إسرائيل تشن غارات جوية مدمرة على جنوب لبنان منذ 23 سبتمبر
إسرائيل تشن غارات جوية مدمرة على جنوب لبنان منذ 23 سبتمبر

مع استمرار التصعيد العسكري الإسرائيلي في لبنان، تزداد التساؤلات بشأن ما تخطط له الحكومة الإسرائيلية بعدما وجهت ضربات قوية لحزب الله، وما إذا كانت تمتلك خطة لمرحلة ما بعد تلك الضربات.

وقال تقرير لصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، إن إسرائيل بدأت في تحقيق انتصارات عسكرية ضد أعداء إقليميين، لكن خوض حروب متعددة سيفرض عبئا ثقيلا عليها، وبالتالي يجب التساؤل عما إذا كانت هناك استراتيجية طويلة الأمد.

وتقول إسرائيل إن هدفها من العمليات في لبنان هو إعادة نحو 70 ألفًا من مواطنيها في الشمال إلى منازلهم، بعدما نزحوا منها في ظل التوترات والاشتباكات المتبادلة مع حزب الله المدعوم من إيران منذ حوالي عام، أي منذ السابع من أكتوبر الماضي.

إسرائيل تتنصت على حزب الله منذ عام 2015
إسرائيل تتنصت على حزب الله منذ عام 2015
ناقشت الحرة الليلة الهجمات الإسرائيلية الحالية على لبنان والتفاصيل جديدة عن "هجمات البيجرز"، وحقيقة الانتقادات الموجهة للانتخابات الرئاسية التونسية، و إلى موقع محاولة اغتياله، ومدى خطورة هجوم القراصنة الصينيين على البنية التحتية أو الأنظمة الحكومية الأميركية.

وقال الزميل في مركز كارنيغي للسلام الدولي، آرون ديفيد ميلر: "كيف تترجم أي من هذه النجاحات العسكرية إلى ما يريدونه؟، وهو عودة الإسرائيليين إلى شمالي إسرائيل. لا يمكنني رؤية مسار مباشر لتحقيق هذا الهدف".

ونقلت الصحيفة عن مسؤول مطلع على ما يدور في أروقة الحكومة الإسرائيلية، اشترط عدم الكشف عن هويته، إن "هناك استراتيجية تتعلق بكيفية استهداف حزب الله، لكن ليس بالضرورة استراتيجية لما يحدث بعد ذلك".

وأضاف المسؤول أن القادة الحكوميين والعسكريين في إسرائيل "حذرون من التورط في لبنان"، مستطردا: "ليست هناك إرادة لبقاء القوات في لبنان، كلف ذلك في الماضي الكثير من الأرواح والمال، ونطلق على ذلك (الغرق في الوحل اللبناني)".

وخاضت إسرائيل آخر حرب ضد حزب الله عام 2006، والتي قالت صحفية نيويورك تايمز الأميركية، إنها كانت "بمثابة فشل بالنسبة لجزء كبير من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية".

حينها، لم يمتلك سلاح الجو سوى قائمة أهداف قليلة، وعانى الجنود خلال القتال بسبب التضاريس الوعرة جنوبي لبنان، وفشلت الحرب في أهدافها المعلنة حينها، المتمثلة في إعادة جنديين إسرائيليين مختطفين في لبنان، وإبعاد حزب الله من منطقة الحدود.

وقال كارميت فالينسي، الخبير الإسرائيلي في شؤون حزب الله والذي خدم في مديرية الاستخبارات العسكرية، لنيويورك تايمز: "لقد كان هناك قدر معين من الصدمة من نتائج الحرب".

وحسب تقرير نيويورك تايمز، فإن  خبراء أمن إسرائيليين، يخشون من أنه لا يتضح ما إذا كانت إسرائيل "لديها استراتيجية واضحة للخروج من لبنان، مما أثار المخاوف من أن الجيش الإسرائيلي قد يتورط في حرب استنزاف".

وأوضح خبراء للصحيفة، أن الحكومة الإسرائيلية "بحاجة إلى ترجمة الإنجازات التكتيكية للجيش إلى نجاح سياسي، من خلال السعي إلى التوصل إلى اتفاق دبلوماسي يعيد الأمن إلى شمالي إسرائيل".

