تتحول في ثوان إلى حطام، أو شقة سكنية تتحول إلى كتلة لهب.

الهدف كادر أو قيادي في حزب الله.

والمشهد يتكرر.

في لبنان، تهدئة معلنة.. هذا على الأرض.

لكن في السماء، تواصل الطائرات الإسرائيلية المسيّرة التحليق وتنفيذ ضربات دقيقة تخلّف آثاراً جسيمة، ليس في ترسانة الحزب العسكرية فقط، بل في البنية القيادية كذلك.

وفيما يحاول الحزب امتصاص الضربات، تتوالى الأسئلة: كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ أهو التقدّم التكنولوجي المحض، من ذكاء اصطناعي وطائرات بدون طيار؟ أم أن هناك ما هو أخطر؟ اختراقات بشرية داخل صفوف الحزب تُستغلّ لتسهيل تنفيذ الضربات؟ وما هي الاستراتيجية الإسرائيلية هنا والأهداف؟

"اختراق بشري"

استهداف تلو الآخر، والرسالة واضحة: اليد الإسرائيلية طويلة بما يكفي لتصل إلى أي نقطة في لبنان، والعين الإسرائيلية ترى ما لا يُفترض أن يُرى.

يصف القائد السابق للفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر العمليات الإسرائيلية الأخيرة بأنها "بالغة التعقيد، تعتمد على تناغم نادر بين التكنولوجيا المتقدّمة والاختراق الاستخباراتي البشري"، مشيراً إلى أن "تحديد هوية القادة الجدد الذين حلّوا مكان المُغتالين يتم عبر تقنيات متطوّرة تشمل بصمات العين والصوت والوجه"، متسائلاً "من أين حصلت إسرائيل على أسماء القادة والكوادر الجدد؟ الجواب ببساطة: عبر اختراق بشري فعّال".

ويتابع نادر "حتى الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، المعروف بتشدده الأمني وإقامته في مواقع محصّنة، لم يكن بمنأى عن محاولات التتبّع، إذ تحدّثت تقارير استخباراتية دولية عن اختراق بشري ساعد في تحديد موقعه".

ويرى أن "ما نشهده هو منظومة اغتيال متطوّرة ومتعددة الأبعاد، تمزج بين الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والعمل البشري الدقيق. هذه الثلاثية تفسّر نجاح العمليات الأخيرة، والأثر العميق الذي تتركه في هيكلية حزب الله، سواء على المستوى العملياتي أو المعنوي".

من جانبه، يرى الباحث في الشأن السياسي نضال السبع أن هذه الاستهدافات "تعكس مزيجاً من التفوق التقني الإسرائيلي والاختراق الأمني الداخلي في بنية الحزب، وكما هو واضح فإن إسرائيل تمتلك قائمة أهداف تتعامل معها تباعاً، وفقاً لمعلومات دقيقة يتم تحديثها باستمرار، ما يتيح لها تنفيذ عمليات مدروسة بعناية شديدة، ويحدّ من قدرة حزب الله على المناورة أو استعادة توازنه سريعاً".

صمت وعجز

على الرغم من الضربات المتتالية التي تلقاها الحزب منذ 27نوفمبر الماضي، والتي أودت بحياة عدد كبير من كوادره، لم يقم بالرد، ويُفسّر نادر ذلك بـ"ضعف فعلي في القدرة على الرد، أكثر من كونه خياراً استراتيجياً".

ويقول نادر "ليس بالضرورة أن الحزب لا يريد الرد، بل الحقيقة أنه لم يعد يمتلك القدرة. هو يعاني من تراجع عملياتي ملحوظ، وتصدّع في هيكليته القيادية، يرافقه حصار سياسي داخلي وخارجي يزداد ضيقاً".

ويضيف "حتى لو قرّر الرد، فما الذي يمكنه فعله فعلاً؟ هل يملك القدرة على تنفيذ عملية نوعية تترك أثراً؟ المعطيات الحالية تشير إلى أن هذه القدرة باتت شبه معدومة، لا سيما بعد خسارته الغطاء السياسي الذي كان يوفره له بعض الحلفاء، ومع تزايد عزلته على الصعيدين العربي والدولي".

ويختم نادر بالقول "تصريحات الحزب تعكس حالة من التردد والارتباك. فتارةً يتحدّث عن التزامه بقرارات الدولة، وتارةً يلوّح بحق الرد. لكن الواقع على الأرض يقول إنه في وضع حرج: محاصر سياسياً، وعاجز عسكرياً، وأي مغامرة جديدة قد تكلّفه الكثير... وهو يعلم ذلك جيداً".

من جانبه، يرى السبع أن حزب الله لا يسعى حالياً إلى الرد، بل يركّز على "مرحلة إعادة التقييم والاستعداد"، مشيراً إلى أن الحزب "رغم الخسائر، لا يزال يحتفظ ببنية عسكرية كبيرة، تفوق في بعض جوانبها إمكانيات الجيش اللبناني نفسه، لكنه في المقابل، يقرأ المشهد اللبناني الداخلي بدقة، ويدرك حساسية التزامات الدولة تجاه المجتمع الدولي، ولا سيما مع توقف خطوط إمداده من سوريا، ما يدفعه إلى التريّث في اتخاذ قرار المواجهة".

