البرلمان اللبناني فشل عدة مرات في انتخاب رئيس جديد للبلاد
البرلمان اللبناني فشل عدة مرات في انتخاب رئيس جديد للبلاد

وسط تصاعد التوترات بين إسرائيل وحزب الله، تتجدد الدعوات الأميركية والدولية لملء الفراغ الرئاسي الحاصل في لبنان، وتبرز هذه المناشدات في مرحلة بالغة الدقة والتعقيد، تعيش خلالها بيروت انقساما سياسيا متواصلا وأزمة اقتصادية واجتماعية حادة، تتعمّق يوما تلو الآخر في ظل حالة الحرب.

وخلال الأيام الأخيرة، تحدثت تقارير إعلامية غربية، عن أن الولايات المتحدة "تسعى" مع حلفائها الإقليميين لـ"استغلال" ما تراه "فرصة سانحة" لتغيير المعادلة السياسية في لبنان، وذلك في أعقاب العمليات العسكرية الإسرائيلية التي أدت إلى إضعاف نفوذ وقوة الجماعة التي لطالما حمّلتها أطراف دولية وداخلية مسؤولية حالة الجمود السياسي بالبلاد.

ويرى محللون لبنانيون تحدثوا لموقع الحرة، أن هذه المساعي قد تواجه تحديات كبيرة، أبرزها الانقسام السياسي الحاد في المشهد اللبناني، علاوة على رفض حزب الله وحلفائه لأي خطوات سياسية قبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار، كما تثير أي خطوات في هذا الاتجاه  مخاوف من تأجيج توترات طائفية في البلاد.

دعوة وقراءات

والجمعة، أكد وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، على التزام واشنطن بالتوصل إلى حل دبلوماسي للصراع في لبنان، وذلك خلال اتصالين مع مسؤولين لبنانيين. 

وناقش بلينكن في اتصال مع رئيس الوزراء اللبناني المؤقت، نجيب ميقاتي، ورئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري،  "شغور منصب الرئاسة في لبنان والحاجة إلى تعزيز القيادة التي تعكس إرادة الشعب من أجل لبنان مستقر ومزدهر ومستقل"، مؤكدا أنه "لا يمكن للبنان أن يسمح لإيران أو حزب الله بالوقوف في طريق أمنه واستقراره".

بلينكن يزور الشرق الأوسط وسط تصاعد التوترات
بلينكن: على الدولة في لبنان تولي زمام المسؤولية.. ومن المهم انتخاب رئيس
أكد وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، الجمعة، أن على الدولة اللبنانية فرض نفسها وتولي زمام المسؤولية، مشددا على ضرورة انتخاب رئيس للبلاد، وذلك في وقت تشن إسرائيل حملة غارات عنيفة وعمليات برية مستهدفة حزب الله.

وحسبما نقل موقع "أكسيوس" وصحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين أميركيين وإقليميين، يريد البيت الأبيض  الاستفادة من الضربات التي وجهتها إسرائيل لقيادة حزب الله وبنيته التحتية لإحداث تحول جذري في المشهد السياسي اللبناني، بما يؤدي لانتخاب رئيس لبناني جديد.

وكشف تقرير  صحيفة وول ستريت جورنال، الأربعاء، استنادا إلى تصريحات نقلتها عن مصادر مطلعة على المحادثات الجارية ـ لم تكشف هويتهاـ أن واشنطن ترى في هذه الظروف "فرصة سانحة" لتقليص نفوذ الجماعة اللبنانية المدعومة من إيران والمصنفة على قوائم الإرهاب الأميركية.

الكاتب والمحلل السياسي، علي الأمين، يرى أن جهود واشنطن والأطراف الدولية المختلفة للدفع نحو انتخاب رئيس للبلاد، ليست جديدة في جوهرها، فهي تتكرر منذ عامين، غير أنها لطالما تعثرت بسبب العراقيل المستمرة التي يضعها حزب الله.