وأشار التقرير إلى أنه "في غياب مثل هذا الاتفاق، من غير الواضح متى سيتمكن نحو 60 ألف نازح من العودة إلى ديارهم".

من جانبها، صرحت الباحثة البارزة في معهد دراسات الأمن القومي، نائبة مستشار الأمن القومي الإسرائيلي سابقا، أورنا مزراحي، لـ"واشنطن بوست"، بأنه بمجرد "تطهير جنوبي لبنان إلى حد كبير من مقاتلي حزب الله وأسلحته وأنفاقه، يمكن للجيش الإسرائيلي مراقبة منطقة الحدود والرد من الأراضي الإسرائيلية" على أي هجمات.

وتابعت مزراحي: "نحن ندرك أنها ستكون حربًا طويلة جدًا ومدمرة لكل من إسرائيل ولبنان. ولهذا السبب أعتقد أن الحكومة قررت أن يكون الهدف أكثر محدودية، فقط لخلق واقع أمني لإعادة الناس إلى ديارهم، وليس حقًا إزالة حزب الله وكل قدراته".

ورغم الانتكاسات الأخيرة، يعتبر حزب الله أكثر استعدادا لخوض حرب مع إسرائيل مقارنة بالمرة السابقة، بعد أن بنى ترسانة من الصواريخ، ودرب عشرات الآلاف من المسلحين، ودرس قادته إسرائيل بعناية، وفق نيويورك تايمز.

ويمتك مسلحو الجماعة المصنفة إرهابية في أميركا ودول أخرى، أيضا خبرة عملية اكتسبوها خلال الحرب الأهلية في سوريا. ولدى التنظيم صواريخ موجهة مضادة للدبابات، مما يشكل تحديا آخر للجنود الإسرائيليين.

سلاح حزب الله

في مقابلة أجراها غسان شربل ونشرها في كتابه "لعنة القصر،" يقول رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق، رفيق الحريري، الذي اغتيل في العام ٢٠٠٥ في تفجير ضخم، إن إنهاء الميليشيات بعد اتفاق الطائف شهد محاولتين:

الأولى اعتمدها ميشال عون (قائد الجيش حينذاك)، عبر محاولة إنهاء القوات اللبنانية بالقوة، "استخدم المدفع فماذا كانت النتيجة؟"، يسأل الحريري، ثم يجيب: "دُمرت المنطقة الشرقية ودُمّر الجيش وبقيت الميليشيات". 

والطريقة الثانية التي يتحدث عنها الحريري كانت تلك التي اعتمدها رئيس الجمهورية في تلك الفترة، الياس الهراوي، الذي قال للميليشيات (بحسب الحريري): "الدولة تتسع للجميع. سلموا أسلحتكم للدولة وشاركوا". يتابع الحريري: "أسألك أين هي الميليشيات اليوم؟ ذابت الميليشيات".

ما يحكي عنه الحريري حدث في العام 1990 بعد شهور على توقيع اتفاق الطائف في أكتوبر ١٩٨٩، الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية. 

نص الاتفاق آنذاك بوضوح على أن الحكومة الأولى بعد الطائف تضع خطة هدفها "بسط سلطة الدول اللبنانية تدریجیاً علـى كامل الأراضي اللبنانیة بواسطة قواتها الذاتیة". ل

يس ذلك فقط، بل وضع الاتفاق جدولاً زمنياً لهذا الانتقال من عهد الميليشيات إلى عهد الدولة: 

"الإعلان عن حل جمیع المیلیشیات اللبنانية وغیـر اللبنانية وتسليم أسـلحتها إلـى الدولـة اللبنانية خـلال سـتة أشـهر تبـدأ بعـد التصديق علـى وثیقـة الوفـاق الـوطني وانتخـاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومـة الوفـاق الـوطني وإقـرار الإصـلاحات السياسية بصورة دستورية".