خريطة استراتيجية تغيرت

يرى الباحث نضال السبع أن الإسرائيليين يشعرون بالتفوق. يضيف "عزز هذا الانطباع عدد من العوامل، أبرزها سقوط النظام السوري كحليف استراتيجي، والتقدم الميداني في غزة، وعجز الحزب عن تنفيذ ضربات نوعية، فضلاً عن ازدياد عزلته السياسية في الداخل اللبناني، لا سيما بعد انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية وتشكيل نواف سلام للحكومة".

يشبّه السبع ما يجري اليوم في لبنان بالمشهد الذي أعقب حرب يوليو 2006، "حيث توقفت العمليات العسكرية رسمياً، فيما بدأت إسرائيل التحضير لما وصفته آنذاك بـ(المعركة الأخيرة)، مستغلة فترة الهدوء الطويل لإعادة التموضع وتكثيف الجهوزية".

يقول إن "حزب الله دخل مرحلة إعادة تقييم وتجهيز بعد سلسلة الضربات التي تلقاها في الأشهر الماضية، في حين تسعى إسرائيل إلى منعه من التقاط الأنفاس، عبر استمرارها في تنفيذ عمليات نوعية ودقيقة، تشبه إلى حدّ بعيد تلك التي نفذتها في الساحة السورية بعد العام 2011، عندما استباحت الأجواء السورية".

ويضيف أن "المشهد ذاته يتكرر اليوم في لبنان، حيث باتت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية جزءاً من المشهد اليومي، تنفّذ عمليات اغتيال متتالية".

كسر البنية القيادية

لكن هل تؤثر هذه العمليات على بنية الحزب؟

يوضح السبع أن "الاستهدافات الأخيرة تطال كوادر داخل حزب الله، لكن الضربة الكبرى وقعت خلال حرب الشهرين، حين تعرّضت قيادات الصف الأول والثاني للاغتيال، أما اغتيال كوادر من الصف الثالث، فله تأثير محدود ولا يحدث خللاً جذرياً في الهيكل التنظيمي للحزب".

من جهته، يرى العميد المتقاعد جورج نادر أن أهداف إسرائيل من تصفية الكوادر العسكرية تلامس عمقاً استراتيجياً أكبر، موضحاً: "الرسالة الأساسية التي تبعث بها إسرائيل من خلال هذه العمليات هي التأكيد على قدرتها على استهداف أي عنصر أو قائد في حزب الله، وفي أي موقع داخل الأراضي اللبنانية، ما يكرّس واقعاً أمنياً جديداً تتحكم فيه بالمجال الجوي للبنان".

ويؤكد نادر أن وراء هذا الاستهداف "رسالة مباشرة مفادها أن لا أحد بمنأى، ما يترك أثراً نفسياً بالغاً على العناصر، ويقوّض شعورهم بالأمان".

خريطة استهدافات

رسمت إسرائيل، خلال السنوات الماضية، خريطة دقيقة لاستهداف قيادات حزب الله، عبر عمليات اغتيال شكّلت ضربة قاسية للحزب. ومن بين أبرز هذه العمليات، اغتيال ثلاثة من أمنائه العامين.

ففي 16 فبراير 1992، اغتيل عباس الموسوي، الأمين العام الأسبق لحزب الله، في غارة جوية استهدفت موكبه في جنوب لبنان.

وفي سبتمبر 2024، قتل حسن نصر الله، بصواريخ خارقة للتحصينات، في الضاحية الجنوبية لبيروت، وبعد أسابيع، في أكتوبر 2024، اغتيل هاشم صفي الدين، خلفية نصر الله، في عملية مماثلة.

وطالت الاغتيالات شخصيات بارزة في الجناح العسكري للحزب، أبرزهم عماد مغنية، الذي قُتل في فبراير 2008، إثر تفجير سيارة مفخخة في أحد أحياء دمشق، وفي مايو 2016، لقي مصطفى بدر الدين، خليفة مغنية مصرعه في تفجير استهدفه قرب مطار دمشق.

واغتيل فؤاد شكر، القائد البارز في وحدة "الرضوان"، في يوليو 2024، بواسطة طائرة استهدفته داخل مبنى سكني في الضاحية الجنوبية.

وفي سبتمبر 2024، لقي إبراهيم عقيل، عضو مجلس الجهاد والرجل الثاني في قيادة الحزب بعد مقتل شكر، المصير ذاته، إثر ضربة بطائرة استهدفته في الضاحية.

ويرى نادر أن "هذه الاغتيالات لا تكتفي بالتأثير الرمزي، بل تُحدث خللاً فعلياً في التراتبية القيادية داخل الحزب، إذ يصعب تعويض القادة المستهدفين بسرعة أو بكفاءة مماثلة، ما يربك الأداء الميداني والتنظيمي، ويجعل من عمليات الاغتيال أداة استراتيجية تستخدم لإضعاف حزب الله من الداخل".