لكن  الأمين يوضح في تصريحه لموقع الحرة، إلى أن هذه الأطراف باتت ترى في "التحولات الأخيرة" الناجمة عن الحرب الإسرائيلية على لبنان، وعلى رأسها الضربات التي تعرضها لها الحزب المدعوم من إيران، الفرصة لتحقيق اختراق ينهي الأزمة السياسية التي تمر منها البلاد.

ويشير المحلل اللبناني إلى أن تداعيات الحرب أدت إلى تصاعد الأصوات والجهود الداعية لانتخاب رئيس جديد، معتبر أن "الأمر يبقى مهما بالنسبة للبلاد في ظل التحديات المرتبطة بالحرب"، بيد أنه يلاحظ بأسف "غياب التجاوب من حلفاء حزب الله" مع هذه الدعوات.

وظل لبنان بلا رئيس لفترة تناهز العامين، مما أدى إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار السياسي وتعميق الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد، ما أضعف بشكل كبير قدرة الدولة على ممارسة سلطتها الفعلية، وساهم في تدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين وزعزعة ثقتهم في المؤسسات الحكومية.

وعلى مدى السنوات الماضية الماضية، بذلت العديد من القوى الدولية والإقليمية جهودا حثيثة لحلحلة الأزمة السياسية في لبنان. وقادت الولايات المتحدة وفرنسا تحديدا، إلى جانب دول عربية مساع دبلوماسية مكثفة للتوسط بين الفرقاء السياسيين.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، ماثيو ميلر، الأسبوع الماضي: "لقد أوضحنا منذ فترة أننا نعتقد أن الحكومة اللبنانية بحاجة إلى التغلب على الخلل في النظام"، مشيرا إلى أن أحد المحرضين الرئيسيين لهذا الخلل هو فيتو حزب الله على من سيكون الرئيس القادم - وانتخاب رئيس. هذا لا يزال صحيحا".

"استمرار الانقسام"

وأوردت وول ستريت جورنال، أن بلينكن أجرى مؤخرا محادثات مع قادة قطر ومصر والسعودية لطلب دعمهم لانتخاب رئيس لبناني جديد.

وقال مسؤولون سعوديون للصحيفة، إن الرياض تؤيد الفكرة، بينما قال مسؤولون مصريون وقطريون إن الخطة غير واقعية وتنطوي على مخاطر. وقيّم هؤلاء أن إسرائيل لا يمكنها تدمير حزب الله بالكامل، وبالتالي سيكون من الضروري إشراك الجماعة في العملية السياسية لإنهاء الصراع.

ويخشى البعض في لبنان من أن الضغط لتنصيب رئيس الآن قد يشعل نوع العنف الطائفي الذي عانى منه البلد في الماضي، حسبما نقلت الصحيفة.

كما أثارت مصر مخاوف مماثلة، وفقا للتقرير، في حين أشار محللون سياسيون ودبلوماسيون إلى أن أي شخص يُنظر إليه على أنه يكتسب السلطة بسبب الهجوم العسكري الإسرائيلي قد يُعتبر غير شرعي ويواجه غضبا من بعض اللبنانيين والمنافسين السياسيين.

الكاتب والباحث السياسي، نضال السبع، يؤكد وجود "انقسام سياسي عميق في لبنان بشأن المساعي الأميركية الأخيرة"، موضحا أن الأطراف المتحالفة مع حزب الله تعارض بشدة هذه الجهود، بينما يسعى خصوم الحزب إلى دفعها قدما.

ويوضح السبع في تصريحات لقناة الحرة، أن الحزب، سبق له أن فوّض رئيس البرلمان، نبيه بري، للتفاوض بشأن وقف إطلاق النار، كما أعلن استعداده لتطبيق القرار 1701 والمضي قدما نحو انتخاب رئيس لبناني جديد، ولكن بعد تحقيق وقف إطلاق النار.