"ذابت الميليشيات" في الدولة، بحسب المصطلح الذي استخدمه الحريري، وهذا الذوبان تمّ، على ما يشرح غسان شربل، عبر "رشوة الميليشيات بحصة من الدولة". دخل كثير من عناصر هذه الميليشيات إلى القوى العسكرية والأمنية الرسمية، وتسلّم الجيش اللبناني منها السلاح الثقيل والمتوسط، فيما بقي كثير من السلاح الخفيف (رشاشات ومسدسات) في بيوت عديد من اللبنانيين حتى يومنا هذا.

ما كان لافتاً لدى تطبيق هذا الاتفاق، أن "حزب الله" وحده لم "يذب" في الدولة، وجرى الإبقاء على سلاحه، بحجة "مقاومة إسرائيل"، بتواطؤ من أطراف محلية واقليمية، وبغض نظر من الأطراف الدوليين. 

بقي "حزب الله" الميليشيا المسلحة الوحيدة بعد الطائف. وراح يكبر في منظومته العسكرية حتى بات جيشاً رديفاً، يغرّد وحيداً بأجندة إيرانية- سورية، في مخالفة واضحة لنص اتفاق الطائف، وفي تحايل على أحد بنوده الذي ينص على "اتخـاذ كافـة الإجراءات اللازمة لتحرير جمیع الأراضـي اللبنانية مـن الاحتلال الإسرائيلي وبسط سـیادة الدولـة علـى جمیع أراضيها ونشر الجیش اللبناني في منطقة الحـدود اللبنانیة المعتـرف بهـا دولیاً والعمـل علـى تـدعیم وجـود قـوات الطوارئ الدولية فـي الجنـوب اللبنـاني لتأمين الانسحاب الإسرائيلي ولإتاحـة الفرصـة لعـودة الأمـن والاسـتقرار إلـى منطقـة الحدود". 

هذه الفقرة تبدو مطابقة إلى حد كبير لنص القرار 1701، موضع التنفيذ حاليا في جنوب لبنان.

اليوم، بعد حرب طاحنة مع إسرائيل أفقدته قوته العسكرية، يعود الحديث عن تسليم سلاح "حزب الله" للدولة على غرار ما حدث مع باقي الميليشيات في العام ١٩٩٠، وقد تحدث رئيس الجمهورية، جوزاف عون، في مقابلة تلفزيونية عن حوار ثنائي مع الحزب لتسليم سلاحه. وفي تصريح آخر- أثار بلبلة ديبلوماسية مع العراق- أكد عون أنه من غير الوارد تكرار تجربة الحشد الشعبي في لبنان.

الخبير الأمني والعسكري الجنرال المتقاعد خليل الحلو، يرى في مقابلة مع موقع "الحرة" أن تجربة الحشد الشعبي في العراق غير مقبولة في لبنان، "ويجب أن تمر عبر مجلس الوزراء ولا أعتقد أن أي مجلس وزراء يستطيع تمرير هكذا قرار كما تحتاج إلى قانون من مجلس النواب، من أجل التمويل، وهذا غير وارد".

يشرح الحلو أن "ميليشيات الحشد الشعبي تستحصل على رواتبها من الحكومة العراقية، وهي تأتمر نظرياً من الحكومة، لكن عملياً هناك فصائل عدة تأتمر بشكل مباشر أو غير مباشر من إيران ولديها أيديولوجيتها الخاصة. وهذه التجربة دلت على أن الحكومة العراقية لا تسيطر على الحشد الشعبي".

وهذا، برأي الحلو، هو بيت القصيد في مسألة استيعاب عناصر "حزب الله" داخل الجيش اللبناني. 

بالنسبة إلى الحلو فإن المسألة سياسية وعسكرية: "لا يمكن أن يكون هناك أمرة عسكرية على حشد شعبي-نسخة لبنانية، وهذا الحشد الشعبي يفعل كما يحلو له ويجر لبنان إلى حروب لا يريدها".

معضلة أخرى تبرز في الحالة اللبنانية ترتبط بحساسية التوازن الطائفي القائم على قاعدة يطلق عليها اللبنانيون تسمية "ستة وستة مكرر". وهي تعود إلى فترة الانتداب الفرنسي، ومرتبطة بمراسلات بين رئيس الجمهورية آنذاك والمفوض السامي الفرنسي تتعلق بالمساواة في الحقوق السياسية والمدنية بين اللبنانيين.