ويشير المتحدث ذاته إلى حقيقة امتلاك حزب الله 30 مقعدا في البرلمان اللبناني، محذرا من أن عدم مشاركة هذه الكتلة الكبيرة في أي انتخابات رئاسية قد يقوض شرعية أي رئيس جديد، مما يضع تحديا إضافيا أمام أي مساعٍ لحل الأزمة السياسية في لبنان.

مجلس الأمن ملزم بحماية قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان. أرشيفية
"تطور خطير" أثار موجة تنديد.. "اليونيفيل" وسط الاشتباكات في لبنان
أثار استهداف قوة الأمم المتحدة المؤقتة "اليونيفيل" في لبنان من قبل الجيش الإسرائيلي، موجة من التنديد الدولية، فيما دعا زعماء أوربيون لوقف مبيعات الأسلحة لإسرائيل للضغط على إسرائيل على خفض تصعيد التوتر في الشرق الأوسط.

ويعتمد النظام السياسي اللبناني على مبدأ المحاصصة الطائفية، إذ يتم توزيع المناصب السياسية العليا بين الطوائف الدينية الرئيسية في البلاد. ووفقا لهذا النظام، يعود منصب رئيس الجمهورية للطائفة المسيحية.

ومنذ انتهاء ولاية الرئيس السابق، ميشال عون، في نهاية أكتوبر 2022، فشل البرلمان أكثر من مرة في انتخاب رئيس على وقع انقسام سياسي بين حزب الله وخصومه. ولا يحظى أي فريق بأكثرية تمكّنه منفرداً من إيصال مرشحه إلى المنصب. ويتهم كل فريق الآخر بمحاولة فرض مرشحه وبتعطيل انتخاب رئيس.

وعلاقة بالتطورات الأخيرة وإمكانية الدفع نحو إجراء انتخابات جديدة في ظل الرغبة الأميركية والمساعي الداخلية، يؤكد المحلل السياسي، الأمين، أن المعسكر المقرب من حزب الله يرفض أي تحرك قبل التوصل إلى وقف إطلاق النار.

ونتيجة لذلك، يستبعد  حدوث أي تطور جوهري، في الأيام القادمة، ما لم تطرأ مستجدات ميدانية تفرض واقعاً جديداً وتغير المشهد السياسي الحالي، ويضيف موضحا: "لا تلوح في الأفق أي مؤشرات تبشر بإمكانية انتخاب رئيس جديد، على الأقل قبل اتضاح مسار المواجهة الدائرة بين حزب الله وإسرائيل".

وفيما يتعلق بمدى قدرة الخسائر الأخيرة على "تليين" موقف حزب الله من موضوع ملء الفراغ الرئاسي، يؤكد الأمين أن إدارة الحزب "قد أصبحت الآن تحت السيطرة المباشرة لإيران، في ظل غياب قيادة فعلية داخل الحزب نفسه".

ويضيف أن الإدارة العسكرية والسياسية للحزب باتت بالكامل في "قبضة الحرس الثوري الإيراني، خاصة بعد تصفية قياداته العليا، مما جعل الورقة اللبنانية ترتبط الآن ارتباطاً وثيقاً بالحسابات والمصالح الإيرانية، متجاوزة بذلك التوازنات الداخلية اللبنانية".

بدوره، يرى مكرم رباح، المحاضر في الجامعة الأميركية في بيروت، أن الحزب "لا يتصرف كحزب سياسي لبناني ولا يكترث للتشريد والتهجير الذي يتعرض له اللبنانيون"، مشيرا إلى أن قراراته السياسية "تُصنع في طهران وليس في بيروت".

ويسلط رباح الضوء على ما يراها "مشكلة أخرى" تعيق الحل السياسي، وتتمثل في موقف الطبقة السياسية الحاكمة التي "لا تزال تختبئ خلف ورقة حزب الله كذريعة لعدم إحراز تقدم في حل الأزمة السياسية الراهنة".

ويدعو رباح إلى ضرورة الاستفادة من الدعم الدولي والإقليمي المقدم للبنان خلال الفترة لكسر الجمود المؤسساتي، مؤكدا أن وقف إطلاق النار وانتخاب رئيس جديد يجب أن يسيرا بشكل متواز.

غير أن المتحدث ذاته، يعود للتأكيد على أهمية أن يكون الشخص المفاوض في المرحلة المقبلة رئيسا منتخبا للبنان، بعيدا عن مناورات رئيس البرلمان نبيه بري أو رئيس حكومة "منزوع القرار يتحكم به حزب الله"، ما من شأنه أن يعزز موقف لبنان التفاوضي ويضمن تمثيلا أكثر فعالية لمصالح البلاد في هذه المرحلة الحرجة.

تحركات داخلية

وموازاة مع المساعي الخارجية، برزت خلال الأيام الأخيرة، جهود داخلية لاحتواء التصعيد وإنهاء الجمود السياسي الداخلي، إذ أطلق رئيس مجلس النواب، نبيه بري، مبادرة تقوم  على الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار، مع التأكيد على استعداد السلطات اللبنانية لتطبيق القرار الدولي 1701، بما في ذلك إرسال الجيش اللبناني إلى الجنوب بالتنسيق مع قوات الأمم المتحدة.

وجاءت المبادرة من نبيه بري، قبل أيام،  وانضم إليها رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط، وتشمل أيضا التركيز على ضرورة انتخاب رئيس توافقي للجمهورية يتمتع بقدرة على تمثيل لبنان دوليا، وتشكيل حكومة جديدة بكامل الصلاحيات لتحل محل حكومة تصريف الأعمال الحالية.

الكاتب والمحلل السياسي، أسعد بشارة، يقول إن هذه المبادرة تعطّلت بعد تراجع بري عنها في أعقاب "تدخل إيراني، التي قال وزير خارجيتها بوضوح، إن جبهة لبنان ترتبط بجبهة غزة"، ثم أعقبته خرجة نائب الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم الذي شدد على ألا بحث في أي موضوع سياسي قبل وقف إطلاق النار، ما يعني سحب البساط، من تحت هذه المبادرة.

ويضيف المحلل السياسي في حديثهخ لموقع "الحرة" أن هناك محاولة مستمرة لتعطيل أي استحقاق دستوري على وقع ما يجري من الحرب، بالتالي تبقى الجمهورية مقطوعة الرأس حتى إشعار آخر.

ويوضح المتحدث ذاته، أن الجهد الدولي المدعوم أميركيا لتحديد جلسة لمجلس النواب، يظهر أنه لن "يثمر أي جديد  قبل اتضاح مسار الحرب، خاصة أن حزب الله لن يقبل بها، خاصة وهو لا يزال قادرا على الضغط على بري وتعطيل أي تحرك دستوري أو برلماني".

تصدع صورة حزب الله
تصدع صورة حزب الله

تصدّعت الصورة التي سعى حزب الله طويلاً إلى ترسيخها بوصفه تنظيماً قوياً، منضبطاً، عصياً على الاختراق، وذلك عقب حربه الأخيرة مع إسرائيل وسلسلة الاغتيالات التي طالت صفوفه القيادية، ولا تزال تستهدف كوادره، وسط عجزه عن الرد.

فـ"الهالة" التي أحاط بها الحزب نفسه بدأت بالتشقّق منذ قراره فتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى "إسناد غزة"، إذ بدا حينها واثقاً من قدرته على التحكم بقواعد الاشتباك وحصر المواجهة ضمن نطاق محسوب. غير أن توسّع العمليات، والخسائر الكبيرة التي تكبّدها، وصولاً إلى قبوله اتفاق وقف إطلاق نار وصفه كثيرون بأنه أقرب إلى "الاستسلام"، ساهمت جميعها في قلب المعادلة.