كانت هناك مراسلة رقمها ٦، أرسلها الرئيس إلى المفوض أكد فيها على التزام المساواة في التعيينات والوظائف الرسمية، وبعد رد المفوض أرسل الرئيس رسالة ثانية حملت عنوان "٦ مكرر"، جدد فيها الرئيس التزامه السابق، وتحول الأمر مع الوقت إلى عرف لبناني، نص عليه اتفاق الطائف عبر المناصفة في مجلس النواب بين المسلمين والمسيحيين.

مراعاة "الستة وستة مكرر" ستكون صعباً في حالة ضم آلاف العناصر من "حزب الله" إلى الجيش اللبناني. الحلو يذكر أنه "عندما جرى استيعاب الميلشيات في العام ١٩٩٠ داخل الجيش اللبناني، كان الأمر مقبولاً لأن العدد لم يكن كبيراً، وأكثرية الميليشياويين في ذلك الوقت اختاروا الذهاب إلى الحياة المدنية وليس إلى الجيش".

إذا حصل الأمر كما يتم تداوله، أي ضم مقاتلي "حزب الله" إلى الجيش دفعة واحدة، فإنه بلا شك سيكسر التوازن الطائفي داخل المؤسسة العسكرية، كما يؤكد الحلو، "وقيادة الجيش حريصة على الحفاظ ليس فقط على التوازن الطائفي (إسلامي – مسيحي) بل أيضاً التوازن المذهبي (سني-شيعي مثلاً)". 

ولهذا يرى حلو أن "هناك استحالة في ضم عناصر حزب الله بالآلاف إلى الجيش، لأن المسألة لا تتعلق فقط بالأعداد، بل العقيدة القتالية وبالموازنة والتسليح وهي مسألة متكاملة".

هل حزب الله مستعد للتخلي عن ثلاثين ألف مقاتل؟ يسأل الحلو. ثم يجيب: "واقعياً المعضلة موجودة ولا حل عملياً لها، إلا بفتح باب التطويع وتدريب المقاتلين وفق عقيدة الجيش اللبناني واستيعابهم داخل المؤسسة إذا كانوا مقتنعين، رغم انتمائهم لحزب الله، بالالتزام بعقيدة الجيش والالتزام بالأوامر على المستويين العسكري والسياسي". 

الحلو يقول إن هناك ضباطاً شيعة في الجيش اليوم من الجو السياسي لـ"حزب الله"، و"هؤلاء مندمجون في الجيش في تجربة تعتبر إلى حد كبير ناجحة، وإذا كان حزب الله لا يثق بهؤلاء الضباط فإنه لن يثق بالدولة اللبنانية".

لماذا يقوم الجيش اللبناني بإتلاف السلاح الذي يصادره من "حزب الله" ولا يحتفظ به؟

هذا السؤال، الذي يترافق غالباً مع قضية ضم مقاتلي "حزب الله" يطرحه كثيرون، ويرى البعض أن الأمر يعود لأسباب سياسية. لكن الحلو يقول إن الأمر تقني بحت، "في ألف-باء الأمور العسكرية، عندما يكون هناك ذخائر لا يمكن استخدامها أو صيانتها، تصبح خطرة، وتخزينها خطر، وأكبر دليل على ذلك ذخائر لحزب الله انفجرت بعناصر من الجيش اللبناني وهم ينقلونها وقتلت ٣ عسكريين".

في السابق كانت تقع حوادث يصادر على إثرها الجيش ذخائر وأسلحة لـ"حزب الله" وكانت تعاد هذه الأسلحة للحزب بقرار من السلطة السياسية، استنادا إلى البيانات الوزارية السابقة التي كانت تغطي تسليح الحزب وعمله العسكري. اليوم اختلف الأمر تماماً، كما يقول الحلو، "البيان الوزاري يلتزم بتطبيق القرار ١٧٠١ والسلطة السياسية كلها ملتزمة بهذا الأمر تحت رقابة دولية".