بعد هذه الحرب، تحوّل "الردع" لدى حزب الله إلى مجرّد شعار، وباتت مكانته السياسية والعسكرية والمعنوية موضع شكّ، حتى في أوساطه الشعبية. وازدادت الدعوات، داخلياً وخارجياً، إلى نزع سلاحه، استناداً إلى القرارات الدولية، وإلى ضرورة استعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي.

فمع كل عملية اغتيال أو غارة إسرائيلية تستهدف موقعاً أو ترسانة عسكرية، تتصاعد الأسئلة: أي جدوى بعد اليوم من استمرار امتلاك السلاح؟ أسئلة كانت تهمس همساً في السابق، لكنها تطرح اليوم علناً.

صورة وهمية؟

على مدى العقدين الماضيين، "بنى حزب الله هالة القوة العسكرية والأمنية القادرة على مواجهة إسرائيل، منذ انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، واستثمر نتائج حرب يوليو 2006، لترسيخ صورة التنظيم الذي لم يُهزم، بل القادر على إلحاق الأذى بالجيش الإسرائيلي"، بحسب ما يوضح رئيس تحرير موقع "جنوبية"، الصحفي علي الأمين.

ويضيف الأمين في حديث لموقع "الحرة" أن الحزب لم يكتف بهذا الرصيد، "بل وسّع نفوذه في الداخل اللبناني، مقدماً نفسه على أنه الطرف القادر على فرض السياسات ومواجهة خصومه السياسيين، بوصفه القوة العسكرية والأمنية الأقوى في البلاد".

ويشير إلى أن هذه الصورة تعززت في وعي مناصري الحزب، وحتى بعض خصومه، لا سيما مع اندلاع الثورة السورية، "حيث لعب الحزب دوراً محورياً في دعم نظام الأسد ومنع سقوطه. كما أن دعمه للحوثيين في اليمن، وتدريبه للفصائل المسلحة في العراق، ساهم في ترسيخ صورة "القوة التي لا تُقهر".

لكن الأمين يلفت إلى أن هذا المشهد لم يُبْنَ فقط على وقائع عسكرية، بل تعزّز بعوامل إضافية، أبرزها "التدفق المالي المستمر من طهران، والمراعاة الدولية النسبية التي تظهر أي رفض لتمدد الحزب في الاقليم، مقابل تراجع مؤسسات الدولة اللبنانية وانكفائها لصالح نفوذ الحزب".

من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن "التهديد الحقيقي في الحسابات الإسرائيلية لم يكن في غزة، بل في المحور الإقليمي الممتد من لبنان إلى إيران، مروراً بسوريا والعراق، حيث يتصدر حزب الله المشهد بوصفه "الخطر الاستراتيجي الأكبر، نظراً لامتلاكه ترسانة من أكثر من مئة ألف صاروخ، وقوة بشرية مدرّبة بعشرات الآلاف، واستعداده الدائم لأي مواجهة. هذا التهديد لم يكن مجرد دعاية إعلامية، بل جزء من استراتيجية ردع مدروسة".

ويضيف ملاعب في حديث لموقع "الحرة" أن "إسرائيل كثّفت في السنوات الأخيرة من جهودها في تتبّع حزب الله، سواء عبر الوسائل البشرية أو التكنولوجية. ولم تغفل عن استثمار التطور التكنولوجي في هذا المجال، وقد أسهم تعاونها مع شركات تكنولوجية كبرى، وما توفره من بيانات رقمية ضخمة، في تعزيز قدراتها الاستخبارية لرصد وتتبع نشاطات الحزب. كما كثّفت من ضرباتها الجوية في سوريا، مستهدفة شحنات أسلحة مخصصة له".

تهشّم وعجز

"ساهمت نتائج الحرب الأخيرة وما خلّفته من خسائر فادحة على حزب الله وبيئته ولبنان عموماً، في تآكل الصورة التي عمل الحزب طويلاً على ترسيخها في الوعي العام"، بحسب ما يرى الأمين "إذ أظهرت العمليات الإسرائيلية قدرة غير مسبوقة على اختراق ما كان يُعتبر قلعة أمنية محصّنة، وتمكّنت من تصفية معظم قيادات الحزب الميدانية، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وقبول الحزب باتفاق وقف إطلاق نار مذل للبنان".

ويضيف الأمين أن هذا التحوّل لم يقتصر على الخسائر الميدانية، بل تفاقم مع العجز المتواصل للحزب عن الردّ على سلسلة الاغتيالات التي طالت عناصره وكوادره بعد سريان وقف إطلاق النار.

ويرى أن هذا العجز فرض معادلة جديدة في الداخل اللبناني "لم يعد أحد يطالب حزب الله بالرد العسكري على الاعتداءات الإسرائيلية. فصورة العجز باتت راسخة، إلى حد أن أي تحرّك عسكري من الحزب قد يُواجَه أولاً برفض من بيئته نفسها، قبل رفض سائر اللبنانيين، هذا التراجع في صورة الحزب أفقده جزءاً كبيراً من هيبته، وإن كان يحاول تعويض ذلك عبر ترويج قدرته على مواجهة ما يسميه خونة الداخل'".

من جانبه، يرى ملاعب أن "الصورة التي بناها حزب الله لنفسه كقوة عسكرية منضبطة بدأت تتشقق، خصوصاً بعد انخراطه في الحرب السورية، وما رافق ذلك من تسريبات أمنية واختراقات داخلية، كما أن تمدد الحزب في الملفات اللبنانية الداخلية انعكس سلباً على صورته أمام جمهوره، الذي بات يحمّله جزء من تبعات الأزمات والانهيارات المتتالية وصولاً إلى حربه الأخيرة مع إسرائيل التي هشّمت صورته بشكل كبير، فبعد أن تباهى طويلاً بقدرته على كشف الجواسيس في صفوفه، يواجه اليوم ثغرات أمنية غير مسبوقة".

تماه هش؟

"انتقل حزب على المستوى الوطني من قوة مقرِّرة ومهيمنة على مجمل الشؤون السياسية، إلى طرف تتراجع حدود تأثيره تدريجياً، في ظل عودة تدريجية للدور المؤسساتي الدستوري والقانوني والعسكري الرسمي"، وفق ما يقوله الأمين.

أما في ما يخص بيئته الشيعية، فيشير الأمين إلى أن "تراجع صورة الحزب يبقى نسبياً، طالما أنه لا يزال يحتفظ بمقوّمات القوة من مال وسلاح وقدرة على القمع". لكنه يلفت إلى أن هذه السيطرة بدأت تتآكل بدورها، "مع تنامي صرخة النازحين والمتضررين من الحرب، وتراجع الثقة بقدرة الحزب على تأمين شروط العودة إلى القرى، وإعادة الإعمار، وتوفير الأمن والأمان".

من جهته، يسجّل ملاعب نقطة لافتة تتعلّق بعلاقة الحزب مع بيئته، إذ يرى أن "التماهي شبه الكامل بين حزب الله وسكان جنوب لبنان بات هشّاً. فالمواطن الجنوبي غير المنتمي للحزب عاد إلى بلدته بإحساس نسبي بالأمان، بعدما لمس أن الضربات الإسرائيلية تركّز على مواقع محدّدة تابعة للحزب ".

ويضيف ملاعب أن هذا التحوّل في الوعي الشعبي أصبح أكثر وضوحاً، كما ظهر في جولة ميدانية له في الضاحية الجنوبية لبيروت، "حيث بات السكان يفرّقون بوضوح بين مبنى تابع للحزب وبقية المباني في الحيّ الذي يقطنونه". ويعتبر أن هذا المزاج الجديد يعكس إرهاقاً عاماً من الحروب المتكررة، ورغبة متزايدة في حياة أكثر استقراراً وأقل مخاطرة.

يذكر أن الحرس الثوري الإيراني أسّس حزب الله عام 1982، عقب انشقاق مجموعة من حركة "أمل"، ليشكّل نقطة تحول في المشهد السياسي والأمني اللبناني. وسرعان ما عمل الحزب على تعزيز حضوره داخل الطائفة الشيعية، معتمداً على خطاب سياسي تعبوي، خاصة في عهد أمينه العام السابق حسن نصر الله، إلى جانب الدعم المالي والعسكري المباشر من إيران.

هذا الدعم مكّن حزب الله من ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعميق الانقسام السياسي والطائفي، وصولاً إلى السيطرة على قرار الحرب والسلم. وقد أدّى ذلك إلى توريط لبنان في صراعات إقليمية متشابكة، خلّفت تداعيات أمنية وسياسية خطيرة على البلاد.

وعلى مدى سنوات، لم يتوانَ حزب الله عن الترويج لقدراته العسكرية، متحدثاً عن استعداده لاجتياح الجليل، واستهداف حيفا وما بعدها، في إطار معادلة ردع رسمها لنفسه. لكن الحرب الأخيرة كشفت حدود هذه المزاعم، وأظهرت عجز الحزب عن تنفيذ تهديداته.

فقد تمكّنت القوات الإسرائيلية من التوغل في الجنوب اللبناني وصولاً إلى نهر الليطاني، وانتهت المواجهة بتوقيع اتفاق وُصف من قبل مراقبين بأنه "مُذل"، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتفظ بوجودها في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية.

القرار في طهران

رغم التصدعات التي أصابت صورة حزب الله، يرى ملاعب أن "العقيدة التنظيمية للحزب لا تزال متماسكة، إذ لا يزال عدد كبير من مقاتليه يلتزمون بقيادة مركزية صلبة". لكنه يلفت إلى أن قرار إشعال الجبهة اللبنانية "لا يُتخذ في بيروت، بل في طهران".

فإيران، بحسب ملاعب، "استثمرت في حزب الله كأداة استراتيجية للضغط الإقليمي والدولي، وتستخدمه كورقة تفاوض مع الغرب، لا سيما في سياق المحادثات المرتبطة بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية، ومن هذا المنظور، فإن موافقة الحزب مؤخراً على وقف إطلاق النار لا يمكن فصلها عن الحسابات الإيرانية الأوسع، التي تهدف إلى تحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات".

وعن مدى نجاح إسرائيل في تدمير ترسانة الحزب، يؤكد ملاعب أن "إسرائيل ألحقت ضرراً بالغاً بالبنية التحتية العسكرية لحزب الله، لكنها لم تنجح في تدمير أصوله الحيوية، كشبكات الأنفاق ومنظومات الصواريخ الدقيقة". ويضيف أن "الأسلحة الاستراتيجية، بما فيها الصواريخ بعيدة المدى، لا تزال خارج المعركة، لأنها تخضع لسيطرة القرار الإيراني المباشر".

من جانبه، يرى الأمين أن "المنطقة، وليس لبنان وحده، تمرّ اليوم بمرحلة تحوّل بنيوي عميق، ينعكس بشكل مباشر على علاقة حزب الله بمحيطه، وخصوصاً بجمهوره".

ويشير الأمين إلى أن الحزب "لم يعد يُنظر إليه كقوة قادرة على توفير الحماية والأمان، وتراجعت الثقة بإمكانية استعادته لهذا الدور في المستقبل، خاصة بعد تهاوي وهم ردع إسرائيل، وسقوط النظام السوري، الذي شكّل ضربة قاصمة لحزب الله، أطاحت بمقومات استعادته لنفوذه وقدراته الأمنية والعسكرية".